حكومة حمدوك أمام «مطبات» الانتقال

سياسيون واقتصاديون اتهموا «الإخوان» بالعمل على تخريب الاقتصاد والإخلال بالأمن {تمهيداً لانقلاب}

عبد الله حمدوك (رويترز)
عبد الله حمدوك (رويترز)
TT

حكومة حمدوك أمام «مطبات» الانتقال

عبد الله حمدوك (رويترز)
عبد الله حمدوك (رويترز)

يربط مراقبون وسياسيون سودانيون بين الانخفاض الكبير والمفاجئ في سعر صرف الجنيه السوداني، وتمرّد قوات هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات، واحتجاجات أنصار نظام المعزول عمر البشير، في عدد من مدن البلاد، ويصفونها بأنها مخطط إخواني شرير، يسعى لزعزعة الأمن وإثارة الفتنة لترتيب المسرح لعودتهم لحكم البلاد من جديد، ويعتبرون الانخفاض المفاجئ في سعر صرف الجنيه «مضاربة سياسية».
وتواجه الحكومة الانتقالية السودانية، برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، تحديات ومطبات كثيرة، عرفت بين مكوناتها بـ«مطلوبات الانتقال»، وعلى رأسها تحقيق السلام، ووقف الحرب، وتوفير الأمن والاستقرار، وإعادة بناء الاقتصاد ووقف انهياره ومترتباته الممثلة في الضائقة المعيشية الخانقة، فضلاً عن مهمة تصفية وتفكيك نظام الإنقاذ واسترداد الدولة.
وقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في حوار بثَّه التلفزيون الرسمي، يوم الثلاثاء، إن حكومته تملك خططاً وبرامج لمعالجة الأزمات التي تواجه البلاد، بيد أنه أشار إلى ما سمّاه «ارتفاع سقف التوقعات»، من قبل المواطنين، وتعهّد بتقديم تجربة سودانية لإعادة البناء تلفت نظر العالم، مثلما لفتت نظره ثورة الشعب السلمية، ورأى في حسم تمرد هيئة العمليات الأخير تأكيداً للعمل المشترك بين مكوني الحكومة المدني والعسكري والثقة المتبادلة بينها.
وشهدت البلاد «هزة اقتصادية مباغتة» أدَّت لانخفاض سعر صرف الجنيه السوداني بصورة غير منطقية، انخفض بموجبها سعر صرفه من نحو 90 جنيهاً للدولار إلى مائة جنيه للدولار الواحد في بحر أيام، وهو ما وصفه عضو اللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير، المتحدث باسم «حزب البعث العربي الاشتراكي» عادل خلف الله بأنه «مضاربة سياسية» في العملات الأجنبية تهدف لزعزعة الأوضاع في البلاد.
وقبلها شهدت الخرطوم ومدن أخرى في البلاد هزّة أمنية عنيفة، بسبب تمرد مسلحين تابعين لهيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات السابق، الذين أطلقوا الرصاص العشوائي من مقرات الهيئة، ما تسبب في حالة من الزعر بين المدنيين، واضطرت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع لاقتحام تلك المواقع مستخدمة الأسلحة الثقيلة التي روعت أمسية وصباح المدينة المبكر. وأوضح خلف الله لـ«الشرق الأوسط»، أن معركة شعب السودان الذي أسقط أحد أشرس الديكتاتوريات في التاريخ تبدأ بعد مرحلة الإسقاط، وقال: «هذا التشخيص ينبع من طبيعة الوعي بالنظام الذي استولى على السلطة بالانقلاب في 1989، لقطع الطريق أمام تنفيذ اتفاق السلام».
وأضاف: «النظام الذي أسقطه الشعب كان مسنوداً بقوة عقائدية تعبر عن مصالح محدودة اجتماعياً واقتصادياً تتمثل في الرأسمالية الطفيلية وبرنامجها في السيطرة والهيمنة على مقدرات البلاد، تحت برنامجها الذي أطلقت عليه (المشروع الحضاري)، والذي حصنته بما أطلقت عليه (إجراءات التمكين)».
ويقطع خلف بأن الحكومة الانتقالية لا تملك عصاً سحرية لمعالجة مطلوبات الانتقال، بقوله: «لا البرهان ولا حمدوك يملك عصا موسى، لأن الانتقال من الهيمنة العقائدية ليس هيناً»، واستدرك: «لكنه ليس بالعصي بالنسبة للشعب السوداني وجسارته في مواجهة المعضلات».
ويرى خلف الله أن تحدي الاقتصاد والسلام، هي أبرز تحديات السلطة الانتقالية الحالية، ويقول: «كان للتحدي الاقتصادي دور حاسم في نجاح الانتفاضة الشعبية، لأن الرأسمالية الطفيلية أوغلت تبعية اقتصادية دمرت مقومات الاقتصاد السوداني، ونهبت مقدراته، وأكملت تصفيته لمصلحة نافذين، أوصل البلاد لمعدل نمو سالب».
وقال خلف الله إن نظام «الإخوان» أثقل البلاد بدين داخلي وخارجي، لم يتم توظيفه في مشروعات تنموية، وأهدر عائدات «الفترة النفطية» دون وضع صندوق سيادي للأجيال أو تسخير عائداتها الضخمة في إنعاش الاقتصاد وإقامة البني التحتية.
ورأى أن الأوضاع الاقتصادية في البلاد تمثل تحدياً يتطلب جملة إجراءات، بينها العاجل والبديل، وأن المخرج من الأزمة الاقتصادية يمر عبر تفكيك الركائز المادية والقانونية والمؤسسية ومصالح وامتيازات النظام القديم التي تكرست خلال حكمه البالغ 30 عاماً.
ويعتبر خلف التصدي لـ«التمكين»، واسترداد الأموال المنهوبة وملاحقتها في الداخل والخارج، ومراجعة أصول الدولة واسترداد مقدراتها، واحدة من البوابات الكبرى لاستعادة الاقتصاد والنهوض به، ويقول: «كل شركات ومؤسسات القطاع العام تم تحويلها لمصلحة النافذين في النظام السابق، عبر الخصخصة والتخلص من مؤسسات القطاع العام».
ويطالب بإحداث قطيعة بين النهج الذي أدى لما سماه بـ«النتائج الكارثية»، المتمثل في نهج التبعية والرضوخ لسياسات، ووصفات «صندوق النقد الدولي» و«البنك الدولي»، ويقول: «المدخل الصحيح للإصلاح يتمثل في الرهان على مقدرات اقتصاد البلاد، والاعتماد على ثرواتها المتعددة، لتعظيم مصادر النقد الأجنبي».
ويدعو خلف الله لتوظيف «الميزات التنافسية النسبية للصادرات السودانية، بإضافة قيمة لها بتصنيعها، وللتوسع في زراعة المحاصيل لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتنويع الصادر»، ويقول: «هناك ضرورة لإنشاء بورصة للمحاصيل وبورصة للذهب والمعادن، وتأهيل شركات القطاع العام، وفي مقدمتها شركة الصمغ العربي، وشركة المحاصيل الزيتية، وشركة الأقطان، وتكوين شركة مساهمة عامة للعمل في مجال التعدين، مع تشجيع القطاع الخاص بعد تحريره مما أحدثته سياسات الرأسمالية الطفيلية فيه».
وشهدت موازنة عام 2020 التي أجيزت، الشهر الماضي، عملية شد وجذب بين وزير المالية إبراهيم البدوي الذي أعد موازنة تقوم على «رفع الدعم» عن المحروقات والخبز، والاستعاضة عنها بما أطلق عليه «دعم مباشر للمستحقين»، و«قوى إعلان الحرية والتغيير» الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية، التي لم يلقَ مشروع الموازنة القبول منها، فتم التوصل لتوافق على موازنة لثلاثة أشهر، ويتم إعادة النظر في موازنة التسعة أشهر المتبقية من العام.
ويقول خلف الله: «في أغلب مناقشاتنا مع وزير المالية طرحنا هذه الأفكار، لكن مشروع الموازنة ركز على رفع الدعم»، بيد أنه يجد العذر له مستطرداً: «فيما يبدو أن ضيق وقت إعداد الموازنة، وعدم اتخاذ الوزارة نفسها لإجراءات محددة، قدمت موازنة بمنهجية ما قبل الثورة»، ويتابع: «تم الاتفاق على اعتماد موازنة خالية من الوصفة التقليدية لسياسات التحرير حتى مارس (آذار) المقبل، والتحضير لمؤتمر اقتصادي تحشد له الكفاءات للخروج بتصور يشكل مدخلاً لإكمال التسعة أشهر المتبقية، وسياسات بديلة للسنتين المتبقيتين من عمر الفترة الانتقالية».
وفي سياق تحديات المرحلة الانتقالية، روعت الخرطوم ومدن أخرى في البلاد 14 يناير (كانون الثاني) الحالي، بأصوات الرصاص والقذائف التي أطلقتها قوات «هيئة العمليات» التي كانت تتبع لجهاز المخابرات العامة، احتجاجاً على عدم كفاية الحقوق التي منحت لأفراد القوة بعد تسريحها.
وقبل أشهر، تقرر حل هيئة العمليات إثر هيكلة جهاز المخابرات وتحويله لجهاز لجمع المعلومات وتحليلها، وخير أفرادها بين الانضمام للجيش أو قوات الدعم السريع أو التسريح، واختارت الغالبية العظمى منهم التسريح، بيد أنهم تمردوا، تحت ذريعة عدم كفاية الحقوق الممنوحة لهم، ما أثار موجة من الرعب والاضطراب الأمني في البلاد.
وصف وزير الإعلام المتحدث باسم الحكومة فيصل محمد صالح أحداث التمرّد بأنها «مؤسفة»، لكنه أكد أنها «غير مفاجئة»، بقوله: «موضوع هيئة العمليات كانت متصاعداً منذ فترة، بسبب تقصير جهاز المخابرات العامة في حسم الملف في وقت مبكر، وبأقل الخسائر».
وأوضح صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التمرُّد برغم الخسائر التي صحبت القضاء عليه، كانت له جوانب إيجابية، تتمثل في حسم الملف تماماً بالمواجهة العسكرية، بما قطع الطريق أمام أي حوار أو نقاش حول الملف بصورة نهائية.
وأشار صالح إلى أن المواجهة والتمرد فتحت العيون ونبهت لخطورة وجود وحدات قتالية في أجهزة ذات طابع يفترض ألا يكون مسلحاً، وأهمية إسناد المهام القتالية على القوات المسلحة وحدها، وإلى ما سماه «تغييراً إيجابياً» في قيادة جهاز المخابرات العامة، أنها في الوقت ذاته أظهرت تماسك ووحدة المكون العسكري والمدني في الحكومة الانتقالية.
ولا يستبعد صالح وقوف جهات تستهدف الحكومة الانتقالية خلف العملية، ويرى أنه واحد من الأشياء المحتملة، ويقول: «لا يُستبعد أن يكون قد تم استغلال المطالب سياسياً، وتم تحريضهم من قبل جهات معادية للحكومة وللوضع الانتقالي الجديد».
غير بعيد عما ذهب إليه صالح، فإن خلف الله يصف تمرّد قوات هيئة العمليات بأنه «محاولة انقلابية» كاملة مرتبطة بما سماه «المضاربة السياسية»، التي أدّت لتدنٍّ مفاجئ في سعر صرف العملة الوطنية (الجنيه)، وأنها مرتبطة بمظاهرات الإخوان المسلمين التي أُطلق عليها «الزحف الأخضر»، وبافتعال أزمة الطلب المتعاظم للعملات الأجنبية، بهدف قطع الطريق أمام الفترة الانتقالية.
وقريباً من الربط بين الأحداث الذي أوضحه خلف، فإن وسائط التواصل الاجتماعي السودانية وصفت ما يحدث بأنه «مؤامرة مخطّطة من فلول نظام الإخوان»، لتهيئة الأجواء لفتنة سياسية، ويقول نشطاء إن الاحتجاجات التي شهدتها مدينة ود مدني وسط البلاد، وما صاحبها من عنف، والفتنة القبلية في شرق السودان (بورتسودان)، وغربه (الجنينة)، التي خلفت عشرات القتلى والجرحى، كلها تعمل في تناغم مع «تمرد قوات هيئة العمليات».
ويوضح النشطاء أن العمليات المنسقة تهدف جميعها لإجهاض الثورة السودانية، وإعداد المسرح لانقلاب تقوم به جماعة الإخوان، الذي لمح إليه نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، عشية الأحداث بتحميل مدير المخابرات المقال أبو بكر دمبلاب بالوقوف المسؤولية عن التمرد، ومدير الجهاز الأسبق «صلاح قوش» الهارب والمطلوب بالبوليس الدولي (الإنتربول).



مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.


حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
TT

حراك يمني لتعزيز الشراكة الدولية والقدرات العسكرية والإدارية

العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)
العليمي استقبل وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط (سبأ)

كثّفت القيادة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والعسكرية والتنفيذية، ضمن مساعيها لتثبيت مسار التعافي، وتعزيز حضور الدولة، وبعث رسائل طمأنة للشركاء الدوليين حول جدية الإصلاحات، ووحدة القرار السياسي والأمني، وقدرة الحكومة على إدارة المرحلة المقبلة.

وخلال سلسلة لقاءات أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، وأعضاء المجلس، ورئيس الحكومة، أن اليمن اليوم أقرب إلى الاستقرار مما كان عليه خلال السنوات الماضية، وأن الدعم الدولي في هذه المرحلة سيصنع الفارق الاستراتيجي، ليس لليمن فحسب، بل لأمن المنطقة والممرات المائية الدولية.

ووصف العليمي، خلال لقائه القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة لدى اليمن جوناثان بيتشا، الشراكة التاريخية مع واشنطن بأنها «تمثل ركيزة أساسية في دعم الشرعية اليمنية، ومكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الإقليمي والدولي».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني استقبل القائم بأعمال السفارة الأميركية (سبأ)

وثمّن رئيس مجلس القيادة اليمني الموقف الأميركي الحازم تجاه الحوثيين، والضغوط القصوى المفروضة على النظام الإيراني، عادّاً ذلك جزءاً من حماية النظام الدولي القائم على القواعد، ومنع تقويض الاستقرار في المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات الأوضاع الداخلية، حيث استعرض العليمي ما وصفه بالمؤشرات الإيجابية، وفي مقدمها تشكيل حكومة جديدة وفق معايير الكفاءة والسجل المهني، مع تمثيل جيد للمرأة والشباب، إلى جانب التحسن الملموس في الخدمات الأساسية، وانتظام صرف الرواتب، ومعالجة ملف الكهرباء، وإنهاء عسكرة المدن، وتوحيد القرار الأمني والعسكري تحت وزارتي الدفاع والداخلية.

وجدد رئيس مجلس القيادة التأكيد على التزام المجلس والحكومة بسلام عادل ودائم، ينهي الحرب ولا يشرعن السلاح خارج إطار الدولة.

توحيد القرار

وفي لقاء منفصل، استقبل العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط هاميش فالنكوفر، بحضور رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني، حيث جرى بحث العلاقات الثنائية وأولويات الدعم البريطاني والدولي لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية.

وأشاد رئيس مجلس القيادة اليمني بالمواقف البريطانية الثابتة إلى جانب الدول الوطنية، ودورها داخل مجلس الأمن بعدّها «حامل القلم»، وشريكاً مسؤولاً في صياغة حلول سياسية واقعية ومستدامة. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأوضح العليمي أن التحولات التي شهدها اليمن بدعم سعودي تؤكد أن الحديث عن فراغ أمني بعد إنهاء الترتيبات الموازية كان «سردية مضللة»، مشدداً على أنه لا يمكن بناء سلام دائم في ظل مراكز قرار متعددة.

وشدد رئيس مجلس الحكم اليمني على أن توحيد القوات تحت وزارتي الدفاع والداخلية يمثل الضامن الأساسي للأمن والاستقرار، ومكافحة الإرهاب، ونجاح أي عملية سياسية، مؤكداً أن استقرار اليمن مدخل حاسم لاستقرار المنطقة وتأمين الملاحة الدولية.

جاهزية عسكرية وإصلاحات

على الصعيد العسكري، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، خلال لقائه قيادات عسكرية بارزة على رأسهم رئيس هيئة الأركان صغير بن عزيز، على أهمية الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق العملياتي لمواجهة المشروع الإيراني وأدواته المتمثلة بالحوثيين.

وأشاد صالح بأداء القوات العسكرية، مؤكداً أن تضحياتها تشكل الركيزة الأساسية لتحقيق النصر واستعادة الدولة، مثمّناً في الوقت ذاته دور التحالف بقيادة السعودية في دعم القوات اليمنية، وجهوده الإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مجتمعاً مع قادة عسكريين رفيعين (سبأ)

وفي ملف الخدمات، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي أهمية الارتقاء بقطاع النقل، مشيداً بالدعم السعودي المتواصل، خصوصاً مشروع المرحلة الثالثة من تأهيل مطار عدن الدولي بكلفة تتجاوز 12 مليون دولار، وتدشين خط جوي جديد بين جدة وسقطرى.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء وزير الخارجية شائع الزنداني أن الحكومة تعمل على إعداد برنامج حكومي عام قصير حتى نهاية العام، يركز على الأولويات العاجلة التي تمس حياة المواطنين مباشرة.

جاء ذلك خلال استقباله السفيرة الفرنسية لدى اليمن، التي أكدت دعم باريس الكامل للحكومة الجديدة، فيما شدد الزنداني على أهمية الشراكة مع فرنسا بعدّها شريكاً فاعلاً في دعم الشرعية والسلام والاستقرار.


العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
TT

العليمي يرسم خريطة عمل حكومة الزنداني ويحذر من الفشل

العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)
العليمي يرأس أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني (سبأ)

في أول اجتماع لحكومة شائع الزنداني عقب أدائها اليمين الدستورية، لم تُستقبل بخطاب تهنئة بروتوكولي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، بقدر ما وجدت نفسها أمام برنامج عمل صارم، يمكن عدّه وثيقة توجيه سياسي واقتصادي وأمني، ترسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحدد بوضوح معايير النجاح والفشل.

العليمي الذي ترأس الجلسة الأولى لمجلس الوزراء تحدث بلغة مباشرة، محمّلاً الحكومة مسؤولية مضاعفة في ظرف استثنائي؛ إذ أكد أن البلاد لم تعد تحتمل إدارة تقليدية أو حلولاً مؤقتة، قائلاً: «ندرك جميعاً أن المهمة ليست سهلة، لكن ليس أمامكم سوى خيار واحد: العمل، ثم العمل، ثم العمل».

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على مفهوم «صناعة النموذج» بوصفه جوهر المهمة الحكومية، عادّاً أن الحكومة الجديدة «ليست مجرد تغيير أسماء أو تدوير مواقع؛ بل رسالة سياسية تهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع».

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وقال إن «صناعة النموذج، مع استعادة ثقة المواطنين والأشقاء والأصدقاء، جزء لا يتجزأ من المعركة الوطنية، وليس مساراً منفصلاً عنها»، في إشارة إلى أن الأداء الحكومي بات ساحة مواجهة موازية للصراع مع الميليشيات الحوثية.

وأوضح أن الحكومة تحمل بعداً أوسع للشراكة، ونقلاً تدريجياً لصناعة القرار إلى جيل جديد، مضيفاً أن الرهان الحقيقي على الشباب والنساء؛ «ليس فقط لإنجاح التجربة، بل لفتح الطريق أمام أجيال متعاقبة، وبناء مسار أوسع للشراكة القابلة للاستمرار».

محددات اقتصادية وأمنية

واحتل الملف الاقتصادي صدارة توجيهات العليمي، الذي ربط بين الاستقرار الاقتصادي وبقاء الدولة، مؤكداً أن تنمية الموارد أولوية لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية؛ «بل هي شرط أساسي لإحداث تغيير حقيقي في ميزان القوى».

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن المعركة «لم تعد مقتصرة على ميليشيا الحوثيين الانقلابية؛ بل تشمل اختلالات متراكمة، وفقراً متصاعداً، وتضخماً أنهك المواطنين، وفقداناً للثقة بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد بعدالة وكفاءة».

وقال: «هدفنا العام في هذه المرحلة هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي، والتخفيف من معاناة المواطنين»، من خلال دعم استقلالية «البنك المركزي»، وحماية العملة الوطنية، وضمان حد أدنى من اليقين الاقتصادي.

وزراء حكومة الزنداني مع العليمي عقب تأدية اليمين الدستورية (سبأ)

وشدد على أن كبح التضخم، واحتواء تآكل القوة الشرائية، هما «المعيار اليومي الذي يقيس به المواطن صدقية الدولة»، مؤكداً أن ذلك يتطلب «انضباطاً مالياً صارماً، وموازنة واقعية، وتوريداً كاملاً للإيرادات إلى حساب الدولة»، مضيفاً: «لا يمكن الحديث عن دولة بينما يتم استنزاف مواردها خارج خزينتها العامة».

وفي المحور الأمني، أعاد العليمي التأكيد على أنه «لا دولة بلا أمن، ولا أمن دون مؤسسات عادلة»، رافضاً السرديات التي تتحدث عن فراغ أمني، وعدّها «محاولة لإرباك الثقة، واستهدافاً للجهود الإقليمية، خصوصاً الدور السعودي في توحيد القرار الأمني والعسكري».

وأكد على مسؤولية وزارة الداخلية في تعزيز حضورها الأمني، ليس شكلياً؛ «بل عبر انتشار مدروس يستهدف مناطق الضعف ومصادر العنف»، داعياً إلى الانتقال من رد الفعل إلى العمل الاستباقي.

وقال: «الأمن الذي نريده ليس استعراض قوة، بل هو سيادة قانون، وانضباط مؤسسي، ورسالة طمأنينة يومية يشعر بها الناس في حياتهم»، مع التشديد على «حماية الحريات العامة، وموظفي الإغاثة، وتجريم الخطاب الطائفي والمناطقي».

الاختبار العملي

وشدد العليمي على أن جعل عدن عاصمة حقيقية للدولة يمثل اختبار الجدية الأول للحكومة، مشيراً إلى أن إحداث الفارق لن يتحقق إلا عبر 3 محاور متلازمة؛ هي «الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، والأمن وسيادة القانون، والخدمات».

ودعا إلى عودة الحكومة فوراً إلى الداخل، والانتظام في اجتماعاتها، وعدم تسييس الخدمات تحت أي ظرف، «باستثناء ما يتعلق بمنع استفادة الميليشيات الحوثية، وهو أمر محسوم بقرارات دولية».

وأكد أن المواطن لا يعنيه من ينتصر سياسياً؛ «بل من يدفع الرواتب، ومن يوفر الكهرباء والماء، ويضبط الأسعار، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار»، محذراً بأن أي انقسام داخل الحكومة سينعكس مباشرة على حياة الناس.

الزنداني يؤدي اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية (سبأ)

وأولى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني اهتماماً خاصاً بالشراكة مع السعودية، واصفاً إياها بأنها ليست علاقة عاطفية؛ بل «طريقنا الآمن للمستقبل»، وبأنها تقوم على المصالح والمصير والأمن المشترك.

وأكد أن الدعم السعودي أسهم في تحسن الخدمات خلال الأسابيع الماضية، داعياً إلى «البناء عليه، والاستفادة المثلى من المنح والمساعدات عبر القنوات الرسمية، بما يعزز الثقة بالعهد الجديد».

من جهته، عدّ رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن توجيهات العليمي تمثل محددات واضحة لعمل الحكومة، مؤكداً التزامها «العمل المؤسسي، وتعزيز الرقابة، وعدم التهاون مع أي تجاوز للقانون، واستغلال الفرصة التاريخية لاستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب».