رحلة تفصيلية بطعم البارود على طريق دمشق ـ حلب

«الشرق الأوسط» تنطلق من «دوار الموت» إلى العاصمة السورية

عنصر من قوات النظام السوري على طريق حلب - دمشق (أ.ف.ب)
عنصر من قوات النظام السوري على طريق حلب - دمشق (أ.ف.ب)
TT

رحلة تفصيلية بطعم البارود على طريق دمشق ـ حلب

عنصر من قوات النظام السوري على طريق حلب - دمشق (أ.ف.ب)
عنصر من قوات النظام السوري على طريق حلب - دمشق (أ.ف.ب)

باستثناء لوحة حجرية تحتفي باتفاق التآخي بين مدينتي حلب السورية وغازي عنتاب التركية، لم يبقَ في دوار الليرمون شيء من دون آثار للقصف والغارات... وحتى الرصاص متوسط العيار. بضع كلمات، تشير إلى توقيع «اتفاق التآخي» في عهد محافظ حلب الأسبق أسامة عدي عام 2005 في وقت بلغت فيه علاقات دمشق بأنقرة شهر عسل سرعان ما تبدل جذرياً بعد ربيع 2011.
بعض الشظايا، عطلت المرور على مساحة واسعة من الدوار الرئيسي شمال حلب. تكمل شاحنة صغيرة مغلقة تهشمت واجهتها بقذيفة صاروخية إغلاق ما بقي من المستديرة الواسعة. وعلى رصيف الطريق الصاعدة شمالاً، تميل شاخصة طرقية زرقاء اللون جراء إصابة عارضتها المعدنية. بقيت الإشارات صامدة رغم كل ما جرى في منطقة تعد خط تماس. تشير الشاخصة إلى تركيا والحمام وجنديرس وعفرين وأعزاز وتل رفعت، وهي مناطق باتت خارج سيطرة الجيش السوري منذ سنوات. لكنها تستحضر أياماً من الرخاء الاقتصادي وحركة انسيابية كانت تقود إلى غازي عنتاب في رحلات يومية نشطت بعد توقيع اتفاق التجارة الحرة بين البلدين ورفع القيود على حركة الأفراد بالاتجاهين.
إنها الساعات الأولى صباحاً بعد الإعلان رسمياً عن انسحاب الفصائل المسلحة من دوار الليرمون وظهرة عبدربه وكفر حمرا وحيان وحريتان وعندان بالتوازي مع انسحابات أخرى على المحور الغربي للمدينة باتجاه جمعية الزهراء ومحيطها. نسمات باردة تلفح الوجوه رغم أشعة الشمس المخادعة. صمت مهيب يقطعه من حين لآخر مرور عدد قليل من السيارات المدنية، شقت طريقها بحذر على طريق الإياب المقبلة من الشمال إلى حلب، وقد تحولت إلى ممر بالاتجاهين بسبب إغلاق طريق الذهاب المزروعة بمخلفات حربية تحتاج إلى جهد هندسي.
شقت السيارات، ومعظمها لصناعيين وأصحاب بيوت غابوا عنها منذ 9 سنوات، طريقاً صعبة جراء الحواجز البيتونية وانعطافات إجبارية باتجاه طرق ترابية موحلة من محيط دوار شيحان إلى الليرمون. محظوظون من وصلوا إلى هذا الدوار في هذا التوقيت المبكر. لا يخلو الأمر من المغامرة، خصوصاً أن مئات المنشآت والورشات الصناعية لم يتم مسحها بشكل كامل خلال تلك الساعات. مرت تلك السيارات على حواجز ضخمة للجيش السوري التي تشكل جزءاً من ذاكرة الحرب في حلب. متاريس ترابية فتحت فيها مسارب للعبور باتجاه طرق فرعية سارت عليها السيارات.
يلوح مدنيون بأيديهم إلى عدد قليل من الجنود السوريين وقفوا على طرف الطريق للتدقيق في هويات الداخلين. السرعة في انسحاب الفصائل فرضت إجراءات مستعجلة في معالجة قذائف وعبوات وألغام لم تنفجر بعد. بعض المباني ومعظمها شبه مدمر منع الاقتراب منها بانتظار تفتيشها. في الأفق حجم دمار هائل يبدأ من الأبنية التي يتحصن فيها الجيش السوري جنوب الدوار وتشكل خط مواجهة مع الفصائل المسلحة المتمترسة في ظهرة عبدربه وصالات الليرمون، فيما تدل عشرات القذائف المنغرسة في أسفلت طريق الكاستيلو المتعامدة من جهة الشرق مع الليرمون على اشتباكات عنيفة مرت على المنطقة. نبتت أعشاب خضراء على طرفي الرصيف، فيما انتشرت شظايا معدنية صغيرة على مسافات واسعة من الطريق المقطوعة بشاحنتين مدمرتين تشكلان متراساً ضخماً على بعد مئات الأمتار من الدوار.
آثار المعارك تبدو أكثر وضوحاً باتجاه قصر العدل (غرب). أبنية مدمرة على مد النظر بالاتجاه الغربي. بقايا آليات تعطلت أو أصيب سائقوها ولم يكملوا طريقهم، أحد البلدوزرات باتجاه ظهرة عبدربه تحول إلى ما يشبه التمثال، وقد أتى الصدأ على أجزاء كثيرة غطت على لونه الأصفر.
مشهد يستوقف العابرين شمالاً في رحلة اكتشاف ما بقي من مصانعهم ومزارعهم في كفر حمرا وحريتان خصوصاً. نظرات ذهول لا تخفيها الابتسامات الصفراء وإلقاء التحية على الجنود الذين أخذوا بتنظيم المرور ومرافقة مصورين صحافيين وصلوا للتو إلى تلك المنطقة.
بدت واجهة المباني من ساحة الليرمون باتجاه الجنوب شاحبة منهكة. مئات البراميل المملوءة بالأتربة شكلت سداً منيعاً أمام أي خروقات للمسلحين. تلقت المنطقة آلاف القذائف والهاونات على مدى سنوات. يقول أحد أصحاب الورش الصناعية وقد ترجل من سيارته مذهولاً من حجم الدمار: «كل شيء يتعمر المهم رجعنا. الحمد لله على سلامتكم».
على بعد مئات الأمتار من متراس آخر بين صالات الليرمون وكفر حمرا، بقايا بناء ضخم كان أحد أهم مولات حلب قبل الحرب. تحول «مول كارفور» الذي شكل ملتقى العائلات الحلبية قبل الحرب إلى خراب. آثار غارات جوية تظهر على طبقاته العليا فيما حوّل المسلحون أقبيته إلى مقرات لهم. على مدخله الرئيسي متاريس ضخمة مملوءة بالرمل. وفي داخله شعارات لألوية مسلحة محلية وأخرى لمسلحين جاءوا من درعا وريف حمص الشمالي ضمن تسويات عام 2018. تتكرر الصور بمصفوفات متتالية ومتشابهة بين تخريب وتدمير ونهب للمصانع التي شكلت العمود الفقري لاقتصاد المحافظة.
بحسب أرقام رسمية، استعادت الحكومة السورية أكثر من 1600 منشأة ومصنع خلال العملية العسكرية الأخيرة تتوزع بين أرياف حلب الشمالية والغربية والجنوبية، وهي تشكل 40 في المائة من القطاع الصناعي السوري.
بعض المصانع والورشات تم تأمينها في الزربة ومحيطها (جنوب)، ضمن عملية تأمين طريق دمشق - حلب. الإعلان عن تأمين الطريق في 14 فبراير (شباط)، شكل التطور الأهم في عملية عسكرية انتقلت إلى ريف المحافظة الغربي ثم الشمالي وفرضت تقهقراً متسارعاً للفصائل المسلحة.

- من المعرة إلى حلب
يروي الأوتوستراد من معرة النعمان إلى مدخل حلب بعض حكايا 9 سنوات من الحرب. مسافة لا تتعدى 80 كلم تصطف حولها عشرات القرى والبلدات الوادعة بين ريفي إدلب وحلب الجنوبيين. أعلن الجيش السيطرة على المعرة في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي. تاريخ شكل نقطة انطلاق للجيش بدعم جوي روسي لاستعادة منطقة مترامية الأطراف حتى الوصول إلى مدنية حلب عبر الأوتوستراد السريع الذي بات يعرف بـ«إم 5».
لا دمار واسعاً على امتداد الأوتوستراد الذي يشكل جزءاً من ذاكرة السوريين وأهالي المنطقة الشمالية خصوصاً. غطاء نباتي أخضر يكاد لا ينتهي يبدد آثار المعارك وأصوات اشتباكات في العمق الغربي باتجاه جبل الزاوية وأطراف سراقب الغربية. تفرض لوحات طرقية سوداء اللون حضورها وسط تلك اللوحة الساحرة لسهول وهضاب تريح أعين الناظرين، لوحات تظهر سيطرة الفصائل على كامل المنطقة، فيما استثمرت «جبهة النصرة» لوحة عملاقة كانت فيما مضى تعلن ترحيب حلب بالضيوف إلى شعار الجبهة بلون أبيض على خلفية سوداء.
لم تتضرر الطريق جراء المعارك. دمار كبير في مدن مررنا بها خصوصاً خان شيخون ومعرة النعمان. مدينتان بدتا شاحبتين دون أي مظهر مدني، وحدها الحواجز العسكرية للجيش تتوزع على مسافات قريبة نسبياً على طول المسافة بين شمال حماة وحتى مدخل حلب. عند بلدة حيش، جنوب المعرة تمنع نقطة تركية إكمال المرور على الأوتوستراد تفرض على الجميع انعطافاً ضمن طريق فرعية ضمن بساتين الزيتون قبل العودة إلى الأوتوستراد. يلوح العلم التركي من مسافة بعيدة بالطريقين الذهاب والإياب يقابلها على بعد عشرات الأمتار حاجز للجيش السوري يدل العابرين على قلتهم بتحويل طريقهم عن النقطة.
الزربة وكفرجوم وكفرناها وأبوشيلم وخان العسل، بلدات تتوزع على طول الأوتوستراد داخل الحدود الإدارية لحلب. روائح البارود تملأ الجو باتجاه كفرناها جنوب غربي حلب. أصوات عربات مدرعة تسير على طرق فرعية قرب الأوتوستراد تشير إلى الاقتراب من جبهات القتال. لا سيارات مدنية تعبر الطريق؛ بضع فانات مغلقة يقودها جنود وعربات عسكرية تسير بسرعات كبيرة، ينعطف بعضها غرباً نحو كفرناها وخان العسل وأخرى باتجاه محور الأتارب و«الفوج 45». على بعد كيلومترات قليلة، يظهر حجم دمار رهيب في ضاحية الأسد والراشدين في دلالة على عنف معارك بعضها يعود إلى سنوات مضت، فيما تعطي متاريس ضخمة على محيط أكاديمية الأسد للهندسة العسكرية شعوراً بالرهبة لما عاشته المنطقة طيلة سنوات.
المرور أمام الأكاديمية ثم منيان إلى الطرف الغربي من الطريق، يعلن بالفعل أن طريق حلب باتت آمنة باتجاه دوارها الواسع المعروف بـ«دوار الموت»، باتجاه دمشق ثم حدود الأردن في وقت لا تزال فيه المعارك تدور حول سراقب، في صراع على الطريق الأخرى المعروفة بـ«إم 4» بين حلب واللاذقية.



«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.


الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
TT

الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)

تضع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، والردود الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج العربي، وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، اقتصاد اليمن الهش أمام اختبار جديد، حيث تجد البلاد نفسها عُرضة لارتدادات مباشرة تشمل ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين.

وتتزايد الضغوط على العملة والأسواق المحلية في اليمن في ظل الاعتماد الكبير على الواردات الخارجية لتأمين معظم الاحتياجات من الغذاء الطاقة، بينما تؤكد الحكومة امتلاك مخزون سلعي يكفي أشهراً عدة، في وقت تشير مؤشرات السوق إلى ركود حاد وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.

وتحاول الحكومة اليمنية احتواء التداعيات المحتملة للحرب الإقليمية؛ إذ حددت لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، خلال اجتماع طارئ برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أولوية حماية المعيشة واستقرار العملة الوطنية، والعمل على تحييد البلاد قدر الإمكان عن الارتدادات الاقتصادية للتصعيد العسكري في المنطقة.

وناقش الاجتماع الحكومي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والخدمية والإنسانية في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة وتأثيرها المحتمل على سلاسل إمداد الغذاء والدواء والوقود، ودعا العليمي الجهات المعنية إلى الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بما يضمن استمرار تدفق الواردات الأساسية ودفع رواتب الموظفين.

مجلس القيادة الرئاسي اليمني بحث في اجتماع له تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، عرض رئيس الحكومة شائع الزنداني ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المؤشرات المالية والنقدية وخطط الاستجابة الحكومية للحد من تأثيرات الحرب، وقدَّما تطمينات بمستويات الأداء المالية العامة والاحتياطات الخارجية.

ومن المتوقع أن يشهد اليمن ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود محلياً، بعد الارتفاع الذي تشهده عالمياً بسبب المواجهة المشتعلة في المنطقة؛ وهو ما سينعكس سريعاً على مختلف القطاعات الاقتصادية، عبر زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغوط المعيشية على السكان.

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني يوسف سعيد أحمد أنه من المبكر رصد كل آثار الحرب على الاقتصاد، غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى تداعيات محتملة واسعة، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية بعد تصاعد الحرب في الخليج.

القدرة الشرائية لليمنيين مهدَّدة بمزيد من التدهور بعد اندلاع الحرب ضد إيران (أ.ف.ب)

ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تجاوز سعر النفط حاجز 90 دولاراً للبرميل يضع اليمن في موقع المتضرر الأكبر؛ إذ تحولت البلاد منذ أواخر 2021 إلى مستورد صافٍ للنفط ومشتقاته بعد توقف صادراتها النفطية نتيجة هجمات الحوثيين على مواني التصدير.

هشاشة وانعدام يقين

وينوّه أحمد، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى احتمال أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، التي قد تصل إلى ثلاثة آلاف دولار إضافية لكل حاوية متجهة إلى المواني اليمنية، إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على الشحنات؛ ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة النقل وأسعار السلع والخدمات.

كما يرجح تأثر سوق الصرف وتحويلات المغتربين والدعم الخارجي إذا طال أمد الحرب؛ ما يعزز حالة عدم اليقين في الاقتصاد.

وسط الركود الذي تعيشه الأسواق اليمنية تشتدّ المخاوف من ارتفاع وشيك للأسعار (أ.ف.ب)

وتفيد التقديرات الحكومية بأن المخزون السلعي من المواد الأساسية لا يزال عند مستويات آمنة، تكفي لفترة تقارب ستة أشهر، بدعم من تدخلات وتمويلات قدمتها السعودية، إلا أن خبراء الاقتصاد يرجّحون أن ما يتوافر في الأسواق لا يرقى إلى مستوى المخزون الاستراتيجي الحقيقي.

ولكون الاقتصاد اليمني اقتصاد حرب، ويعاني الهشاشة، فمن المتوقع أن يدفع ثمناً كبيراً في هذه الأزمة، حسب الخبير الاقتصادي مصطفي نصر الذي يؤكد أن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحريين سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع مباشرة في الأسواق اليمنية، خصوصاً وأن البلد تستورد معظم احتياجاتها من السلع الأساسية.

ويبين نصر لـ«الشرق الأوسط» أن التأثيرات التي تتعرض لها اقتصادات الدول المانحة، وفي مقدمها السعودية، قد يؤثر على المنح والمساعدات التي يتلقاها اليمن، خصوصاً أنه من الدول الهشة التي لا تملك استراتيجيات لتقييم المخاطر، أو مناعة لمواجهة مثل هذه الصدمات والتخفيف من المخاطر.

التصعيد الإقليمي يهدّد بمضاعفة الأزمة الإنسانية في اليمن والمزيد من خفض التمويل (أ.ف.ب)

وينفي نصر، وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إمكانية حصول اليمن على بعض الفوائد من هذه الحرب، مثل توجه خطوط الملاحة إلى ميناء عدن؛ بسبب عدم قدرته وكفاءته على استيعاب حركة السفن المتوقعة، إلا أنه يتوقع انخفاض الدعم الذي تتلقاه الجماعة الحوثية من إيران بفعل ما تتعرض له من استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

ضرورة الإجراءات الاستباقية

تعهدت الحكومة اليمنية التي أُعيد تشكيلها أخيراً، بإعلان أول موازنة للدولة منذ 7 أعوام، واحتواء التضخم وتحسين معيشة السكان وانتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم استقلالية البنك المركزي وحماية العملة.

ويذهب الأكاديمي الاقتصادي محمد قحطان إلى أن الحرب الدائرة تتصل بصراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي ومستقبل النفوذ الأميركي، وهي بعض المعطيات التي تحتم على الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي استشعار الخطر أمامها.

على الرغم من الاستقرار النسبي للعملة اليمنية تواجه الآن تهديد تأثيرات الحرب في المنطقة (أ.ف.ب)

ويشدد، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة استئناف تصدير النفط والغاز اليمني إلى الصين، والتي تُعدّ، بأمس الحاجة إلى بدائل الطاقة مع توقف الإمدادات من إيران ودول الخليج، إلى جانب الإسراع بإصلاح مصافي النفط في عدن لتغطية احتياجات السوق اليمنية من خلال عقود مع شركات صينية.

ويحذّر قحطان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن؛ نظراً لاعتماد الحكومة الكبير على المساعدات الخارجية والواردات الغذائية، ما قد يدفع البلاد نحو مزيد من التدهور في الأمن الغذائي وأمن الطاقة ما لم تُتخذ إجراءات استباقية لمنع ذلك.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في تقرير لها مطلع هذا العام من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في اليمن الذي يواجه نحو 18 مليون شخص من سكانه خطر الجوع الحاد، بسبب مخاطر متداخلة من التطرفات المناخية والحرب وأزمات التمويل.