مسؤولون أمنيون: قراصنة نفذوا هجمات في أوروبا والشرق الأوسط لصالح تركيا

شملت وزارات وسفارات وأجهزة استخبارات

جانب من مظاهرة ضد تقييد حرية الصحافة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة ضد تقييد حرية الصحافة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

مسؤولون أمنيون: قراصنة نفذوا هجمات في أوروبا والشرق الأوسط لصالح تركيا

جانب من مظاهرة ضد تقييد حرية الصحافة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
جانب من مظاهرة ضد تقييد حرية الصحافة في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون أمنيون غربيون عن أن هجمات واسعة عبر الإنترنت استهدفت حكومات ومؤسسات أخرى، في أوروبا والشرق الأوسط، نفذت بواسطة متسللين (هاكرز) يعملون لصالح الحكومة التركية.
ونقلت وكالة «رويترز»، في تقرير حصري عن مسؤولين بريطانيين وثالث أميركي، أن تلك الأنشطة تحمل بصمات عملية تجسس إلكتروني، مدعومة من دولة، وتم تنفيذها لدعم المصالح التركية. وقال المسؤولون إن الاستنتاجات تعتمد على ثلاثة عناصر: هي هوية ومواقع الجهات المستهدفة، إذ شملت حكومات دول لها أهمية جيوسياسية لدى تركيا، وأوجه التشابه مع هجمات سابقة يقولون إنها استخدمت بنية تحتية مسجلة في تركيا، ومعلومات ضمن تقييمات سرية لأجهزة مخابرات رفضوا الإفصاح عن تفاصيلها.
ولفتت الوكالة إلى إجرائها مراجعة لسجلات الإنترنت العامة، كشفت عن اختراق متسللين 30 مؤسسة على الأقل، منها وزارات وسفارات وأجهزة أمنية، إضافة إلى شركات ومنظمات أخرى. وكان من بين ضحايا تلك الهجمات خدمات البريد الإلكتروني لقبرص، والحكومة اليونانية، ومستشار الأمن القومي للحكومة العراقية.
وتضمنت الهجمات اعتراض تدفقات البيانات على مواقع الجهات المستهدفة، ما مكَّن المتسللين على الأرجح من الدخول بشكل غير مشروع لشبكات جهات حكومية ومؤسسات أخرى.
وذكر المسؤولون أنه لم تتضح هوية الأفراد أو المؤسسات المسؤولة عن الهجمات؛ لكنهم يعتقدون أن موجات الهجمات الإلكترونية تلك على صلة بعضها ببعض؛ لأنها استخدمت الخوادم ذاتها أو بنية تحتية أخرى.
وبحسب «رويترز»، أحجمت وزارة الداخلية التركية عن التعليق. ولم يرد مسؤول تركي كبير بشكل مباشر على الأسئلة المتعلقة بتلك الهجمات؛ لكنه قال إن بلاده تعرضت هي أيضاً من قبل لهجمات تسلل إلكتروني متكررة.
ووفقاً لسجلات الإنترنت العامة، التي اطلعت عليها «رويترز»، فقد وقعت الهجمات الإلكترونية على قبرص واليونان والعراق في أواخر عام 2018، وأوائل عام 2019. وقالت المصادر ومحققون يعملون بشكل مستقل في مجال أمن الإنترنت، إن السلسلة الأوسع نطاقاً من الهجمات لا تزال مستمرة. وأظهرت السجلات أيضاً أن هجمات التسلل والاختراق تتم منذ أوائل عام 2018 على الأقل.
وقالت الحكومة القبرصية في بيان، إن «الوكالات المعنية علمت على الفور بالهجمات وتحركت لاحتوائها. لن نعلق بالتفصيل لأسباب تتعلق بالأمن القومي». بينما قال مسؤولون في اليونان، إنه ليس هناك ما يدل على أن أنظمة البريد الإلكتروني الحكومية تعرضت لأي خطر. ولم ترد الحكومة العراقية على طلبات للتعليق.
وقال المسؤولون الثلاثة ومسؤولان آخران في المخابرات الأميركية، إنه على الرغم من أن هذا النوع من الهجمات التي تنفذ عن طريق التلاعب بنظام تعريف اسم نطاق الإنترنت (دي إن إس) شائع على مستوى أصغر، فإن حجم تلك الهجمات أثار قلق أجهزة المخابرات الغربية.
ويعتقد المسؤولون أن الهجمات ليست مرتبطة بحملة تسلل أخرى استخدمت الطريقة نفسها وتم اكتشافها في أواخر 2018. وقال جيمس شانك، الباحث في «تيم سيمرو»، وهي شركة أميركية لأمن الإنترنت أبلغت بعض من استهدفتهم تلك الهجمات، إن المتسللين نجحوا في اختراق مؤسسات تتحكم في نطاقات على أعلى مستوى.
ووفقاً لسجلات الإنترنت العامة، استهدفت الهجمات أيضاً المخابرات الألبانية ومنظمات مدنية داخل تركيا.
وكانت حكومة قبرص قد تراجعت الأسبوع الماضي عن اتهامها لسلطات تركيا بسرقة بيانات تقنية، ساعدتها في مباشرة التنقيب عن الموارد الطبيعية (النفط والغاز) قبالة سواحل الجزيرة شرق المتوسط.
وقال المتحدث باسم الحكومة القبرصية، كيرياكوس كوشوس، لوكالة «أسوشييتد برس»، الخميس الماضي، إن استخدامه كلمة «السرقة» في تصريحات أدلى بها، الأربعاء، لقناة «إي آر تي» اليونانية لم تكن سوى «زلة لسان»، وإنه لم تكن هناك أي عملية سرقة بيانات.
وقال قراصنة أتراك، الجمعة قبل الماضي، إنهم اخترقوا مواقع إلكترونية يونانية تابعة للبرلمان ووزارتي الخارجية والاقتصاد، إضافة إلى بورصة أثينا، لأكثر من 90 دقيقة. وبررت مجموعة القرصنة التركية «أنكا نيفرلار تيم» في منشور على «فيسبوك» عملها بالقول إن «اليونان تهدد تركيا في بحر إيجه وفي شرق المتوسط، والآن تهدد مؤتمر برلين حول ليبيا».
وجاءت قرصنة المواقع اليونانية، رداً على المحادثات التي جرت في أثينا، بين المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، قبل يومين من مؤتمر برلين الذي عقد الأحد قبل الماضي.
وفي سبتمبر (أيلول) 2018، تعرض موقع «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية في مصر (الوكالة الرسمية المصرية)، للاختراق من جانب مجموعة القراصنة التركية «أكينجيلار» (الغزاة)، التي اخترقت موقع وتطبيق الوكالة، ونشرت صوراً للقيادي في تنظيم «الإخوان المسلمين» السجين محمد البلتاجي، المحكوم عليه و74 إخوانياً بالإعدام.
وكتبت المجموعة رسالة باللغتين العربية والتركية، وتصدرت الصفحة الرئيسية هذه العبارات بالعربية: «فقط لأن لهم أفكاراً مختلفة، تجهزون لهم المشانق، فكم من بريء في سجون ظلمكم! هل ظننتم أننا سنتخلى عن قضيتنا؟». وبالتركية: «نحن العثمانيون... نحن الغزاة... نحن تركيا».
ووضعت أسفل الصفحة شعار المجموعة التي سبقت لها قرصنة مواقع هولندية في 2017، حينما كانت تسود علاقات تركيا وهولندا خلافات شديدة، بسبب رفض الحكومة الهولندية عقد وزراء ومسؤولين أتراك مؤتمرات للدعاية لتعديلات دستورية تستهدف الانتقال إلى النظام الرئاسي في تركيا، والترويج لها وسط الجالية التركية هناك.
و«أكينجيلار» أو «الغزاة» هي مجموعة قرصنة تركية تأسست في سبتمبر 2005، وسبق أن اخترقت مواقع أميركية وإسرائيلية، ومواقع صحف مثل «شارلي إيبدو» الفرنسية، انتقاماً من حوادث ازدراء تعرضت لها تركيا أو الإسلام، وكان الاسم مستخدماً لإحدى الفرق العسكرية العثمانية.
وسبق للمجموعة نفسها اختراق موقع مطار القاهرة الدولي ووضع شعارها عليه، في أغسطس (آب) 2015، الذكرى الثانية لفض اعتصام رابعة العدوية، الذي نظمه «الإخوان المسلمون» عقب إسقاط حكم محمد مرسي في ثورة شعبية، ووضعت شعار «رابعة» ورسائل ناقدة للحكومة المصرية، باللغات العربية والإنجليزية والتركية.
وتستخدم جماعات القرصنة والجيوش الإلكترونية على نطاق واسع في تركيا لتوظيفها ضد المعارضة، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016 كانت جماعة من القراصنة الإلكترونيين في تركيا حولت هجمات القرصنة إلى «مسابقة» تكافئ المشاركين فيها الذين ينجحون في استهداف مواقع محددة للأحزاب ومنظمات مدنية معارضة للحكومة؛ حيث كان المشتركون يحصلون على نقاط بعد كل هجوم سريع يشنونه على عدد محدد من المواقع. وتظهر تلك النقاط على لوحة للتسجيل، ويستطيع صاحبها الوصول إلى وسائل حديثة للقرصنة.
واكتشفت شركة «فورس بوينت» لأمن الإنترنت الموقع الذي نظم المسابقة، واسمه «سيرفيس ديفنس»، ويدار عبر شبكة «تور دارب ويب»، ويعطي المهاجمين حرية الوصول إلى أداة للهجمات الإلكترونية تسمى «المطرقة»، تهدف إلى ضرب مواقع غير متصلة بالإنترنت، عبر قصفها بكميات هائلة من البيانات لا تستطيع التعامل معها، وهو نوع من الهجوم يسمى الحرمان المتقطع من الخدمة.
وقالت شركة «فورس بوينت»، في تقرير لها، إن نقطة واحدة تمنح عن كل هجوم يستغرق عشر دقائق على أحد المواقع المستهدفة. وإن المواقع المستهدفة تضمنت مواقع تابعة لبعض المنظمات الكردية، ووسائل إعلام وأحزاب المعارضة التركية، وموقعاً يتحدث عن المذابح الجماعية ضد الأرمن، وكذلك موقع حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» في ألمانيا، وموقع مهرجان أفلام إسرائيلي.
وشاهد باحثون أمنيون من الشركة بثاً حياً للوحة تسجيل، تظهر قراصنة من عدد من المجموعات التركية المختلفة في تركيا، يشاركون في المسابقة. وكان المهاجم الذي يتصدر القائمة قد جمع أكثر من 450 نقطة.
وتضمنت المكافآت أدوات للهجوم أكثر تعقيداً، مثل «دي دي أو إس» وبرامج أخرى للقرصنة. وقال كارل ليونارد، كبير المحللين الأمنيين بشركة «فورس بوينت»، في بيان: «إنها المرة الأولى التي يحول فيها القراصنة منصة للقرصنة إلى لعبة، يتنافس فيها القراصنة بعضهم مع بعض». وقال ليونارد إن المجموعة ربما تكون قد حولت القرصنة إلى لعبة، في محاولة لجذب وبناء «كتلة حرجة» من القراصنة، يمكن أن يكون لهم تأثير حقيقي على المواقع المستهدفة.
لكن «فورس بوينت» قالت في تقريرها، إن تحليل أداة «المطرقة» يشير إلى أنه قد يكون هناك سبب آخر وراء المسابقة، ويبدو أن برنامج المسابقة له باب خلفي ملحق به، يمكِّن منشئ المجموعة من التجسس على كل من يستخدمونه، وأن مبتكر البرنامج يراقب القراصنة أنفسهم.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.