أسبوع نيويورك في أزمة

مشاكل كثيرة وضربات متتالية آخرها اقتحام الأوسكار لتوقيته

صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ
صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ
TT

أسبوع نيويورك في أزمة

صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ
صورة من حفل الأوسكار تظهر فيها النجمات ناتالي بورتمان وغريتا غيرويغ وسيغورني ويفر وفلورانس بوغ

ما لا يختلف عليه اثنان أن أسابيع الموضة تمر بعدة أزمات منذ سنوات. من تباطؤ في النمو الاقتصادي إلى فيروس كورونا مؤخراً بكل ما يتضمنه من تبعات فيما يتعلق بالتنقل والسفر وشحن المنتجات وإنتاجها، فكان لا بد أن تعلن الموضة معاناتها. لكن الواضح أن أسبوع نيويورك هو أكثر المتضررين لعدة أسباب؛ منها أن التفاحة الكبيرة لم تعد مركز الموضة الأميركية، بعد أن سحبت منها لوس أنجليس السجاد والبريق، وبعد أن توسعت صناعة الموضة الأميركية جغرافياً. فمعامل صناعة الأحذية مثلاً تتمركز في تكساس وويسكونسن، والشمال الغربي من الولايات المتحدة يتخصص في صناعة الجلود كما أصبحت واشنطن مقرراً مهماً لكثير من المصممين، إلى جانب لوس أنجليس، التي لم تعد تقتصر أهميتها على بريق هوليوود. فهي الآن مركز لمصممين معروفين من أمثال الأختين رودارت اللتين تصممان وتنفذان فساتين السهرة فيها إلى جانب آخرين. بالنسبة لكثير من المتابعين فإن مشاكل أسبوع نيويورك ليست وليدة الساعة، ربما تكون بدايتها عندما انتقل من مقره القديم «براينت بارك» وامتدت أيامه لـ9 أيام.
لهذا عندما أعلن المصمم ورئيس منظمة المصممين الأميركيين، توم فورد، في العام الماضي قراره تقليص مدته إلى 5 أيام فقط، استبشر كثير من المتابعين خيراً. فـ9 أيام مدة طويلة كانت تستنزف قواهم ووقتهم، إلى حد أنها أثرت على رغبتهم في حضوره. لم تدم الفرحة طويلاً، حيث وأدها قرار منظمي حفل توزيع جوائز الأوسكار تقديم تاريخه هذا العام، ليتزامن مع الأسبوع ويجعله مجرد خبر جانبي بعد أن كان هو الخبر الرئيسي في هذه الفترة. غني عن القول إن القرار استفز مجموعة لا يستهان بها من المشاركين في الأسبوع. فكل المصممين الكبار مستعدون لصرف مبالغ طائلة على عرض لن يستغرق أكثر من 20 دقيقة على شرط أن يجد له متابعين ومُسوقين لا أن يمر مرور الكرام لا يحضره سوى قلة غير مؤثرة من المتابعين. فكل الأنظار انصبت على أزياء ومجوهرات النجمات. ما زاد الأمر سوءاً أنه بمجرد انتهاء حفل الأوسكار، احتضنت لوس أنجليس معرضها الفني السنوي «فريز»، وهو ما جعل من المنطقي أن تكون الوجهة المفضلة للأغلبية. وكأن هذا كله لا يكفي، جاء قرار توم فورد، رئيس مجلس منظمة المصممين الأميركيين، تقديم عرضه في لوس أنجليس عوض نيويورك، لأنه كما قال سابقاً: «يمكن للموضة أن تكسب كثيراً من قُربها وتقرُبها من هوليوود». وأضاف أن «العلاقة بين الموضة والسينما قوية، وأنا بحكم وظيفتي كرئيس مجلس منظمة المصممين الأميركيين، أرى أن دوري الأساسي وأولويتي أن ألفت أنظار العالم إلى الموضة الأميركية». لكن من الصعب على الكثيرين أن يفهموا وجهة نظره هاته، لأن تفضيله العرض في لوس أنجليس على نيويورك هذا الموسم كان بمثابة الطعنة في الظهر، إذ إن المفترض فيه أن يكون الراعي والداعم الأساسي له.
بيد أن توم فورد لم يكن الغائب الوحيد في الأسبوع، فقد كان غياب رالف لورين أيضاً لافتاً، كذلك المصمم تيلفار كليمنس الذي فضل المشاركة في معرض بيتي أومو بفلورنسا في الشهر الماضي، فيما سيعرض تومي هيلفغر تشكيلته غداً في لندن.
بدوره، ألغى جيريمي سكوت عرضه قبل أسبوعين فقط من تاريخه. كان قراره مفاجئاً لأنه كان قد أرسل بطاقات الدعوة، وأنهى أغلب التفاصيل، برره بأنه يفضل أن يعرض في باريس في شهر يوليو (تموز) المقبل، أسوة بمصمم آخر هاجر إلى باريس في عام 2017 هو جوزيف ألتازورا. ففي عاصمة النور سيحصل على فرصة للوصول إلى شرائح أكبر من الزبائن. ماريا كورنيجو أيضاً ألغت عرضها رغم أنه كان في توقيت جيد في البرنامج الرسمي، بينما قدمت علامة «باجا إيست» عرضها في لوس أنجلوس. الرسالة كانت واضحة، وهي أن الكل يغني على ليلاه، في ظل تشتت فكرة الأسبوع. المدافعون عن توم فورد يقولون إن أزمة الأسبوع بدأت قبل أن يتسلم رئاسة المجلس بسنوات، وبأنها بدأت منذ انتقال مقر الأسبوع من «براينت بارك» إلى مركز لينكولن ثم إلى أماكن أخرى متفرقة، وهي تغييرات زعزعت مكانته وأفقدته بريقه القديم، إلى جانب تراجع المبيعات وعزوف المتسوقين عن المحلات الكبيرة، ما أدى إلى إغلاق بعضها مثل «بارنيز» الأيقونية. إغلاق هذه المحلات أثر على عدة وظائف تم إلغاؤها، مثل وظيفة الشراء، التي لم تعد ضرورية لا سيما بعد ظهور مفهوم «العرض اليوم والبيع غداً». لهذا، فإن رأي المتابعين أن هذه التغييرات والأزمات تتطلب حالياً تدخلات جذرية لاستحداث أفكار جديدة تناسب العصر. فعروض الأزياء بمفهومها التقليدي القديم لم تعد متماشية مع التغيرات التي تشهدها ساحة الموضة، وأولها أنها فقدت نخبويتها بعد أن فتحت أسابيع الموضة العالمية أبوابها للعامة لقاء مبلغ مالي. فهذا أثر على حميميتها وخصوصيتها، وفي المقابل، ظهرت وسائل أخرى للعرض والتسويق تعتمد على التفاعل مع الزبائن بشكل مباشر، وهو ما قد يكون في صالح المصممين الصغار تحديداً.
كل هذا فتح الباب لتساؤلات لم تكن تخطر على البال منذ 10 سنوات عن مدى أهمية أسبوع نيويورك من جهة، وأهمية عروض الأزياء عموماً من جهة ثانية. فالبعض يرى أنها، أي عروض الأزياء، ما هي إلا مجرد إرث من الماضي يثير الحنين أكثر مما يُعبر عن متطلبات العصر الحالي، علماً بأن الأمر لا يقتصر على نيويورك، بل يشمل باقي عواصم العالم. فالمصممون الآن مطالبون بإيجاد لغة جديدة ونسج قصص تشد الانتباه، وهو ما ترجمه البعض من خلال ديكورات تُلهب الخيال لكن تتطلب ميزانيات ضخمة لا يقدر عليها سوى بيوت أزياء كبيرة مثل «شانيل» أو «ديور»، وبالبعض الآخر، وأغلبهم من المصممين الشباب، باللعب على مفهوم الاستدامة وغيرها.
في بريطانيا، حيث سينطلق الأسبوع اللندني غداً، أخذت المصممة فيبي إنغليش المبادرة بإعادة النظر في طريقة عرضها لتصاميمها وكانت النتيجة استغناؤها عنها لثلاثة مواسم الآن. فسرت الأمر بقولها إنها أرادت أن تأخذ فرصة تعيد فيها النظر في طرق الإنتاج القديمة والمتوارثة. وكانت النتيجة أنها بدأت الإنتاج في ورشات ومعامل محلية بإنتاج محسوب حتى لا يكون لديها أي فائض. لم يكن اتخاذ قرار عدم العرض سهلاً في البداية، لأنه محفوف بالمخاطر بالنسبة لمصممة شابة، من المفترض أن ترسخ اسمها بأن تجعله يتردد في مجال سريع الإيقاع ويتمتع بذاكرة ضعيفة، إلا أنها اكتشفت مع الوقت أن قرارها كان صحياً وصحيحاً، لأنه كما توضح «ساعدنا في تقييم الأمور والنظر إليها من زاوية موضوعية».

... والصين تغيب
> المئات من صناع الموضة والمسؤولين عن عمليات الشراء من الصينيين لن يتمكنوا من حضور أسابيع الموضة العالمية هذا الموسم وسط مخاوف من انتشار فيروس «كورونا»، وهو ما يُشكل ضربة بالنسبة للمصممين الذين يُعولون على السوق الصينية. الإيطاليون يتوقعون أن يتغيب نحو ألف صحافي وخبير أزياء، ومتخصصو شراء في المحلات، عن «أسبوع ميلانو».
وأفادت «منظمة الموضة الإيطالية» بأن وباء «كورونا» الذي أودى بآلاف الأرواح لحد الآن، سيتسبب في انخفاض مبيعات الموضة الإيطالية بنسبة 1.8 في المائة في الأشهر الستة الأولى من العالم الحالي.
في المقابل؛ هناك جهود كثيرة يقوم بها الغرب لتفادي الخسائر المرتقبة من جهة، وإظهار تضامنهم مع أصدقائهم الصينيين من جهة ثانية، حيث أعلنوا أنهم سيعملون بكل جُهدهم على بثّ عروضهم على مواقعهم
الإلكترونية بشكل مكثف أكثر من أي وقت مضى حتى يُتيحوا لهم متابعة هذه العروض، وفي
الوقت ذاته أن تتم عمليات البيعوالشراء
عبر الإنترنت. كارولاين راش، رئيسة
«منظمة الموضة البريطانية» أشارت
إلى هذه الجهود بقولها إن المنظمة
ستعمل بجهدها لكي تصل إلى الصين
بشتى الطرق، مضيفة: «نتمنى من
قلوبنا أن يتمكن أصدقاؤنا وشركاؤنا
في الصين من التنقل والترحال وأن
نراهم قريباً في لندن».



حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة