سيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت يحتفل بيوبيله الفضي

9 فنانين أضافوا لمسة جمالية خاصة له واختزلوا مسيرته في ربع قرن

وزيرة الثقافة المصرية د. إيناس عبد الدايم مع أحد الفنانين
وزيرة الثقافة المصرية د. إيناس عبد الدايم مع أحد الفنانين
TT

سيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت يحتفل بيوبيله الفضي

وزيرة الثقافة المصرية د. إيناس عبد الدايم مع أحد الفنانين
وزيرة الثقافة المصرية د. إيناس عبد الدايم مع أحد الفنانين

بحوارية فنية شيقة، تعانق فيها النحت والطبيعة، احتفل سيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت على الغرانيت بيوبيله الفضي، ونجح 9 فنانين شاركوا بهذه الدورة في إضفاء لمسة جمالية واستثنائية على المشهد، بابتكارات واستعارات ولمسات خاصة في معالجة الخامة، شكلت ما يشبه الاختزال لمسيرة السيمبوزيوم الخصبة على مدار 25 عاماً، واستطاعوا بعين يقظة خلق حلول بصرية لافتة وملامس إدراك جديدة لكتلة الغرانيت الصلبة الحادة، رغم ضيق الوقت المتاح لهم لمعايشة التجربة في بيئتها الفطرية، والذي لم يتجاوز أسبوعين، على عكس الدورات السابقة، التي امتد بعضها لنحو شهر ونصف الشهر، كما كان عدد المشاركين أكثر، وهو ما يوسع من فرص الاحتكاك والحوار وتبادل الخبرات الجمالية والثقافية بين الفنانين أنفسهم.
في الدورة السابقة، شارك 15 فناناً من مختلف دول العالم، وكان من المفترض أن تصبح هذه الدورة أكثر احتشاداً وتمثيلاً لكوكبة من أبرز الفنانين الذين شاركوا في الدورات السابقة، لتزامنها مع مرور ربع قرن من عمر هذا المحترف الفني شديد الخصوصية والضارب في عمق الوجدان المصري؛ حيث تمثل الحضارة المصرية بكل تراثها العريق النبع البكر لفن النحت على الحجر.
دكتور فتحي عبد الوهاب رئيس صندوق قطاع التنمية الثقافية المنظم للسيمبوزيوم نفى ما تردد عن تقليص الميزانية المخصصة له، أو أنها كانت السبب في ذلك، وقال إن المشكلة تسببت فيها اعتذارات فوجئنا بها في وقت متأخر لأكثر من 15 فناناً تمت دعوتهم، بعد أن أبدوا تحمساً للمشاركة، وهو ما فرض علينا نوعاً من التحدي، ليخرج بهذه الصورة المشرفة التي فاجأنا بها هؤلاء الفنانون، وفي زمن قياسي بذلوا فيه كثيراً من الجهد بمحبة خالصة لفن النحت.
وحول ضرورة إعادة النظر في استراتيجية السيمبوزيوم، وتوسيع قاعدته وعلاقته بالجمهور والفنانين، خاصة في ظل منافسة شرسة وإغراءات مالية كبيرة، لعدد من منتديات النحت العربية المثيلة، التي تأسست حديثاً، أكد عبد الوهاب أنه للتحضير للدورة المقبلة سوف يضع السيمبوزيوم ذلك على طاولة حوار مجتمعي مفتوح، خاصة في كليات الفنون والمؤسسات الفنية المعنية، لنصل من خلاله إلى تصور محدد لكيفية ضخ دماء جديدة في شرايين السيمبوزيوم، وتوسيع آفاقه والحفاظ على استمراريته وخصوصيته.
يصب في هذا المنحى، ما أكدت عليه وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبد الدايم، واللواء أشرف عطية محافظ أسوان، في كلمتيهما بحفل ختام السيمبوزيوم الذي احتضنه متحفه المفتوح بصحراء أسوان، مساء السبت الماضي؛ حيث أكد المسؤولان على ضرورة النهوض بهذا المتحف، وعرض مقتنياته بطرق وأساليب متطورة، تحافظ على قيمته الجمالية، وتجعل منه مزاراً متحفياً جذاباً للجمهور.
ويعد هذا المتحف هو الأول من نوعه في العالم، ويمثل مخزوناً بصرياً لأعمال السيمبوزيوم، ويضم حتى الآن ما يقرب من 250 عملاً نحتياً، تنفرد ببنائها الصرحي، وتنوع أحجامها، وعوالمها الفنية، وفضائها المنداح وسط جغرافيا الصحراء بصخورها الطبيعية، حيث حوّلت عوامل التعرية والرياح كثيراً منها إلى مجسمات نحتية طبيعية.
وبين هذه الأعمال منحوتات نفذت داخل المتحف نفسه، نظراً لضخامتها، ولا يبتعد المتحف كثيراً بموقعه الفريد ما بين خزان أسوان القديم والسد العالي عن ورشة عمل الفنانين التي يحتضنها في بهوه الخارجي أحد فنادق أسوان الداعمة للسيمبوزيوم، منذ انطلاقه عام 1996. على يد مؤسسه وصاحب فكرته النحات آدم حنين. وكان لافتاً أن يكرم صاحب هذا الفندق ضمن المكرمين في حفل الختام، من الفنانين المشاركين والعاملين المهنيين المساعدين، وعدد من القائمين على تنظيمه إدارياً.
شكّل السيمبوزيوم على مدار سنواته الخمس والعشرين عطاء متنوعاً ومتميزاً في فن النحت، وهو ما لم يوثقه بشكل جيد الكتيب المرافق لهذه الدورة، مكتفياً بالرصد الإحصائي لعدد المشاركين في تلك الدورات، ولم يسلط الضوء، ولو في دراسة نقدية متخصصة، على أهم الملامح والسمات الجمالية التي ميزت هذه الدورات، وأهم الأساليب والابتكارات الفنية التي صنعها الفنانون، وتبلورت من خلالها خصوصية السيمبوزيوم، وذكر الكتيب أسماء عدد من الميادين والأماكن العامة التي تم عرض بها نماذج من هذه المنحوتات، ولا نعرف على أي أساس أو المعيار الفني تم عليه هذا الاختيار، علماً بأن هناك مسافة ومواصفات تقنية وبصرية بين تماثيل الميادين بإيقاعها التجسيدي المحض، الذي يراعي فيها الفنان عين المشاهد أولاً، وبين أعمال السيمبوزيوم، بإيقاعها التجريدي وتراكيبها البنائية، والتي يراعي فيها الفنان عين الفن في المقام الأول.
نجح فنانو هذه الدورة، وهم إكرام قباج (المغرب) تون كال (هولندا) حسن كامل (مصر) سعيد بدر (مصر) شمس القرنفلي (مصر) علي نوري (العراق) ناثان دوس (مصر) هاني السيد (مصر) هشام عبد الله (مصر)، في خلق مساحات للضوء في تجاويف المجسم النحتي، ليلعب داخل الكتلة، ويتنفس هواءها، حتى على السطوح غير المستوية، ساعدت على ذلك طبيعة طقس أسوان وشمسها الدافئة الساطعة بصفاء على مدار ساعات النهار. الأمر الذي أغرى النحات ناثان دوس، الذي يشارك للمرة الثالثة، أن يجعل عمله الفني على هيئة لوحة نحتية تذكارية من الغرانيت الوردي، حفر عليها شعار السيمبوزيوم وتاريخ تأسيسه، وثبت في أفقها العلوي ساعة شمسية تعكس مرور الوقت على هذه الدورة، ولحظة الاحتفال باليوبيل الفضي. إنها حالة من التوثيق البصري مستمدة من روح التراث المصري في استخدام تقنية الساعات الشمسية لتقدير الوقت من خلال ثقب يحمل قطعة خشبية أو معدنية صغيرة مستقيمة، يحرك ظلها بقوة ضوء الشمس.
ولعب الفنانان؛ المغربية قباج، والعراقي علي نوري، على مجسم التفاحة بقطعتين من الغرانيت الأسود، شقتها قباج من الوسط، لخلق نوع من التوازن بين الثقل والخفة، وكأنها تتخفى في شكل طائر على وشك التحليق ومغادرة قاعدته المثبت عليها، ولا يخلو التكوين والرؤية من حس بروحانية الخامة، بينما سعى نوري إلى تثبيت الكتلة بسمتها الواقعي، مركباً عليها قطعة هيكلية أخرى لإنسان بلا ملامح، مهوِّشاً جزأه العلوي بطبقة مصمتة من الغرانيت، في مقابل جزئه السفلي الواضح الملامح، وهو تصور نابع من رؤية الفنان للعولمة، التي تسعى إلى تسليع الإنسان، وجعله كياناً مصمتاً بلا عقل وروح... ظلال فكرة التحليق شكلت شغف سعيد بدر في عمله المركب على شكل وردة تستعد للتفتح، والمثبت على قاعدة طويلة مستقيمة، ينهض العمل على التوازن ما بين القاعدة والارتفاع، في ظلهما تبرز رؤية الفنان، التي تشي بأن ثمة طائراً يتوق للطيران والانعتاق من جاذبية الأرض، لكنه لا يحتاج فقط للاتزان، إنما للرعاية والحراسة معاً.
ومن الأشياء اللافتة إشاعة جو من روح المرح والضحك في عدد منها، فقد حرص شمس الدين القرنفلي على الدمج بين فن الرسم والنحت في عمل من أبرز الأعمال النحتية في هذه الدورة؛ حيث جعل الواجهة على هيئة وجه إنسان له سمت فرعوني منساب بسلاسة وحيوية وعلامات ورموز دالة، تبرز في تظليل الشفتين والذقن بالأسود المنسوج من طبقة النحت نفسها، كما تنساب الخلفية على هيئة فك ثعبان الكوبرا، أحد رموز الحيوانات المقدسة في التراث الفرعوني.
وبلغ المرح أفقاً إنسانياً شديد الطزاجة في عمل حسن كامل؛ حيث كسر حياد الكتلة وصمتها بحلول بصرية شديدة البساطة، وجعل العينين المبهمتين في واجهة الكتلة - البورتريه، وكأنها ضحكة مخبوءة، يتردد صداها بنغمية شجية مع حركة الشفتين البارزة في المجسم، وهو ما يكشف عمقاً في الرؤية لعلاقة الإنسان بذاته والحياة من حوله... في هذا السياق، جاء عمل الفنان الهولندي تون كال «كيف تطهو قمراً»، مجرد كتلة من الأعلى ليكون لها ملمس ناعم، يشبه استدارة القمر، وملمس إناء طهو كبير، ووضع المجسم على بعض دعامات صخرية يتناثر حولها الحصى، وكأنها موقد ينتظر الاشتعال فوق سطح الأرض، في إشارة رمزية إلى أن مصيرها وما يجتاحها من كوارث أصبح يشبه عبثياً عملية طهو قمر، حتى يستيقظ من نومه ويصبح مصدراً للنور والأمل.



إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.