سلطان الموسى: الفلسفة أمر صحي.. وأنا مع التجديد الفكري

الكاتب السعودي يرى أن المغالاة في تعظيم العقل تهوي بصاحبها

سلطان الموسى
سلطان الموسى
TT

سلطان الموسى: الفلسفة أمر صحي.. وأنا مع التجديد الفكري

سلطان الموسى
سلطان الموسى

رحلة شائكة سلكها الشاب السعودي سلطان الموسى في كتابه الأول «أَقْوم قِيلا»، الذي حمل بين دفتيه حوارات فكرية مع نظريات مختلفة.
واللافت في تجربة الموسى أن كتابه يتصدر قائمة أكثر الكتب مبيعا في معظم المكتبات التجارية في السعودية منذ أشهر طويلة، ليصل إلى الطبعة العاشرة قبل أن يكمل عامه الأول.
في حواره التالي مع «الشرق الأوسط» يرى الموسى «أن القليل من الفلسفة فيما يخص نشأة الخلق والوجود شيء صحي أحيانا»، ويرد على تحيز كتابه بالقول: «المحايدة صعبة في هذه المواضيع التي تخص الأديان والعقائد».. هنا نص الحوار:
* كيف تصنف علاقتك بالفلسفة؟
- أطرح نفسي دائما باحثا في الأديان والحضارات، وشخصا يهوى قراءة الكتب وتقصي المعلومات، ومن ثم مشاركة الناس ما قد يفيدهم منها.. نعم أنا من هواة التجديد الفكري، ولعلي أسعى إلى ذلك.. وإن كان لا بد من تحديد الهوية، فأنا أزعم أني باحث ومفكر.
* تقدم براهين عقلية وتفسيرات فلسفية لآيات القرآن الكريم، على الرغم من العلاقة الشائكة بين الفلسفة والدين.. كيف تصف التجربة؟
- قال تعالى «ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا»، وإذا عدنا للمعنى الأصلي الإغريقي لكلمة فلسفة، فسنجد معناها «حب الحكمة» كما سماها فيثاغورس. ولا شك أن الاحتكام المنضبط إلى العقل في بعض المسائل غير التعبدية مطلب رباني.. صحيح أن المغالاة والمبالغة في تعظيم العقل ستهوي بصاحبها مثل أي أمر تكون فيه مغالاة.. بيد أن القليل من الفلسفة فيما يخص نشأة الخلق والوجود شيء صحي أحيانا، ومنها يخرج الإنسان من المعلومات النقلية باستنتاجات معرفية.
* تصدّر كتابك الأول قائمة أكثر الكتب مبيعا في السعودية منذ أشهر، أمر غير سهل.. ما السر؟
- هذا صحيح.. وقد قلت في لقاءات مختلفة بأني في أكثر لحظاتي تفاؤلا لم أتصور ربع ما حصل للكتاب الذي كتبته مبسطا ليكون انتشاره على مستوى الشباب من حولي وفي بلدي، حتى أني ظننت أن السنين ستمضي قبل أن أصدر طبعته الثانية، غير أن المفاجأة بدأت من معرض الرياض الدولي للكتاب وحتى هذه اللحظة، حيث يحتل الكتاب المركز الأول في أشهر المكاتب التجارية في المملكة ودول الخليج بطبعته العاشرة. أدخلني ذلك في دهشة جعلتني أخلد مع ذاتي كثيرًا لكي أبحث عن إجابات تقنعني عن سبب ما حصل.. هل لأن الكتاب يحوي توجها جديدا لدى معظم الشباب في نقاش قضايا الوجود والإلحاد ومقارنات الأديان بأسلوب سهل ومبسط؟ أم هل لأن الكاتب شاب ولا يبدو عليه مظهر رجل الدين، وتخصصه الأكاديمي غير شرعي، وبالتالي ستكون تجربته الشخصية التي نقلته من «إسلام الميلاد» إلى «إسلام اليقين» ممتعة ومثيرة للفضول؟ أم إن الاثنين اجتمعا معا ليشكلا منظومة متكاملة كونه يحوي تساؤلات ونقاشات عقائدية بأسلوب شبابي بسيط، وأيضا يحوي تجربة شخصية قد يراها البعض مثيرة؟ الله أعلم.
* إقبال الشباب – تحديدا - على اقتناء كتابك هل يعني أنهم يحملون الأسئلة ذاتها التي طرحتها حول الدين والوجود.. أم لديك رأي آخر؟
- منذ إصدار الكتاب وحتى هذه الأيام لا تزال الأسئلة تصل إلي من فئة الشباب عبر حسابي في «تويتر» أو مدونتي وإيميلي، وكلها تساؤلات حول الدين والوجود ونحوها. أنا لا أدعي قدرتي على الإجابة عن كل شيء، ولكني حتمًا سأساعد أي متسائل في حال قد بحثت في الموضوع سابقًا أو ربما أبحث فيه من أجله.. هذا غير أنني التقيت بكثير من الشباب الذين كانوا يحملون تساؤلات كثيرة أيضا، لذا يمكن أن ألخص أن إقبال الشباب على شكلين؛ الشكل الأول من يحمل تساؤلات أو شكوكا في بعض المسائل، وللأسف فإن طبيعة المجتمع قد تفرض عليه عدم القدرة على طرحها ونقاشها حتى على بعض رجال الدين الذين ينهرون السائل أحيانا وكأن ديننا هش ولا يمكنه التصدي لهذه الشكوك! وأما الشكل الثاني، فهم عامة الشباب وبعض المبتعثين ومن يريد تقوية إيمانه أمام موجة الإلحاد والتنصير المتفشية في وسائل التواصل الاجتماعي ونحوها.. نعم صحيح أن طرحي في الكتاب كان أبجديا ومختصرا كما ذكرت أنا في المقدمة، ولكني قصدت ذلك ليكون بوابة لكل متسائل يبدأ من خلالها رحلته الخاصة في مواجهة تساؤلاته بشجاعة.. وقبولها بوصفها حقا شخصيا.
* تنصح الشباب بالقراءة في كتب الأديان، بينما تعترف في كتابك بأن والديك كانا يمنعانك من ذلك.. هل هي دعوة للتمرد؟
- لا أتذكر بأني نصحت الشباب بقراءة كتب الأديان بشكل مطلق، وإنما قصدت القراءة في كتب مقارنات الأديان المهذبة والمنقحة التي تبين الإشكالات والفروقات.. نعم كان والدي يمنعني منها حين كنت صغيرا وذلك عطفا على عمري آنذاك، ولكنه الآن من مشجعي في القراءة والتبحر، كون الوضع الآن قد اختلف عن الماضي، فالابتعاث الدولي صار الآن بمعدلات عالية، ناهيك بأن العالم أصبح قرية صغيرة، وبالتالي أصبحت الشعوب والعقائد والأديان بعضها يموج في بعض.. فقراءة الشخص عن أديان الآخرين ستخوله معرفة التعامل معهم أكثر، وكذلك معرفة مقدساتهم لاحترامها، إلى جانب حماية معتقداته الشخصية من أي شبهة قد تُثار أمامه.
* معظم الكتاب والباحثين في شؤون الأديان في أعمار متقدمة نسبيا.. كيف استطاع ابن العشرين أن يغوص في هذا العالم الشائك؟
- المتقدمون في العمر وابن العشرين كلاهما يجيد القراءة والفهم، نعم هو عالَم شائك قد لا يخوضه حتى كبار السن، ولكني ضد تقييد أي شيء بعمر معين لما في ذلك من تثبيط للدماء الشابة، فالشباب اليوم قادرون على كل شيء، إن صح التعبير، وعسى أن نراهم في الواجهة أكثر وأكثر.
* البعض يتهمك بأنك لم تكن محايدا في كتابك فيما يخص الأديان السماوية الأخرى؟
- المحايدة صعبة في هذه المواضيع التي تخص الأديان والعقائد، بل إننا نجد من يقول إن الحياد هنا «كذبة»، فحتى لو اكتفيت بقولك إن الإسلام هو الدين الحق، فسيظن أصحاب الديانات الأخرى بأنك أسأت لهم ونسفت كون أديانهم حقا أيضا، ولكن الواجب أن تعرض ما في أديان الآخرين من باب المقارنة وتوضيح الإشكاليات التي وضحها القرآن الكريم دون هجوم لاذع. أتذكر جيدا عام 2005 حين ظهرت الرسوم المسيئة للنبي عليه الصلاة والسلام، كان الموقف الدولي غريبا؛ حيث عدّوا ذلك من «حرية التعبير»! لأن الغرب يسمح ببيع كتب الإلحاد التي تسيء حتى لعقليات أتباع الديانات من باب حرية المعتقد! أما أنا فلم أستغل قناعتهم بأن الإساءة تندرج تحت حرية تعبير! فأنا بصفتي مسلما مقيد بمطلب ديني وأخلاقي يكمن في عدم السب أو الإساءة لأي دين وضرورة احترامه واحترام أتباعه امتثالا لأمر الله الذي قال: «وَلا تَسُبُّوا الذين يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه».
* رغم تنوع كتابك وتناولك عدة شبهات تواجه الدين الإسلامي، فإنك لم تتطرق لقضية الإرهاب ومحاولات المتطرفين ربطها بالإسلام.. لماذا؟
- هناك أمور كثيرة لم أتناولها بكل تأكيد، ومنها قضية الإرهاب. أنا على قناعة بأن الإرهاب لا دين له، لأني أرى بعض المسلمين المتحمسين يذودون عن الدين الإسلامي بأن ينسبوا الإرهاب للديانة المسيحية لما تخللها من الحملات الصليبية والفتح القسطنطيني، وآخرون ينسبونه لليهودية استنادا لما يفعله الكيان الصهيوني بفلسطين ونحوه، ومنهم من ينسبه للديانة البوذية عطفا على ما يفعله أنصار بوذا في بورما.. في الحقيقة وحتى حين تجرد الإنسان من دينه كما فعل ملاحدة الشيوعية والماركسية، لم تُحقن الدماء بإلحادهم؛ بل إن أكبر المجازر الإنسانية كانت بمباركتهم، فالإرهاب سلوك إجرامي نبذته الإنسانية قبل الديانات، وقد أشرت إلى أن الإسلام دعا للحوار والتعايش السلمي، وأن آيات القتال كانت في رد العدوان والدفاع عن النفس، وهو الدين الوحيد الذي لا يوجد في كتابه المقدس كلمة «سيف» أو «رمح»، وكذلك أكثر دين دعا لحرية المعتقد، ولعلي أفصل في ذلك لاحقا.
* هناك فريقان؛ البعض يرى ضرورة التصالح مع الأديان والحضارات، والآخر يتقوقع حول ذاته ويرفض الآخر.. أين تقف؟
- الأجدر أن نقف مع قول الله «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا».. فهذه الآية الكريمة لا تحث على التقوقع، وإنما هي دعوة للتقارب والتعايش والتصالح أيضا.
* مع انتشار مؤتمرات حوار الأديان، هل تؤمن بجدواها أم تعتقد أنها جهد ضائع؟
- بالتأكيد، وأنا من أشد المؤمنين بجدوى هذه المؤتمرات لتعزيز قيم التعايش والسلام، وكنت من المؤيدين للخطوة المباركة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، حفظه الله، بتأسيس «مركز الملك عبد الله العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات»، ومن خلال زيارتي لموقعهم الإلكتروني بين كل فترة وفترة، أرى الإنجازات الجديدة تعبر عن ثمرة هذه الخطوة.
* بما أنك من الكتاب الشباب، كيف تفسر توجه الجيل الجديد من المؤلفين السعوديين نحو كتابة الرواية؟
- شخصيا لا أفضل قراءة الروايات على كتب الفكر والثقافة والفلسفة والدين، إلا في حال كان للرواية عائد ثقافي، وهذا ما أعتقد أننا نفتقده من الكتاب الجدد في السعودية، إلا أنني إجمالا أشجعهم وأتوق لقراءة إبداعاتهم ذات المردود الأدبي المميز.
* كونك طرقت بابا جديدا في موضوعات المؤلفات السعودية الشابة، ألا تخشى أن يقلدك الآخرون؟
- في الحقيقة أنا لست أول من يكتب في هذا المجال عالميًا وعربيًا، ولكن وجدت من يقول لي بأني صاحب أول كتاب يُفسح ويُطبع من داخل المملكة في هذا المجال الفكري. إن صح هذا الحديث، فأنا لا أخشى التقليد بقدر ما سأكون سعيدا بفتح هذا الباب.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».