نساء غير مرئيات في عالم صمم من أجل الرجال

كارولاين كريادو تلقي حجراً في بركة الركود

مظاهرة نسائية في لندن 2019
مظاهرة نسائية في لندن 2019
TT

نساء غير مرئيات في عالم صمم من أجل الرجال

مظاهرة نسائية في لندن 2019
مظاهرة نسائية في لندن 2019

ليس هنالك نقص اليوم في أعداد النسويات الناشطات اللواتي يقدن نضالاً على جبهات متعددة عبر العالم لتحسين أوضاع النساء. وتُطرح مسائل المساواة الجندرية كإحدى القضايا الأساسية للنقاش العام - أقله في الثقافة الغربية - سواء فيما يتعلق بالحقوق السياسية والاجتماعية أو الأجور، أو نسب التمثيل في المؤسسات العامة وشركات الأعمال. وقد حققت كثير من المجتمعات بالفعل تراكمات من الإنجازات في هذا الاتجاه تستحق التنويه، وأصبحت ثيمات العدالة الجندرية جزءاً لا يتجزأ من عدة العمل والدعاية التي يوظفها السياسيون ومصالح الأعمال الكبرى لكسب رضا جمهورهم - النسوي، كما فئات من الذكور ذوي الحساسية الثقافية تجاه قضايا النساء. ومع ذلك كله، فإن ثمة نوعاً من إحساس جماعي غالب لدى النساء بأن العالم لم يتغير مع ذلك كثيراً، وأنه برغم كل ما تحقق من مكاسب مشهودة، فإن شعور اغتراب النساء تجاه تجربة العيش في المجتمع المعاصر ما زال سيد الموقف وديدن الأيام، مما يدفع للتشكك أحياناً بأن النضالات النسوية كانت مضيعة للوقت، وانحرافاً عن لب المواجهة في البحث عن غد البشرية الأفضل، وحروباً (دونكيشوتية) شنت على طواحين هواء!
كارولاين كريادو - بيريز (35 عاماً)، النسوية البريطانية الشابة تجرأت وحيدة على إلقاء حجر في بركة الركود هذه، بعدما نشرت عام 2019 كتابها (القنبلة) عن «النساء غير مرئيات: الكشف عن انحياز المعلومات في عالم مصمم للرجال»، الذي تسبب بصدمة إيجابية في العالم الأنجلوفوني، دفعت حكومات كثيرة وشركات كبرى للتواصل مع المؤلفة واستشارتها بشأن تعديل منهجياتها في جمع المعلومات لضمان تجارب عيش أفضل للنساء، سواء في إطار التشريع وتنفيذ السياسات الحكومية أو تصميم الحلول الاستهلاكية للمجموعة التي تشكل أكثر قليلاً من نصف مجموع البشر. وليس سراً الآن أن نيكولا ستورجين، الوزيرة الأولى في إقليم اسكوتلندا البريطاني، شكلت فور اطلاعها على مضمون الكتاب مجموعة عمل رسمية للنظر في طرائق لإزالة الانحياز الجندري من المعلومات التي تستند إليها حكومة أدنبره لدى اتخاذ القرارات.
جمعت كريادو - بيريز في كتابها الذي حاز على عدة جوائز مرموقة مجموعة حقائق وإحصائيات مثيرة للدهشة مُستقاة من مئات الدراسات العلمية لتثبت نظريتها في كون العالم المادي الذي أنتجته الحضارة الغربية وتعيش معظم البشرية على ضفافه اليوم مُصمماً في تفاصيله العملية حول الرجل (الأبيض الغربي حصراً)، فكأن النساء مخلوقات خفية وغير مرئية، وليست من النوع الإنساني: سواء تحدثنا عن الصيغة المعتمدة لتصميم إجراءات السلامة في السيارات، أو سياسات التعامل مع النوبات القلبية، أو حجم أجهزة الهاتف الذكية المحمولة باليد، إلى هندسة الطرق وبيئة المباني (كدرجة الحرارة وعدد دورات المياه في الأماكن العامة) ومئات التفاصيل غيرها، فكل المواصفات والمقاييس والتصاميم تبدو مبنية بشكل شبه كلي على معلومات جمعت عن الذكور (الغربيين غالباً)، وتشيح النظر عن حقيقة اختلاف حاجات النساء المادية، والسيكولوجية، والفيزيائية، عن رفاقهن الرجال، مما يجعلهن عرضة للأخطار وللتجارب اليومية المزعجة، والحاجة لبذل جهد إضافي في إنجاز المهمات المختلفة شخصية كانت أو تتعلق بممارسة المهن على تنوعها. ومع أن المؤلفة تورد في سياق أمثلتها بعض المسائل المسلم بها كحقائق، مثل وجود فجوة في الدخول بين النساء والرجال مقابل أداء العمل ذاته، أو أنهن يعملن لسبع ساعات إضافية بالأسبوع في الأعمال المنزلية مقارنة بالرجال، وأن ثلثي النساء يتملكهن الرعب في مواقف السيارات متعددة الطوابق، أو أنهن الغالبية العظمى من ضحايا العنف المنزلي، أو أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم لا يتمتعن بحق الوصول إلى دورات مياه آمنة تتوفر فيها الخصوصية (فإنها تورد عشرات المسائل التفصيلية الأخرى غير المألوفة أيضاً) مثلاً درجة حرارة المباني العامة وأماكن العمل وفق التصاميم الحديثة أقل بخمس درجات، مما تحتاج إليه النساء للشعور بالراحة، أو أن مواصفات الأبواب الزجاجية تناسب قوة أيدي الرجال لا أيديهن، أو أن مواقع مخارج الكهرباء على الجدران عادة ما توضع منخفضة متناسبة مع الرجال بينما تشكل حرجاً لهن، أو أن معدل كمية الإضاءة في الشوارع ومواقف السيارات أقل من المستوى المطلوب لإشعارهن بالأمان النسبي، أو أن صفوف انتظارهن لاستعمال المرافق الصحية العامة أطول بما لا يقاس بصفوف انتظار الرجال إن وجدت. ومن مجموع هذي التفاصيل كلها سواء مألوفة أو غير مألوفة تبدو مرافعة كريادو - بيريز صورة مكتملة الأركان، ولا يمكن المجادلة بشأنها. فنحن بالفعل نعيش في عالم وكأنه مشغول حول الرجل (الأبيض)، بينما تضمحل من الصورة النساء (والأعراق الملونة والفقراء وذوو الحاجات الخاصة).
ومع أن الصيغة التي قدمت فيها المؤلفة مرافعتها في «النساء غير مرئيات» تبدو من الخارج معنية أساساً بعيوب انحياز إحصائية، فإنها في الحقيقة تمنحنا أدوات ثمينة للبحث في الجذور الثقافية والتاريخية للانحياز الجندري في المجتمعات الغربية (المهيمنة بالطبع على ثقافة العالم المعاصر)، لا سيما أن معظم النساء يشتركن دون وعي منهن في قبول معطيات تلك الانحيازات، وربما إعادة إنتاجها. فمن الواضح بأن كسر اغتراب النساء خلال تجربة عيشهن اليومي لن يتحقق بمجرد تعديل تلك الأخطاء في استحضار المعلومات وفرض «الكوتات» النسوية وغيرها من الإجراءات الشكلية، بل يتطلب قبل ذلك تغييراً منهجياً لناحية طريقة التفكير والنظرة إلى الإنسان والسلوك تجاه رفاه البشر، وهي قضية قد تحتاج إلى دعم فوقي من السلطات، وتنوير للذكور بخطورة أبعادها على رفيقاتهن (لماذا يصوت نائب بريطاني شاب مثلاً ضد مشروع قرار مخصص لتوفير أجواء عمل أكثر راحة للنساء)، لكنها ذات الوقت تتطلب من النساء أنفسهن أن يقدن في مواقعهن معارك التغيير. بما خص تصميم المباني والتخطيط الحضري، هنالك مثلاً عدد هائل من المعماريات والمهندسات اللواتي يمارسن المهنة لكنهن في النهاية يلتزمن بالمقاييس والمواصفات المصممة للذكور، وفي مواقع القرار داخل الحكومات والشركات أعداد متزايدة من القائدات النساء اللواتي يحققن نتائج ممتازة لمؤسساتهن، لكنها نتائج غير متوازنة بحق النساء.
النشاط النسوي الفاعل للشابة كريادو - بيريز لم يبدأ من هذا الكتاب تحديداً. فهي اشتهرت في الفضاء البريطاني العام بعدما خاضت مواجهة كادت تصل للقضاء مع بنك إنجلترا المركزي، إثر حملة كسبت تضامناً شعبياً واسعاً، للمطالبة بوضع رسم لشخصية نسوية عامة على ورقة العشر جنيهات إسترلينية، ولاحقاً قادت الحملة لإضافة تمثال لواحدة من المناضلات لأجل منح حق التصويت للنساء كأول شخصية أنثى تنضم إلى تلك السلسلة الطويلة من تماثيل الشخصيات البريطانية المهمة التي تزين جدار باحة مقر البرلمان البريطاني في ويسمنستر، وهي اليوم تُعدّ من أهم الوجوه النسوية البريطانية التي يُستعان بها لإلقاء المحاضرات، وتقديم الاستشارات بشأن الانحيازات الجندرية، فيما أعد ناشرها طبعة شعبية من كتابها احتفاء بعيد المرأة العالمي، 8 مارس (آذار) الحالي.
ربما كريادو - بيريز ليست نسوية ثورية بما يكفي بالنسبة للمثقفين واليساريين وأنصار التحولات الجذرية، وربما هي لا تقدم إجابات جاهزة ووصفات عمل محددة لكسر اغتراب النساء عن عالمهن المعاصر. لكن هذه الشابة الشجاعة نجحت وخلال سنوات جد قليلة في تحقيق خطوات إيجابية عملية لتعديل كفة الميزان لمصلحة النساء في مساحات عجزت أطنان من الكتب والمقالات والثرثرات عن تحقيقها عبر العقود، وهي بالتأكيد أشعلت بذرة وعي مستجد في أذهان كثيرين حول قصر نظر معتق حكم نظرة البشر لعالمهم. لقد صححت كريادو - بيريز من طريقة الرؤية كي تكون مسيرة البشر في تغيير عالمهم إلى الأفضل أكثر رفقاً بنصفهم، حتى لو كان ذلك مجرد تعديل تفاصيل صغيرة مزعجة ستتراكم كماً لتخلق في وقت ما تغييراً نوعياً.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.