سلطان الموسى: الفلسفة أمر صحي.. وأنا مع التجديد الفكري

الكاتب السعودي يرى أن المغالاة في تعظيم العقل تهوي بصاحبها

سلطان الموسى
سلطان الموسى
TT

سلطان الموسى: الفلسفة أمر صحي.. وأنا مع التجديد الفكري

سلطان الموسى
سلطان الموسى

رحلة شائكة سلكها الشاب السعودي سلطان الموسى في كتابه الأول «أَقْوم قِيلا»، الذي حمل بين دفتيه حوارات فكرية مع نظريات مختلفة.
واللافت في تجربة الموسى أن كتابه يتصدر قائمة أكثر الكتب مبيعا في معظم المكتبات التجارية في السعودية منذ أشهر طويلة، ليصل إلى الطبعة العاشرة قبل أن يكمل عامه الأول.
في حواره التالي مع «الشرق الأوسط» يرى الموسى «أن القليل من الفلسفة فيما يخص نشأة الخلق والوجود شيء صحي أحيانا»، ويرد على تحيز كتابه بالقول: «المحايدة صعبة في هذه المواضيع التي تخص الأديان والعقائد».. هنا نص الحوار:
* كيف تصنف علاقتك بالفلسفة؟
- أطرح نفسي دائما باحثا في الأديان والحضارات، وشخصا يهوى قراءة الكتب وتقصي المعلومات، ومن ثم مشاركة الناس ما قد يفيدهم منها.. نعم أنا من هواة التجديد الفكري، ولعلي أسعى إلى ذلك.. وإن كان لا بد من تحديد الهوية، فأنا أزعم أني باحث ومفكر.
* تقدم براهين عقلية وتفسيرات فلسفية لآيات القرآن الكريم، على الرغم من العلاقة الشائكة بين الفلسفة والدين.. كيف تصف التجربة؟
- قال تعالى «ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا»، وإذا عدنا للمعنى الأصلي الإغريقي لكلمة فلسفة، فسنجد معناها «حب الحكمة» كما سماها فيثاغورس. ولا شك أن الاحتكام المنضبط إلى العقل في بعض المسائل غير التعبدية مطلب رباني.. صحيح أن المغالاة والمبالغة في تعظيم العقل ستهوي بصاحبها مثل أي أمر تكون فيه مغالاة.. بيد أن القليل من الفلسفة فيما يخص نشأة الخلق والوجود شيء صحي أحيانا، ومنها يخرج الإنسان من المعلومات النقلية باستنتاجات معرفية.
* تصدّر كتابك الأول قائمة أكثر الكتب مبيعا في السعودية منذ أشهر، أمر غير سهل.. ما السر؟
- هذا صحيح.. وقد قلت في لقاءات مختلفة بأني في أكثر لحظاتي تفاؤلا لم أتصور ربع ما حصل للكتاب الذي كتبته مبسطا ليكون انتشاره على مستوى الشباب من حولي وفي بلدي، حتى أني ظننت أن السنين ستمضي قبل أن أصدر طبعته الثانية، غير أن المفاجأة بدأت من معرض الرياض الدولي للكتاب وحتى هذه اللحظة، حيث يحتل الكتاب المركز الأول في أشهر المكاتب التجارية في المملكة ودول الخليج بطبعته العاشرة. أدخلني ذلك في دهشة جعلتني أخلد مع ذاتي كثيرًا لكي أبحث عن إجابات تقنعني عن سبب ما حصل.. هل لأن الكتاب يحوي توجها جديدا لدى معظم الشباب في نقاش قضايا الوجود والإلحاد ومقارنات الأديان بأسلوب سهل ومبسط؟ أم هل لأن الكاتب شاب ولا يبدو عليه مظهر رجل الدين، وتخصصه الأكاديمي غير شرعي، وبالتالي ستكون تجربته الشخصية التي نقلته من «إسلام الميلاد» إلى «إسلام اليقين» ممتعة ومثيرة للفضول؟ أم إن الاثنين اجتمعا معا ليشكلا منظومة متكاملة كونه يحوي تساؤلات ونقاشات عقائدية بأسلوب شبابي بسيط، وأيضا يحوي تجربة شخصية قد يراها البعض مثيرة؟ الله أعلم.
* إقبال الشباب – تحديدا - على اقتناء كتابك هل يعني أنهم يحملون الأسئلة ذاتها التي طرحتها حول الدين والوجود.. أم لديك رأي آخر؟
- منذ إصدار الكتاب وحتى هذه الأيام لا تزال الأسئلة تصل إلي من فئة الشباب عبر حسابي في «تويتر» أو مدونتي وإيميلي، وكلها تساؤلات حول الدين والوجود ونحوها. أنا لا أدعي قدرتي على الإجابة عن كل شيء، ولكني حتمًا سأساعد أي متسائل في حال قد بحثت في الموضوع سابقًا أو ربما أبحث فيه من أجله.. هذا غير أنني التقيت بكثير من الشباب الذين كانوا يحملون تساؤلات كثيرة أيضا، لذا يمكن أن ألخص أن إقبال الشباب على شكلين؛ الشكل الأول من يحمل تساؤلات أو شكوكا في بعض المسائل، وللأسف فإن طبيعة المجتمع قد تفرض عليه عدم القدرة على طرحها ونقاشها حتى على بعض رجال الدين الذين ينهرون السائل أحيانا وكأن ديننا هش ولا يمكنه التصدي لهذه الشكوك! وأما الشكل الثاني، فهم عامة الشباب وبعض المبتعثين ومن يريد تقوية إيمانه أمام موجة الإلحاد والتنصير المتفشية في وسائل التواصل الاجتماعي ونحوها.. نعم صحيح أن طرحي في الكتاب كان أبجديا ومختصرا كما ذكرت أنا في المقدمة، ولكني قصدت ذلك ليكون بوابة لكل متسائل يبدأ من خلالها رحلته الخاصة في مواجهة تساؤلاته بشجاعة.. وقبولها بوصفها حقا شخصيا.
* تنصح الشباب بالقراءة في كتب الأديان، بينما تعترف في كتابك بأن والديك كانا يمنعانك من ذلك.. هل هي دعوة للتمرد؟
- لا أتذكر بأني نصحت الشباب بقراءة كتب الأديان بشكل مطلق، وإنما قصدت القراءة في كتب مقارنات الأديان المهذبة والمنقحة التي تبين الإشكالات والفروقات.. نعم كان والدي يمنعني منها حين كنت صغيرا وذلك عطفا على عمري آنذاك، ولكنه الآن من مشجعي في القراءة والتبحر، كون الوضع الآن قد اختلف عن الماضي، فالابتعاث الدولي صار الآن بمعدلات عالية، ناهيك بأن العالم أصبح قرية صغيرة، وبالتالي أصبحت الشعوب والعقائد والأديان بعضها يموج في بعض.. فقراءة الشخص عن أديان الآخرين ستخوله معرفة التعامل معهم أكثر، وكذلك معرفة مقدساتهم لاحترامها، إلى جانب حماية معتقداته الشخصية من أي شبهة قد تُثار أمامه.
* معظم الكتاب والباحثين في شؤون الأديان في أعمار متقدمة نسبيا.. كيف استطاع ابن العشرين أن يغوص في هذا العالم الشائك؟
- المتقدمون في العمر وابن العشرين كلاهما يجيد القراءة والفهم، نعم هو عالَم شائك قد لا يخوضه حتى كبار السن، ولكني ضد تقييد أي شيء بعمر معين لما في ذلك من تثبيط للدماء الشابة، فالشباب اليوم قادرون على كل شيء، إن صح التعبير، وعسى أن نراهم في الواجهة أكثر وأكثر.
* البعض يتهمك بأنك لم تكن محايدا في كتابك فيما يخص الأديان السماوية الأخرى؟
- المحايدة صعبة في هذه المواضيع التي تخص الأديان والعقائد، بل إننا نجد من يقول إن الحياد هنا «كذبة»، فحتى لو اكتفيت بقولك إن الإسلام هو الدين الحق، فسيظن أصحاب الديانات الأخرى بأنك أسأت لهم ونسفت كون أديانهم حقا أيضا، ولكن الواجب أن تعرض ما في أديان الآخرين من باب المقارنة وتوضيح الإشكاليات التي وضحها القرآن الكريم دون هجوم لاذع. أتذكر جيدا عام 2005 حين ظهرت الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام، كان الموقف الدولي غريبا؛ حيث عدّوا ذلك من «حرية التعبير»! لأن الغرب يسمح ببيع كتب الإلحاد التي تسيء حتى لعقليات أتباع الديانات من باب حرية المعتقد! أما أنا فلم أستغل قناعتهم بأن الإساءة تندرج تحت حرية تعبير! فأنا بصفتي مسلما مقيد بمطلب ديني وأخلاقي يكمن في عدم السب أو الإساءة لأي دين وضرورة احترامه واحترام أتباعه امتثالا لأمر الله الذي قال: «وَلا تَسُبُّوا الذين يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه».
* رغم تنوع كتابك وتناولك عدة شبهات تواجه الدين الإسلامي، فإنك لم تتطرق لقضية الإرهاب ومحاولات المتطرفين ربطها بالإسلام.. لماذا؟
- هناك أمور كثيرة لم أتناولها بكل تأكيد، ومنها قضية الإرهاب. أنا على قناعة بأن الإرهاب لا دين له، لأني أرى بعض المسلمين المتحمسين يذودون عن الدين الإسلامي بأن ينسبوا الإرهاب للديانة المسيحية لما تخللها من الحملات الصليبية والفتح القسطنطيني، وآخرون ينسبونه لليهودية استنادا لما يفعله الكيان الصهيوني بفلسطين ونحوه، ومنهم من ينسبه للديانة البوذية عطفا على ما يفعله أنصار بوذا في بورما.. في الحقيقة وحتى حين تجرد الإنسان من دينه كما فعل ملاحدة الشيوعية والماركسية، لم تُحقن الدماء بإلحادهم؛ بل إن أكبر المجازر الإنسانية كانت بمباركتهم، فالإرهاب سلوك إجرامي نبذته الإنسانية قبل الديانات، وقد أشرت إلى أن الإسلام دعا للحوار والتعايش السلمي، وأن آيات القتال كانت في رد العدوان والدفاع عن النفس، وهو الدين الوحيد الذي لا يوجد في كتابه المقدس كلمة «سيف» أو «رمح»، وكذلك أكثر دين دعا لحرية المعتقد، ولعلي أفصل في ذلك لاحقا.
* هناك فريقان؛ البعض يرى ضرورة التصالح مع الأديان والحضارات، والآخر يتقوقع حول ذاته ويرفض الآخر.. أين تقف؟
- الأجدر أن نقف مع قول الله «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا».. فهذه الآية الكريمة لا تحث على التقوقع، وإنما هي دعوة للتقارب والتعايش والتصالح أيضا.
* مع انتشار مؤتمرات حوار الأديان، هل تؤمن بجدواها أم تعتقد أنها جهد ضائع؟
- بالتأكيد، وأنا من أشد المؤمنين بجدوى هذه المؤتمرات لتعزيز قيم التعايش والسلام، وكنت من المؤيدين للخطوة المباركة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حفظه الله، بتأسيس «مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات»، ومن خلال زيارتي لموقعهم الإلكتروني بين كل فترة وفترة، أرى الإنجازات الجديدة تعبر عن ثمرة هذه الخطوة.
* بما أنك من الكتاب الشباب، كيف تفسر توجه الجيل الجديد من المؤلفين السعوديين نحو كتابة الرواية؟
- شخصيا لا أفضل قراءة الروايات على كتب الفكر والثقافة والفلسفة والدين، إلا في حال كان للرواية عائد ثقافي، وهذا ما أعتقد أننا نفتقده من الكتاب الجدد في السعودية، إلا أنني إجمالا أشجعهم وأتوق لقراءة إبداعاتهم ذات المردود الأدبي المميز.
* كونك طرقت بابا جديدا في موضوعات المؤلفات السعودية الشابة، ألا تخشى أن يقلدك الآخرون؟
- في الحقيقة أنا لست أول من يكتب في هذا المجال عالميًا وعربيًا، ولكن وجدت من يقول لي بأني صاحب أول كتاب يُفسح ويُطبع من داخل المملكة في هذا المجال الفكري. إن صح هذا الحديث، فأنا لا أخشى التقليد بقدر ما سأكون سعيدا بفتح هذا الباب.



مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».


سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية
TT

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

سيناريوهات نهاية العالم في رواية أردنية

في روايته الجديدة «معزوفة اليوم السابع» الصادرة في القاهرة عن دار «الشروق»، يكشف الروائي الأردني جلال برجس أنه استلهم فكرة العمل من لقاء واقعي بشاب غجري عام 2012؛ حيث نشأت بينهما «صداقة صامتة» انتهت بموقف إنساني حين دثره الكاتب بمعطفه، ليكتشف لاحقاً نبل أخلاق الشاب رغم الفقر والتشرد.

يروي برجس، فيما يشبه مقدمة للنص، كيف أنه في أحد الصباحات الربيعية من عام 2012 وبينما ينتظر حافلة تقله إلى عمله شاهد شاباً غجرياً يكنس الشارع على أنغام موسيقى تصدر من هاتف نقال معلق في خاصرته، كان يقفز بحركات رشيقة والمكنسة بين يديه طيعة كأنها امرأة يراقصها، وفي لحظة تقمص متقنة تتحول إلى بندقية يصوبها نحو أعداء مفترضين.

اعتاد رؤية الغجري ونشأت بينهما صداقة صامتة لا يتخللها سوى تحيات خاطفة، وفي أحد صباحات الشتاء الباردة لم يجد ذلك الشاب، لكنه سمع أنينه وهو يتوارى وراء جدار. وقبل أن يغادر خلع معطفه ودثره، عند المساء وجده بانتظاره يضع معطفه على يده ليعيده له قائلاً: «لست مجنوناً وليس بالضرورة أن يكون الغجري لصاً كما يُشاع».

في تلك اللحظة وهو يتأمل خيام الغجر على طرف المدينة ولدت فكرة هذه الرواية التي تحكي سيرة المصير الإنساني وكيف يمكن للآدمي أن يكون وحشاً وفي الآن نفسه حملاً وديعاً في مدينة مكونة من سبعة أحياء: جنوبها مخيم كبير لغجر مطرودين منها وغربها جبل على قمته قبر جده الأول، مدينة يصاب سكانها بوباء غريب.

تستعرض الرواية الصراع بين الجانب «الوحشي» والجانب «الوديع» في النفس البشرية، عبر نص يُعد استبطاناً للهم الإنساني وتناقضات العالم، وكيف نقع جميعاً ضحايا للانطباعات المسبقة الخاطئة والتحيزات النمطية، مع سرد يتحرك صعوداً وهبوطاً بين الماضي والحاضر والمستقبل ليسلط الضوء على تراجع القيم الإنسانية. من أجواء الرواية:

«لم يخبر الرجل أحداً بنيته إلا الفتاة اليتيمة التي لا أهل لها، قبل طلوع الفجر كان قد تجاوز حدود القرية حين فوجئ بتلك الفتاة تلحق به وتقرن مصيرها بمصيره لما في قلبها من حب عارم له وسأم من تلك القرية. مضيا في طريقهما وتواريا عن الأنظار وليس في جعبتيهما شيء سوى ناي ورثه الرجل عن أبيه ولا يعرف عنه شيئاً غير أنه قُدّ من شجرة نادرة ونُذر لزمن قادم ليصد البلاء ولا مهمة له إلا الحفاظ عليه.

سارا لأيام يعبران سهولاً وجبالاً وودياناً، لا يأكلان غير قليل مما يجدانه في طريقهما من طيور وأرانب وبعض الثمار، إلى أن وصلا ذلك السهل مع شروق الشمس، حيث بدا كل شيء حولهما بكراً كأنه يولد للتو: الأشجار باخضرارها الناصع وحفيف أغصانها يتهادى إلى مسمعيهما واضحاً ونقياً، خرير الماء وهو يتدفق من شق صخري ويرسم له مجرى يروح إلى البعيد باعثاً في الهواء رائحة تلاقيه بالتراب. كل شيء كان على نحوٍ بدائي: نقيق الضفادع، زقزقة العصافير وتغريدها، ضغيب الأرانب، ضباح الثعالب، عواء الذئاب، ثغاء الماعز، سليل الغزلان. كل شيء حولهما بدا لهما على ذلك النحو، حتى الهواء وهو يلفح جسديهما بخفة، وهما غارقان في الحيرة والخوف والتيه».