حكومة حمدوك أمام «مطبات» الانتقال

سياسيون واقتصاديون اتهموا «الإخوان» بالعمل على تخريب الاقتصاد والإخلال بالأمن {تمهيداً لانقلاب}

عبد الله حمدوك (رويترز)
عبد الله حمدوك (رويترز)
TT

حكومة حمدوك أمام «مطبات» الانتقال

عبد الله حمدوك (رويترز)
عبد الله حمدوك (رويترز)

يربط مراقبون وسياسيون سودانيون بين الانخفاض الكبير والمفاجئ في سعر صرف الجنيه السوداني، وتمرّد قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات، واحتجاجات أنصار نظام المعزول عمر البشير، في عدد من مدن البلاد، ويصفونها بأنها مخطط إخواني شرير، يسعى لزعزعة الأمن وإثارة الفتنة لترتيب المسرح لعودتهم لحكم البلاد من جديد، ويعتبرون الانخفاض المفاجئ في سعر صرف الجنيه «مضاربة سياسية».
وتواجه الحكومة الانتقالية السودانية، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، تحديات ومطبات كثيرة، عرفت بين مكوناتها بـ«مطلوبات الانتقال»، وعلى رأسها تحقيق السلام، ووقف الحرب، وتوفير الأمن والاستقرار، وإعادة بناء الاقتصاد ووقف انهياره ومترتباته الممثلة في الضائقة المعيشية الخانقة، فضلاً عن مهمة تصفية وتفكيك نظام الإنقاذ واسترداد الدولة.
وقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في حوار بثَّه التلفزيون الرسمي، يوم الثلاثاء، إن حكومته تملك خططاً وبرامج لمعالجة الأزمات التي تواجه البلاد، بيد أنه أشار إلى ما سمّاه «ارتفاع سقف التوقعات»، من قبل المواطنين، وتعهّد بتقديم تجربة سودانية لإعادة البناء تلفت نظر العالم، مثلما لفتت نظره ثورة الشعب السلمية، ورأى في حسم تمرد هيئة العمليات الأخير تأكيداً للعمل المشترك بين مكوني الحكومة المدني والعسكري والثقة المتبادلة بينها.
وشهدت البلاد «هزة اقتصادية مباغتة» أدَّت لانخفاض سعر صرف الجنيه السوداني بصورة غير منطقية، انخفض بموجبها سعر صرفه من نحو 90 جنيهاً للدولار إلى مائة جنيه للدولار الواحد في بحر أيام، وهو ما وصفه عضو اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير، المتحدث باسم «حزب البعث العربي الاشتراكي» عادل خلف الله بأنه «مضاربة سياسية» في العملات الأجنبية تهدف لزعزعة الأوضاع في البلاد.
وقبلها شهدت الخرطوم ومدن أخرى في البلاد هزّة أمنية عنيفة، بسبب تمرد مسلحين تابعين لهيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات السابق، الذين أطلقوا الرصاص العشوائي من مقرات الهيئة، ما تسبب في حالة من الزعر بين المدنيين، واضطرت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع لاقتحام تلك المواقع مستخدمة الأسلحة الثقيلة التي روعت أمسية وصباح المدينة المبكر. وأوضح خلف الله لـ«الشرق الأوسط»، أن معركة شعب السودان الذي أسقط أحد أشرس الديكتاتوريات في التاريخ تبدأ بعد مرحلة الإسقاط، وقال: «هذا التشخيص ينبع من طبيعة الوعي بالنظام الذي استولى على السلطة بالانقلاب في 1989، لقطع الطريق أمام تنفيذ اتفاق السلام».
وأضاف: «النظام الذي أسقطه الشعب كان مسنوداً بقوة عقائدية تعبر عن مصالح محدودة اجتماعياً واقتصادياً تتمثل في الرأسمالية الطفيلية وبرنامجها في السيطرة والهيمنة على مقدرات البلاد، تحت برنامجها الذي أطلقت عليه (المشروع الحضاري)، والذي حصنته بما أطلقت عليه (إجراءات التمكين)».
ويقطع خلف بأن الحكومة الانتقالية لا تملك عصاً سحرية لمعالجة مطلوبات الانتقال، بقوله: «لا البرهان ولا حمدوك يملك عصا موسى، لأن الانتقال من الهيمنة العقائدية ليس هيناً»، واستدرك: «لكنه ليس بالعصي بالنسبة للشعب السوداني وجسارته في مواجهة المعضلات».
ويرى خلف الله أن تحدي الاقتصاد والسلام، هي أبرز تحديات السلطة الانتقالية الحالية، ويقول: «كان للتحدي الاقتصادي دور حاسم في نجاح الانتفاضة الشعبية، لأن الرأسمالية الطفيلية أوغلت تبعية اقتصادية دمرت مقومات الاقتصاد السوداني، ونهبت مقدراته، وأكملت تصفيته لمصلحة نافذين، أوصل البلاد لمعدل نمو سالب».
وقال خلف الله إن نظام «الإخوان» أثقل البلاد بدين داخلي وخارجي، لم يتم توظيفه في مشروعات تنموية، وأهدر عائدات «الفترة النفطية» دون وضع صندوق سيادي للأجيال أو تسخير عائداتها الضخمة في إنعاش الاقتصاد وإقامة البني التحتية.
ورأى أن الأوضاع الاقتصادية في البلاد تمثل تحدياً يتطلب جملة إجراءات، بينها العاجل والبديل، وأن المخرج من الأزمة الاقتصادية يمر عبر تفكيك الركائز المادية والقانونية والمؤسسية ومصالح وامتيازات النظام القديم التي تكرست خلال حكمه البالغ 30 عاماً.
ويعتبر خلف التصدي لـ«التمكين»، واسترداد الأموال المنهوبة وملاحقتها في الداخل والخارج، ومراجعة أصول الدولة واسترداد مقدراتها، واحدة من البوابات الكبرى لاستعادة الاقتصاد والنهوض به، ويقول: «كل شركات ومؤسسات القطاع العام تم تحويلها لمصلحة النافذين في النظام السابق، عبر الخصخصة والتخلص من مؤسسات القطاع العام».
ويطالب بإحداث قطيعة بين النهج الذي أدى لما سماه بـ«النتائج الكارثية»، المتمثل في نهج التبعية والرضوخ لسياسات، ووصفات «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي»، ويقول: «المدخل الصحيح للإصلاح يتمثل في الرهان على مقدرات اقتصاد البلاد، والاعتماد على ثرواتها المتعددة، لتعظيم مصادر النقد الأجنبي».
ويدعو خلف الله لتوظيف «الميزات التنافسية النسبية للصادرات السودانية، بإضافة قيمة لها بتصنيعها، وللتوسع في زراعة المحاصيل لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتنويع الصادر»، ويقول: «هناك ضرورة لإنشاء بورصة للمحاصيل وبورصة للذهب والمعادن، وتأهيل شركات القطاع العام، وفي مقدمتها شركة الصمغ العربي، وشركة المحاصيل الزيتية، وشركة الأقطان، وتكوين شركة مساهمة عامة للعمل في مجال التعدين، مع تشجيع القطاع الخاص بعد تحريره مما أحدثته سياسات الرأسمالية الطفيلية فيه».
وشهدت موازنة عام 2020 التي أجيزت، الشهر الماضي، عملية شد وجذب بين وزير المالية إبراهيم البدوي الذي أعد موازنة تقوم على «رفع الدعم» عن المحروقات والخبز، والاستعاضة عنها بما أطلق عليه «دعم مباشر للمستحقين»، و«قوى إعلان الحرية والتغيير» الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، التي لم يلقَ مشروع الموازنة القبول منها، فتم التوصل لتوافق على موازنة لثلاثة أشهر، ويتم إعادة النظر في موازنة التسعة أشهر المتبقية من العام.
ويقول خلف الله: «في أغلب مناقشاتنا مع وزير المالية طرحنا هذه الأفكار، لكن مشروع الموازنة ركز على رفع الدعم»، بيد أنه يجد العذر له مستطرداً: «فيما يبدو أن ضيق وقت إعداد الموازنة، وعدم اتخاذ الوزارة نفسها لإجراءات محددة، قدمت موازنة بمنهجية ما قبل الثورة»، ويتابع: «تم الاتفاق على اعتماد موازنة خالية من الوصفة التقليدية لسياسات التحرير حتى مارس (آذار) المقبل، والتحضير لمؤتمر اقتصادي تحشد له الكفاءات للخروج بتصور يشكل مدخلاً لإكمال التسعة أشهر المتبقية، وسياسات بديلة للسنتين المتبقيتين من عمر الفترة الانتقالية».
وفي سياق تحديات المرحلة الانتقالية، روعت الخرطوم ومدن أخرى في البلاد 14 يناير (كانون الثاني) الحالي، بأصوات الرصاص والقذائف التي أطلقتها قوات «هيئة العمليات» التي كانت تتبع لجهاز المخابرات العامة، احتجاجاً على عدم كفاية الحقوق التي منحت لأفراد القوة بعد تسريحها.
وقبل أشهر، تقرر حل هيئة العمليات إثر هيكلة جهاز المخابرات وتحويله لجهاز لجمع المعلومات وتحليلها، وخير أفرادها بين الانضمام للجيش أو قوات الدعم السريع أو التسريح، واختارت الغالبية العظمى منهم التسريح، بيد أنهم تمردوا، تحت ذريعة عدم كفاية الحقوق الممنوحة لهم، ما أثار موجة من الرعب والاضطراب الأمني في البلاد.
وصف وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح أحداث التمرّد بأنها «مؤسفة»، لكنه أكد أنها «غير مفاجئة»، بقوله: «موضوع هيئة العمليات كانت متصاعداً منذ فترة، بسبب تقصير جهاز المخابرات العامة في حسم الملف في وقت مبكر، وبأقل الخسائر».
وأوضح صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التمرُّد برغم الخسائر التي صحبت القضاء عليه، كانت له جوانب إيجابية، تتمثل في حسم الملف تماماً بالمواجهة العسكرية، بما قطع الطريق أمام أي حوار أو نقاش حول الملف بصورة نهائية.
وأشار صالح إلى أن المواجهة والتمرد فتحت العيون ونبهت لخطورة وجود وحدات قتالية في أجهزة ذات طابع يفترض ألا يكون مسلحاً، وأهمية إسناد المهام القتالية على القوات المسلحة وحدها، وإلى ما سماه «تغييراً إيجابياً» في قيادة جهاز المخابرات العامة، أنها في الوقت ذاته أظهرت تماسك ووحدة المكون العسكري والمدني في الحكومة الانتقالية.
ولا يستبعد صالح وقوف جهات تستهدف الحكومة الانتقالية خلف العملية، ويرى أنه واحد من الأشياء المحتملة، ويقول: «لا يُستبعد أن يكون قد تم استغلال المطالب سياسياً، وتم تحريضهم من قبل جهات معادية للحكومة وللوضع الانتقالي الجديد».
غير بعيد عما ذهب إليه صالح، فإن خلف الله يصف تمرّد قوات هيئة العمليات بأنه «محاولة انقلابية» كاملة مرتبطة بما سماه «المضاربة السياسية»، التي أدّت لتدنٍّ مفاجئ في سعر صرف العملة الوطنية (الجنيه)، وأنها مرتبطة بمظاهرات الإخوان المسلمين التي أُطلق عليها «الزحف الأخضر»، وبافتعال أزمة الطلب المتعاظم للعملات الأجنبية، بهدف قطع الطريق أمام الفترة الانتقالية.
وقريباً من الربط بين الأحداث الذي أوضحه خلف، فإن وسائط التواصل الاجتماعي السودانية وصفت ما يحدث بأنه «مؤامرة مخطّطة من فلول نظام الإخوان»، لتهيئة الأجواء لفتنة سياسية، ويقول نشطاء إن الاحتجاجات التي شهدتها مدينة ود مدني وسط البلاد، وما صاحبها من عنف، والفتنة القبلية في شرق السودان (بورتسودان)، وغربه (الجنينة)، التي خلفت عشرات القتلى والجرحى، كلها تعمل في تناغم مع «تمرد قوات هيئة العمليات».
ويوضح النشطاء أن العمليات المنسقة تهدف جميعها لإجهاض الثورة السودانية، وإعداد المسرح لانقلاب تقوم به جماعة الإخوان، الذي لمح إليه نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، عشية الأحداث بتحميل مدير المخابرات المقال أبو بكر دمبلاب بالوقوف المسؤولية عن التمرد، ومدير الجهاز الأسبق «صلاح قوش» الهارب والمطلوب بالبوليس الدولي (الإنتربول).



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.