«النهضة» تقر بفوز «نداء تونس».. وتدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية

الهاشمي الحامدي ينسحب من السباق الرئاسي إثر خسارة حزبه

جانب من عمليات نقل صناديق الاقتراع إلى مراكز فرزها قبل إعلان النتائج (أ.ف.ب)
جانب من عمليات نقل صناديق الاقتراع إلى مراكز فرزها قبل إعلان النتائج (أ.ف.ب)
TT

«النهضة» تقر بفوز «نداء تونس».. وتدعو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية

جانب من عمليات نقل صناديق الاقتراع إلى مراكز فرزها قبل إعلان النتائج (أ.ف.ب)
جانب من عمليات نقل صناديق الاقتراع إلى مراكز فرزها قبل إعلان النتائج (أ.ف.ب)

أقرت حركة النهضة الإسلامية أمس بفوز خصمها العلماني «نداء تونس» بالانتخابات التشريعية التي جرت أول من أمس، التي سينبثق عنها أول برلمان وحكومة دائميْن في تونس منذ الإطاحة مطلع 2011 بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، ودعت إلى تشكيل حكومة «وحدة وطنية».
وأعلنت «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» مساء أمس عن النتائج الجزئية الرسمية للاقتراع.
ويمنح دستور تونس الجديد الذي صادق عليه المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت) في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي، صلاحيات واسعة للبرلمان والحكومة، مقابل صلاحيات محدودة لرئيس الجمهورية.
وقال زياد العذاري، المتحدث الرسمي باسم حركة النهضة استنادا إلى إحصاءات مراقبي حزبه في مراكز الاقتراع: «لدينا تقديرات غير نهائية، أنهم (نداء تونس) في المقدمة.. سيكون لنا نحو 70 مقعدا (في البرلمان) في حين سيكون لهم نحو 80 مقعدا».
وقال العذاري في تصريح لإذاعة «موزاييك إف إم» التونسية الخاصة: «نهنئ (نداء تونس) الذي حقق نتيجة قوية»، ودعا إلى تشكيل «حكومة وحدة وطنية لتكون قادرة على مواجهة استحقاقات وتحديات البلاد الكبيرة، خاصة في السنوات المقبلة التي ستكون صعبة على المالية العمومية وعلى الميزانية وعلى أوضاع البلاد».
ومساء أول من أمس، قال راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة لقناة «حنبعل» التونسية الخاصة: «سواء كانت (النهضة) الأولى أو الثانية (...) تونس تحتاج إلى حكم وفاق وطني».
وأضاف أن «سياسة التوافق (بين حزبه والمعارضة) أنقذت بلادنا مما تتردى فيه دول الربيع العربي»، معتبرا أنه «من المهم أن نرسخ قضية الديمقراطية، والثقة في المؤسسات».
وكانت حركة النهضة فازت في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي أجريت في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 بنسبة 37 في المائة من الأصوات و89 من مقاعد المجلس الـ217.
وحكمت حركة النهضة تونس عامي 2012 و2013. ومطلع 2014، اضطرت النهضة إلى التخلي عن السلطة لحكومة غير حزبية بموجب خريطة طريق طرحتها المركزية النقابية القوية (الاتحاد التونسي للشغل) لإخراج البلاد من أزمة سياسية حادة اندلعت إثر اغتيال اثنين من قادة المعارضة العلمانية في 2013. وتقود هذه الحكومة التي يرأسها مهدي جمعة، البلاد حتى الانتهاء من الانتخابات.
ومساء أول من أمس، أعلن الطيب البكوش الأمين العام لحزب نداء تونس (يمين وسط) فوز حزبه في الانتخابات.
ونشر الحزب أمس على صفحته الرسمية في «فيسبوك» صورة مؤسسه ورئيسه الباجي قائد السبسي وكتب عليها: «انتصرنا والحمد لله.. تحيا تونس».
وكان «نداء تونس» الذي أسسه قائد السبسي في 2012، رشح هذا الأخير للانتخابات الرئاسية المقررة في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ويضم «نداء تونس» منتمين سابقين لحزب «التجمع» الحاكم في عهد الرئيس المخلوع بن علي، ونقابيين ويساريين.
وسينبثق عن نتائج الانتخابات «مجلس نواب الشعب» المكون من 217 مقعدا. وسيمارس المجلس السلطة التشريعية لمدة 5 سنوات.
وبحسب القانون الانتخابي، يتعين على هيئة الانتخابات إعلان «النتائج الأولية» للانتخابات التشريعية في فترة أقصاها الأيام الثلاثة التي تلي الاقتراع؛ أي الخميس.
ويلزم القانون الهيئة بإعلان النتائج النهائية خلال فترة 48 ساعة من آخر حكم صادر عن الجلسة العامة القضائية للمحكمة الإدارية بخصوص الطعون المتعلقة بالنتائج الأولية.
في غضون ذلك، أعلن الهاشمي الحامدي رئيس «تيار المحبة» في تونس أمس عن انسحابه من السباق الرئاسي المقرر في نوفمبر المقبل إثر الخسارة الكبيرة لحزبه في الانتخابات التشريعية.
وقال الحامدي مؤسس الحزب والمقيم في العاصمة البريطانية لندن في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية عبر البريد الإلكتروني إن بقاءه ضمن السباق الرئاسي لم يعد مبررا بعد خسارة حزبه الانتخابات، وإنه قرر الانسحاب رسميا ونهائيا من الانتخابات الرئاسية.
وكانت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات قد أعلنت عن قبول ملفات 27 متنافسا في الانتخابات الرئاسية من بينهم الحامدي.
وأوضح رئيس تيار المحبة: «عندما قدم وكيلي مطلب ترشحي للانتخابات الرئاسية، في 8 أكتوبر الماضي، أصدرت بيانا أوضحت فيه الأهداف والتعهدات التي ترشحت من أجلها للرئاسة، وطلبت من الشعب التونسي منح أغلبية نيابية لتيار المحبة في الانتخابات التشريعية لتمكيني من تنفيذ تلك الأهداف والتعهدات».
وأضاف: «أمس (الأحد) تكلم الشعب التونسي عبر صناديق الاقتراع، واتضح جليا أنه لم يمنح تيار المحبة حضورا يذكر في مجلس نواب الشعب الجديد، بما يجعل استمراري في سباق الانتخابات الرئاسية غير مبرر على الإطلاق ومخالفا للأسس التي أعلنتها في بيان ترشحي للرئاسة».
ولم يفز تيار المحبة سوى بمقعدين في الانتخابات التشريعية حسب النتائج الأولية، تحصل عليهما في دائرتي سيدي بوزيد والقيروان.
وكانت التكهنات التي قدمتها مؤسسات استطلاع الرأي قد أربكت المشهد السياسي؛ إذ أعطت حركة نداء تونس المرتبة الأولى بنحو 37 في المائة (نحو 81 مقعدا)، وحركة النهضة في المرتبة الثانية بنسبة 26 في المائة من الأصوات (56 مقعدا)، وحل تحالف الجبهة الشعبية بزعامة حمة الهمامي (تحالف يضم 11 حزبا يساريا وقوميا) في المرتبة الثالثة، وذلك بنسبة بعيدة عن الحزبين الأولين وذلك بـ5.4 في المائة من الأصوات (16 مقعدا)، واحتل الحزب الوطني الحر الذي يتزعمه رجل الأعمال سليم الرياحي المرتبة الرابعة بـ4.8 في المائة من الأصوات، بما يعني حصوله على 13 مقعدا، وتمكن حزب آفاق تونس (حزب ليبرالي) بزعامة ياسين إبراهيم من تحقيق نسبة 2.8 في المائة من الأصوات (8 مقاعد).
وبحسب هذه النتائج المبنية على استطلاع أولي مباشرة بعد التصويت، فان 3 أحزاب سياسية على الأقل ستسجل نتائج من دون المأمول وهو ما يمثل صدمة لمناصريها، وهي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية (حزب الرئيس المنصف المرزوقي)، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات (يرأسه مصطفى بن جعفر) والحزب الجمهوري بزعامة أحمد نجيب الشابي.
وتمكنت هذه الأحزاب السياسية من تحقيق مراتب أولى في انتخابات 2011، وتحالف كل من حزب المؤتمر والتكتل مع حركة النهضة لقيادة أول حكومة تونسية بعد الثورة. وحصل حزب المؤتمر في الانتخابات الماضية على المرتبة الثانية بعد النهضة (29 مقعدا) والتكتل (19 مقعدا) والحزب الجمهوري (17 مقعدا).
وحصلت هذه الأحزاب وفق هذا الاستطلاع الأولي لانتخابات 2014 على نسبة أقل من 2 في المائة من الأصوات.
وحسب النتائج الأولية، فقد استحوذت حركة «نداء تونس» على الدوائر الانتخابية في العاصمة والمدن القريبة منها، وهي 5 دوائر انتخابية فيما يعرف بتونس الكبرى، التي تضم 4 ولايات (محافظات)، وهي: تونس الأولى، وتونس الثانية، وأريانة، ومنوبة، وبن عروس. في حين حققت حركة النهضة نتائج مهمة في مناطق الجنوب الغربي والجنوب الشرقي من البلاد.
ولا يبدو من خلال التصريحات الفورية التي أعقبت الإعلان عن النتائج غير النهائية، أن حركة نداء تونس وحركة النهضة على استعداد للتحالف السياسي فيما بينهما لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة ائتلافية. ونبهت عدة أطراف سياسية تونسية إلى مساوئ الاستقطاب الثنائي بين حزبين سياسيين فقط، على المشهد السياسي.
وأظهرت نتائج الانتخابات الأولية أن المشهد السياسي التونسي وخريطة توزيع الأحزاب، سيختلف اختلاف جذريا عما عرفته انتخابات 2011. وقال المحلل السياسي التونسي جمال العرفاوي لـ«الشرق الأوسط» إن حركة نداء تونس صاحبة الأغلبية قد تسعى إلى تشكيل ائتلاف حكومي بعيدا عن حركة النهضة بعد الأداء الضعيف الذي ظهر به شريكاها في الترويكا السابقة، و«نعني بذلك حزبي المؤتمر والتكتل».
وقد يلجا «نداء تونس» إلى عدة أحزاب دستورية من أجل التحالف، كما أنه قد يجد في تحالف الجبهة الشعبية والاتحاد الوطني الحر وحزب آفاق تونس بعض التجاوب من أجل تشكيل حكومة جديدة.
وستؤثر نتائج الانتخابات البرلمانية لا محالة على الانتخابات الرئاسية التي تجري في دورة أولى يوم 23 نوفمبر المقبل، ذلك أن من تداعياتها انسحاب رئيس حزب تيار المحبة من منافسات الانتخابات الرئاسية. كما أن استحواذ حركة نداء تونس على أغلبية مقاعد البرلمان وإمكانية تشكيلها الحكومة، قد يقلص، وفق متابعين للشأن السياسي التونسي، من حظوظ الباجي قائد السبسي في منافسات الرئاسة، وذلك تحسبا وتخوفا من مخاطر «تغول» بعض الأحزاب السياسية وسيطرتها على المؤسسات الدستورية (البرلمان والحكومة والرئاسة).



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.