شجاع العاني... جموح النص وفروسية الناقد

دار الشؤون الثقافية العراقية تعيد إصدار دراسته عن الرواية العربية

شجاع العاني
شجاع العاني
TT

شجاع العاني... جموح النص وفروسية الناقد

شجاع العاني
شجاع العاني

الناقد شجاع العاني أحد أهم الأكاديميين الذين أولوا الرواية العراقية والعربية اهتماماً كبيراً، متتبعاً نشأتها من مطلع القرن العشرين، ماراً بالتطورات الفنية التي شهدتها في العقدين السادس والسابع من القرن نفسه، موظفاً مفاهيم النظرية السردية ومنهجياتها الفنية والبنائية والسوسيولوجية، التي اطلع على بعضها في مظانها الأصلية باللغة الإنجليزية، وبعضها الآخر كان لا يزال مستحدثاً آنذاك أو في طور النشوء. وجهود د. شجاع العاني القيّمة ضمَّها كتابه «البناء الفني في الرواية العربية في العراق»، الذي صدرت في هذا الشهر طبعته الجديدة عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد.
ومنذ ظهور طبعته الأولى أواخر ثمانينات القرن الماضي، سدَّ هذا العمل ثغرة كبيرة كان النقد العراقي يعاني منها، من جهة البعد عن المنهجيات الحداثية والارتكاس في النقدين السوسيولوجي والانطباعي، مما جعل منه مرجعاً أكاديمياً مهماً في الرواية استند عليه كثير من الباحثين الذين ظهروا من بعده، ومنهم الدكاترة عبد الله إبراهيم ونجم عبد الله كاظم وصبري مسلم حمادي وصالح هويدي والرعيل الذي تبعهم من الدارسين والباحثين المتقدمين إلى الدرجات الأكاديمية.
في هذا الكتاب تميز الدكتور شجاع العاني عن باحثين آخرين مجايلين له مثل د. عبد الإله أحمد ود. عمر الطالب ومحسن الموسوي وغيرهم من الذين اهتموا بالرواية العراقية، لكنهم ظلوا في حدود الفهرسة الأرشيفية لكتابها، أو التبويب التاريخي لمراحلها، أو المسح التحليلي العام، وافتقرت جهودهم إلى التزود بالأدوات النقدية الحداثية التي تحلى بها الدكتور العاني مواكباً النظرية السردية الغربية بأرقى مستوياتها.
وتميزت الطبعة الجديدة بأنها جاءت على شكل كتاب واحد مكتمل تحت عنوان «البناء الفني في الرواية العربية في العراق»، ليكون للرواية العراقية مرجعها السردي البنائي الذي استطاع أن يقارب بين قضايا الخطاب النقدي الفنية والجمالية، وبين مناهج هذا الخطاب ومقترباته، فضلاً عن إغنائه الدراسات السردية العربية بما انطوى عليه من كشوفات تنظيرية.
وكان د. شجاع العاني قد عبر في تقديمه للجزء الثالث من الكتاب عن ضيقه وتبرمه من التجزئة لكتابه، قائلاً: «لقد وجدنا أن من الأفضل أن يبقى الكتاب على شكله الأول، ليعطي صورة صادقة ودقيقة للنقد الأدبي في العراق في تلك الحقبة من نهايات القرن العشرين، وباستثناء بعض الإشارات الطفيفة في هوامش الكتاب... فإننا حافظنا على المتن في صورته الأصلية». وهذه واحدة من مسائل كثيرة يتعرض لها أي كتاب نقدي تتشمذر فصوله وتتباعد أزمان طباعته، ويصبح كل فصل وكأنه كتاب مستقل في نظر الباحثين. والمسألة أشد مرارة مع الكتاب النقدي الذي يؤسس للحداثة، ويضع عتبات جديدة للباحثين ليلجوا منها إلى مناطق بحثية جديدة وبمنهجيات تغني الحركة النقدية، كما هو الحال مع كتاب «البناء الفني في الرواية العربية في العراق».
واليوم إذ أعادت دار الشؤون الثقافية ضم الكتب الثلاثة في كتاب واحد وبغلاف مناسب؛ فإنها سعت إلى الإبقاء على صورته التي كُتب بها أول الأمر باستثناء كلمة الختام التي شرّف د. شجاع العاني كاتبة هذه السطور باقتراحه عليها القيام بكتابتها، وكذلك الإشراف على مراجعة الكتاب متوناً وهوامش ومتعلقات.
وإذا كان د. شجاع العاني قد مارس النقد الأدبي في ستينات القرن الماضي؛ فإن منظوره النقدي ظل يتجدد، حسب متغيرات النقد ومستجداته، وهو ما أهلّه لأن يمتلك شخصية نقدية تنماز بالعلمية والأكاديمية، متحلياً بالقوة والصرامة المنهجية التي أعطته مكانة خاصة بين النقاد عراقيين وعرباً.
ومن محصلات الكتاب موضع الرصد ما وجده د. شجاع العاني من أنّ نشأة الرواية العراقية كانت على يد محمود أحمد السيد عام 1928 في روايته «جلال خالد» التي درسها دراسة جمالية، وروايتين أخريين كانتا قد نشرتا بعدها، وهما «مجنونان» لعبد الحق فاضل، و«اليد والأرض والماء» لذو النون أيوب. أما الأعمال الروائية ما بعد عام 1966، فدرس معظمها وتتبع تطوراتها حتى عام 1980، عاداً كل القصص الطويلة القصيرة شكلاً روائياً خاصاً برواية القرن العشرين، متناولاً إياها تحت مصطلح رواية.
وبهذه الفرشة الإجرائية في تتبع الروايات العراقية، يصبح أمر التقسيم إلى أجزاء مغيباً لا البعد النظري في تلمس مفاهيم النظرية السردية التي يعد العاني أول من طبقها، وتفنن في إيجاد تمثيلاتها حسب؛ وإنما أيضاً غيب مجهود المؤلف في الاستقصاء للمصادر والرصد للأعمال الروائية وتشخيص الظواهر الجمالية فيها.
ويعدُّ الدكتور شجاع العاني الناقد الأكاديمي الأول في العراق، وقد تمثلت أكاديميته في خصيصتين علميتين لم يجاره فيهما أحد؛ الأولى الرسوخ والصرامة والالتزام، والثانية التجديد الاستراتيجي النظري والنقدي وما بعد النقدي الذي قولب تنظيراته وصهر تطبيقاته منذ بواكير كتاباته النقدية وإلى يومنا هذا. وهو الأنموذج النقدي الذي أخلص للنقد والأدب، متعاملاً معهما كمنهاج عمل، سواء فيما اعتمده من مناهج، أو فيما طوّعته له من مفاهيم محددة بانفتاح واتساع ومعاينة علمية وفكرية منطلقاً من تمثل صميمي لدور المثقف النهضوي التنويري الذي لا يهادن ولا يساوم. وهو ما جعله يضطلع بشخصية نقدية يعترف بتميزها المتميزون، ويشهد لها المثقفون الواعون الحقيقيون.
وتتجلى في الكتاب ريادة العاني في دراسة الرواية كملمح مهم أطَّر ممارساته النقدية بإطار مميز، ومنحها لونها التجديدي الخاص القائم على دراسة المنظور وتقانات الزمن والمكان وبناء الأحداث والشخصيات، راصداً الظواهر الروائية، ومستنبطاً المقاييس، وممحصاً المفاهيم، وموظفاً إياها إجرائياً من دون أي جدب أو عقم أو إغراق. علماً إن نقود د. شجاع العاني كانت منذ بواكيرها الأولى تتسم بطابع كتابي ذي خصوصية ذاتية وموضوعية يتمثل في إيلاء الأجناس السردية اهتماماً متتبعاً لها، وراصداً تحولاتها.
ولطالما ظل التجديد مرافقاً لنقوده، وهو يتخصص في دراسة الرواية العراقية بأكاديمية خالصة تبحث عن الظواهر القصصية. فلم تكن تبهره إلا الأعمال الروائية التي تلوح فيها إمارات التميز الفني والتطور النوعي، إدراكاً منه أنَّ هذا الجنس الأدبي يلزمه من يقف إزاءه ناقداً فاحصاً. وهو الذي عرّف الرواية بأنها «كناية عن عمل فكري في المرتبة الأولى، وهي في المرتبة الثانية صياغة جمالية لهذا العمل الفكري ومعطيات الواقع هي التي تقترح نوعية هذا العمل وصياغته الجمالية». وبيّن أن رواية الكثافة الزمنية من الممكن أن تكون رواية مشهدية لا تتخللها ثغرات أو خلاصات. ومما شخَّصه في كتابه أيضاً ظاهرة «الرواية متعددة الوجوه»، وحددها بالرواية التي ينكب الروائي الذي نجح في عمل إبداع على أن يعالجه في رواية ثانية وثالثة.
ولقد وجد د. شجاع العاني أن مراحل الرؤية في الرواية العراقية بدأت برؤية الراوي كلي العلم، ثم الرؤية المجاورة أو المصاحبة، ثم الرؤية الموحدة التي يتوحد فيها الراوي مع الشخصية، وأخيراً اعتمدت الرؤى المتعددة الصوت مما يسمى بالسرد المتعدد أو السرد المكرر الذي يقوم على التذبذب بين الماضي والحاضر بصورة تشبه حركة اللولب وسماه «السرد اللولبي»، وهو غير «السرد السمفوني»، الذي تتكرر فيه الأحداث وتعدد الرؤى.
ولقد أوصله رصده للرواية العراقية إلى أن فيها ثلاثة تيارات: تيار السرد التقليدي، وتيار الشعر والرمز والأسطورة، وتيار الوصف الخارجي المباشر. ومن دعواته النقدية دعوته الروائيين إلى استلهام الموروث الشعبي بوصفه أداة بها يملكون القدرة على تصوير النماذج الإنسانية.
وقسَّم الرواية في نشوئها وتطورها إلى أنواع، فمن الرواية الإيقاظية إلى الرواية الرومانسية، ثم الرواية الواقعية. وأن الرواية الكلاسيكية انحسرت لتحل محلها الرواية القصيرة أو رواية المشهد الشامل ذات الوصف الملحمي للحياة. وعرّج على شكل روائي جديد سماه «الرواية المتأملة لذاتها» ـ التي تعرف اليوم بـ«الميتاسردية» أو «ميتارواية» ـ مبيناً أن أول محاولة في كتابتها كانت لمحيي الدين زنكنة الذي وصفه بأكثر كتّاب الرواية العراقية شكلية، وذلك في روايته «ويبقى الحب علامة»، وفيها تتمرد شخصيات الكاتب عليه وتناقشه في مصائرها.
والدكتور العاني من المتنبئين بموت الرواية بما وراء السرد والسبب ـ برأيه ـ التعقيد الناتج عن الغواية المتأتية من نرجسية الكاتب الذي يبالغ في الصنعة، متجاوزاً مسؤوليته الفكرية، لتصبح الرواية شبيهة بنرسيس الذي أعجبته صورته في ماء الغدير فمكث ينظرها حتى مات.
مؤدى القول إنّ جمع أجزاء كتاب «البناء الفني في الرواية العربية في العراق» في كتاب واحد تجعل منه المرجع الأول في دراسة الرواية العراقية، وفيه بذل د. شجاع العاني جهداً كبيراً هو حصيلة خبرته الأكاديمية وقراءاته الأدبية والنقدية خلال عدة عقود من المثابرة العلمية والعملية، ليكون إنجازاً مائزاً ماثلاً للعيان في محافل البحوث النقدية الأكاديمية وغير الأكاديمية.



بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».


الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».