«الفيلسوف الجديد» بإطلالة عربية... ما معنى الحياة؟

ساهم فيها معنيون بالفكر الفلسفي من مختلف أنحاء العالم

«الفيلسوف الجديد» بإطلالة عربية... ما معنى الحياة؟
TT

«الفيلسوف الجديد» بإطلالة عربية... ما معنى الحياة؟

«الفيلسوف الجديد» بإطلالة عربية... ما معنى الحياة؟

لتدشين النسخة العربية من مجلة «الفيلسوف الجديد» (NewPhilosophe) قرر فريق منصة «معنى» للنشر والتوزيع، باعتبارها الوكيل الرسمي للمجلة، ترجمة العدد الصادر بعنوان «ما معنى الحياة؟»، ليكون باكورة إنتاجها. واشتمل العدد الأول على جرعات فلسفية خفيفة، تمثلت في مقالات وحوارات ومقولات ولافتات ورسوم بيانية، وذلك ضمن إخراج بصري جاذب، ومنظومة صور محقونة بالدلالات؛ حيث افتتح العدد بمقالة تساؤلية قصيرة عن الحياة لمحرر المجلة زان بواغ، استعرض فيها احتمالات المعنى الموزع ما بين اللطافة مع الناس، وتناول الغذاء الصحي، والاهتمام بالقراءة، والعيش بسلام مع كافة الشعوب والطوائف. وهو سؤال - بتصوره - ليس حكراً على الفلاسفة؛ بل يمكن أن يتورط فيه فصيل من الأطفال والمراهقين المنفطرة قلوبهم والمسنين، من دون الاتفاق على جواب، فالمعنى ليس في الحب تماماً ولا في تعلُّم الموت، وربما لا يوجد ذلك المعنى أصلاً، إنما المهم عدم التفريط في الوقت الذي تمنحنا إياه الحياة.
المجلة محررة بكتيبة من الأساتذة المعنيين بالفكر الفلسفي من مختلف أنحاء العالم؛ حيث يثير ميشيل دي مونتين في مقاله الإحصائي «النمو الأُسي» السؤال المرعب عن وتيرة النمو السكاني، وعن مقدار ما تبقى من طاقة الأرض الاستيعابية للبشر، بينما يعالج أوليفر بيركمان في مقاله «السعي وراء معنى الحياة» صناعة السعادة الحديثة، كما يستخلصها في ازدهار الإنسان عوضاً عن المتعة. أما كلاريسا سيباج - مونتيفور فتتحدث في مقالتها «الانقراض السادس» عن انقراض جماعي للأرض من خلال الزوال الحيواني الهائل. كذلك يناقش باتريك ستوكس معنى الحياة في مقالته «عش حياتك»، من منطلق أننا لا نعيش حياتنا فحسب؛ بل نقودها، فهي ليست مجموعة تفاصيل؛ بل هي شيء نصنعه.
وفي مقالتها «الإنجاب للاختلاف» تقرر ماريانا آليساندري أن الإنجاب يعني مواجهة النتيجة العرضية المخيبة للآمال في الحياة، وهي الاختلاف؛ حيث تسرد قصة معركتها مع ابنها حول تناول اللحوم، وتخليها عن فكرة الابن المثالي، وميلها إلى إمكانية إظهار الحب لمن نحب من دون قتله أو افتراسه. أما نايجل واربورتون فيرجح فكرة استيعاب الحياة من خلال الاستعداد للتفكير في الموت، وذلك في مقالته «التفكُّر في موتك نهاية الحياة الحتمية»؛ إذ يستنكر هاجس الخلود المضجر، والتصالح مع قدر الموت في أي لحظة، بينما يربط توم تشاتفيلد بين «الحب والموت» في مقالة بالعنوان نفسه، على افتراض أن التكاثر والموت أهم استراتيجيات التطور، إذ إننا نعيش، ثم نحب، ثم نموت. كذلك يتساءل ماسيمو بيغيلوتشي في مقالة بعنوان «كيف تعيش حياة الرواقيين؟» عن ماهية الحياة التي تستحق العيش. وهي - بتصوره - تلك التي تجعلك حين تنظر إلى الوراء تفكر أن ما عشته كان أمراً جيداً.
كذلك يجادل تيم دين في حالة اعتدادنا بأنفسنا، بالنظر إلى كوننا الكائنات الوحيدة العاقلة والمتطورة في هذا الفضاء الشاسع، وذلك في مقالته «البحث عن حياة فضائية»؛ إذ بمقدورنا اكتشاف الحياة من خلال تحديقنا في فراغ الفضاء الفاني. وهذا هو ما يدفعنا للإيمان بالله وبمخلوقات أخرى لملء الفضاء. كما يعالج ماثيو بيرد مسألة التناقض ما بين سلوك الفرد ومعتقداته، في مقالة بعنوان «معضلة أخلاقية»، مؤكداً على وجود ذلك التناقض الحاد داخل الذات التي تصدر تناقضاتها للآخرين. كذلك يحذر أندريه داو في مقالة بعنوان «روبوتات قاتلة» من خروج الروبوتات عن السيطرة الإلكترونية، وعدم امتثالها للقانون الدولي الإنساني، وذلك في سياق الحرب الحديثة.
وفي مقالة مشتركة لديريك فان زيل سميث وكاثرين آبلتون بعنوان «العقوبة القصوى»، يطالب الكاتبان بتقنين عقوبة السجن المؤبد لتتوافق مع حقوق الإنسان، لإتاحة الفرصة للسجناء لإعادة تأهيل أنفسهم، مهما قيل عن تلاشي الأهمية الرمزية لسلطة الدولة. كما يعالج دامون يونغ في مقالته «حياة وحشية» علاقة الروح بالجسد، ومعضلة كوننا نحس ونشعر ونفكر، فنحن لسنا مجرد أشياء تفكر. كذلك يستعرض تيم كامبل في مقالته «متروكون لأجهزتنا» أثر التقنية على حياتنا؛ حيث التحديق في الشاشات والبدانة وعدم النوم، والعيش تحت وطأة ثقافة الاتصال. أما مقالة أنجل سميث «دروس اللغة» فتدور حول أمان اللغة الأم، مقارنة بما تتيحه اللغات الأخرى من ترحيل الذات ثقافياً.
يشتمل العدد أيضاً على عدد من الحوارات. ففي حوار لريكي جيرفيس مع زان بواغ يوجه له ثلاثة عشر سؤالاً خاطفاً حول الشك والسعادة والوهم، ومعنى الحياة بطبيعة الحال. كما يحاور زان بواغ أيضاً هيلين كالديكوت حول «نهاية الحياة على كوكب الأرض»، تحدثت فيه عن الأخطار النووية، مستنكرة ذلك السباق الأحمق لصناعة القتل على حساب انعدام نظام الرعاية الصحية. كذلك هناك حوار لنايجل واربرتون مع غالين ستراوسن حول «فهم الحياة»، تحدث فيه عن الذاكرة كجزء من الهوية وكمعيار لها، وعن أهمية عدم النظر إلى الذات كسردية واحدة؛ بل كأجزاء ومقتطفات، وضرورة فهم أنفسنا على نحو سردي، كما يقترح الفلاسفة.
كذلك يحتوي العدد على مقطع من كتاب «إنساني مفرط في إنسانيته»، لفريدريك نيتشه، بعنوان «قيمة الحياة» وذلك من اختيارات المحرر، على اعتبار أنه يجادل قيمة الحياة كما تتراءى لدى الإنسان العامي العادي؛ من حيث إحساسه بأهميته التي تفوق أهمية العالم. إلى جانب مقطع من مسرحية ويليم شكسبير «كما تشاء»، وهو بعنوان «أعمار الإنسان السبعة»، يتحدث فيه عن كون العالم مسرحاً والناس فيه ممثلون، من خلال دراما من سبعة أجزاء، تعادل عمر الإنسان، الطفولة حتى الشيخوخة التي يصبح فيها فاقداً لكل شيء. وأيضاً هناك مقطع للوكيوس أنايوس سينيكا بعنوان «الحياة طويلة إن عرفت كيف تستخدمها»، يتحدث فيها عن قصر عمر الإنسان مقارنة بما يحلم به من خلود، وذلك بسبب سوء استخدام العمر؛ حيث يبدو الجزء الحقيقي الذي يعيشه الإنسان أقصر مما يتخيل، مستشهداً بمقولة أبقراط: «الحياة قصيرة والفن أطول». وبما يشبه الاستراحة ما بين المقالات، تظهر صفحات استرواحية تحتوي على مقاطع قصيرة، لآرثر شوبنهور، وماركوس طوليوس شيشرون، وبرتراند راسل، وريتشل كارسون، وآخرين، مختارة بعناية لاستظهار وجهة نظر الفلاسفة حول الحياة ومعناها من الوجهة الفلسفية، في محاولة للإجابة على الكيفية التي يمكن بها أن نحيا حياة ذات معنى، والاهتداء إلى نقطة البداية. كما توجد محطة لمقولات فلسفية أقصر، لجان بول سارتر، وويليام جيمس، وسقراط، وجوزيف كامبل، وابن سينا، وغيرهم، حول المرايا المتعددة للنظر إلى معنى الحياة. بالإضافة إلى إسهامات عدد من نخبة اللحظة، كالطبيب الهندي تيمور خان، والفيلسوف المجري تيم كارنيه، والمحامية الأسترالية جستين بون، والفيلسوفة النرويجية ليل أنجوم، وغيرهم ممن عبروا عن وجهة نظرهم بكلمات قليلة عن معنى الحياة.
إنها مجلة تشبه اللحظة المعاصرة، بما تحتويه من موضوعات مطروحة للتداول الإعلامي اليومي، وإن لم تفقد صلتها بأسئلة الفلسفة الغليظة، حول العدالة والخير والشر والمنطق واللغة، حتى البعد التبسيطي للفلسفة الذي تطرحه يظل مشدوداً لأسئلة الإنسان الكبرى، فعندما يُسأل أليكس هايندز عن معنى الحياة يجيب: «كتب جيدة وقهوة سوداء»؛ حيث تخفي هذه الإجابة الخاطفة توقاً فردياً لإشباعات تبدو صغيرة؛ لكنها حاسمة عندما يتعلق الأمر بمفاهيم الإرادة والنظرة إلى العالم؛ لأنها متأتية من ذات راغبة وقادرة على توطين نفسها على خط الزمن. ولذلك تبدو خطوة منصة «معنى» بترجمة المجلة إلى اللغة العربية موفقة؛ لأنها لا تنقل ملفوظات المجلة وحسب؛ بل هواجس الإنسان المعاصر، وآليات تفكيره الفلسفي في الوجود، كما تعرِّف الإنسان العربي على المحطة الفلسفية التي ينطلق منها الآخر في علاقته بالكون، ومتغيرات الحالة البشرية.
- ناقد سعودي



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».