إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

صدمة من موقف موسكو ومنتقدوه ضد استدعاء دعم واشنطن

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا
TT

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

إردوغان يدقّ طبول الحرب في إدلب للضغط على روسيا

كشفت التطورات الأخيرة في محافظة إدلب السورية مع استمرار تقدّم قوات نظام الأسد فيها، وفي أجزاء من محافظة حلب المجاورة، عن خلاف يتفاعل تحت السطح لأشهر طويلة بين تركيا وروسيا على الرغم من حرص الجانبين على إظهار التوافق بشأن الوضع في إدلب. والمعروف أن الجانبين يرتبطان هناك بعدد من الِتفاهمات التي أمكن التوصل إليها، إما في إطار «مباحثات آستانة» بمشاركة إيران، أو المباحثات الثنائية وأبرزها «تفاهم سوتشي» الموقّع في منتجع سوتشي بأقصى جنوب روسيا يوم 17 سبتمبر (أيلول) 2018 بشأن إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح للفصل بين قوات الحكومة والمعارضة.
ترى روسيا بالنسبة للوضع في شمال غربي سوريا، كما أعلنت غير مرة، أن تركيا أخفقت في تنفيذ التزاماتها بموجب مذكرة «تفاهم سوتشي»، وعجزت عن إداء دورها في الفصل بين «المقاتلين المتشددين» - قاصدة بهم عناصر «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً) - وفصائل المعارضة الوطنية المعتدلة إلى جانب التخلف عن طريقي حلب – اللاذقية (إم 4) وحلب دمشق (إم 5).
في المقابل، بدأت تصدر عن تركيا للمرة الأولى خلال الأسابيع الأخيرة تصريحات للهجوم على روسيا، وتحميلها المسؤولية عن استهداف المدنيين في إدلب بسبب دعمها تحركات قوات نظام الأسد الساعية للسيطرة على إدلب، وانتهاكها «تفاهم سوتشي»، وكذلك «اتفاق مناطق خفض التصعيد» في إدلب الذي سبق التوصل إليه في آستانة (عاصمة كازاخستان) خلال مايو (أيار) 2017، الذي بموجبه أنشأت تركيا نقاطاً عسكرية للمراقبة في إدلب بدأت بـ12 نقطة أنشئت خلال أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته.
- تحرشات... وحشد للحرب
قبل أشهر تحرّشت قوات النظام بنقاط المراقبة التركية في محافظة إدلب قتل فيها عدد من الجنود. ومع تقدم النظام داخل المحافظة بدأت تركيا زيادة عدد نقاط مراقبتها على محاور عدة في شرقها وجنوبها وشمالها، حتى وصل عددها إلى 37 نقطة. وفي الوقت ذاته، تقدمت قوات النظام – المدعومة من الروس – أكثر في إدلب، حيث حاصرت 4 نقاط للمراقبة تابعة للجيش التركي، وقتلت على مدى الأسبوعين الماضيين 13 عسكرياً تركياً، إضافة إلى إصابة عدد آخر. هذا، دفع الأتراك للرد المباشر، وأعلنت وزارة الدفاع التركية عن قتل العشرات من جنود النظام، فضلاً عن الخسائر في الآليات والمعدات العسكرية وإسقاط طائرتين.
وإزاء هذه التطوّرات هدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشن عملية عسكرية ضد قوات الأسد ما لم تنسحب إلى حدود «تفاهم سوتشي»، أي خلف نقاط المراقبة الـ12 في منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب. وبالفعل، باشرت تركيا حشد قواتها الخاصة (الكوماندوز) والدفع بتعزيزات عسكرية ضخمة إلى داخل المحافظة وعلى حدودها مع سوريا. ووفق تقديرات، حشدت تركيا 10 آلاف جندي داخل إدلب وفي محيطها، كما أصدرت أوامر للفصائل السورية الموالية في الهيئة الوطنية للتحرير بإرسال عناصرها للقتال مع القوات التركية.
- سوتشي: اتساع الفجوة
وفي محاولة لوقف التصعيد والحفاظ على مساحة التوافق بينهما، أجرت تركيا وروسيا ثلاث جولات من المباحثات على مستوى وفود دبلوماسية وعسكرية، انتهت آخرها يوم الثلاثاء الماضي في موسكو، بالفشل في تحقيق أي تقدم يغيّر مواقف الطرفين. تركيا ذكرت أن نتائج المباحثات كانت بعيدة جداً عما كانت ترجوه، معلنة أنها لن تنسحب من نقاط المراقبة، بل سترد بأشد الطرق على أي هجوم من جانب النظام. وأضافت أنها تتمسك بانسحاب قوات النظام إلى ما وراء نقاط المراقبة، وأنها أكملت تحضيراتها لشن عملية عسكرية لإجبارها على ذلك ما لم تنسحب قبل نهاية فبراير (شباط) الحالي. وفي المقابل، أعلن الكرملين أن تنفيذ عملية عسكرية تركية ضد قوات الأسد السورية سيكون «أسوأ سيناريو»، لكن روسيا وتركيا ستواصلان الاتصالات بشأن إدلب السورية لمنع تصاعد التوتر بدرجة أكبر.
ولقد أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن بلاده لم تبلغ تركيا خلال مباحثات موسكو وأنقرة بأي خطط جديدة بشأن إدلب. وشدد أيضاً على أن الأوضاع في المحافظة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل سنة ونصف السنة، ولا سيما أن تركيا لم تنجح في الفصل بين المتشددين والمعارضة الوطنية المعتدلة في إدلب. وتابع، أن «تفاهم سوتشي» لا يتضمن ما ينص «على حماية الإرهابيين». وأردف، أن عمليات قوات نظام الأسد في شمال غربي البلاد، عبارة عن «رد على الاستفزازات الصادرة من الإرهابيين»، وذلك يجري بموجب ما اتفق عليه الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان.
أيضاً، لفت لافروف إلى أن من وصفها بـ«الجماعات الإرهابية في إدلب» واصلت خلال الفترة الماضية «استفزازاتها» عبر القصف على قاعدة حميميم الروسية وعلى المدنيين وقوات الأسد، وإن ما تقوم به الأخيرة هو «الرد على هذه الاستفزازات»، وهو ما تدعمه روسيا لاستعادة سيطرة «الحكومة على أراضيها». واستطرد قائلاً، إن الاتفاق الروسي - التركي في سوتشي «لم ينص أبداً على تجميد الوضع في إدلب، وترك حرية التصرف للإرهابيين هناك، ولم يقدم أي أحد وعوداً بعدم المساس بالإرهابيين» على حد تعبيره.
- «العملية المباغتة» واردة
المباحثات حول إدلب أظهرت في الواقع عمق الخلاف بين أنقرة وموسكو، إلى الحد الذي بدا فيه أن موسكو غير راغبة في رفع مستوى الاتصالات مع أنقرة. إذ أعلنت أنه «لا نية في الوقت الراهن» لعقد لقاء بين بوتين وإردوغان، بخلاف ما كرّرته أنقرة عن عقد لقاء بين الرئيسين إذا لم تنجح مباحثات الوفود في إحراز تقدم.
ومن ثم، عقب إعلان الجانبين فشل المباحثات بالتوصّل إلى النتائج المرجوة، هدّد إردوغان، أمام نواب حزبه في البرلمان، يوم الأربعاء الفائت، بإطلاق عملية عسكرية مباغتة في إدلب. وأضاف، أن تركيا «لم تحصل على النتيجة التي تريدها من المباحثات مع روسيا التي جاءت بعيدة جداً عما ترغب فيه». وبالتالي، أعدت خطة لعملياتها العسكرية في إدلب. وطالب الرئيس التركي، مجدداً، نظام الأسد بسحب قواته من بعض المواقع هناك بحلول نهاية الشهر الحالي قائلاً: «هذا آخر تحذيراتنا... بات شن عملية في إدلب وشيكاً... قد نأتي ذات ليلة على حين غرة».
- دعم أميركي قوي
في هذه الأثناء، حصلت أنقرة على دعم أميركي قوي في ظل التوتر مع موسكو على خلفية التطورات في إدلب. وأكدت واشنطن دعمها لتركيا، حليفتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في كل الخطوات التي تتخذها لحماية أمنها و«مصالحها المشروعة». وأكد جيمس جيفري، المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، أثناء زيارته للعاصمة التركية الأسبوع الماضي، أن بلاده لن ترسل قوات إلى إدلب، لكنها مستعدة لدعم تركيا لوجيستياً واستخباراتياً.
كذلك، جددت واشنطن على لسان كيلي كرافت، المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، دعمها القوي للمصالح المشروعة لحليفتها الأطلسية تركيا. إذ اعتبرت أنها «قدمت أكثر من أي دولة أخرى مساعدات للاجئين السوريين بإدلب»، وذلك خلال جلسة لمجلس الأمن في نيويورك حول الأوضاع الإنسانية والسياسية في سوريا، يوم الأربعاء الماضي. وأردفت كرافت «نحن نتفهم قلقها (أي تركيا) بشأن تدفقات اللاجئين الإضافية نتيجة الأعمال العدائية المستمرة»، مضيفة «... ونرفض رفضاً قاطعاً التصريحات التي أدلى بها المسؤولون الروس، والتي تلقي باللوم على تركيا كذباً في تصعيد العنف في شمال غربي سوريا... إن نظام الأسد وروسيا، وليس تركيا، مسؤولان عن تنظيم وتنفيذ هذه الحملة العسكرية».
كذلك، شددت المندوبة كرافت على أن «الولايات المتحدة، ستواصل التنسيق مع تركيا بشأن النهج الدبلوماسي، لاستعادة وقف إطلاق النار في منطقة خفض التصعيد بإدلب»، معتبرة أن «عملية آستانة أثبتت فشلها في تحقيق خفض التصعيد في إدلب. ومن ثم، طالبت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الخاص إلى سوريا غير بيدرسون، بتسلم المهمة واعتبارها أولوية قصوى للأمم المتحدة.
هذا، وعلق الرئيس التركي على تصريحات لنظيره الأميركي دونالد ترمب بشأن التعاون مع تركيا في ملف إدلب، قائلاً: «يمكن أن يكون هناك تعاون بيننا على مختلف الصعد في أي لحظة».
- معضلة حقيقية
في أي حال، يرى مراقبون أن تركيا تجد نفسها الآن أمام معضلة حقيقية. فمن ناحية، تريد أن تتفادى وقوع كارثة إنسانية على حدودها الجنوبية بينما هي غير مستعدة لاستقبال مزيد من اللاجئين، ومن ناحية أخرى، لا ترغب في تدمير علاقتها مع روسيا.. ولا ترغب في تأجيج التوتر أو وضع علاقتها مع روسيا على المحك بسبب تطورات إدلب. وتدرك أن روسيا هي الطرف الوحيد القادر على كبح خطوات نظام دمشق المحتملة ضد المصالح التركية في أي وقت.
حقاً، تركيا غير راغبة في التضحية بعلاقتها الوثيقة مع روسيا، ولقد حرصت على بنائها خلال السنوات الأربع الأخيرة، مقابل العزلة الدولية التي تعانيها من جانب قوى الغرب، وأيضاً بعض دول الشرق الأوسط، بسبب مغامرتها الأخيرة في ليبيا ومنافستها على موارد النفط والغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، فضلاً عن تدخلاتها في شؤون دول المنطقة. ولذا؛ فهي تسعى إلى «اتفاق سوتشي جديد» مع روسيا، يشمل إيران أيضاً بسبب خياراتها المحدودة في سوريا حالياً.
وكان رد تركيا، الذي وُصف بـ«الخجول» على مقتل عسكرييها في إدلب مؤشراً – بالنسبة لمراقبين – إلا أن التهديد بالعملية العسكرية ما كان إلا محاولة للضغط على روسيا من أجل إقرار هدنة جديدة. والدليل أن الجانبين أكدا أن المباحثات ستستمر رغم فشلها حتى الآن في تحقيق تهدئة. وبينما يواصل إردوغان تهديداته لسوريا، وتحديد مواعيد نهائية لشن ضربة عسكرية لقوات الأسد في نهاية فبراير الحالي، ما لم تنسحب إلى «حدود اتفاقية سوتشي»، يرى مراقبون أن إردوغان، الذي راهن على أن تهرع موسكو إليه لعقد اتفاقية جديدة تحت التهديد، غير مرتاح لردّ الفعل الروسي السلبي. ولهذا زاد ضغطه بإرسال المزيد من الدبابات والصواريخ والمدافع والجنود إلى منطقة إدلب، في عملية انتشار استباقية هدفها خلق «أمر واقع» جديد في المنطقة.
- مخاوف... وتحذيرات
مع ذلك، ترى دوائر مقربة من إردوغان، أن بإمكان واشنطن فعل الكثير، من تسليح المعارضة، إلى ضرب قواعد النظام الحساسة، ووصولاً إلى اقتراحات جديدة للأمن القومي التركي. أما بالنسبة لأوروبا، فتعتقد هذه الدوائر أنه من غير المنتظر أن تقدّم دعماً لتركيا بخلاف الدعم المالي من ألمانيا للاجئين السوريين. كذلك ترى أن تركيا إنما اضطرت إلى التعاون مع روسيا بسبب سياسة واشنطن الخاطئة تجاه سوريا... وفي حال أخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة، فسيكون بإمكانها توسيع نفوذها في سوريا، وفي حال لم تفعل، سيتعذّر البحث في إعادة تصحيح العلاقات التركية - الأميركية.
باريش دوست أر، الكاتب في صحيفة «جمهوريت» التركية، حذّر من أن استدعاء واشنطن للأزمة «لن يؤدي إلى حلّ، بل سيصعّبه؛ إذ إن واشنطن تتراجع في العالم، ولم تستطع حتى الآن حلّ مشكلاتها مع إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا، كما أنها لا تريد سوى تقسيم دول المنطقة عبر التنظيمات الإرهابية». وتابع الكاتب التركي، إن من يريد دعم «ناتو» - في إشارة إلى مطالبة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار للحلف بتقديم الدعم لتركيا في إدلب – «إنما يستدعي التدخل والانتداب الأميركي على تركيا، وهذا يجب ألا يحدث».
ورأى المحلل السياسي متين يغين، أن أنقرة «لا ترغب في حل الأزمة السورية، وهي لم تحل أي مشكلة تورطت فيها». لافتاً إلى أنه «بعد مرور 46 سنة على الاحتلال التركي لقبرص، ليس هناك من يعترف بقبرص الشمالية غيرها، وكذلك بالنسبة إلى المشكلة الكردية التي لم تحل بعد».
وتابع يغين «في العراق تركيا موجودة ولا أفق لهذا الوجود. والأمر ينسحب على سوريا أيضاً، حيث استراتيجية إردوغان فيها هي اللاحل». وكم هو مؤسف أنه ينجح فيها».
أيضاً، لفت الكاتب أورهان بورصالي إلى ما رآه «توظيف إردوغان الأزمة السورية داخلياً وتقديمها على أنها شأن تركي داخلي». ورأى أن «هذا يعني أن الحرب في سوريا ستستمر كأداة أساسية لاستمرار سلطته في الداخل؛ ولذا فإنه يضع (عربة الحرب) أمام السلام، وتتطابق سياساته مع الذهنية العثمانية... وفي هذا السياق، تأتي مسألة كسب الأرض في سوريا لتوسيع حدود تركيا، وذلك هو عصب سياسة إردوغان في سوريا منذ العام 2011. ومن الزاوية نفسها ينظر إلى البلقان والآن إلى ليبيا؛ سعياً إلى تحقيق هدفه في إقامة تركيا الجديدة في عام».
- «سيناريوهات» الأزمة
وفي الاتجاه السياسي نفسه، يرى الكاتب محمد علي جولار أربعة خيارات أمام تركيا للخروج من الأزمة السورية: الأول، هو التعاون المباشر مع نظام الأسد في دمشق، لكن لأن حزب العدالة والتنمية لم يتخلّ عن أجندته الخاصة تجاه سوريا والأسد فإن هذا الخيار غير قابل للتطبيق.
والثاني، الذي وصفه بـ«الخيار الجيد»، فهو استمرار التعاون مع روسيا ومنع الولايات المتحدة من انتهاز الفرص.
والثالث، الذي وصفه بالخيار الخاطئ، فهو الصدام بين تركيا ونظام الأسد في إدلب. والرابع، وهو الأكثر سوءاً من وجهة نظر الكاتب، فهو أن تتعاون تركيا مع الولايات المتحدة لتقسيم سوريا.
واعتبر الكاتب أن الهدف المركزي الذي يسعى إليه إردوغان اليوم هو إنشاء ممر لـ«الجيش السوري الحر»، على أنقاض الممر الكردي، ولو لم يكن هدفه كذلك لكان دخل مع روسيا منذ البداية في مسار اتفاق مع الأسد.
- إدلب... مأساة إنسانية بلا نهاية
> حذّر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة من تفاقم الأوضاع الإنسانية «المُزرية» في محافظة إدلب مع استمرار التصعيد في مختلف مناطق المحافظة الواقعة في شمال غربي سوريا. وقال المتحدث باسم المكتب، ينس لاركيه، إن المكتب سجل مقتل أكثر من ألف و500 مدني خلال الأشهر التسعة الأخيرة في المحافظة، «... ولم يبق مكان آمن في إدلب. القنابل تتساقط في كل مكان، وحتى الذين نجحوا في الفرار من أماكن القصف ليسوا بمأمن».
وأضاف لاركيه: «استمرار الهجمات والقصف طوال الشهرين الأخيرين، تسبب في نزوح المدنيين من مختلف مناطق المحافظة، وأكبر مشكلة هي التغذية، إضافة إلى ظروف الشتاء الصعبة». وأوضح أن 3 ملايين مدني بالمنطقة في مأزق، نصفهم من الأطفال والكهول، في حين يشكل نقص المساعدات مشكلة أخرى، رغم الجهود المبذولة في هذا الخصوص من قبل المكتب والمنظمات المدنية الأخرى. وأشار إلى نزوح 520 ألف مدني بالمحافظة، منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
من جانب آخر، وجهت منظمات إغاثة سورية نداءً عاجلاً لوقف إطلاق النار، وطلبت مساعدة دولية لنحو مليون شخص نزحوا بسبب هجوم قوات النظام على إدلب في أكبر موجة نزوح خلال النزاع المستمر منذ 9 سنوات. وقال تحالف المنظمات السورية غير الحكومية، إن النازحين «يفرّون بحثاً عن الأمان، لكنهم يموتون بسبب الظروف الجوية القاسية وانعدام الموارد المتاحة». وأضاف التحالف، خلال مؤتمر صحافي في إسطنبول «إننا نواجه واحدة من أسوأ أزمات توفير الحماية، ونتعامل مع حركة كبيرة لنازحين ليس لديهم أي مكان يذهبون إليه». وأكد التحالف الحاجة إلى ما مجموعه 336 مليون دولار أميركي لتوفير المواد الأساسية والماء والملجأ، والحاجة أيضاً إلى موارد تعليمية لنحو 280 مليون طفل نازح.
هذا، وخلال الأسبوع الماضي، أعلنت الأمم المتحدة، أن النازحين هم في غالبيتهم من النساء والأطفال وحذرت من أن الأطفال يموتون بسبب البرد لأن مخيمات الإغاثة ممتلئة. وقال مارك لوكوك، مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، إن العنف في شمال غربي سوريا بلا تمييز. فقد تعرضت منشآت صحية ومدارس ومناطق سكنية ومساجد وأسواق للقصف. وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء الماضي، أنه من أصل 550 منشأة صحية في شمال غربي سوريا، ظل النصف فقط في الخدمة. وكان مدير المنظمة تيدروس أدهانوم غيبرييسوس قد شدّد أمام الصحافيين «إننا نكرّر القول: المرافق الصحية وعمال الصحة ليسوا أهدافاً مشروعة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.