سلطان الموسى: الفلسفة أمر صحي.. وأنا مع التجديد الفكري

الكاتب السعودي يرى أن المغالاة في تعظيم العقل تهوي بصاحبها

سلطان الموسى
سلطان الموسى
TT

سلطان الموسى: الفلسفة أمر صحي.. وأنا مع التجديد الفكري

سلطان الموسى
سلطان الموسى

رحلة شائكة سلكها الشاب السعودي سلطان الموسى في كتابه الأول «أَقْوم قِيلا»، الذي حمل بين دفتيه حوارات فكرية مع نظريات مختلفة.
واللافت في تجربة الموسى أن كتابه يتصدر قائمة أكثر الكتب مبيعا في معظم المكتبات التجارية في السعودية منذ أشهر طويلة، ليصل إلى الطبعة العاشرة قبل أن يكمل عامه الأول.
في حواره التالي مع «الشرق الأوسط» يرى الموسى «أن القليل من الفلسفة فيما يخص نشأة الخلق والوجود شيء صحي أحيانا»، ويرد على تحيز كتابه بالقول: «المحايدة صعبة في هذه المواضيع التي تخص الأديان والعقائد».. هنا نص الحوار:
* كيف تصنف علاقتك بالفلسفة؟
- أطرح نفسي دائما باحثا في الأديان والحضارات، وشخصا يهوى قراءة الكتب وتقصي المعلومات، ومن ثم مشاركة الناس ما قد يفيدهم منها.. نعم أنا من هواة التجديد الفكري، ولعلي أسعى إلى ذلك.. وإن كان لا بد من تحديد الهوية، فأنا أزعم أني باحث ومفكر.
* تقدم براهين عقلية وتفسيرات فلسفية لآيات القرآن الكريم، على الرغم من العلاقة الشائكة بين الفلسفة والدين.. كيف تصف التجربة؟
- قال تعالى «ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا»، وإذا عدنا للمعنى الأصلي الإغريقي لكلمة فلسفة، فسنجد معناها «حب الحكمة» كما سماها فيثاغورس. ولا شك أن الاحتكام المنضبط إلى العقل في بعض المسائل غير التعبدية مطلب رباني.. صحيح أن المغالاة والمبالغة في تعظيم العقل ستهوي بصاحبها مثل أي أمر تكون فيه مغالاة.. بيد أن القليل من الفلسفة فيما يخص نشأة الخلق والوجود شيء صحي أحيانا، ومنها يخرج الإنسان من المعلومات النقلية باستنتاجات معرفية.
* تصدّر كتابك الأول قائمة أكثر الكتب مبيعا في السعودية منذ أشهر، أمر غير سهل.. ما السر؟
- هذا صحيح.. وقد قلت في لقاءات مختلفة بأني في أكثر لحظاتي تفاؤلا لم أتصور ربع ما حصل للكتاب الذي كتبته مبسطا ليكون انتشاره على مستوى الشباب من حولي وفي بلدي، حتى أني ظننت أن السنين ستمضي قبل أن أصدر طبعته الثانية، غير أن المفاجأة بدأت من معرض الرياض الدولي للكتاب وحتى هذه اللحظة، حيث يحتل الكتاب المركز الأول في أشهر المكاتب التجارية في المملكة ودول الخليج بطبعته العاشرة. أدخلني ذلك في دهشة جعلتني أخلد مع ذاتي كثيرًا لكي أبحث عن إجابات تقنعني عن سبب ما حصل.. هل لأن الكتاب يحوي توجها جديدا لدى معظم الشباب في نقاش قضايا الوجود والإلحاد ومقارنات الأديان بأسلوب سهل ومبسط؟ أم هل لأن الكاتب شاب ولا يبدو عليه مظهر رجل الدين، وتخصصه الأكاديمي غير شرعي، وبالتالي ستكون تجربته الشخصية التي نقلته من «إسلام الميلاد» إلى «إسلام اليقين» ممتعة ومثيرة للفضول؟ أم إن الاثنين اجتمعا معا ليشكلا منظومة متكاملة كونه يحوي تساؤلات ونقاشات عقائدية بأسلوب شبابي بسيط، وأيضا يحوي تجربة شخصية قد يراها البعض مثيرة؟ الله أعلم.
* إقبال الشباب – تحديدا - على اقتناء كتابك هل يعني أنهم يحملون الأسئلة ذاتها التي طرحتها حول الدين والوجود.. أم لديك رأي آخر؟
- منذ إصدار الكتاب وحتى هذه الأيام لا تزال الأسئلة تصل إلي من فئة الشباب عبر حسابي في «تويتر» أو مدونتي وإيميلي، وكلها تساؤلات حول الدين والوجود ونحوها. أنا لا أدعي قدرتي على الإجابة عن كل شيء، ولكني حتمًا سأساعد أي متسائل في حال قد بحثت في الموضوع سابقًا أو ربما أبحث فيه من أجله.. هذا غير أنني التقيت بكثير من الشباب الذين كانوا يحملون تساؤلات كثيرة أيضا، لذا يمكن أن ألخص أن إقبال الشباب على شكلين؛ الشكل الأول من يحمل تساؤلات أو شكوكا في بعض المسائل، وللأسف فإن طبيعة المجتمع قد تفرض عليه عدم القدرة على طرحها ونقاشها حتى على بعض رجال الدين الذين ينهرون السائل أحيانا وكأن ديننا هش ولا يمكنه التصدي لهذه الشكوك! وأما الشكل الثاني، فهم عامة الشباب وبعض المبتعثين ومن يريد تقوية إيمانه أمام موجة الإلحاد والتنصير المتفشية في وسائل التواصل الاجتماعي ونحوها.. نعم صحيح أن طرحي في الكتاب كان أبجديا ومختصرا كما ذكرت أنا في المقدمة، ولكني قصدت ذلك ليكون بوابة لكل متسائل يبدأ من خلالها رحلته الخاصة في مواجهة تساؤلاته بشجاعة.. وقبولها بوصفها حقا شخصيا.
* تنصح الشباب بالقراءة في كتب الأديان، بينما تعترف في كتابك بأن والديك كانا يمنعانك من ذلك.. هل هي دعوة للتمرد؟
- لا أتذكر بأني نصحت الشباب بقراءة كتب الأديان بشكل مطلق، وإنما قصدت القراءة في كتب مقارنات الأديان المهذبة والمنقحة التي تبين الإشكالات والفروقات.. نعم كان والدي يمنعني منها حين كنت صغيرا وذلك عطفا على عمري آنذاك، ولكنه الآن من مشجعي في القراءة والتبحر، كون الوضع الآن قد اختلف عن الماضي، فالابتعاث الدولي صار الآن بمعدلات عالية، ناهيك بأن العالم أصبح قرية صغيرة، وبالتالي أصبحت الشعوب والعقائد والأديان بعضها يموج في بعض.. فقراءة الشخص عن أديان الآخرين ستخوله معرفة التعامل معهم أكثر، وكذلك معرفة مقدساتهم لاحترامها، إلى جانب حماية معتقداته الشخصية من أي شبهة قد تُثار أمامه.
* معظم الكتاب والباحثين في شؤون الأديان في أعمار متقدمة نسبيا.. كيف استطاع ابن العشرين أن يغوص في هذا العالم الشائك؟
- المتقدمون في العمر وابن العشرين كلاهما يجيد القراءة والفهم، نعم هو عالَم شائك قد لا يخوضه حتى كبار السن، ولكني ضد تقييد أي شيء بعمر معين لما في ذلك من تثبيط للدماء الشابة، فالشباب اليوم قادرون على كل شيء، إن صح التعبير، وعسى أن نراهم في الواجهة أكثر وأكثر.
* البعض يتهمك بأنك لم تكن محايدا في كتابك فيما يخص الأديان السماوية الأخرى؟
- المحايدة صعبة في هذه المواضيع التي تخص الأديان والعقائد، بل إننا نجد من يقول إن الحياد هنا «كذبة»، فحتى لو اكتفيت بقولك إن الإسلام هو الدين الحق، فسيظن أصحاب الديانات الأخرى بأنك أسأت لهم ونسفت كون أديانهم حقا أيضا، ولكن الواجب أن تعرض ما في أديان الآخرين من باب المقارنة وتوضيح الإشكاليات التي وضحها القرآن الكريم دون هجوم لاذع. أتذكر جيدا عام 2005 حين ظهرت الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام، كان الموقف الدولي غريبا؛ حيث عدّوا ذلك من «حرية التعبير»! لأن الغرب يسمح ببيع كتب الإلحاد التي تسيء حتى لعقليات أتباع الديانات من باب حرية المعتقد! أما أنا فلم أستغل قناعتهم بأن الإساءة تندرج تحت حرية تعبير! فأنا بصفتي مسلما مقيد بمطلب ديني وأخلاقي يكمن في عدم السب أو الإساءة لأي دين وضرورة احترامه واحترام أتباعه امتثالا لأمر الله الذي قال: «وَلا تَسُبُّوا الذين يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه».
* رغم تنوع كتابك وتناولك عدة شبهات تواجه الدين الإسلامي، فإنك لم تتطرق لقضية الإرهاب ومحاولات المتطرفين ربطها بالإسلام.. لماذا؟
- هناك أمور كثيرة لم أتناولها بكل تأكيد، ومنها قضية الإرهاب. أنا على قناعة بأن الإرهاب لا دين له، لأني أرى بعض المسلمين المتحمسين يذودون عن الدين الإسلامي بأن ينسبوا الإرهاب للديانة المسيحية لما تخللها من الحملات الصليبية والفتح القسطنطيني، وآخرون ينسبونه لليهودية استنادا لما يفعله الكيان الصهيوني بفلسطين ونحوه، ومنهم من ينسبه للديانة البوذية عطفا على ما يفعله أنصار بوذا في بورما.. في الحقيقة وحتى حين تجرد الإنسان من دينه كما فعل ملاحدة الشيوعية والماركسية، لم تُحقن الدماء بإلحادهم؛ بل إن أكبر المجازر الإنسانية كانت بمباركتهم، فالإرهاب سلوك إجرامي نبذته الإنسانية قبل الديانات، وقد أشرت إلى أن الإسلام دعا للحوار والتعايش السلمي، وأن آيات القتال كانت في رد العدوان والدفاع عن النفس، وهو الدين الوحيد الذي لا يوجد في كتابه المقدس كلمة «سيف» أو «رمح»، وكذلك أكثر دين دعا لحرية المعتقد، ولعلي أفصل في ذلك لاحقا.
* هناك فريقان؛ البعض يرى ضرورة التصالح مع الأديان والحضارات، والآخر يتقوقع حول ذاته ويرفض الآخر.. أين تقف؟
- الأجدر أن نقف مع قول الله «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا».. فهذه الآية الكريمة لا تحث على التقوقع، وإنما هي دعوة للتقارب والتعايش والتصالح أيضا.
* مع انتشار مؤتمرات حوار الأديان، هل تؤمن بجدواها أم تعتقد أنها جهد ضائع؟
- بالتأكيد، وأنا من أشد المؤمنين بجدوى هذه المؤتمرات لتعزيز قيم التعايش والسلام، وكنت من المؤيدين للخطوة المباركة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حفظه الله، بتأسيس «مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات»، ومن خلال زيارتي لموقعهم الإلكتروني بين كل فترة وفترة، أرى الإنجازات الجديدة تعبر عن ثمرة هذه الخطوة.
* بما أنك من الكتاب الشباب، كيف تفسر توجه الجيل الجديد من المؤلفين السعوديين نحو كتابة الرواية؟
- شخصيا لا أفضل قراءة الروايات على كتب الفكر والثقافة والفلسفة والدين، إلا في حال كان للرواية عائد ثقافي، وهذا ما أعتقد أننا نفتقده من الكتاب الجدد في السعودية، إلا أنني إجمالا أشجعهم وأتوق لقراءة إبداعاتهم ذات المردود الأدبي المميز.
* كونك طرقت بابا جديدا في موضوعات المؤلفات السعودية الشابة، ألا تخشى أن يقلدك الآخرون؟
- في الحقيقة أنا لست أول من يكتب في هذا المجال عالميًا وعربيًا، ولكن وجدت من يقول لي بأني صاحب أول كتاب يُفسح ويُطبع من داخل المملكة في هذا المجال الفكري. إن صح هذا الحديث، فأنا لا أخشى التقليد بقدر ما سأكون سعيدا بفتح هذا الباب.



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».