اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا
TT

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2): روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

اليهود في الروايات السعودية (2 - 2):  روائيون سعوديون: نستغرب من التوظيف السياسي لرواياتنا

نشرنا يوم أمس، الحلقة الأولى من تحقيق «اليهود في الرواية السعودية»، الذي استعرضنا فيه مضامين 5 روايات تناولت شخصيات يهودية، ومن خلالها قضايا إنسانية عامة كالهوية والصراع القومي، أو قضايا المرأة وذكورية المجتمع. ولكون هذه الأعمال صدرت في أوقات متقاربة، فقد أثارت كثيراً من الأسئلة... رغم أن مؤلفيها الذين تحدثنا معهم يستغربون من التوظيف السياسي لرواياتهم. وفي هذه الحلقة، ننشر 3 حوارات مع علي الأمير مؤلف رواية «قاع اليهود»، ورجاء بندر مؤلفة «غربة يهودية»، وسالمة الموشي مؤلفة «يهودية مخلصة»...

علي الأمير: «حي اليهود» مجرد حامل لعمل روائي
في البدء يتحدث الروائي والناقد علي الأمير، مؤلف رواية «قاع اليهود»، قائلاً: «روايتي ليست خالصة لليهود، ولكن بسبب (قاع اليهود/ اسم حي في صنعاء) الذي أعرفه جيّداً من خلال عملي لسنوات في صنعاء، احتجت للحديث عن اليهود، عبر إحدى شخصيات الرواية. بذلتُ كثيراً من الجهد في العودة للكتب التاريخية، والمقالات في الصحف اليمنية القديمة، لجمع الحقائق التاريخيّة والوقائع الثابتة، رغم أنّ الجانب التاريخي لا يشكل سوى أقل من 10 في المائة من الرواية. كما لا أنكر استفادتي من مراجعتي اللغوية لرواية (اليهودي الحالي) للروائي اليمني علي المقري، الذي كان قد طلب مني مراجعتها قبل طباعتها، وبالطبع موضوع روايتي مختلف تماماً عن روايته».
يضيف رداً على سؤال عن الجديد في هذه الرواية: «كنتُ أفضل أن أترك الحديث عنه للنقاد أو القراء، لكن ربما تجده في كشف حقيقة الحرب على الإرهاب في اليمن، وربما في مظلوميّة يهود اليمن».
يفند علي الأمير الاتهام بأن روايته هذه تسوّق لثقافة التطبيع بقوله: «كل ما أستطيع تأكيده لك، أنّ تلك الإسقاطات التي تدور في أذهان البعض، حول الدعوة للتطبيع بسبب ذكر اليهود، هي محض افتراء، وتربّص واضح بنا كسعوديين. أتفق معك في كون مفردة يهودي مثقلة بحمولاتها التاريخيّة، ولافتة للنظر، لذلك قد يعمد كاتبٌ ما إلى استثمارها دعائيّاً كعنوان، وهذا من حقه، بالنسبة لي حي (قاع اليهود)، لم يكن يعني لي أكثر من حامل لعمل روائي، وليس في روايتي شيء من أوهام التطبيع».

رجاء بندر: التطبيع مجرد دعايات
حققت رواية «غربة يهودية» لرجاء بندر، التي صدرت بداية العام الحالي، أرقاماً عالية في حجم المبيعات، وتداولتها الأيدي بسرعة كبيرة، وحظيت بتقدير واضح كونها أول إنتاج أدبي مطبوع لصاحبتها، الشابة رجاء بندر، وجاءت بلغة سردية رصينة وتقنية روائية لافتة، ومؤلفتها كعلي الأمير من منطقة جازان جنوب السعودية.
تتحدث رجاء بندر لنا عن بدايتها الأدبية قائلة: «بدأت أكتب قصصاً قصيرة خيالية، تقرأها الصديقات، ثم كتبت رواية خيالية بحتة لجنس مختلف، يعيش في عالم آخر، وقد أثّرت هذه الرواية فيمن قرأها ممن حولي، فدفعتني الحماسة أن أجسّد في نصوصي شخصية العدو المحاط بألغام وخطوط حمراء فظهرت في روايتي (غربة يهودية) عبر شخصية عفراء».
وتتحدث رجاء بندر عن مراحل تشكل وعيّها بالموضوع اليهودي قائلة: «ترعرعت ونشأت في الفترة التي كان فيها الغضب العربي في ذروته، كنتُ أحفظ أغنية (وين الملايين)، وكانت صورة الطفل الفلسطيني محمد الدرة في أوائل الذكريات المرئية من مخيلتي، وكنتُ ألعب مع الأطفال من عائلتي ولنا جيران فلسطينيون، نمثل معاً مشهد طفل يجابه بالحجارة البندقية الإسرائيلية ويهزمها بحجر، وكان سقوط الطفل الذي يمثل الجانب الصهيوني في لعبتنا البريئة يُشعرنا بالنشوة والنصر الصغير، كأن أرواحنا تطير».
تجيب رجاء البندر عن سؤال: «أين تعرفت على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟»، بقولها: «في الثانية عشرة أصبتُ بصدمة ثقافية، حيث إنني دخلتُ في نقاش حاد مع يهودي عربي من اليمن عبر وسائل التواصل، كانت صدمة بالنسبة لي، حين وجدتُ أنه يمكنه تكلم العربية بهذه الفصاحة ومعرفة التفاصيل الصغيرة عن البلاد العربية، كنتُ أحاول مجابهته كونه عدواً! ولكن بعدها اكتشفت أبعاداً أخرى للقضية التي كانت أحد خطوطي الحمراء، فاكتشفت أنني جاهلة تماماً بها ولم أعرف منها سوى العداوة المجردة من التفاصيل والأسباب، فقررت الغوص في عالم يهود الشرق، واكتشفت أنهم كانوا يعيشون بيننا».
عكفت رجاء بندر عامين للتعرف على قراءة العهد القديم، كما قرأت المقالات والكتب وشاهدت الأفلام الوثائقية، التي تناولت التجمعات اليهودية في اليمن، وتقول إنها حاولت كذلك التفتيش عنهم في كتب التاريخ العربي.
تنظر رجاء لروايتها بفخر، تقول: «(غربة يهودية) هي أولى درجات السلم، وهي عملي الأول، وأتمنى ألا يكون الأخير. والسرد عموماً يستهويني، وفي داخلي نَهَمٌ حكائي لم أروِ منه إلا النزر اليسير. والجديد أنني زرعت في نفوس الشباب المهتم بالرواية الفضول لقضية معينة، لأن الرواية التي لا تخلق في رأسك الأسئلة والبحث عن الأجوبة وتكون ذات أسلوب وموضوع اعتيادي وتقدم لك كل شيء في أوراقها وبين طياتها - تكون مملّة ورتيبة».
رجاء هي الأخرى لا تخشى الاتهام بالتطبيع لأنها كتبت رواية عن اليهود، تقول: «يخشى الإنسان من الأمور الحقيقية الموجودة، وليس الأشياء التي ليس لها وجود...! أنا لم أخشَ من تهمة التطبيع لأن هذه مجرد ادعاءات، فأنا كتبتُ نصاً أدبياً فقط...! لا يوجد فيه غير ما تقوله شخوصه».

فوزي صادق: روايتي تستقي من غرس التاريخ ولا علاقة لها بالسياسة
عاشت قبائل من اليهود في الجزيرة العربية، وخصوصاً في اليمن، ويثرب، وخيبر، وتيماء، ودومة الجندل، واليمامة، وحافظوا على وجود قليل لهم في اليمن، حتى 1948. وفي نجران حتى ثلاثينات القرن الماضي.
لكن وجودهم في الأحساء انقطع تقريباً بعد الإسلام، ثم عاد في القرن التاسع عشر مع المد العثماني. ويرجح المؤرخ الأحسائي الراحل جواد الرمضان أن تاريخ اليهود في الأحساء يرجع إلى عام 1871؛ حين أرسلت الدولة العثمانية حملة إلى المنطقة بقيادة «مدحت باشا» لبسط نفوذها على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية، ممهدة لدخولها تحت لواء الدولة العثمانية.
ويرى الرمضان أن الدولة العثمانية أنشأت جهازاً لتسيير الأمور في المنطقة التي كانت ضمن «لواء البصرة» العثماني، واستقدمت أفراده من العراق، وبينهم يهود تركوا فيما بعد آثاراً تدل إلى وجودهم، منها بستان «داود اليهودي» في إحدى ضواحي مدينة الهفوف، وبستان حدارة، ومخزن تجاري، ومقبرة بالقرب من سوق القيصرية.
وقد نزح كثير من اليهود مع خروج العثمانيين، كما غادر بعضهم مع قيام الدولة السعودية، نحو العراق والبحرين. ولم يعد ثمة يهود في تلك المنطقة.
في روايته: «اللِّيدي تالين - الأحساء 1912» يقتفي فوزي صادق، أثر اليهود الذين كانوا يعيشون في الأحساء مطلع القرن العشرين، ولذلك فرواية «اللِّيدي تالين» الوحيدة من بين الروايات الأخيرة التي تنقِّب عن اليهود الذين كان يعيش بعضهم في الأحساء شرقي السعودية، وتدور أحداثها في كواليس حارة اليهود بالهفوف، في الأحساء، وهي أيضاً تروي قصة حب فتى من الأحساء يعمل نجاراً، لفتاة يهودية.
‏يقول فوزي صادق، مؤلف رواية «الليدي تالين»، إن روايته «جريئة... وستلقى إقبالاً كبيراً، وستخلق حراكاً في الرواية السعودية والخليجية، فهي دراما اجتماعية جديدة، بقالب تاريخي ومعلوماتي عن تاريخ وأرشيف الأحساء؛ أرض الحضارات والثقافات، وأحداث الرواية جرت قبل قرن من الزمان، في كواليس حارة اليهود، وتروي قصة عشق بين يهودية وشاب أحسائي».
وعن فكرة الرواية يقول: «أنا من مواليد الأحساء، وعشت طفولتي بالبحرين، وطالما سمعت عن وجود الجالية اليهودية بالبحرين، وأنهم قدموا من الأحساء بعد خروج العثمانيين، والفكرة موجودة؛ لكن لم أتجرأ على الكتابة عنهم؛ كون هذا العمل كان داخل (التابو) سابقاً في الرواية المحلية. وقد تعرَّفت على تاريخ اليهود، ووقفتُ على أطلال وجودهم في الأحساء، وبينها المقبرة التي خلفوها وراءهم، واطلعت من شخصيات أدبية ومؤرخين عن تاريخ الجالية اليهودية، وبعد البحث والتقصي عنهم لمدة ثلاث سنوات تقريباً، سمعت عن قصة عشق بين يهودية مهاجرة وشاب أحسائي، وأخبرتني بالقصة سيدة بحرينية كبيرة بالسن، فبدأت بفكرة كتابة الرواية».
ويختتم فوزي صادق بالقول إن هذا النوع من الكتابة «حسَّاس»؛ لكن هذه الرواية لا علاقة لها بالسياسة، فهي «رواية تاريخية، تستقي معلوماتها وأفكارها من غرس التاريخ الإنساني وحصاد المؤلف».

سالمة الموشي: روايتي جديدة في المضمون والطرح
> لماذا اليهود؟ بمعنى لماذا اخترتِ الكتابة عن اليهود تحديداً؟
- الكتابة في روايتي «يهوديَة مُخَلِصَة» تحمل خطاً فكرياً متفرداً يتناول الجانب التاريخي والإنساني والاجتماعي والنسوي ضمن سياق تاريخ اليهود، ويستطيع القارئ التواصل معها روحياً وتاريخياً بسلاسة، وحين تم اختياري للبيئة اليهودية، فإن شخوص الرواية سيكونون بالضرورة يهوداً؛ سواء كان في اختيار الأسماء اليهودية للشخصيات أو الفضاء المكاني للرواية. كما أشير إلى أن اليهود ليسوا طارئين على التاريخ أو على الجزيرة العربية فقد وجدوا قبل الإسلام، بل إن يهود اليمن من الأمم العريقة التي سكنت شبه الجزيرة العربية وذكروا في القرآن الكريم أكثر من مرة.
> كيف نشأت فكرة أن تكتبي رواية عن اليهود في جنوب الجزيرة العربية؟
- بدأت الفكرة بالكتابة عن رواية تحمل فكراً تفكيكياً لسياقات تاريخية معينة وتساؤلات، تحمل أبعاداً سياسية ودينية، فكان الفضاء المكاني هو البيئة اليهودية من خلال شخصية محورية لفتاة يهودية. نشأت الفكرة نتاج اللحظة التي أُلهمت فيها تجسيد حبكة سردية يمكن من خلالها تجسيد الأفكار والرؤى والمعاني العميقة التي أردت طرحها عن حضارة الإنسان يهودياً كان أم سعودياً أم يمنياً، حيث تتقاطع الرواية مع السياسي والفكري والموت والحياة والحب والفراق.
> أين تعرفتِ على المكون اليهودي في هذه المنطقة؟
- المكون اليهودي بكل معطياته التاريخية والأدبية والإنسانية حاضرٌ في قلب التاريخ وكوني دارسة متخصصة في التاريخ وباحثة شغوفة بالحضارات القديمة والأديان والأنثروبولوجيا والسيسيولوجيا التي تمس الإنسان بشكل عميق، كل هذا كان أشبه بقاعدة يمكنني الكتابة من خلالها للحد الذي كنت فعلياً أتقمص الحياة اليهودية في أدق تفاصيلها، بالإضافة إلى كوني جنوبية الأصول ولدي تماس مع الجذور القديمة لتاريخ جنوب الجزيرة العربية القديم، وكانت علي قراءته والتعرف عليه بعمق.
> هل روايتك هذه أقرب إلى الرواية التاريخية؟ ما نسبة الخيال والتاريخ في هذه الرواية؟
- الرواية «يَهودِيّة مُخَلّصة» ليست خيالية بالقدر الذي يعتقده القارئ، بل هي قريبة جداً من واقع ما، لحياة أشخاص حقيقيين تم تجسيد حكايتهم عبر الرواية ونسبة الخيال تكاد تكون لا شيء، ونسبة التاريخ عالية جداً، بحيث إنها تضمنت كثيراً من الحقائق عن اليهود في مراحل تاريخية مختلفة وعن المرأة وعن التساؤلات الوجودية، هناك مزيج واقعي من السياسي والتاريخي والفكري.
> ما الجديد في روايتك؟
- أؤكد للقارئ أنها رواية جديدة كلياً في المضمون والسياق والطرح ومعنى الخلاص الذي لم يُطرح تاريخياً إلا من خلال إسقاطه على الرجل أكان نبياً أو من الصالحين، في «يَهودِيّة مُخَلّصة» كانت المرأة هي من يقوم بدور البطولة، دور الباحث عن الخلاص، والمُخلص، والقائمة على خلق المعنى والمحكي.
> الرواية تدور في بيئة تشهد حضوراً يهودياً، من حيث التاريخ واللغة والأشخاص والأحداث، هذه البيئة لا وجود لها فعلياً اليوم، من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي الذي تدور فيه الرواية؟
- نعم الرواية تدور في بيئة يهودية تماماً مع فلاش - باك للحياة في قلب الرياض، وهنا يكمن التحدي في السرد الروائي، وحين تسأل: من أين أتيت بهذا الفضاء اليهودي؟ فإن الإجابة ببساطة ستكون: من خلال القراءة، فهي بالنسبة لي معطى أدبي ينقلك إلى عوالم موازية حقيقية.
> هناك من يرى أن اختيار الموضوع اليهودي هو معبر للشهرة ليس إلا، هل دار في بالك هذا الأمر؟
- من يعرفني عن قرب يعلم أني لست باحثة عن الجدل والشهرة ولو أردتُ هذا لفعلتُ، إنما أجد في قلمي وفكري رسالة، وصاحب الرسالة ليس صاحب شهرة وجدل، نعم الجدل والشهرة والضجيج قد تصنع تسويقاً كمياً للمنتج الأدبي وللكاتب وتوفر له حضوراً شكلياً في كل القنوات والمنصات الإعلامية، بل وتجعل الكاتب يقع في فخ وخديعة الشهرة الخادعة، إذ ما يلبث الضجيج أن ينتهي ويبقى المعنى. ولنا في التاريخ الأدبي خير مثال، الذي بقي هو الأدب الحقيقي أما القشور فسقطت في النسيان.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».