صناعة مواد البناء على أعتاب ثورة خضراء

معمل اسمنت
معمل اسمنت
TT

صناعة مواد البناء على أعتاب ثورة خضراء

معمل اسمنت
معمل اسمنت

يشهد العالم يوماً بعد يوم تطورات متسارعة في المعركة من أجل مواجهة تغيُّر المناخ، فالتقدم التقني والتشريعات الطموحة تمهّد الطرق نحو مستقبل منخفض الكربون يعتمد على المصادر المتجددة والكفاءة في استهلاك الطاقة. وبعيداً عن قصص النجاح الكثيرة، تبقى هناك جوانب مظلمة لم تطلها بعد يد التغيير الأخضر، مثل صناعة مواد البناء.
يبلغ الإنتاج العالمي من الإسمنت حالياً نحو 4 مليارات طن سنوياً، من بينها 2.8 مليار طن إنتاج الصين وحدها، وهو مصدر لـ8% من انبعاثات الكربون العالمية. في حين يبلغ الإنتاج العالمي من الفولاذ نحو ملياري طن سنوياً، نصفها من إنتاج الصين، وهو أيضاً مصدر لـ8% من انبعاثات الكربون العالمية.
وفي حين تعد صناعتا الإسمنت والفولاذ العصب الأساسي لقطاع البناء، فإن بصمتهما الكربونية تعادل مجمل انبعاثات الكربون الناتجة عن جميع أوجه النشاط البشري في الولايات المتحدة، والتي تبلغ 16% من المجموع العالمي. وهناك انبعاثات إضافية من صناعات أخرى مرتبطة بالبناء، مثل صناعة الألمنيوم المسؤولة عن 1% من انبعاثات الكربون العالمية، وكذلك صناعة البلاستيك المستهلكة للطاقة والموارد.
تقنياً، يملك العالم اليوم التكنولوجيات اللازمة للحد من غازات الدفيئة المنبعثة عن أغلب القطاعات الخدمية والإنتاجية، مثل النقل والطاقة أو الصناعات الخفيفة والمتوسطة. ولكن تصبح التحديات صعبة عند توفير الطاقة النظيفة للصناعات الثقيلة، بما فيها تصنيع حديد الصلب والإسمنت ومواد البناء الأساسية.
المشكلة الكبرى في صناعتي الفولاذ والإسمنت أن إنتاجهما يتسبب في انبعاث كميات ضخمة من الكربون يصعب تجنبها. فصناعة الإسمنت تقوم أساساً على حرق الحجر الجيري بدرجة حرارة تصل إلى 1450 درجة مئوية، باستخدام الوقود الأحفوري (الفحم أو الديزل أو الغاز) حيث ينتج عن احتراق الحجر الجيري أوكسيد الكالسيوم وثاني أوكسيد الكربون. وتكون مساهمة الوقود الأحفوري في إنتاج ثاني أوكسيد الكربون بمقدار 40%، أما مساهمة الحجر الجيري فهي نحو 60%.
أما تصنيع الفولاذ فيعتمد على استخدام فرن صهر لاستخلاص الحديد من خاماته، وفرن أكسدة يحول الحديد إلى فولاذ. ويستخدم فحم الكوك والأوكسجين للوصول إلى حرارة الصهر، التي تتراوح بين 1100 و1700 درجة مئوية، مما يؤدي إلى تشكّل ثاني أوكسيد الكربون كمنتج ثانوي.
البحث عن حلول
أفضل الخيارات المتاحة حالياً للإقلال من انبعاثات الكربون في صناعة الفولاذ هي تدوير الخردة المعدنية عن طريق صهرها في فرن القوس الكهربائي. ويسهم تدوير الحديد في تخفيض الانبعاثات بمقدار الثلثين مقارنةً بالفولاذ المصنّع من المواد الخام، وتقل هذه الانبعاثات إذا جرى تأمين الطاقة لفرن القوس الكهربائي من مصادر متجددة.
يبدو هذا الخيار مثالياً، لكن الإشكالية الأساسية هي في تراجع جودة الفولاذ المنتج، بسبب الشوائب مثل النحاس. ولا تواجه صناعة البناء مشكلات مع فولاذ التسليح المصنّع من حديد معاد تدويره، لكن صناعة السيارات تفضل استخدام الحديد البكر. وللإقلال من الشوائب، يجب تحسين فرز المواد قبل تدويرها وإزالة الملوثات الطافية على صهارة الحديد.
من الخيارات المقترحة لجعل صناعة الصلب أكثر اخضراراً استخلاص الحديد من خاماته، باستخدام وقود الهيدروجين بديلاً عن فحم الكوك، كي يتحد الأوكسجين الموجود في خام الحديد مع الهيدروجين لتكوين الماء وتجنب إنتاج ثاني أوكسيد الكربون. وتختبر شركة سويدية هذه المقاربة من خلال مصنع تجريبي تقوم ببنائه حالياً لإنتاج صلب من دون بصمة كربونية، وفق تقديراتها.
ووفقاً للمؤشرات الحالية، تتوقع الشركة أن يرفع إنتاج الصلب بالاعتماد على وقود الهيدروجين الكلفة بمقدار 30% مقارنةً بطريقة الإنتاج التقليدية. وهذه الكلفة تعد باهظة على مصنّعي الفولاذ من دون دعم حكومي، خصوصاً إذا علمنا أن هذه الصناعة لا تحقق تلك الأرباح الكبيرة التي تتيح لها تغطية تكاليف التكنولوجيا الجديدة المنخفضة الكربون.
ولا يمكن حالياً اعتبار وقود الهيدروجين هو الحل السحري لانبعاثات الكربون، إذ إن أغلب الهيدروجين المنتج عالمياً يأتي من الوقود الأحفوري، مثل الغاز الطبيعي. وتعادل البصمة الكربونية لإنتاجه عالمياً انبعاثات بريطانيا وإندونيسيا مجتمعتين.
مع ذلك، يبقى الهيدروجين حلاً واعداً إذا تحسنت جدوى إنتاجه من الماء بالاعتماد على طاقة مولّدة من مصدر متجدد. وهذا الأمر قد لا يكون بعيد المنال، إذ أعلنت شركة «هيليوجين»، التي تمولها مؤسسة بيل غيتس، عن نجاحها في ابتكار منظومة ذكاء صناعي لترتيب مصفوفة هائلة من المرايا من أجل تركيز ضوء الشمس في نقطة واحدة للوصول إلى درجة تسخين تزيد على 1000 درجة مئوية.
وفيما تسمح درجة الحرارة التي حققتها شركة «هيليوجين» في ابتكار أفران شمسية تخفض انبعاث الكربون في بعض مراحل إنتاج مواد البناء، فإن الشركة تطمح للوصول إلى درجة حرارة تتجاوز 1500 درجة مئوية لتصنيع الفولاذ والإسمنت من خلال الاعتماد بشكل كامل على مصدر طاقة متجدد، كما تتيح هذه الحرارة تفكيك جزيئات الماء لإنتاج وقود الهيدروجين.
مع ذلك يبقى تحويل إنتاج الإسمنت إلى صناعة نظيفة تماماً أمراً شبه مستحيل، لأنها تعتمد في جوهرها على تحرير الكربون من الحجر الجيري. ولذلك يعمل الباحثون على حل هذه المعضلة من خلال وضع صيغة مختلفة لإنتاج الإسمنت لا تقوم على التركيبة الحالية المبتكرة خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر، أي الإسمنت البورتلاندي.
ويمكن تحقيق بعض الوفر في إطلاق الكربون باستخدام بدائل لمركبات الإسمنت الحالية، مثل الرماد المتطاير في محطات توليد الطاقة العاملة على الفحم أو مخلّفات أفران صهر الحديد. وتبقى هذه البدائل محدودة من حيث الكمية إذا ما قورنت بحجم الطلب العالمي على الإسمنت.
في بلجيكا، يختبر الباحثون مقاربة أكثر واقعية لخفض انبعاثات إنتاج الإسمنت التقليدي تقوم على بناء برج بارتفاع 50 متراً لالتقاط الكربون المنبعث قبل دخوله إلى الغلاف الجوي. ويتمثل الهدف من هذا المشروع، الممول جزئياً من المفوضية الأوروبية، في إيجاد تقنية جديدة تسمح بالحصول على تيار نقي من ثاني أوكسيد الكربون بعد فصله عن باقي الغازات العادمة.
ويعتقد الباحثون أن هذا الحل واعد من الناحية النظرية، إذا توجد أسواق محتملة لبيع ثاني أوكسيد الكربون لصناعات أخرى، مثل صناعة البلاستيك. ولكن احتجاز الكربون وتخزينه لا يزال تقنية ناشئة باهظة التكاليف، حيث يوجد في العالم حالياً 23 منشأة فقط تعتمد هذه التقنية، أغلبها في محطات معالجة الغاز الطبيعي، حيث يسهل التقاط الكربون. ولا تتجاوز كمية الكربون الملتقطة حالياً 0.1% من مجمل انبعاث الكربون العالمي الناتج عن الأنشطة البشرية.
الترشيد والاستدامة
إن جميع المقاربات لخفض الانبعاثات الناتجة عن صناعة الإسمنت والفولاذ تصطدم بحائط الكلفة الباهظة أو غياب الجدوى الفنية والمالية للبدائل الأنظف. في المقابل، يمكن تخفيض الآثار السلبية لمواد البناء، كأي منتج آخر، بترشيد استهلاكها وضمان استدامتها كلما كان ذلك ممكناً.
ويشير بعض التقديرات إلى إمكانية خفض الانبعاثات الناتجة عن الفولاذ والإسمنت بنسبة 30 إلى 50% بحلول سنة 2050 من خلال ابتكار تصاميم معمارية وإنشائية تستخدم كميات أقل من هذه المواد وتدوم لفترات أطول. ففي أولمبياد لندن 2012 على سبيل المثال، استخدمت الكابلات الفولاذية لحمل سقف خفيف الوزن خاص بمضمار لسباق الدراجات بدلاً من التصميم التقليدي الذي يعتمد الإطارات القوسية الفولاذية، والنتيجة كانت انخفاض استخدام الفولاذ بمقدار 27%.
وإلى جانب استخدام مواد البناء البديلة كالخشب والألياف الكربونية، يجب تطوير الممارسة الهندسية لضمان تنفيذ منشآت أكثر دقة في التصميم والتنفيذ، وتستلزم مواد بناء أقل وأخف من دون التأثير على عوامل الأمان وقابلية الاستثمار. وهنا يأتي دور الجامعات والمؤسسات المهنية الهندسية في إعداد جيل من المهندسين لا يكون همه فقط إنجاز تصاميم أجمل وأقل كلفة، وإنما أنسب للبيئة وأفضل في مواجهة تغيُّر المناخ.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
TT

باحثون: الأحياء التي تضم سيارات كهربائية أكثر تحظى بهواء أنقى

محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)
محطات شحن كهربائية لسيارات تسلا في مركز تسوق في بوكوم غرب ألمانيا (أ.ف.ب)

وجد باحثون درسوا بيانات من الأقمار الاصطناعية في ولاية كاليفورنيا الأميركية أن الأحياء التي يزداد بها عدد السيارات الكهربائية شهدت تراجعا في ​تلوث الهواء الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.

وعلى العكس من ذلك، أكدت بيانات الأقمار الاصطناعية أيضا أن الأحياء التي زاد بها عدد السيارات التي تعمل بالوقود شهدت ارتفاعا في التلوث. وقالت رئيسة الدراسة ساندرا إيكل من كلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا في بيان «إننا حتى لم نصل بعد إلى مرحلة الاستخدام الكامل للسيارات الكهربائية، لكن ‌بحثنا يظهر أن ‌تحول كاليفورنيا نحو السيارات الكهربائية يحدث بالفعل ‌اختلافات ⁠يمكن ​قياسها ‌في الهواء الذي نتنفسه».

وذكر الباحثون في مجلة «ذا لانست بلانيتاري هيلث» أنه مقابل كل 200 سيارة عديمة الانبعاثات أضيفت إلى أحياء كاليفورنيا بين عامي 2019 و2023، انخفضت مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 1.1 بالمئة. ويمكن أن يؤدي هذا الغاز الملوِث، الذي ينبعث من حرق الوقود الأحفوري، إلى نوبات ربو والتهاب ⁠بالشعب الهوائية وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.

ولإجراء التحليل، قسم الباحثون ‌كاليفورنيا إلى 1692 حيا وحصلوا على البيانات ‍المتاحة للجمهور من إدارة ‍المركبات في الولاية بشأن عدد السيارات المخصصة للاستخدامات الخفيفة ‍وعديمة الانبعاثات المسجلة في كل حي. وتشمل هذه المركبات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية، والسيارات الهجينة القابلة للشحن، والسيارات التي تعمل بخلايا وقود الهيدروجين.

ثم حصلوا بعد ذلك على بيانات من جهاز استشعار عالي ​الدقة بقمر اصطناعي يراقب مستويات ثاني أكسيد النيتروجين من خلال قياس كيف يمتص الغاز أشعة الشمس ويعكسها. وقال ⁠الباحثون إنهم يعتزمون مقارنة البيانات المتعلقة باستخدام السيارات عديمة الانبعاثات بعدد زيارات غرف الطوارئ ودخول المستشفيات للعلاج بسبب الربو في جميع أنحاء كاليفورنيا.

وتفضل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيارات التي تعمل بالوقود وألغت الإعفاءات الضريبية التي كانت تهدف إلى تشجيع استخدام السيارات الكهربائية. وأشار التقرير إلى أنه من المتوقع أن يؤدي الانتقال الكامل إلى السيارات الكهربائية إلى تقليل تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء الطلق بنسبة 61 بالمئة في الولايات المتحدة وبنسبة تصل إلى 80 بالمئة في الصين.

وقالت إيكل إن النتائج الجديدة «‌تظهر أن الهواء النقي ليس مجرد نظرية، بل إنه يحدث بالفعل في مجتمعات محلية في أنحاء كاليفورنيا».


السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.