بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير

أداء كاسح لنائب الرئيس الأميركي السابق يزعزع من ثقة ساندرز

بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير
TT

بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير

بلومبرغ ينسحب ويعلن دعمه لبايدن في مفاجأة الثلاثاء الكبير

أعلن عمدة نيويورك مايك بلومبرغ انسحابه من السباق الرئاسي، ليكون أول الضحايا الذين سقطوا بعد الثلاثاء الكبير. فقد أدى أداؤه المتواضع في الانتخابات التمهيدية إلى قراره ترك السباق والإعلان عن دعمه لنائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن. وأصدر بلومبرغ بياناً قال فيه: «منذ 3 أشهر دخلت السباق بهدف هزيمة دونالد ترمب. اليوم أترك السباق للهدف نفسه؛ هزيمة دونالد ترمب، لأني أعلم أن بقائي سوف يصعب من تنفيذ هذا الهدف». وتابع بلومبرغ: «بعد نتائج الثلاثاء أظهرت الأرقام أن فوزي بالترشيح أصبح مستحيلاً. ولطالما اعتقدت أن هزيمة دونالد ترمب تبدأ من خلال الالتفاف حول مرشح يستطيع هزيمته. وقد أظهرت نتائج الثلاثاء الكبير أن هذا المرشح هو صديقي، الأميركي الرائع، جو بايدن».

إعلان، ولو كان مدوياً، إلا أنه لم يكن مفاجئاً، فبلومبرغ كان واضحاً منذ اليوم الأول لترشحه، هو يريد هزيمة ترمب وساندرز، وبقاؤه في السباق بعد نتائج يوم الثلاثاء لن تخدم مهمته. وهو قرر الانسحاب قبل مواجهة ضغوطات كبيرة من الديمقراطيين المعتدلين. وبمجرد إعلان عمدة نيويورك السابق عن قراره، انقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب عليه، فغرّد قائلاً: «ميني مايك بلومبرغ انسحب للتو من السباق. لقد قلت له منذ وقت طويل إنه غير مؤهل لهذا، وكان وفّر مليار دولار لو استمع إليّ. الآن سوف يخصص أمواله لحملة جو النعسان، بهدف الحفاظ على ماء وجهه. هذا لن ينفع!» وقد أتى قرار بلومبرغ ليلقي الضوء على نتائج الثلاثاء الكبير المدوية التي أخرجت بايدن من قوقعته، وتحدّت كل التوقعات. أداء وصفه كثيرون بالمعجزة السياسية. فمع بدء إغلاق صناديق الاقتراع، بدأت المفاجآت، وانحسرت غيمة الخسارة التي ظللت بايدن لتحل مكانها إعلانات متتالية بفوزه في ولايات متعاقبة. أولها ولاية فيرجينيا، وأبرزها ولاية تكساس، مروراً بولايات الجنوب من ألاباما إلى أركنسا وتينيسي وكارولاينا الشمالية وأوكلاهوما حيث تقدم بشكل منظور على منافسيه. فوز وصفه كثيرون في الساحة السياسية الأميركية بالعودة غير المسبوقة والتاريخية لمرشح في الانتخابات التمهيدية. فبعد أن تعثر بايدن خلال السباق الرئاسي أكثر من مرة، أتى يوم الثلاثاء الكبير ليدفعه إلى واجهة السباق وليقضي على أحلام بعض منافسيه بالفوز. أبرز هؤلاء السيناتورة إليزابيث وارن، فقد وجّه لها بايدن ضربته القاضية عندما فاز بولايتها ماساشوتستس وتركها تتأرجح تائهة بين قرارها بالبقاء في السباق أو مغادرته. وهي لم تعلن عن انسحابها بعد.
فوز بايدن بأكثرية الولايات التي خاضت سباق الثلاثاء الكبير لم يمتد إلى ولاية كاليفورنيا التي تقدم أكبر عدد من المندوبين، فقد أظهرت الأرقام تقدماً واضحاً لمنافسه السيناتور برني ساندرز، الذي فاز كذلك بولايات يوتا وكولورادو وفرمونت. ولم يكن التقدم الذي حققه ساندرز في كاليفورنيا مفاجئاً، خاصة أن الولاية تعد ليبرالية، وأن استطلاعات الرأي أظهرت دعماً كبيراً له في صفوفها. حتى لو كانت الولاية المذكورة تقدم أكبر عدد من المندوبين فإن فوز ساندرز فيها لا يعني أنه سيحصل على كل المندوبين الـ415. فعدد المندوبين يحدد بنسبة الدعم التي حصل عليها كل مرشح.
والنتيجة واضحة؛ الصراع أصبح بين محبوب المعتدلين بايدن، وبطل التقدميين ساندرز. وضحية الثلاثاء الكبير الأبرز، إلى جانب وارن، كان عمدة نيويورك السابق مايك بلومبرغ الذي أعلن انسحابه. فهو لم يفز بأي ولاية، وجلّ ما حصل عليه هو فوز متواضع في مقاطعة ساموا الأميركية التي تقدم 6 مندوبين فقط. وقد أشارت أرقام الفرز الأخيرة إلى أن بلومبرغ حصل على 4 مندوبين في الثلاثاء الكبير. ما يعني أنه دفع أكثر من 100 مليون دولار على المندوب الواحد. فقد صرف بلومبرغ حتى الساعة أكثر من 500 مليون دولار على السباق الرئاسي، وهذا لم ينعكس البتة على نتائج الثلاثاء الكبير. وسخر بعض الديمقراطيين من عمدة نيويورك السابق، قائلين: «هذا دليل على أنه لا يمكنك شراء الانتخابات». وقد تنفس الديمقراطيون المعتدلون الصعداء بعد خروج بلومبرغ من السباق، وتزايدت الضغوط التي واجهتها وارن من داعمي ساندرز التقدميين للاستسلام لمصلحة ساندرز. وقد يكون قرار وارن أكثر تعقيداً من قرار بلومبرغ، فبعد نتائج الثلاثاء الكبير التي أظهرت ضعفاً كبيراً في حملة وارن الانتخابية، أصدرت السيناتورة بياناً تطلب فيه من داعميها التركيز على الولايات المقبلة التي ستشهد انتخابات تمهيدية الثلاثاء المقبل. وقال البيان: «الأمور واضحة، لنركز على الانتخابات التمهيدية في الولايات الستة الأسبوع المقبل».
تتحدث وارن هنا عن الانتخابات في ولايات ميسيسيبي وميشيغين وإيداهو وميزوري ونورث داكوتا وواشنطن. كما تعهدت وارن لمناصريها بالاستمرار بالسباق، فقالت: «أنا أخوض السباق لأني أعلم أنني سأكون الرئيس الأفضل للولايات المتحدة». لكن إصرار وارن لا يعني أنها لن تنسحب كما فعلت منافستها السابقة إيمي كلوبوشار التي أصرت حتى اللحظة الأخيرة على البقاء في السباق، إلى أن أقنعها الديمقراطيون بوجوب الانسحاب لمصلحة بايدن.
هذا، ولم يجلس الرئيس الأميركي ساكناً خلال ليل الثلاثاء الكبير، فاستمر بحملته المنتقدة للديمقراطيين، وهاجم وارن، فغّرد قائلاً: «إليزابيث وارن أنانية لأنها لا تزال في السباق. ليست لديها أي فرصة بالفوز، لكنها تؤذي برني بشكل كبير. ماذا عن صداقتهما الليبرالية الرائعة، هل سيتحدث معها مجدداً؟ لقد كلفته ولاية ماساشوتستس، ولا يجب أن يتكلم معها أبداً!»
كلمات تظهر أن الرئيس الأميركي يريد بالفعل مواجهة ساندرز في الانتخابات الرئاسية كما يدعي الديمقراطيون المعتدلون، الذين يقولون إن البيت الأبيض سوف يشن حملة كبيرة على ساندرز في حال فوزه بترشيح الحزب لإظهاره بمظهر الاشتراكي الليبرالي المتشدد. ولم يتوقف ترمب عند هذا الحد، بل كرر اتهامه للديمقراطيين بالتخطيط لانقلاب على ساندرز، فقال: «إن قاعدة الحزب الديمقراطي اجتمعت وسحقت برني ساندرز مجدداً، كما أن بقاء إليزابيث وارن بالسباق حطم برني، وأدى إلى فوز جو النعسان بولاية ماساشوتستس. لقد كان ما جرى عاصفة مثالية، حيث فاز جو بكثير من الولايات الجيدة!» ويظهر فوز بايدن بأغلبية الولايات في الثلاثاء الكبير نقاط قوته التي أساء ساندرز تقديرها. تحديداً الدعم الكبير لنائب الرئيس الأميركي السابق من قبل الأميركيين من أصول أفريقية. وهو فاز بأغلبية أصواتهم في أغلبية الولايات، أبرزها ولاية ألاباما التي حصل فيها على دعم 72 في المائة من أصوات الأميركيين من أصول أفريقية. كما حصل بايدن على دعم كثيرين من الطبقة العاملة، التي يفاخر ساندرز بدعمها له، لكن هذا لم يترجم في صناديق الاقتراع. كما لم تترجم دعوته للشباب بالتوافد إلى صناديق الاقتراع. وقد بدت خيبة أمل ساندرز واضحة في الخطاب الذي توجه به إلى مناصريه ليل الثلاثاء الكبير حيث شن هجوماً لاذعاً على بايدن، مذكراً بسجله في التصويت لصالح حرب العراق. فقال: «سوف نهزم ترمب، لأننا نتعارض معه في الأفكار. أنا عارضت الحرب في العراق، والمرشح الآخر صوّت لصالح الحرب. أنا حاربت طوال حياتي لصالح الضمان الاجتماعي للأميركيين، والمرشح الآخر دعا إلى اقتطاع الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وبرامج المحاربين القدامى». وتابع ساندرز: «أقول لكم بكل ثقة، سوف أفوز بترشيح الحزب وسوف نهزم أخطر رئيس في تاريخ بلادنا». لكن هذه الثقة التي يتحدث عنها ساندرز لن تترجم في صفوف الحزب الديمقراطي الذي بدأ بالنظر في استراتيجية معمقة لدعم بايدن بهدف حصوله على ترشيح الحزب الرسمي. وقد تحدث بايدن بثقة عارمة تخطت ثقة ساندرز، فعلى خلاف السيناتور عن ولاية فرمونت، لم يهاجم بايدن أي من منافسيه، بل ركز بشكل أساسي على ضرورة هزيمة ترمب، وقال: «الأسلوب الذي يتحدث فيه ترمب عن الأشخاص هو من دون أي تعاطف أو مشاعر، هو ينظر إلى الصراحة والاحترام على أنها علامات ضعف. نحتاج إلى رئيس يقاتل، لكننا نحتاج اليوم إلى رئيس يشفي... وأنا سأقوم بذلك».
وستشهد الأيام المقبلة سباقاً شرساً بين ساندرز وبايدن، فبعد انتخابات الثلاثاء المقبل في الولايات الست، تعقد انتخابات تمهيدية في السابع عشر من الشهر الحالي في 4 ولايات، هي أريزونا وفلوريدا وألينوي وأوهايو. كما سيتمكن المرشحان من الوقوف وجهاً لوجه على منصة المناظرات التلفزيونية في المناظرة الأخيرة للحزب الديمقراطي في الخامس عشر من الشهر الحالي.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.