اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا
TT

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

نشرنا يوم أمس، الحلقة الأولى من تحقيق «اليهود في الرواية السعودية»، الذي استعرضنا فيه مضامين 5 روايات تناولت شخصيات يهودية، ومن خلالها قضايا إنسانية عامة كالهوية والصراع القومي، أو قضايا المرأة وذكورية المجتمع. ولكون هذه الأعمال صدرت في أوقات متقاربة، فقد أثارت كثيراً من الأسئلة... رغم أن مؤلفيها الذين تحدثنا معهم يستغربون من التوظيف السياسي لرواياتهم. وفي هذه الحلقة، ننشر 3 حوارات مع علي الأمير مؤلف رواية «قاع اليهود»، ورجاء بندر مؤلفة «غربة يهودية»، وسالمة الموشي مؤلفة «يهودية مخلصة»...

علي الأمير: «حي اليهود» مجرد حامل لعمل روائي
في البدء يتحدث الروائي والناقد علي الأمير، مؤلف رواية «قاع اليهود»، قائلاً: «روايتي ليست خالصة لليهود، ولكن بسبب (قاع اليهود/ اسم حي في صنعاء) الذي أعرفه جيّداً من خلال عملي لسنوات في صنعاء، احتجت للحديث عن اليهود، عبر إحدى شخصيات الرواية. بذلتُ كثيراً من الجهد في العودة للكتب التاريخية، والمقالات في الصحف اليمنية القديمة، لجمع الحقائق التاريخيّة والوقائع الثابتة، رغم أنّ الجانب التاريخي لا يشكل سوى أقل من 10 في المائة من الرواية. كما لا أنكر استفادتي من مراجعتي اللغوية لرواية (اليهودي الحالي) للروائي اليمني علي المقري، الذي كان قد طلب مني مراجعتها قبل طباعتها، وبالطبع موضوع روايتي مختلف تماماً عن روايته».
يضيف رداً على سؤال عن الجديد في هذه الرواية: «كنتُ أفضل أن أترك الحديث عنه للنقاد أو القراء، لكن ربما تجده في كشف حقيقة الحرب على الإرهاب في اليمن، وربما في مظلوميّة يهود اليمن».
يفند علي الأمير الاتهام بأن روايته هذه تسوّق لثقافة التطبيع بقوله: «كل ما أستطيع تأكيده لك، أنّ تلك الإسقاطات التي تدور في أذهان البعض، حول الدعوة للتطبيع بسبب ذكر اليهود، هي محض افتراء، وتربّص واضح بنا كسعوديين. أتفق معك في كون مفردة يهودي مثقلة بحمولاتها التاريخيّة، ولافتة للنظر، لذلك قد يعمد كاتبٌ ما إلى استثمارها دعائيّاً كعنوان، وهذا من حقه، بالنسبة لي حي (قاع اليهود)، لم يكن يعني لي أكثر من حامل لعمل روائي، وليس في روايتي شيء من أوهام التطبيع».

رجاء بندر: التطبيع مجرد دعايات
حققت رواية «غربة يهودية» لرجاء بندر، التي صدرت بداية العام الحالي، أرقاماً عالية في حجم المبيعات، وتداولتها الأيدي بسرعة كبيرة، وحظيت بتقدير واضح كونها أول إنتاج أدبي مطبوع لصاحبتها، الشابة رجاء بندر، وجاءت بلغة سردية رصينة وتقنية روائية لافتة، ومؤلفتها كعلي الأمير من منطقة جازان جنوب السعودية.
تتحدث رجاء بندر لنا عن بدايتها الأدبية قائلة: «بدأت أكتب قصصاً قصيرة خيالية، تقرأها الصديقات، ثم كتبت رواية خيالية بحتة لجنس مختلف، يعيش في عالم آخر، وقد أثّرت هذه الرواية فيمن قرأها ممن حولي، فدفعتني الحماسة أن أجسّد في نصوصي شخصية العدو المحاط بألغام وخطوط حمراء فظهرت في روايتي (غربة يهودية) عبر شخصية عفراء».
وتتحدث رجاء بندر عن مراحل تشكل وعيّها بالموضوع اليهودي قائلة: «ترعرعت ونشأت في الفترة التي كان فيها الغضب العربي في ذروته، كنتُ أحفظ أغنية (وين الملايين)، وكانت صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة في أوائل الذكريات المرئية من مخيلتي، وكنتُ ألعب مع الأطفال من عائلتي ولنا جيران فلسطينيون، نمثل معاً مشهد طفل يجابه بالحجارة البندقية الإسرائيلية ويهزمها بحجر، وكان سقوط الطفل الذي يمثل الجانب الصهيوني في لعبتنا البريئة يُشعرنا بالنشوة والنصر الصغير، كأن أرواحنا تطير».
تجيب رجاء البندر عن سؤال: «أين تعرفت على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟»، بقولها: «في الثانية عشرة أصبتُ بصدمة ثقافية، حيث إنني دخلتُ في نقاش حاد مع يهودي عربي من اليمن عبر وسائل التواصل، كانت صدمة بالنسبة لي، حين وجدتُ أنه يمكنه تكلم العربية بهذه الفصاحة ومعرفة التفاصيل الصغيرة عن البلاد العربية، كنتُ أحاول مجابهته كونه عدواً! ولكن بعدها اكتشفت أبعاداً أخرى للقضية التي كانت أحد خطوطي الحمراء، فاكتشفت أنني جاهلة تماماً بها ولم أعرف منها سوى العداوة المجردة من التفاصيل والأسباب، فقررت الغوص في عالم يهود الشرق، واكتشفت أنهم كانوا يعيشون بيننا».
عكفت رجاء بندر عامين للتعرف على قراءة العهد القديم، كما قرأت المقالات والكتب وشاهدت الأفلام الوثائقية، التي تناولت التجمعات اليهودية في اليمن، وتقول إنها حاولت كذلك التفتيش عنهم في كتب التاريخ العربي.
تنظر رجاء لروايتها بفخر، تقول: «(غربة يهودية) هي أولى درجات السلم، وهي عملي الأول، وأتمنى ألا يكون الأخير. والسرد عموماً يستهويني، وفي داخلي نَهَمٌ حكائي لم أروِ منه إلا النزر اليسير. والجديد أنني زرعت في نفوس الشباب المهتم بالرواية الفضول لقضية معينة، لأن الرواية التي لا تخلق في رأسك الأسئلة والبحث عن الأجوبة وتكون ذات أسلوب وموضوع اعتيادي وتقدم لك كل شيء في أوراقها وبين طياتها - تكون مملّة ورتيبة».
رجاء هي الأخرى لا تخشى الاتهام بالتطبيع لأنها كتبت رواية عن اليهود، تقول: «يخشى الإنسان من الأمور الحقيقية الموجودة، وليس الأشياء التي ليس لها وجود...! أنا لم أخشَ من تهمة التطبيع لأن هذه مجرد ادعاءات، فأنا كتبتُ نصاً أدبياً فقط...! لا يوجد فيه غير ما تقوله شخوصه».

فوزي صادق: روايتي تستقي من غرس التاريخ ولا علاقة لها بالسياسة
عاشت قبائل من اليهود في الجزيرة العربية، وخصوصاً في اليمن، ويثرب، وخيبر، وتيماء، ودومة الجندل، واليمامة، وحافظوا على وجود قليل لهم في اليمن، حتى 1948. وفي نجران حتى ثلاثينات القرن الماضي.
لكن وجودهم في الأحساء انقطع تقريباً بعد الإسلام، ثم عاد في القرن التاسع عشر مع المد العثماني. ويرجح المؤرخ الأحسائي الراحل جواد الرمضان أن تاريخ اليهود في الأحساء يرجع إلى عام 1871؛ حين أرسلت الدولة العثمانية حملة إلى المنطقة بقيادة «مدحت باشا» لبسط نفوذها على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية، ممهدة لدخولها تحت لواء الدولة العثمانية.
ويرى الرمضان أن الدولة العثمانية أنشأت جهازاً لتسيير الأمور في المنطقة التي كانت ضمن «لواء البصرة» العثماني، واستقدمت أفراده من العراق، وبينهم يهود تركوا فيما بعد آثاراً تدل إلى وجودهم، منها بستان «داود اليهودي» في إحدى ضواحي مدينة الهفوف، وبستان حدارة، ومخزن تجاري، ومقبرة بالقرب من سوق القيصرية.
وقد نزح كثير من اليهود مع خروج العثمانيين، كما غادر بعضهم مع قيام الدولة السعودية، نحو العراق والبحرين. ولم يعد ثمة يهود في تلك المنطقة.
في روايته: «اللِّيدي تالين - الأحساء 1912» يقتفي فوزي صادق، أثر اليهود الذين كانوا يعيشون في الأحساء مطلع القرن العشرين، ولذلك فرواية «اللِّيدي تالين» الوحيدة من بين الروايات الأخيرة التي تنقِّب عن اليهود الذين كان يعيش بعضهم في الأحساء شرقي السعودية، وتدور أحداثها في كواليس حارة اليهود بالهفوف، في الأحساء، وهي أيضاً تروي قصة حب فتى من الأحساء يعمل نجاراً، لفتاة يهودية.
‏يقول فوزي صادق، مؤلف رواية «الليدي تالين»، إن روايته «جريئة... وستلقى إقبالاً كبيراً، وستخلق حراكاً في الرواية السعودية والخليجية، فهي دراما اجتماعية جديدة، بقالب تاريخي ومعلوماتي عن تاريخ وأرشيف الأحساء؛ أرض الحضارات والثقافات، وأحداث الرواية جرت قبل قرن من الزمان، في كواليس حارة اليهود، وتروي قصة عشق بين يهودية وشاب أحسائي».
وعن فكرة الرواية يقول: «أنا من مواليد الأحساء، وعشت طفولتي بالبحرين، وطالما سمعت عن وجود الجالية اليهودية بالبحرين، وأنهم قدموا من الأحساء بعد خروج العثمانيين، والفكرة موجودة؛ لكن لم أتجرأ على الكتابة عنهم؛ كون هذا العمل كان داخل (التابو) سابقاً في الرواية المحلية. وقد تعرَّفت على تاريخ اليهود، ووقفتُ على أطلال وجودهم في الأحساء، وبينها المقبرة التي خلفوها وراءهم، واطلعت من شخصيات أدبية ومؤرخين عن تاريخ الجالية اليهودية، وبعد البحث والتقصي عنهم لمدة ثلاث سنوات تقريباً، سمعت عن قصة عشق بين يهودية مهاجرة وشاب أحسائي، وأخبرتني بالقصة سيدة بحرينية كبيرة بالسن، فبدأت بفكرة كتابة الرواية».
ويختتم فوزي صادق بالقول إن هذا النوع من الكتابة «حسَّاس»؛ لكن هذه الرواية لا علاقة لها بالسياسة، فهي «رواية تاريخية، تستقي معلوماتها وأفكارها من غرس التاريخ الإنساني وحصاد المؤلف».

سالمة الموشي: روايتي جديدة في المضمون والطرح
> لماذا اليهود؟ بمعنى لماذا اخترتِ الكتابة عن اليهود تحديداً؟
- الكتابة في روايتي «يهوديَة مُخَلِصَة» تحمل خطاً فكرياً متفرداً يتناول الجانب التاريخي والإنساني والاجتماعي والنسوي ضمن سياق تاريخ اليهود، ويستطيع القارئ التواصل معها روحياً وتاريخياً بسلاسة، وحين تم اختياري للبيئة اليهودية، فإن شخوص الرواية سيكونون بالضرورة يهوداً؛ سواء كان في اختيار الأسماء اليهودية للشخصيات أو الفضاء المكاني للرواية. كما أشير إلى أن اليهود ليسوا طارئين على التاريخ أو على الجزيرة العربية فقد وجدوا قبل الإسلام، بل إن يهود اليمن من الأمم العريقة التي سكنت شبه الجزيرة العربية وذكروا في القرآن الكريم أكثر من مرة.
> كيف نشأت فكرة أن تكتبي رواية عن اليهود في جنوب الجزيرة العربية؟
- بدأت الفكرة بالكتابة عن رواية تحمل فكراً تفكيكياً لسياقات تاريخية معينة وتساؤلات، تحمل أبعاداً سياسية ودينية، فكان الفضاء المكاني هو البيئة اليهودية من خلال شخصية محورية لفتاة يهودية. نشأت الفكرة نتاج اللحظة التي أُلهمت فيها تجسيد حبكة سردية يمكن من خلالها تجسيد الأفكار والرؤى والمعاني العميقة التي أردت طرحها عن حضارة الإنسان يهودياً كان أم سعودياً أم يمنياً، حيث تتقاطع الرواية مع السياسي والفكري والموت والحياة والحب والفراق.
> أين تعرفتِ على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟
- المكون اليهودي بكل معطياته التاريخية والأدبية والإنسانية حاضرٌ في قلب التاريخ وكوني دارسة متخصصة في التاريخ وباحثة شغوفة بالحضارات القديمة والأديان والأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا التي تمس الإنسان بشكل عميق، كل هذا كان أشبه بقاعدة يمكنني الكتابة من خلالها للحد الذي كنت فعلياً أتقمص الحياة اليهودية في أدق تفاصيلها، بالإضافة إلى كوني جنوبية الأصول ولدي تماس مع الجذور القديمة لتاريخ جنوب الجزيرة العربية القديم، وكانت علي قراءته والتعرف عليه بعمق.
> هل روايتك هذه أقرب إلى الرواية التاريخية؟ ما نسبة الخيال والتاريخ في هذه الرواية؟
- الرواية «يَهودِيّة مُخَلّصة» ليست خيالية بالقدر الذي يعتقده القارئ، بل هي قريبة جداً من واقع ما، لحياة أشخاص حقيقيين تم تجسيد حكايتهم عبر الرواية ونسبة الخيال تكاد تكون لا شيء، ونسبة التاريخ عالية جداً، بحيث إنها تضمنت كثيراً من الحقائق عن اليهود في مراحل تاريخية مختلفة وعن المرأة وعن التساؤلات الوجودية، هناك مزيج واقعي من السياسي والتاريخي والفكري.
> ما الجديد في روايتك؟
- أؤكد للقارئ أنها رواية جديدة كلياً في المضمون والسياق والطرح ومعنى الخلاص الذي لم يُطرح تاريخياً إلا من خلال إسقاطه على الرجل أكان نبياً أو من الصالحين، في «يَهودِيّة مُخَلّصة» كانت المرأة هي من يقوم بدور البطولة، دور الباحث عن الخلاص، والمُخلص، والقائمة على خلق المعنى والمحكي.
> الرواية تدور في بيئة تشهد حضوراً يهودياً، من حيث التاريخ واللغة والأشخاص والأحداث، هذه البيئة لا وجود لها فعلياً اليوم، من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي الذي تدور فيه الرواية؟
- نعم الرواية تدور في بيئة يهودية تماماً مع فلاش - باك للحياة في قلب الرياض، وهنا يكمن التحدي في السرد الروائي، وحين تسأل: من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي؟ فإن الإجابة ببساطة ستكون: من خلال القراءة، فهي بالنسبة لي معطى أدبي ينقلك إلى عوالم موازية حقيقية.
> هناك من يرى أن اختيار الموضوع اليهودي هو معبر للشهرة ليس إلا، هل دار في بالك هذا الأمر؟
- من يعرفني عن قرب يعلم أني لست باحثة عن الجدل والشهرة ولو أردتُ هذا لفعلتُ، إنما أجد في قلمي وفكري رسالة، وصاحب الرسالة ليس صاحب شهرة وجدل، نعم الجدل والشهرة والضجيج قد تصنع تسويقاً كمياً للمنتج الأدبي وللكاتب وتوفر له حضوراً شكلياً في كل القنوات والمنصات الإعلامية، بل وتجعل الكاتب يقع في فخ وخديعة الشهرة الخادعة، إذ ما يلبث الضجيج أن ينتهي ويبقى المعنى. ولنا في التاريخ الأدبي خير مثال، الذي بقي هو الأدب الحقيقي أما القشور فسقطت في النسيان.



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.