هل يحبّ العراقيون غلغامش؟

ملحمته تمتلك حسّاً إنسانياً قريباً من ذائقة البشر بما في ذلك إنسان القرن الحادي والعشرين

لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
TT

هل يحبّ العراقيون غلغامش؟

لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش
لوحة تصويرية لمشهد من ملحمة غلغامش

أظنّ أن الكثيرين منّا قد راودهم السؤال التالي: من هو الكاتب الأول في تأريخ البشرية الذي وصلتنا كتاباته، وصارت قراءته تقليداً راسخاً في مرجعياتنا الثقافية؟ ربما سيسارع الكثيرون لتسطير أسماء كُتّاب أولى الملاحم المعروفة: الإلياذة والأوديسة والإنياذة والشاهنامة والرامايانا... إلخ؛ لكن يبقى ثمة اسم يتقدّم كلّ هؤلاء من حيث سبقه الزمني، وريادته، والفكر الكامن في طبيعة موضوعاته. إنّه غلغامش، الملك والإنسان، صاحب أولى الملاحم البشرية المدوّنة على الحجر في التأريخ البشري.
تكتب مارغريت آتوود، الروائية العالمية المرموقة، في كتابها «مفاوضات مع الموتى» عن أول كاتب قصة في التأريخ فتقول: «ساد الاعتقاد بأن فرجيل أول كاتب يقوم بالرحلة إلى العالم السفلي، أي أنه قام بالرحلة ليرويها، وتروي مغامرات فيرجيل في الجحيم... ثم تقول: والآن أودُّ أن أطرح نموذجاً للكاتب المغامر تحت الأرض، الذي سبق النماذج السابقة بزمن طويل، إنه بطل بلاد الرافدين غلغامش؛ لكن القصيدة الملحمية التي كان بطلها غلغامش لم تفك شفرتها إلا في القرن التاسع عشر، ومن ثم قلما نزعم أنّ له تأثيراً على فيرجيل ودانتي؛ فهو إذن بمثابة قضية قياسية عن العلاقة الجوهرية بين الحافز على الكتابة وتدوين الأشياء وبين الخوف من الموت».
ثمّ تخلص آتوود إلى الخلاصة الجوهرية التالية: «غلغامش أول كاتب عرفته البشرية؛ فقد أراد معرفة أسرار الحياة والموت واخترق الجحيم، وعاد ولكنه لم يفز بالأبدية؛ فكلّ ما عاد به هو قصتان: الأولى قصة رحلته، والثانية قصة الطوفان، وهكذا فالشيء الوحيد الذي عاد به هو هاتان القصتان، عاد مكدوداً منهكاً ودوّن كلّ شيء على الحجر».
ملحمة غلغامش أكبر من كونها السردية الكبرى الأولى في تأريخ البشرية، ويمكن لقارئها أن يتفحّص توليفة من المستويات الفكرية فيها. أودّ هنا التأكيد على ثلاثة جوانب فحسب من تلك المستويات الفكرية التي تضمّها الملحمة الخالدة:
- الجانب الفلسفي
ثمة طائفة من الأسئلة المرتبطة بالوجود الإنساني تندرج تحت توصيف «الأسئلة الكبرى»؛ تلك الأسئلة التي تتعالى على الاختلافات البيولوجية والجغرافية بين المجموعات البشرية، وتكتفي بمساءلة الوجود البشري فحسب. تتمحور تلك الأسئلة الكبرى في تساؤلات جوهرية عدة هي موضوع كتابات فلسفية وعلمية ذائعة، ولعلّ من الصعب أن تخلو كتابات أي فيلسوف أو مهتمّ بالوجود البشري من مساءلة تلك «الأسئلة الكبرى»، وأحسبُ أنّ موضوعة «المعنى والغائية» في الحياة البشرية ستظلّ الموضوعة مفتوحة النهايات، التي سيُعاد تشكيلها تبعاً للفتوحات العلمية والتقنية المستجدة في كل عصر.
إنّ موضوعة غائية الحياة (والوجود الإنساني بعامة)، وكونها مرتبطة على نحو شرطي بتوفر معنى للوجود هي موضوعة فلسفية - سايكولوجية - لاهوتية مركّبة في المقام الأول، وليست أسبقية، أو ضرورة علمية، وإن كان العلم وقوانينه ووسائله توظّف بطريقة قسرية سيئة (أغلب الأحيان) في حمى الجدالات الفلسفية منذ عصر الفلسفة القروسطية، ومروراً بعصر التنوير الأوروبي حتى يومنا هذا. قد لا يُبدي بعض المُنافحين عن وجود معنى للحياة مقترن شرطياً بغائية فيها ولعاً بالتفاصيل الفلسفية؛ لذا نراهم يحاججون بتلك الحجة اللاهوتية الأزلية: كيف يمكن تصوّر العيش في عالم غير ذي غاية ولا معنى؟ وهل ثمة إمكانية لوجود أخلاقيات في مثل هذا العالم؟ هم يجادلون على هذا المنوال لأنهم يريدون مكافأة لكلّ فعل خيّر يفعلونه ولا يطيقون تصوّر عالم تنعدم فيه المكافأة المرتجاة من وجهة نظرهم.
يكمن معنى الحياة وغائيتها في عقولنا وأرواحنا فحسب: قل كلمتك وافعل الخير، وابذل أقصى جهودك في فعل ما تحبّ وتهيم به شغفاً، ولا تنتظر مكافأة فورية أو مؤجّلة لكل فعل طيب تفعله، ولا تدنّس ضميرك الحي بصغائر الأفعال - هذا هو ما يخلع معنى على الحياة.
تمثّل (ملحمة كاكامش) العالمية أفضل تمثيل، الجوهر الكامن في العبارة الأخيرة، فضلاً عن تأكيدها لقيمة عيش اللحظة الراهنة، وعبّ رحيق الحياة المشتهاة على نحوٍ يجعلنا نمتلئ بطاقة أبيقورية يتوازن عندها التفكر في معنى الحياة وغائيتها مع اجتناء اللذة اليومية في العيش، ونحن إذ نفعل هذا ينبغي أن نضع في حسباننا أن اللذة ألوان شتى تتباين بحسب البصمة العقلية والسايكولوجية للفرد ورؤاه التي تشكّل مساره في الحياة.
- الجانب الإنساني
تمثّل ملحمة غلغامش نوعاً من الأنسنة الكاملة (أو شبه الكاملة على أقلّ تقدير) للوجود البشري؛ إذ أنّ شخوصها الفاعلين على المسرح الصراعي فيها إنما هم بشر مثلنا بعيدون عن الخصائص الخارقة التي تميّز الميثولوجيا الإغريقية وسواها من الميثولوجيات غير الرافدينية. تكمن أهمية هذه الصفة في جعل ملحمة غلغامش تمتلك دوماً حسّاً إنسانياً قريباً من ذائقة البشر (بما في ذلك إنسان القرن الحادي والعشرين) وبما يخلع على الملحمة شعوراً بالراهنية والصلاحية اللتين تستعصيان على التقادم أو الخفوت.
- الجانب التقني
تزخر الملحمة - بين ما تزخر به - بالشواهد التي تعكس الأثر الذي يمكن أن تساهم به التقنية في تطور الكائن البشري: (إنكيدو)، الكائن الوحشي الذي خلقته الآلهة ليصرع الطاغية غلغامش، تعلّم من الغانية (شمخت) فنّ الحب، كما كسته (شمخت) بقطعة نسيج من نصف ردائها وعرّفته على مذاق الخبز ولذعة النبيذ، وتمثلت تقنية الحضارة التي نقلتها المرأة في النسيج والخبز والنبيذ، وبها أيقظت الإنسان في إنكيدو بعد عيشه وحشاً مع الضواري.
أول قراءة لي لهذه الملحمة كانت بترجمة طه باقر، عالم الآثار العراقي الراحل الذي كان يُجيد اللغات الرافدينية القديمة. بهرتني الملحمة كترنيمة يتردد صداها في براري العالم، وتشير إلى مصائرنا البشرية المحتومة في مواجهة الموت، ثم بدأت أبحث عن ترجمات أخرى وصياغات مختلفة للملحمة العظمى حتى اجتمعت لدي 9 ترجمات لكبار المتخصّصين في الآداب الرافدينية، وآخرها ترجمة الآثاري الدكتور نائل حنون، المتخصّص باللغة الأكدية، وتتضمّن ترجمته تحليلاً لغوياً للنص الأكدي، فضلاً عن متن الملحمة ذاتها. صار تقليداً سنوياً لدي أن أعيد قراءة الملحمة بترجماتها المختلفة والدراسات الحديثة حولها للوقوف على الإضافات المستحدثة التي تلت ترجمة العلامة طه باقر، وقادتني قراءة الملحمة إلى شغف لتعلم الكتابة المسمارية؛ فاقتنيت كتاب «قواعد اللغة السومرية» للراحل الدكتور فوزي رشيد، ونجحت في تعلم بعض الرموز والعلامات، وتمرّنتُ بمفردي على كتابة صفحة أو اثنتين بالرموز المسمارية، وكنت أعيد التمارين بين حين وآخر بمتعة بالغة، واستطعت قراءة بضعة سطور من ملحمة غلغامش بخطها المسماري.
قادني شغفي بالملحمة الكبرى وفكرتها الصالحة لكل عصر إلى قراءة كتاب «مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة» للراحل طه باقر، فتعرفت إلى: قصيدة الخليقة، وقصة الطوفان الملحقة بملحمة غلغامش، وقصيدة أدابا، وملحمة إيتانا، وحوارية السيد والعبد، ونصوص الحكمة المختلفة وقصائد الحب والغزل. استغرقتني قراءة النصوص الرافدينية سنواتٍ حتى اختمرت رؤاي الخاصة عن تلك النصوص ومفاهيمها.
ثمة أسئلة تمثل نوعاً من العذاب اليومي لي منذ بواكير نشأتي الثقافية والأدبية: لماذا لا يحبّ العراقيون - إلا القلة منهم - موروثهم الرافديني العظيم والحافل بأرقى ألوان الفكر والمعرفة ومساءلة أدقّ تفاصيل الوجود الإنساني؟ هل يحبّ العراقيون غلغامش؛ بل هل سمع به معظمهم، بخاصة من الأجيال اليافعة والشابة؟ هل يرون فيه مثالاً نوعياً راقياً يمكن توظيفه في الارتقاء بحسّ المواطنة العراقية الحقيقية بعيداً عن التمظهرات الفلكلورية الهشة واللحظوية التي تتصادى مع الفورات الشعبوية وتخفت بانطفائها؟ لماذا لم نجعل من ملحمة غلغامش مادة دراسية يتمّ صياغتها بطريقة مناسبة لكلّ مرحلة دراسية بطريقة تعزّز الانتماء الواعي للجغرافية العراقية بعيداً عن الانتماءات الفرعية الضيقة، وبكيفية توطّد شأن الثقافة والفكر والفلسفة في مواجهة الأنساق المنغلقة كيفما كان منبتها؟
تتبارى الأمم في توظيف أصغر العناصر المتاحة في رأسمالياتها الرمزية وأساطيرها من أجل تعظيم شأنها، واستخدامها في تعزيز قدراتها العلمية والتقنية والثقافية التي ستُترجم لاحقاً في شكل دور عالمي ذي مفاعيل مؤثرة؛ أما العراقيون فيهملون - أو يتناسون في أفضل الأحوال - كنوزهم الرمزية الثرية، ويستعيضون عنها بالجري اللاهث وراء سراب اليقينيات الموهومة.
- كاتبة وروائية ومترجمة عراقية مقيمة في الأردن



«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
TT

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، ورعاية وزارة الثقافة المصرية، تنافس مسرحية «مرسل إلى»، التي نالت جائزة «المركز الأول» في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية، وجائزة «أفضل تصميم ديكور» في المهرجان القومي للمسرح في دورته الـ18، على جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي.

عرض «مرسل إلى» يطرح مفهوم «الحرب والسلام»، ويسلط الضوء على الصراع بين دولتي فرنسا وألمانيا، من خلال أحداث ذات أبعاد فلسفية، ومشاعر إنسانية دارت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، من منظور جندي فرنسي، يسترجع معاناته وأزماته وأسباب اندلاع الحرب.

وعن كواليس كتابة «مرسل إلى» واختياره ثيمة الطرح الإنساني، قال المؤلف طه زغلول إن أفكار النصوص بالنسبة له في البداية تكون عبارة عن أسئلة، يحتاج إلى مشاركتها مع غيره كي يجد لها إجابة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «السؤال في نص (مرسل إلى) انشغل به الناس خلال الفترة الماضية، وهو (هل سيتعرض العالم لحرب عالمية ثالثة؟)، ومن هنا كانت بداية كتابة نص (مرسل إلى)، الذي تحول بعد ذلك لمسرحية تتناول (الأزمات الإنسانية) التي تفرزها الحروب».

لقطة من العرض المسرحي «مرسل إلى» (مهرجان المسرح العربي)

وكشف زغلول، الذي كتب النص قبل 4 سنوات، أنه كان محظوظاً كون مخرج العرض هو محمد فرج، لافتاً إلى أن المشكلة التي تواجه جيله من المؤلفين، تتمثل في أن «أغلب المخرجين يهتمون بتقديم صورة معينة بغض النظر عن الأفكار المكتوبة، وأن المميز والمختلف في محمد فرج أنه قدم صورة مسرحية مذهلة بناءً على النص المسرحي المكتوب»، على حد تعبيره.

وأوضح زغلول أن «مرسل إلى» هو المشروع الثاني الذي جمعه بالمخرج محمد فرج بعد مسرحية «مائة وثلاثون قطعة»، التي عرضت العام الماضي، وحصلت على جوائز عدة، منوهاً بأن فريق العمل أقرب إلى فرقة مسرحية لأن غالبية العناصر مشتركة في العرضين، وفي مقدمتها مصمم الديكور محمد طلعت الذي كانت له بصمة واضحة شكلت إضافة للتجربة.

وعن أهم المراجع التي استعان بها في كتابة النص، قال زغلول: «استعنت ببعض مراجع عن الحربين العالميتين الأولى والثانية»، لافتاً إلى أن النص ليس تأريخاً لفترة زمنية أو لحدث معين، بل يناقش فكرة تأثير الحروب على الأفراد والناس العادية، وأن أغلب نصوصه تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

ويؤكد زغلول أن الميزانية المحدودة، خصوصاً للعروض الخاصة، وعروض الجامعة، والثقافة الجماهيرية، تؤثر على مستوى العروض، موضحاً أنه كلما كانت الميزانية أكبر كانت مساحة الإبداع أكبر، لكن صناع مسرحية «مرسل إلى»، خصوصاً المخرج محمد فرج ومصمم الديكور محمد طلعت، استطاعوا استغلال الميزانية المحدودة بأفضل طريقة ممكنة.

تناول العرض المسرحي الحرب من منظور فلسفي (مهرجان المسرح العربي)

وعن اختياره «القضايا الإنسانية» لتسليط الضوء عليها في كتاباته، أكد زغلول أن الإنسان هو الإنسان في كل وقت وأرض، مخاوفه واحدة واحتياجاته واحدة، لذلك عندما اختار واقعة تاريخية حصلت قبل عشرات السنين «فإنني أرى أنها تلمس الواقع الذي نعيشه، كما أنني أتعمق في سرد الأفكار كي تصل للناس دون قيود»، حسب قوله.

وعن توقعه نيل جائزة من مهرجان «المسرح العربي» في دورته الـ16 التي تختتم فعالياتها الجمعة، أكد زغلول الذي حصد «المركز الأول» في مسابقة التأليف في الدورة الـ10 من المهرجان نفسه، أن الجوائز بشكل عام تعبّر عن وجهة نظر وذائقة لجنة التحكيم، لكن ما يشغله دائماً هو تقديم الكثير من الأعمال المميزة التي تدعو الناس للتفكير، وتشعرهم بالمتعة الفنية.

مسرحية «مرسل إلى»، لفرقة «بيت ثقافة السنبلاوين»، وإنتاج الإدارة العامة للمسرح، من تأليف طه زغلول، وإخراج محمد فرج، وشارك بها مجموعة كبيرة من الممثلين، من بينهم محمود الحسيني، وشموع وائل، وطلعت حسين، ومحمد صبح، وعاصم الجوهري، وأحمد علاء، وطارق المصري، ومحمد سليمان، ومحمد هاشم، وآية أشرف.


«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
TT

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية»، في احتفاءٍ باللغة العربية بوصفها قوة ثقافية حيّة تُشكّل التعبير الفني، يقيم معرض «فن القاهرة» دورته السابعة في المتحف المصري الكبير، بمشاركة أكثر من 700 عمل فني لنحو 300 فنان من 15 دولة، بينهم رموز للفن في الدول العربية، وكذلك فنانو المهجر.

ويحتفي المعرض هذا العام بالفنان جرجس لطفي، تقديراً لإسهاماته الراسخة في المشهد الفني المصري وتأثيره العميق في أجيال من الفنانين.

وضمن فعاليات النسخة السابعة، التي تُقام في الفترة من 22 إلى 26 يناير (كانون الثاني) الحالي، يقدّم «فن القاهرة» معرضاً متحفياً فردياً للفنانة إنجي أفلاطون، مستمداً من مقتنيات متحف الفن الحديث، ليُعيد تسليط الضوء على إرثها الفني، ويؤكد دور المجموعات المتحفية بوصفها أرشيفاً حيّاً في حوار مستمر مع الحاضر، وذلك بالتعاون بين «مبادرة فن القاهرة» ووزارة الثقافة المصرية، وفق بيان لمؤسس المعرض.

ويقول مؤسس ومدير «فن القاهرة»، محمد يونس، إن هذا المعرض هو الوحيد في مصر المكرّس حصرياً للفنان العربي، سواء كان مقيماً في العالم العربي أو في المهجر ويمثّل فنانين عرباً على الساحة الدولية.

«فن القاهرة» يتضمن أعمالاً لأجيال مختلفة (إدارة المعرض)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأعمال التي يتضمنها المعرض هي نتاج حكايات وتجارب وقضايا إنسانية تعبّر عن مشاعر الفنان العربي، من الفرح إلى القلق، أينما كان موقعه. كما تشهد هذه الدورة مشاركات من هولندا والنرويج عبر فنانين عرب، في تأكيد على حضور الفن العربي عالمياً».

وتشارك في المعرض صالات عرض فني من مصر تقدم أعمالاً لفنانين من أجيال مختلفة ومدارس فنية متنوعة، تتناول التاريخ الاجتماعي، والذاكرة السياسية، والتجريب المادي، واللغة البصرية المعاصرة. كما تشارك فيه «غاليريهات» من لبنان بأعمال تستكشف مفاهيم الهوية، واللغة، والاغتراب، والسرد الفني عبر أجيال ووسائط متعددة.

وكذلك تشارك صالات عرض من الأردن بأعمال تعكس ممارسات فنية تمزج بين التجريد والتشخيص والتجربة الإنسانية المعيشية في المشرق العربي. كما تشارك صالات من أبوظبي ودبي وهولندا والنرويج والبحرين.

وينظّم المعرض أنشطة ثقافية ضمن برنامج «حوار»، تتناول العلاقة بين الفن والجمهور وسوق الفن في الوطن العربي والدور المؤسسي في إبراز الفن العربي وتأكيد خصوصية هذا الفن وسماته المميزة.

ويشير يونس إلى أن «القاهرة هي الحاضنة الطبيعية لمعرض (فن القاهرة)، والأنشطة الثقافية المرافقة للمعرض، سواء للزوار أو المقتنين، تعكس حيوية المدينة وغناها الفني. من خلال متاحفها، وإرثها الثقافي، والفنانين والمعارض الموازية المقامة في أماكن تاريخية وقصور، يتجلّى تنوّع وثراء المشهد الفني العربي وقدرته على التواصل الحقيقي مع الجمهور».

معرض «فن القاهرة» شهد مشاركات واسعة في دوراته السابقة (إدارة المعرض)

وتُعدّ الدورة السابعة هي أولى الدورات التي تُقام في المتحف المصري الكبير بعد افتتاحه الرسمي، إذ كان قد احتضن من قبل ثلاث دورات للمعرض خلال فترة افتتاحه التجريبي. وحول خصوصية المتحف وملاءمته لاستضافة «فن القاهرة» يقول مؤسس ومدير المعرض: «يُعدّ المتحف المصري الكبير البيت الجدير لفن القاهرة، حيث استضاف ثلاث دورات قبل افتتاحه الرسمي. وتأتي النسخة السابعة متزامنة مع افتتاحه الرسمي، ليشكّل ذلك محطة مهمة واستثنائية».

ورأى يونس أن «الدخول إلى المتحف يضع الزائر في حالة فخر واعتزاز بتاريخ عظيم، ووجود فن القاهرة المعني بالمشهد الفني العربي المعاصر داخل هذا الصرح الثقافي العالمي، يؤكد دور القاهرة عربياً وعالمياً بوصفها مركزاً حضارياً وفنياً وثقافياً. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك بزخم أكبر، وحضور جماهيري أوسع، وتفاعل أعمق مع المعرض».


معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف (الشرق الأوسط)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.