إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

صدمة من موقف موسكو ومنتقدوه ضد استدعاء دعم واشنطن

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا
TT

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

كشفت التطورات الأخيرة في محافظة إدلب السورية مع استمرار تقدّم قوات نظام الأسد فيها، وفي أجزاء من محافظة حلب المجاورة، عن خلاف يتفاعل تحت السطح لأشهر طويلة بين تركيا وروسيا على الرغم من حرص الجانبين على إظهار التوافق بشأن الوضع في إدلب. والمعروف أن الجانبين يرتبطان هناك بعدد من الِتفاهمات التي أمكن التوصل إليها، إما في إطار «مباحثات آستانة» بمشاركة إيران، أو المباحثات الثنائية وأبرزها «تفاهم سوتشي» الموقّع في منتجع سوتشي بأقصى جنوب روسيا يوم 17 سبتمبر (أيلول) 2018 بشأن إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح للفصل بين قوات الحكومة والمعارضة.
ترى روسيا بالنسبة للوضع في شمال غربي سوريا، كما أعلنت غير مرة، أن تركيا أخفقت في تنفيذ التزاماتها بموجب مذكرة «تفاهم سوتشي»، وعجزت عن إداء دورها في الفصل بين «المقاتلين المتشددين» - قاصدة بهم عناصر «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً) - وفصائل المعارضة الوطنية المعتدلة إلى جانب التخلف عن طريقي حلب – اللاذقية (إم 4) وحلب دمشق (إم 5).
في المقابل، بدأت تصدر عن تركيا للمرة الأولى خلال الأسابيع الأخيرة تصريحات للهجوم على روسيا، وتحميلها المسؤولية عن استهداف المدنيين في إدلب بسبب دعمها تحركات قوات نظام الأسد الساعية للسيطرة على إدلب، وانتهاكها «تفاهم سوتشي»، وكذلك «اتفاق مناطق خفض التصعيد» في إدلب الذي سبق التوصل إليه في آستانة (عاصمة كازاخستان) خلال مايو (أيار) 2017، الذي بموجبه أنشأت تركيا نقاطاً عسكرية للمراقبة في إدلب بدأت بـ12 نقطة أنشئت خلال أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته.
- تحرشات... وحشد للحرب
قبل أشهر تحرّشت قوات النظام بنقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب قتل فيها عدد من الجنود. ومع تقدم النظام داخل المحافظة بدأت تركيا زيادة عدد نقاط مراقبتها على محاور عدة في شرقها وجنوبها وشمالها، حتى وصل عددها إلى 37 نقطة. وفي الوقت ذاته، تقدمت قوات النظام – المدعومة من الروس – أكثر في إدلب، حيث حاصرت 4 نقاط للمراقبة تابعة للجيش التركي، وقتلت على مدى الأسبوعين الماضيين 13 عسكرياً تركياً، إضافة إلى إصابة عدد آخر. هذا، دفع الأتراك للرد المباشر، وأعلنت وزارة الدفاع التركية عن قتل العشرات من جنود النظام، فضلاً عن الخسائر في الآليات والمعدات العسكرية وإسقاط طائرتين.
وإزاء هذه التطوّرات هدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشن عملية عسكرية ضد قوات الأسد ما لم تنسحب إلى حدود «تفاهم سوتشي»، أي خلف نقاط المراقبة الـ12 في منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب. وبالفعل، باشرت تركيا حشد قواتها الخاصة (الكوماندوز) والدفع بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى داخل المحافظة وعلى حدودها مع سوريا. ووفق تقديرات، حشدت تركيا 10 آلاف جندي داخل إدلب وفي محيطها، كما أصدرت أوامر للفصائل السورية الموالية في الهيئة الوطنية للتحرير بإرسال عناصرها للقتال مع القوات التركية.
- سوتشي: اتساع الفجوة
وفي محاولة لوقف التصعيد والحفاظ على مساحة التوافق بينهما، أجرت تركيا وروسيا ثلاث جولات من المباحثات على مستوى وفود دبلوماسية وعسكرية، انتهت آخرها يوم الثلاثاء الماضي في موسكو، بالفشل في تحقيق أي تقدم يغيّر مواقف الطرفين. تركيا ذكرت أن نتائج المباحثات كانت بعيدة جداً عما كانت ترجوه، معلنة أنها لن تنسحب من نقاط المراقبة، بل سترد بأشد الطرق على أي هجوم من جانب النظام. وأضافت أنها تتمسك بانسحاب قوات النظام إلى ما وراء نقاط المراقبة، وأنها أكملت تحضيراتها لشن عملية عسكرية لإجبارها على ذلك ما لم تنسحب قبل نهاية فبراير (شباط) الحالي. وفي المقابل، أعلن الكرملين أن تنفيذ عملية عسكرية تركية ضد قوات الأسد السورية سيكون «أسوأ سيناريو»، لكن روسيا وتركيا ستواصلان الاتصالات بشأن إدلب السورية لمنع تصاعد التوتر بدرجة أكبر.
ولقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن بلاده لم تبلغ تركيا خلال مباحثات موسكو وأنقرة بأي خطط جديدة بشأن إدلب. وشدد أيضاً على أن الأوضاع في المحافظة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل سنة ونصف السنة، ولا سيما أن تركيا لم تنجح في الفصل بين المتشددين والمعارضة الوطنية المعتدلة في إدلب. وتابع، أن «تفاهم سوتشي» لا يتضمن ما ينص «على حماية الإرهابيين». وأردف، أن عمليات قوات نظام الأسد في شمال غربي البلاد، عبارة عن «رد على الاستفزازات الصادرة من الإرهابيين»، وذلك يجري بموجب ما اتفق عليه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان.
أيضاً، لفت لافروف إلى أن من وصفها بـ«الجماعات الإرهابية في إدلب» واصلت خلال الفترة الماضية «استفزازاتها» عبر القصف على قاعدة حميميم الروسية وعلى المدنيين وقوات الأسد، وإن ما تقوم به الأخيرة هو «الرد على هذه الاستفزازات»، وهو ما تدعمه روسيا لاستعادة سيطرة «الحكومة على أراضيها». واستطرد قائلاً، إن الاتفاق الروسي - التركي في سوتشي «لم ينص أبداً على تجميد الوضع في إدلب، وترك حرية التصرف للإرهابيين هناك، ولم يقدم أي أحد وعوداً بعدم المساس بالإرهابيين» على حد تعبيره.
- «العملية المباغتة» واردة
المباحثات حول إدلب أظهرت في الواقع عمق الخلاف بين أنقرة وموسكو، إلى الحد الذي بدا فيه أن موسكو غير راغبة في رفع مستوى الاتصالات مع أنقرة. إذ أعلنت أنه «لا نية في الوقت الراهن» لعقد لقاء بين بوتين وإردوغان، بخلاف ما كرّرته أنقرة عن عقد لقاء بين الرئيسين إذا لم تنجح مباحثات الوفود في إحراز تقدم.
ومن ثم، عقب إعلان الجانبين فشل المباحثات بالتوصّل إلى النتائج المرجوة، هدّد إردوغان، أمام نواب حزبه في البرلمان، يوم الأربعاء الفائت، بإطلاق عملية عسكرية مباغتة في إدلب. وأضاف، أن تركيا «لم تحصل على النتيجة التي تريدها من المباحثات مع روسيا التي جاءت بعيدة جداً عما ترغب فيه». وبالتالي، أعدت خطة لعملياتها العسكرية في إدلب. وطالب الرئيس التركي، مجدداً، نظام الأسد بسحب قواته من بعض المواقع هناك بحلول نهاية الشهر الحالي قائلاً: «هذا آخر تحذيراتنا... بات شن عملية في إدلب وشيكاً... قد نأتي ذات ليلة على حين غرة».
- دعم أميركي قوي
في هذه الأثناء، حصلت أنقرة على دعم أميركي قوي في ظل التوتر مع موسكو على خلفية التطورات في إدلب. وأكدت واشنطن دعمها لتركيا، حليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في كل الخطوات التي تتخذها لحماية أمنها و«مصالحها المشروعة». وأكد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، أثناء زيارته للعاصمة التركية الأسبوع الماضي، أن بلاده لن ترسل قوات إلى إدلب، لكنها مستعدة لدعم تركيا لوجيستياً واستخباراتياً.
كذلك، جددت واشنطن على لسان كيلي كرافت، المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، دعمها القوي للمصالح المشروعة لحليفتها الأطلسية تركيا. إذ اعتبرت أنها «قدمت أكثر من أي دولة أخرى مساعدات للاجئين السوريين بإدلب»، وذلك خلال جلسة لمجلس الأمن في نيويورك حول الأوضاع الإنسانية والسياسية في سوريا، يوم الأربعاء الماضي. وأردفت كرافت «نحن نتفهم قلقها (أي تركيا) بشأن تدفقات اللاجئين الإضافية نتيجة الأعمال العدائية المستمرة»، مضيفة «... ونرفض رفضاً قاطعاً التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الروس، والتي تلقي باللوم على تركيا كذباً في تصعيد العنف في شمال غربي سوريا... إن نظام الأسد وروسيا، وليس تركيا، مسؤولان عن تنظيم وتنفيذ هذه الحملة العسكرية».
كذلك، شددت المندوبة كرافت على أن «الولايات المتحدة، ستواصل التنسيق مع تركيا بشأن النهج الدبلوماسي، لاستعادة وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد بإدلب»، معتبرة أن «عملية آستانة أثبتت فشلها في تحقيق خفض التصعيد في إدلب. ومن ثم، طالبت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الخاص إلى سوريا غير بيدرسون، بتسلم المهمة واعتبارها أولوية قصوى للأمم المتحدة.
هذا، وعلق الرئيس التركي على تصريحات لنظيره الأميركي دونالد ترمب بشأن التعاون مع تركيا في ملف إدلب، قائلاً: «يمكن أن يكون هناك تعاون بيننا على مختلف الصعد في أي لحظة».
- معضلة حقيقية
في أي حال، يرى مراقبون أن تركيا تجد نفسها الآن أمام معضلة حقيقية. فمن ناحية، تريد أن تتفادى وقوع كارثة إنسانية على حدودها الجنوبية بينما هي غير مستعدة لاستقبال مزيد من اللاجئين، ومن ناحية أخرى، لا ترغب في تدمير علاقتها مع روسيا.. ولا ترغب في تأجيج التوتر أو وضع علاقتها مع روسيا على المحك بسبب تطورات إدلب. وتدرك أن روسيا هي الطرف الوحيد القادر على كبح خطوات نظام دمشق المحتملة ضد المصالح التركية في أي وقت.
حقاً، تركيا غير راغبة في التضحية بعلاقتها الوثيقة مع روسيا، ولقد حرصت على بنائها خلال السنوات الأربع الأخيرة، مقابل العزلة الدولية التي تعانيها من جانب قوى الغرب، وأيضاً بعض دول الشرق الأوسط، بسبب مغامرتها الأخيرة في ليبيا ومنافستها على موارد النفط والغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، فضلاً عن تدخلاتها في شؤون دول المنطقة. ولذا؛ فهي تسعى إلى «اتفاق سوتشي جديد» مع روسيا، يشمل إيران أيضاً بسبب خياراتها المحدودة في سوريا حالياً.
وكان رد تركيا، الذي وُصف بـ«الخجول» على مقتل عسكرييها في إدلب مؤشراً – بالنسبة لمراقبين – إلا أن التهديد بالعملية العسكرية ما كان إلا محاولة للضغط على روسيا من أجل إقرار هدنة جديدة. والدليل أن الجانبين أكدا أن المباحثات ستستمر رغم فشلها حتى الآن في تحقيق تهدئة. وبينما يواصل إردوغان تهديداته لسوريا، وتحديد مواعيد نهائية لشن ضربة عسكرية لقوات الأسد في نهاية فبراير الحالي، ما لم تنسحب إلى «حدود اتفاقية سوتشي»، يرى مراقبون أن إردوغان، الذي راهن على أن تهرع موسكو إليه لعقد اتفاقية جديدة تحت التهديد، غير مرتاح لردّ الفعل الروسي السلبي. ولهذا زاد ضغطه بإرسال المزيد من الدبابات والصواريخ والمدافع والجنود إلى منطقة إدلب، في عملية انتشار استباقية هدفها خلق «أمر واقع» جديد في المنطقة.
- مخاوف... وتحذيرات
مع ذلك، ترى دوائر مقربة من إردوغان، أن بإمكان واشنطن فعل الكثير، من تسليح المعارضة، إلى ضرب قواعد النظام الحساسة، ووصولاً إلى اقتراحات جديدة للأمن القومي التركي. أما بالنسبة لأوروبا، فتعتقد هذه الدوائر أنه من غير المنتظر أن تقدّم دعماً لتركيا بخلاف الدعم المالي من ألمانيا للاجئين السوريين. كذلك ترى أن تركيا إنما اضطرت إلى التعاون مع روسيا بسبب سياسة واشنطن الخاطئة تجاه سوريا... وفي حال أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة، فسيكون بإمكانها توسيع نفوذها في سوريا، وفي حال لم تفعل، سيتعذّر البحث في إعادة تصحيح العلاقات التركية - الأميركية.
باريش دوست أر، الكاتب في صحيفة «جمهوريت» التركية، حذّر من أن استدعاء واشنطن للأزمة «لن يؤدي إلى حلّ، بل سيصعّبه؛ إذ إن واشنطن تتراجع في العالم، ولم تستطع حتى الآن حلّ مشكلاتها مع إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، كما أنها لا تريد سوى تقسيم دول المنطقة عبر التنظيمات الإرهابية». وتابع الكاتب التركي، إن من يريد دعم «ناتو» - في إشارة إلى مطالبة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار للحلف بتقديم الدعم لتركيا في إدلب – «إنما يستدعي التدخل والانتداب الأميركي على تركيا، وهذا يجب ألا يحدث».
ورأى المحلل السياسي متين يغين، أن أنقرة «لا ترغب في حل الأزمة السورية، وهي لم تحل أي مشكلة تورطت فيها». لافتاً إلى أنه «بعد مرور 46 سنة على الاحتلال التركي لقبرص، ليس هناك من يعترف بقبرص الشمالية غيرها، وكذلك بالنسبة إلى المشكلة الكردية التي لم تحل بعد».
وتابع يغين «في العراق تركيا موجودة ولا أفق لهذا الوجود. والأمر ينسحب على سوريا أيضاً، حيث استراتيجية إردوغان فيها هي اللاحل». وكم هو مؤسف أنه ينجح فيها».
أيضاً، لفت الكاتب أورهان بورصالي إلى ما رآه «توظيف إردوغان الأزمة السورية داخلياً وتقديمها على أنها شأن تركي داخلي». ورأى أن «هذا يعني أن الحرب في سوريا ستستمر كأداة أساسية لاستمرار سلطته في الداخل؛ ولذا فإنه يضع (عربة الحرب) أمام السلام، وتتطابق سياساته مع الذهنية العثمانية... وفي هذا السياق، تأتي مسألة كسب الأرض في سوريا لتوسيع حدود تركيا، وذلك هو عصب سياسة إردوغان في سوريا منذ العام 2011. ومن الزاوية نفسها ينظر إلى البلقان والآن إلى ليبيا؛ سعياً إلى تحقيق هدفه في إقامة تركيا الجديدة في عام».
- «سيناريوهات» الأزمة
وفي الاتجاه السياسي نفسه، يرى الكاتب محمد علي جولار أربعة خيارات أمام تركيا للخروج من الأزمة السورية: الأول، هو التعاون المباشر مع نظام الأسد في دمشق، لكن لأن حزب العدالة والتنمية لم يتخلّ عن أجندته الخاصة تجاه سوريا والأسد فإن هذا الخيار غير قابل للتطبيق.
والثاني، الذي وصفه بـ«الخيار الجيد»، فهو استمرار التعاون مع روسيا ومنع الولايات المتحدة من انتهاز الفرص.
والثالث، الذي وصفه بالخيار الخاطئ، فهو الصدام بين تركيا ونظام الأسد في إدلب. والرابع، وهو الأكثر سوءاً من وجهة نظر الكاتب، فهو أن تتعاون تركيا مع الولايات المتحدة لتقسيم سوريا.
واعتبر الكاتب أن الهدف المركزي الذي يسعى إليه إردوغان اليوم هو إنشاء ممر لـ«الجيش السوري الحر»، على أنقاض الممر الكردي، ولو لم يكن هدفه كذلك لكان دخل مع روسيا منذ البداية في مسار اتفاق مع الأسد.
- إدلب... مأساة إنسانية بلا نهاية
> حذّر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة من تفاقم الأوضاع الإنسانية «المُزرية» في محافظة إدلب مع استمرار التصعيد في مختلف مناطق المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا. وقال المتحدث باسم المكتب، ينس لاركيه، إن المكتب سجل مقتل أكثر من ألف و500 مدني خلال الأشهر التسعة الأخيرة في المحافظة، «... ولم يبق مكان آمن في إدلب. القنابل تتساقط في كل مكان، وحتى الذين نجحوا في الفرار من أماكن القصف ليسوا بمأمن».
وأضاف لاركيه: «استمرار الهجمات والقصف طوال الشهرين الأخيرين، تسبب في نزوح المدنيين من مختلف مناطق المحافظة، وأكبر مشكلة هي التغذية، إضافة إلى ظروف الشتاء الصعبة». وأوضح أن 3 ملايين مدني بالمنطقة في مأزق، نصفهم من الأطفال والكهول، في حين يشكل نقص المساعدات مشكلة أخرى، رغم الجهود المبذولة في هذا الخصوص من قبل المكتب والمنظمات المدنية الأخرى. وأشار إلى نزوح 520 ألف مدني بالمحافظة، منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
من جانب آخر، وجهت منظمات إغاثة سورية نداءً عاجلاً لوقف إطلاق النار، وطلبت مساعدة دولية لنحو مليون شخص نزحوا بسبب هجوم قوات النظام على إدلب في أكبر موجة نزوح خلال النزاع المستمر منذ 9 سنوات. وقال تحالف المنظمات السورية غير الحكومية، إن النازحين «يفرّون بحثاً عن الأمان، لكنهم يموتون بسبب الظروف الجوية القاسية وانعدام الموارد المتاحة». وأضاف التحالف، خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول «إننا نواجه واحدة من أسوأ أزمات توفير الحماية، ونتعامل مع حركة كبيرة لنازحين ليس لديهم أي مكان يذهبون إليه». وأكد التحالف الحاجة إلى ما مجموعه 336 مليون دولار أميركي لتوفير المواد الأساسية والماء والملجأ، والحاجة أيضاً إلى موارد تعليمية لنحو 280 مليون طفل نازح.
هذا، وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت الأمم المتحدة، أن النازحين هم في غالبيتهم من النساء والأطفال وحذرت من أن الأطفال يموتون بسبب البرد لأن مخيمات الإغاثة ممتلئة. وقال مارك لوكوك، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إن العنف في شمال غربي سوريا بلا تمييز. فقد تعرضت منشآت صحية ومدارس ومناطق سكنية ومساجد وأسواق للقصف. وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء الماضي، أنه من أصل 550 منشأة صحية في شمال غربي سوريا، ظل النصف فقط في الخدمة. وكان مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس قد شدّد أمام الصحافيين «إننا نكرّر القول: المرافق الصحية وعمال الصحة ليسوا أهدافاً مشروعة».



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟