أذن مضادة لتنثير الشعر

لم تعد قصيدة النثر العربية معنية بالبحث عن شرعيتها وتقصي أصولها في الموروث الأدبي

ناقد سعودي
ناقد سعودي
TT

أذن مضادة لتنثير الشعر

ناقد سعودي
ناقد سعودي

ناضلت قصيدة النثر العربية لتحرير الشعر من فكرة كونه الكلام الموزون المقفى، وهي معركة محسومة أصلاً عند بعض المناقدة العرب منذ زمن بعيد، حيث أكد الجرجاني أن الشعر لا تنبني قوته على وزنه أو قافيته، بل يحدث التأثير الشعري لدى المتلقي لأن الشاعر «قدم وأخر، وعرف ونكر، وحذف وأضمر، وأعاد وكرر». وهو منحى تنظيري يتوفر عند جان كوهن في نظريته «الانزياح». إلا أن بعض رموز قصيدة النثر أرادوا تضخيم ذلك الوثن للبناء على أطلاله منصة انطلاق لمفارقة السلفية الشعرية العربية، وكأنهم يستأنفون كتابة الشعر من صفر تنظيري، بمعنى التبشير بنص حداثي الملامح، فردي النزعة بالضرورة، حيث اشترط يوسف الخال في كتابه «الحداثة في الشعر» أن يعبر الشعر عن «رؤيا الشاعر الشخصية الفريدة».
عندما التقط بودلير خيط الضوء النحيل لقصيدة النثر صرخ «إنها خطرة كالحرية» انطلاقاً من معرفته العميقة بما تعد به كأداة تعبير واسعة ومغوية لكل من أراد التعبير عن وجوده. وهذا هو بالتحديد مأزق وامتياز قصيدة النثر العربية، لأن تهشيم عمود الشعر، وتجريف الوزن، بقدر ما فتح الباب على اتساعه للتجريب المتطرف، والتفكير المتمادي عبر اللغة، والسير بالتعبير الشعري عكس اشتهاءات رياح التلقي، بقدر ما أثار السؤال الوعر عن ماهية الشعر الجديد الذي يعاند الوزن والقافية ورنين أجراس القصيدة العمودية، ولكنه لا يصرح بمعالم التفكير الشعري الأحدث. وهو ملمح مربك استدركه أدونيس فيما سماه «أوهام الحداثة»، التي ترتكز فقط على معاداة الأوزان، في الوقت الذي كان فيه محيي الدين اللاذقاني ينادي بالحداثة اللازمنية، وعدم إهمال حداثة النص ذاته، مندداً في كتابه «آباء الحداثة العربية» بمن سماهم أصنام الحداثة الذين فرضوا «رؤية قاصرة للحداثة تعزلها عن سياق الحياة، وتحولاتها السياسية والاجتماعية وتحصرها في تشطير البيت الشعري وتجريد الشكل واللون».
ومنذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي، تغير المشهد الشعري العربي على إيقاع تنامي «قصيدة الملاعين» بتعبير أنسي الحاج، وكأن الإنسان العربي بات يعيش بالفعل نثرية الحياة التي تحتم عليه بالضرورة تغيير مفاهيمه القديمة للشعر والامتثال لما تطرحه قصيدة النثر كمعادل لتلك الحالة الشعورية المفهومية الممتدة بعمق واتساع وشمولية في قلب المشهد الحياتي، أي الكتابة داخل رحم زمني هو بمثابة الوجود التاريخي المعاش الذي يحدد حداثة النصوص المتناسلة بكثافة وصلابة آنذاك، بحيث لم تعد كتابة قصيدة النثر تعني مجرد فرط البيت الشعري في سطور متقشفة ومتتالية، لضبط هذيانات الذوات الحائرة الساخطة، بل أُريد لها أن تكون هي الشكل الجوهري للتفكير، كما تفترض قصيدة النثر التي تحولت بدورها إلى ملكية عامة ومشاعة لكل من يريد التماس مع الوجود بذات تستشعر قدرتها على الأداء النثري الشعري.
لم يكن من السهل ظهور ذلك اللون الإبداعي، ومروره على الذائقة العربية بسهولة، ومن دون مساجلات واحتجاجات أدبية وآيديولوجية، فدرس الأنواع الأدبية والأجناسية من أصوليات المنهج المدرسي العربي والذائقة العربية كذلك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالشعر بصفته خزان القيم الجمالية والمعرفية للإنسان العربي. ولذلك بدا التفكير في تغيير مواضعات التعبير الشعري بمثابة القرار التاريخي لتغيير طرائق التفكير في الوجود أكثر من كونه مجرد نزوة شكلية. وتلك هي النقطة التي انتهى إليها السجال، كما تشي بذلك قصيدة النثر في جوهرها، حيث يمكن بموجب ذلك التصور تفسير ضراوة العناد الذي أبدته الذائقة العربية، وما زالت تبديه، كحالة عصيان شكلي يختزن في مضمراته رفضاً لمضامين وروح التماس الجديد مع الوجود، إلى جانب مراودات عنيفة لطمس قصيدة النثر، ليس كبديل وحسب، بل حتى كخيار.
من هذا المنطلق ينبغي التعامل مع شكل الانبعاث النصّي المباغت للقصيدة العمودية في المشهد العربي مؤخراً من تحت رماد السجالات، إذ لا يمكن إرجاع ذلك الظهور الكثيف لشعراء القصيدة العمودية، وبروز ذلك الفصيل اللافت من رموزها إلى الرعاية المؤسساتية والمهرجانات وعطايا الجوائز وروافع «السوشيال ميديا» فقط، إذ تتوفر جملة من الأسباب الموضوعية العميقة التي تعيد إنتاج المتنبي والمعري والجواهري، وتحد من استقبال قصيدة النثر بمقتضى تمنّع الذائقة العربية عن استقبال الحداثة وما بعدها، خصوصاً أن رموز الحداثة لحظة انفجار قصيدة النثر كانوا يبشرون بحداثة في الحياة العربية تجرها قاطرة الشعر. وهي لافتة حداثية نادت بها سوزان برنارد في كتابها «قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا»، عندما أكدت على ضرورة اتخاذ قصيدة النثر شكلاً حديثاً للكتابة الشعرية. فقصيدة النثر بتصورها «ستصبح نوعاً أدبياً جذرياً وشكلاً يستجيب لحاجات الغنائية الحديثة، لأنه يجب أن نسلم بأن قصيدة النثر منجز أدبي، وأن كل العالم يوافق حالياً على وجودها كنوع أدبي». وهي المنطقة الملتبسة الوعرة التي يستوي فيها الشعر بالفعل، أي ما يصطلح عليه باستواء الأضداد الشعرية والنثرية في مصطلح الحداثة.
حتى أدونيس، أحد رُسل الحداثة الشعرية العربية كان يكرر بأن اللغة العربية لغة شعرية، وذلك من منظوره ووعيه الخاص الذي يرى من خلاله قدرة اللغة العربية على الذود عن شعريتها داخل التعقيدات الكونية لقصيدة النثر. وهو تصور عانده طابور طويل من أصوليي القصيدة العمودية ومنتجي الجماليات المضادة لقصيدة النثر، لدرجة أن نازك الملائكة اعتبرت من يتجرؤون على تجاوز تقاليد الكتابة الشعرية العربية «خونة الأمة». كما أقام ناصر الدين الأسد حائطاً ذوقياً منيعاً قبالة قصيدة النثر سماه «الأذن العربية» مشترطاً أن تخاطب قصيدة النثر خصوصية وجدان الإنسان العربي للتسليم بحداثتها. الأمر الذي يعني أن الإحساس بالتماسك والاتزان داخل الزمان والمكان والأفكار هو الحاضنة للإنسان العربي، ولا وجود لذلك التشظي النثري للحياة إلا عند فئة عاجزة عن التواصل مع واقعها وموروثها النصي انطلاقاً من عدم قدرتها على التماس مع راهنها الحياتي.وهكذا أُثقلت الذاكرة العربية بسجالات كثيفة ووعرة حول شرعية قصيدة النثر بكل أبعادها الفنية والتاريخية والاجتماعية والآيديولوجية، إلى أن وصلت إلى الجيل المعاصر الذي لم ير من آثار المعركة إلا ثمرتها المشرعنة وأرشيف معركتها المنطفئة، فأسرف في إنتاج نصوص نثرية فائضة بطاقة «الأنا» بمعزل عن طيات تلك المنازلة المختزنة في زمان ومكان ووعي ومزاج الإنسان العربي، ليجاور بها منتجات شعرية يراها تقليدية منتهية الصلاحية، متجاوزاً بذلك ما عُرف بأزمة جمهور الشعر، بحيث بات جمهور قصيدة النثر هم كُتّابها في المقام الأول، وذلك بعد تخفيض النبرات الرسولية التي تهب لكاتب قصيدة النثر صفة الرائي والعرّاف، والاكتفاء بتنصيص التجارب والخبرات الداخلية للشاعر. وبذلك صارت قصيدة النثر خارج سياق الجدل التاريخي الآيديولوجي، وداخل عملية إنتاجية مصنعية ضخمة لا حد لها.
لم تعد قصيدة النثر العربية، اليوم، معنية بالبحث عن شرعيتها وتقصي أصولها في الموروث الأدبي العربي. ولا تبدو مهجوسة بمقارعة القصيدة العمودية ومنافستها على المنابر التي تحتلها، أو حتى تغيير موجات بثها لتناسب الأبعاد التكوينية للأذن العربية. فهي قصيدة فردانية تُكتب على قاعدة استدماج الذات مع موضوعية النثر الذي يعادل نثرية الحياة. وهذا هو جوهر نظرية الشعر كما يراها والاس ستيفنز، أي بما هي نظرية للحياة. على الأقل بالنسبة لفصيل من الشعراء الذين لا يجدون ذواتهم إلا في الغنائيات الحديثة لقصيدة النثر.
ذلك هو المبدأ الأهم الذي قامت عليه قصيدة النثر، أي بوصفها قرينة للديمقراطية، كما بشر بها والت وايتمان، إذ لا يمكن التغافل عن الرابط ما بين هذا الشكل الكتابي وحقيقة الإحساس بمعنى وجدوى الديمقراطية بمعانيها الإنسانية وتمظهراتها الحقوقية. وهو ما يعنى أن قصيدة النثر العربية بكل هذا التكثُّر النصي، المتأتي من سهولة التجرؤ على إتيانها، إنما هي صوت إنسان يحاول إقناع نفسه وقرائه بأن النص الشعري النثري هو الأقدر والأنسب لمماثلة نثرية الحياة، وأنه بات يكتب نصّاً لا يحتكم إلى أذن مجبولة على استقبال النصوص ذات الرنين اللفظي فقط، وإن كان عاجزاً عن إقناع الجمهور بأن ما ينتجه جهاز مفاهيمه فيه من الغنائيات ما يشبه إيقاع اللحظة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.