اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا
TT

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

نشرنا يوم أمس، الحلقة الأولى من تحقيق «اليهود في الرواية السعودية»، الذي استعرضنا فيه مضامين 5 روايات تناولت شخصيات يهودية، ومن خلالها قضايا إنسانية عامة كالهوية والصراع القومي، أو قضايا المرأة وذكورية المجتمع. ولكون هذه الأعمال صدرت في أوقات متقاربة، فقد أثارت كثيراً من الأسئلة... رغم أن مؤلفيها الذين تحدثنا معهم يستغربون من التوظيف السياسي لرواياتهم. وفي هذه الحلقة، ننشر 3 حوارات مع علي الأمير مؤلف رواية «قاع اليهود»، ورجاء بندر مؤلفة «غربة يهودية»، وسالمة الموشي مؤلفة «يهودية مخلصة»...

علي الأمير: «حي اليهود» مجرد حامل لعمل روائي
في البدء يتحدث الروائي والناقد علي الأمير، مؤلف رواية «قاع اليهود»، قائلاً: «روايتي ليست خالصة لليهود، ولكن بسبب (قاع اليهود/ اسم حي في صنعاء) الذي أعرفه جيّداً من خلال عملي لسنوات في صنعاء، احتجت للحديث عن اليهود، عبر إحدى شخصيات الرواية. بذلتُ كثيراً من الجهد في العودة للكتب التاريخية، والمقالات في الصحف اليمنية القديمة، لجمع الحقائق التاريخيّة والوقائع الثابتة، رغم أنّ الجانب التاريخي لا يشكل سوى أقل من 10 في المائة من الرواية. كما لا أنكر استفادتي من مراجعتي اللغوية لرواية (اليهودي الحالي) للروائي اليمني علي المقري، الذي كان قد طلب مني مراجعتها قبل طباعتها، وبالطبع موضوع روايتي مختلف تماماً عن روايته».
يضيف رداً على سؤال عن الجديد في هذه الرواية: «كنتُ أفضل أن أترك الحديث عنه للنقاد أو القراء، لكن ربما تجده في كشف حقيقة الحرب على الإرهاب في اليمن، وربما في مظلوميّة يهود اليمن».
يفند علي الأمير الاتهام بأن روايته هذه تسوّق لثقافة التطبيع بقوله: «كل ما أستطيع تأكيده لك، أنّ تلك الإسقاطات التي تدور في أذهان البعض، حول الدعوة للتطبيع بسبب ذكر اليهود، هي محض افتراء، وتربّص واضح بنا كسعوديين. أتفق معك في كون مفردة يهودي مثقلة بحمولاتها التاريخيّة، ولافتة للنظر، لذلك قد يعمد كاتبٌ ما إلى استثمارها دعائيّاً كعنوان، وهذا من حقه، بالنسبة لي حي (قاع اليهود)، لم يكن يعني لي أكثر من حامل لعمل روائي، وليس في روايتي شيء من أوهام التطبيع».

رجاء بندر: التطبيع مجرد دعايات
حققت رواية «غربة يهودية» لرجاء بندر، التي صدرت بداية العام الحالي، أرقاماً عالية في حجم المبيعات، وتداولتها الأيدي بسرعة كبيرة، وحظيت بتقدير واضح كونها أول إنتاج أدبي مطبوع لصاحبتها، الشابة رجاء بندر، وجاءت بلغة سردية رصينة وتقنية روائية لافتة، ومؤلفتها كعلي الأمير من منطقة جازان جنوب السعودية.
تتحدث رجاء بندر لنا عن بدايتها الأدبية قائلة: «بدأت أكتب قصصاً قصيرة خيالية، تقرأها الصديقات، ثم كتبت رواية خيالية بحتة لجنس مختلف، يعيش في عالم آخر، وقد أثّرت هذه الرواية فيمن قرأها ممن حولي، فدفعتني الحماسة أن أجسّد في نصوصي شخصية العدو المحاط بألغام وخطوط حمراء فظهرت في روايتي (غربة يهودية) عبر شخصية عفراء».
وتتحدث رجاء بندر عن مراحل تشكل وعيّها بالموضوع اليهودي قائلة: «ترعرعت ونشأت في الفترة التي كان فيها الغضب العربي في ذروته، كنتُ أحفظ أغنية (وين الملايين)، وكانت صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة في أوائل الذكريات المرئية من مخيلتي، وكنتُ ألعب مع الأطفال من عائلتي ولنا جيران فلسطينيون، نمثل معاً مشهد طفل يجابه بالحجارة البندقية الإسرائيلية ويهزمها بحجر، وكان سقوط الطفل الذي يمثل الجانب الصهيوني في لعبتنا البريئة يُشعرنا بالنشوة والنصر الصغير، كأن أرواحنا تطير».
تجيب رجاء البندر عن سؤال: «أين تعرفت على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟»، بقولها: «في الثانية عشرة أصبتُ بصدمة ثقافية، حيث إنني دخلتُ في نقاش حاد مع يهودي عربي من اليمن عبر وسائل التواصل، كانت صدمة بالنسبة لي، حين وجدتُ أنه يمكنه تكلم العربية بهذه الفصاحة ومعرفة التفاصيل الصغيرة عن البلاد العربية، كنتُ أحاول مجابهته كونه عدواً! ولكن بعدها اكتشفت أبعاداً أخرى للقضية التي كانت أحد خطوطي الحمراء، فاكتشفت أنني جاهلة تماماً بها ولم أعرف منها سوى العداوة المجردة من التفاصيل والأسباب، فقررت الغوص في عالم يهود الشرق، واكتشفت أنهم كانوا يعيشون بيننا».
عكفت رجاء بندر عامين للتعرف على قراءة العهد القديم، كما قرأت المقالات والكتب وشاهدت الأفلام الوثائقية، التي تناولت التجمعات اليهودية في اليمن، وتقول إنها حاولت كذلك التفتيش عنهم في كتب التاريخ العربي.
تنظر رجاء لروايتها بفخر، تقول: «(غربة يهودية) هي أولى درجات السلم، وهي عملي الأول، وأتمنى ألا يكون الأخير. والسرد عموماً يستهويني، وفي داخلي نَهَمٌ حكائي لم أروِ منه إلا النزر اليسير. والجديد أنني زرعت في نفوس الشباب المهتم بالرواية الفضول لقضية معينة، لأن الرواية التي لا تخلق في رأسك الأسئلة والبحث عن الأجوبة وتكون ذات أسلوب وموضوع اعتيادي وتقدم لك كل شيء في أوراقها وبين طياتها - تكون مملّة ورتيبة».
رجاء هي الأخرى لا تخشى الاتهام بالتطبيع لأنها كتبت رواية عن اليهود، تقول: «يخشى الإنسان من الأمور الحقيقية الموجودة، وليس الأشياء التي ليس لها وجود...! أنا لم أخشَ من تهمة التطبيع لأن هذه مجرد ادعاءات، فأنا كتبتُ نصاً أدبياً فقط...! لا يوجد فيه غير ما تقوله شخوصه».

فوزي صادق: روايتي تستقي من غرس التاريخ ولا علاقة لها بالسياسة
عاشت قبائل من اليهود في الجزيرة العربية، وخصوصاً في اليمن، ويثرب، وخيبر، وتيماء، ودومة الجندل، واليمامة، وحافظوا على وجود قليل لهم في اليمن، حتى 1948. وفي نجران حتى ثلاثينات القرن الماضي.
لكن وجودهم في الأحساء انقطع تقريباً بعد الإسلام، ثم عاد في القرن التاسع عشر مع المد العثماني. ويرجح المؤرخ الأحسائي الراحل جواد الرمضان أن تاريخ اليهود في الأحساء يرجع إلى عام 1871؛ حين أرسلت الدولة العثمانية حملة إلى المنطقة بقيادة «مدحت باشا» لبسط نفوذها على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية، ممهدة لدخولها تحت لواء الدولة العثمانية.
ويرى الرمضان أن الدولة العثمانية أنشأت جهازاً لتسيير الأمور في المنطقة التي كانت ضمن «لواء البصرة» العثماني، واستقدمت أفراده من العراق، وبينهم يهود تركوا فيما بعد آثاراً تدل إلى وجودهم، منها بستان «داود اليهودي» في إحدى ضواحي مدينة الهفوف، وبستان حدارة، ومخزن تجاري، ومقبرة بالقرب من سوق القيصرية.
وقد نزح كثير من اليهود مع خروج العثمانيين، كما غادر بعضهم مع قيام الدولة السعودية، نحو العراق والبحرين. ولم يعد ثمة يهود في تلك المنطقة.
في روايته: «اللِّيدي تالين - الأحساء 1912» يقتفي فوزي صادق، أثر اليهود الذين كانوا يعيشون في الأحساء مطلع القرن العشرين، ولذلك فرواية «اللِّيدي تالين» الوحيدة من بين الروايات الأخيرة التي تنقِّب عن اليهود الذين كان يعيش بعضهم في الأحساء شرقي السعودية، وتدور أحداثها في كواليس حارة اليهود بالهفوف، في الأحساء، وهي أيضاً تروي قصة حب فتى من الأحساء يعمل نجاراً، لفتاة يهودية.
‏يقول فوزي صادق، مؤلف رواية «الليدي تالين»، إن روايته «جريئة... وستلقى إقبالاً كبيراً، وستخلق حراكاً في الرواية السعودية والخليجية، فهي دراما اجتماعية جديدة، بقالب تاريخي ومعلوماتي عن تاريخ وأرشيف الأحساء؛ أرض الحضارات والثقافات، وأحداث الرواية جرت قبل قرن من الزمان، في كواليس حارة اليهود، وتروي قصة عشق بين يهودية وشاب أحسائي».
وعن فكرة الرواية يقول: «أنا من مواليد الأحساء، وعشت طفولتي بالبحرين، وطالما سمعت عن وجود الجالية اليهودية بالبحرين، وأنهم قدموا من الأحساء بعد خروج العثمانيين، والفكرة موجودة؛ لكن لم أتجرأ على الكتابة عنهم؛ كون هذا العمل كان داخل (التابو) سابقاً في الرواية المحلية. وقد تعرَّفت على تاريخ اليهود، ووقفتُ على أطلال وجودهم في الأحساء، وبينها المقبرة التي خلفوها وراءهم، واطلعت من شخصيات أدبية ومؤرخين عن تاريخ الجالية اليهودية، وبعد البحث والتقصي عنهم لمدة ثلاث سنوات تقريباً، سمعت عن قصة عشق بين يهودية مهاجرة وشاب أحسائي، وأخبرتني بالقصة سيدة بحرينية كبيرة بالسن، فبدأت بفكرة كتابة الرواية».
ويختتم فوزي صادق بالقول إن هذا النوع من الكتابة «حسَّاس»؛ لكن هذه الرواية لا علاقة لها بالسياسة، فهي «رواية تاريخية، تستقي معلوماتها وأفكارها من غرس التاريخ الإنساني وحصاد المؤلف».

سالمة الموشي: روايتي جديدة في المضمون والطرح
> لماذا اليهود؟ بمعنى لماذا اخترتِ الكتابة عن اليهود تحديداً؟
- الكتابة في روايتي «يهوديَة مُخَلِصَة» تحمل خطاً فكرياً متفرداً يتناول الجانب التاريخي والإنساني والاجتماعي والنسوي ضمن سياق تاريخ اليهود، ويستطيع القارئ التواصل معها روحياً وتاريخياً بسلاسة، وحين تم اختياري للبيئة اليهودية، فإن شخوص الرواية سيكونون بالضرورة يهوداً؛ سواء كان في اختيار الأسماء اليهودية للشخصيات أو الفضاء المكاني للرواية. كما أشير إلى أن اليهود ليسوا طارئين على التاريخ أو على الجزيرة العربية فقد وجدوا قبل الإسلام، بل إن يهود اليمن من الأمم العريقة التي سكنت شبه الجزيرة العربية وذكروا في القرآن الكريم أكثر من مرة.
> كيف نشأت فكرة أن تكتبي رواية عن اليهود في جنوب الجزيرة العربية؟
- بدأت الفكرة بالكتابة عن رواية تحمل فكراً تفكيكياً لسياقات تاريخية معينة وتساؤلات، تحمل أبعاداً سياسية ودينية، فكان الفضاء المكاني هو البيئة اليهودية من خلال شخصية محورية لفتاة يهودية. نشأت الفكرة نتاج اللحظة التي أُلهمت فيها تجسيد حبكة سردية يمكن من خلالها تجسيد الأفكار والرؤى والمعاني العميقة التي أردت طرحها عن حضارة الإنسان يهودياً كان أم سعودياً أم يمنياً، حيث تتقاطع الرواية مع السياسي والفكري والموت والحياة والحب والفراق.
> أين تعرفتِ على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟
- المكون اليهودي بكل معطياته التاريخية والأدبية والإنسانية حاضرٌ في قلب التاريخ وكوني دارسة متخصصة في التاريخ وباحثة شغوفة بالحضارات القديمة والأديان والأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا التي تمس الإنسان بشكل عميق، كل هذا كان أشبه بقاعدة يمكنني الكتابة من خلالها للحد الذي كنت فعلياً أتقمص الحياة اليهودية في أدق تفاصيلها، بالإضافة إلى كوني جنوبية الأصول ولدي تماس مع الجذور القديمة لتاريخ جنوب الجزيرة العربية القديم، وكانت علي قراءته والتعرف عليه بعمق.
> هل روايتك هذه أقرب إلى الرواية التاريخية؟ ما نسبة الخيال والتاريخ في هذه الرواية؟
- الرواية «يَهودِيّة مُخَلّصة» ليست خيالية بالقدر الذي يعتقده القارئ، بل هي قريبة جداً من واقع ما، لحياة أشخاص حقيقيين تم تجسيد حكايتهم عبر الرواية ونسبة الخيال تكاد تكون لا شيء، ونسبة التاريخ عالية جداً، بحيث إنها تضمنت كثيراً من الحقائق عن اليهود في مراحل تاريخية مختلفة وعن المرأة وعن التساؤلات الوجودية، هناك مزيج واقعي من السياسي والتاريخي والفكري.
> ما الجديد في روايتك؟
- أؤكد للقارئ أنها رواية جديدة كلياً في المضمون والسياق والطرح ومعنى الخلاص الذي لم يُطرح تاريخياً إلا من خلال إسقاطه على الرجل أكان نبياً أو من الصالحين، في «يَهودِيّة مُخَلّصة» كانت المرأة هي من يقوم بدور البطولة، دور الباحث عن الخلاص، والمُخلص، والقائمة على خلق المعنى والمحكي.
> الرواية تدور في بيئة تشهد حضوراً يهودياً، من حيث التاريخ واللغة والأشخاص والأحداث، هذه البيئة لا وجود لها فعلياً اليوم، من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي الذي تدور فيه الرواية؟
- نعم الرواية تدور في بيئة يهودية تماماً مع فلاش - باك للحياة في قلب الرياض، وهنا يكمن التحدي في السرد الروائي، وحين تسأل: من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي؟ فإن الإجابة ببساطة ستكون: من خلال القراءة، فهي بالنسبة لي معطى أدبي ينقلك إلى عوالم موازية حقيقية.
> هناك من يرى أن اختيار الموضوع اليهودي هو معبر للشهرة ليس إلا، هل دار في بالك هذا الأمر؟
- من يعرفني عن قرب يعلم أني لست باحثة عن الجدل والشهرة ولو أردتُ هذا لفعلتُ، إنما أجد في قلمي وفكري رسالة، وصاحب الرسالة ليس صاحب شهرة وجدل، نعم الجدل والشهرة والضجيج قد تصنع تسويقاً كمياً للمنتج الأدبي وللكاتب وتوفر له حضوراً شكلياً في كل القنوات والمنصات الإعلامية، بل وتجعل الكاتب يقع في فخ وخديعة الشهرة الخادعة، إذ ما يلبث الضجيج أن ينتهي ويبقى المعنى. ولنا في التاريخ الأدبي خير مثال، الذي بقي هو الأدب الحقيقي أما القشور فسقطت في النسيان.



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»