عالم اللاهوت هانز كونغ ومعركته من أجل التنوير

يتحدث عن الإسلام دون أي عقد تاريخية وأحقاد مسبقة

هانز كونغ
هانز كونغ
TT

عالم اللاهوت هانز كونغ ومعركته من أجل التنوير

هانز كونغ
هانز كونغ

منذ زمن طويل وأنا أتابع أعمال هذا المفكر الديني الشهير.. ومعلوم أنه أحد علماء اللاهوت الكبار في الغرب حاليا. وعلى الرغم من أنه رجل دين في الأصل، فإنه مطلع تماما على النظريات الفلسفية والعلمية الحديثة؛ بل ويطبق نظرية البارديغمات أو القطيعات الابيستمولوجية على تاريخ اللاهوت أو العلوم الدينية! شيء مدهش حقا ويدعو للإعجاب فعلا. وهي النظرية التي كان العالم الابيستمولوجي توماس كهن قد بلورها في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية».
على أي حال، فإن هانز كونغ من أصل سويسري ألماني، وقد كان أستاذا لفترة طويلة في جامعة توبنغين، وكان من زملائه المستشرق الكبير جوزيف فان ايس، أحد كبار المختصين باللاهوت الإسلامي المعتزلي والحنبلي وسوى ذلك من الفرق. وقد استفاد منه هانز كونغ كثيرا عندما ألف كتابه الضخم عن الإسلام ماضيا وحاضرا ومستقبلا. والشيء الجميل الذي يستحق التقدير هو أن هانز كونغ يتحدث عن الإسلام بمودة صافية ودون أي عقد تاريخية وأحقاد مسبقة، بل ويبدو غيورا عليه وعلى تطوره، ويقدم لنا الاقتراحات العملية للخروج من المأزق التاريخي الذي غطسنا فيه بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001 والذي تفاقم أخيرا مع هذه الطامة الكبرى المدعوة بـ«داعش». ينبغي أن نصغي إليه وندرس مقترحاته وتشخيصاته بجدية؛ سواء تلك الواردة في كتابه المذكور أم في كتاب جماعي سابق بعنوان: «المسيحية وأديان العالم: الإسلام.. البوذية.. الهندوسية»، ففيها إضاءات لا يستهان بها.
لكن ليس عن هذا سأتحدث الآن.. فالواقع أن مناسبة هذه المقالة هي أني اطلعت مؤخرا على الجزء الأول من مذكراته الصادرة تحت عنوان جميل جدا: «معركتي من أجل الحرية». ويقصد بذلك أنه أمضى حياته في مصارعة الاتجاهات المحافظة إن لم نقل الرجعية داخل الكنيسة الكاثوليكية والفاتيكان. لقد كان تنويريا فذا ومصارعا صلبا للأصولية المسيحية. وقد استطاع زحزحة الكنيسة عن مواقعها التقليدية الانغلاقية التعصبية بعد معارك ضارية وجهد جهيد. بالطبع لم يكن المجدد الوحيد، ولكنه كان رأس حربة في وجه الطائفيين النائمين على أمجادهم العنجهية والتكفيرية القديمة. صحيح أن الكنيسة الكاثوليكية انفتحت على العالم الحديث بعد انعقاد المجمع الكنسي التحريري الشهير باسم «الفاتيكان الثاني»، وصحيح أنها تخلت عندئذ عن لاهوتها القروسطي التكفيري القديم إلى حد كبير. انظر موقفها من الإسلام ما قبل هذا المجمع التحريري وما بعده: انقلاب حقيقي! لقد انفتحت على ديننا انفتاحا كبيرا بعد أن كانت معادية له طيلة قرون وقرون، وانظر اعترافها لأول مرة بحرية الضمير والمعتقد؛ أي بحقك في أن تتدين أو لا تتدين. فالإيمان الإكراهي القسري المفروض عليك من فوق لا قيمة له ولا يساوي قشرة بصلة.. «لا إكراه في الدين»، كما يقول القرآن الكريم. وانظر تخليها عن مفهوم «الفرقة الناجية» داخل المسيحية من خلال اعترافها بالفرق الأخرى من بروتستانتية وأرثوذكسية، في حين أنها كانت تنبذها سابقا؛ بل وتكفرها.. شيء لا يكاد يصدق. طيلة ألفي سنة تقريبا كان لاهوتهم الفاتيكاني القديم يردد الفتوى الشهيرة: «خارج الكنيسة الكاثوليكية البابوية الرومانية المقدسة، لا خلاص للإنسان ولا مرضاة عند الله». وهذا يعني أن التكفير انتهى عندهم، وأنهم اعترفوا لأول مرة بإيمان الإنسان البروتستانتي المنبوذ والمكروه.. بل واعترفوا بإيمان المسلم: العدو التاريخي! باختصار شديد: لقد اعترفوا بمشروعية التعددية الدينية والمذهبية.. فهناك عدة طرق تؤدي إلى الله إذا ما خلصت النيات وصلحت الأعمال. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني أن التجديد ممكن، بل وضروري حتى في قدس الأقداس: أي علم الدين واللاهوت. إنه يعني أنه حتى الثوابت الراسخة رسوخ الجبال يمكن أن تتغير وتتجدد. ولذلك حيا العالم بأسره هذا التطور الهائل للكنيسة الكاثوليكية التي كانت قلعة الرجعية وألد أعداء الحداثة طيلة القرون المتطاولة. ولكن هل نعلم بأن هانز كونغ كان أحد اللاعبين الكبار في هذا المجمع على الرغم من صغر سنه آنذاك؛ 35 سنة فقط؟ إنه يروي في هذه المذكرات بشكل مشوق قصة انعقاد المجمع الكبير وكيف اندلع الصراع بين التيار التجديدي والتيار المحافظ داخل الكنيسة الكاثوليكية. من يريد الاطلاع على تفاصيل هذه الثورة اللاهوتية التي صالحت المسيحية مع الحداثة فليقرأ هذه المذكرات الضخمة التي تتجاوز الـ1500 صفحة في جزأين كبيرين. لقد فوجئت بأن أول إنجاز للمجمع كان إلغاء تلك القائمة الإرهابية التي تحرم الكتب العلمية والفلسفية ناهيك بالروائع الأدبية. ومعلوم أن الفاتيكان كان يصدر منذ عام 1564 لائحة دورية تشتمل على عناوين الكتب التي ينبغي على المسيحيين تحاشيها أو عدم قراءتها بأي شكل من الأشكال. لماذا؟ لأنها رجس من عمل الشيطان، أو خطرة على الإيمان، بحسب الفاتيكان. رجعنا تقريبا إلى «بوكو حرام»! وهل تعلمون بأن كتب ديكارت وكانط وفولتير وجان جاك روسو ومعظم مؤلفات عباقرة الغرب كانت موضوعة على لائحة الكتب المحرمة هذه؟ من يصدق ذلك الآن؟ رجعنا إلى رواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا» وكيف تم تحريمها أو تكفيرها من قبل مشايخنا الأجلاء.. وهي إحدى روائع الأدب العربي الحديث. هذا ناهيك بتكفير «ألف ليلية وليلة» وتحريمها أيضا. وحتما كتب المعري تدخل في هذه الخانة. كل ما هو عبقري وعظيم ممنوع ومحرم ومدان. تخيلوا أن رائعة الروائع في الآداب العربية كلها، عنيت «رسالة الغفران»، مكروهة وممنوعة من قبل الفقهاء. وبالتالي، فما كان يحصل في المسيحية الأوروبية قبل قرنين أو ثلاثة يحصل عندنا الآن. العقلية الأصولية هي ذاتها في كل الأديان.. إنها تشتغل بالآلية الانغلاقية نفسها سواء في الإسلام أم في المسيحية.
ينبغي العلم بأن مذكرات هانز كونغ صدرت كما ذكرت آنفا بجزأين كبيرين بين عامي 2006 و2010 على التوالي، وفيهما يروي قصة حياته ومساره الفكري وصراعه مع الفاتيكان بغية تغيير مواقفه القديمة وإقناعه بعدم تكفير الحداثة بعد اليوم. ولذلك عاقبوه ومنعوه من التدريس لفترة طويلة بسبب اعتراضه على بعض العقائد الأساسية في الكاثوليكية كمعصومية البابا أو عذرية مريم، أو غير ذلك من المعجزات والخرافات. لقد جدد الفكر المسيحي من أوله إلى آخره، وساهم بذلك في عقلنته وتحقيق المصالحة التاريخية بين المسيحية والحداثة.. وهو ما ينقصنا بشكل موجع في الإسلام حتى الآن. ولكن ذلك قادم حتما. ثم وسع هانز كونغ تفكيره عندما انفتح على أديان العالم الأخرى، خاصة الإسلام واليهودية والبوذية والهندوسية، بل وأسس ما يدعى «ببرلمان أديان العالم»، وطرح شعاره الشهير: «لا سلام في العالم بدون سلام بين الأديان». ونحن نضيف: «لا سلام في العالم بدون تحقيق السلام بين المذاهب والطوائف داخل نفس الدين». وهكذا تحول الرجل إلى شخصية عالمية يفكر على مستوى كوني لأنه مهموم بصراعات العالم الدموية ويريد أن يضع لها حدا، خاصة إذا كانت ذات طابع ديني.
أخيرا لكي تعرفوا الفرق بين التجديد والتقليد في الدين، أنصحكم وأنصح نفسي بقراءة كتابين عن السيد المسيح صدرا في السنوات الأخيرة؛ الأول لهانز كونغ نفسه، والثاني لغريمه اللدود راتزنجير المشهور باسم «البابا بنوا السادس عشر». كلاهما متركز على سيرة عيسى بن مريم. فهنا نلاحظ أن كتاب راتزنجير يستعرض حياة المسيح بطريقة تبجيلية موروثة ومكرورة منذ مئات السنين. هذا في حين أن كتاب هانز كونغ لا يتردد في تطبيق المنهج التاريخي على أعظم وأقدس شخصية في تاريخ المسيحية. هذا لا يعني أن كتاب البابا السابق لا معنى له. فالواقع أنه بذل فيه جهودا لا يستهان بها وحاول تحديث المقاربة بقدر الإمكان بالنسبة لرجل دين. لا ينبغي أن ننسى أنه عالم كبير، بل ومطلع جيدا على تاريخ الفلسفة. ولكنه يبقى في نهاية المطاف أسير النظرة التبجيلية المعروفة. أما هانز كونغ فلا يتردد لحظة واحدة في الخروج عليها. ولهذا السبب، فان اليمين المسيحي المحافظ ينظر إليه شزرا وقد يكفره أو يزندقه على الأقل. ولله الأمر من قبل ومن بعد. إنه يعتبر هانز كونغ كافرا زنديقا لأنه طبق أحدث المناهج التاريخية على الإنجيل وشخص السيد المسيح. كما اعترف بضرورة تطبيق النقد الفلسفي على التراثات الدينية كلها. وقال حرفيا بأن المرور بالمرحلة التنويرية أنقذ المسيحية من التحنط والتكلس والجمود وصالحها مع الحداثة. وسوف يحصل الشيء نفسه في الإسلام قريبا لا محالة. وربما سرعت «داعش» من العملية كرد فعل عليها. وهنا يكمن مكر العقل في التاريخ. وعلى أي حال، فالتنوير الفلسفي هو العلاج الفعال لكل أنواع التعصب المذهبي أو الطائفي.
من أقوال هانز كونغ: «يا إلهي هل سنتخلص يوما ما من سرطان التعصب الديني ومحاكم التفتيش؟».
فإذا كان هو يقول ذلك فما بالك بنا نحن؟ إذا كان هو (المنتمي إلى مجتمع سويسري أوروبي متقدم هضم عدة ثورات لاهوتية وعلمية وفلسفية على مدار 4 قرون) يشكو من التعصب والانغلاق، فماذا سنقول نحن؟ شيء يدوخ العقل.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.