احتجاجات السويداء تتمسك بـ«مطالب معيشية» وتبتعد عن السياسة

السجن 7 سنوات لمن يتعامل بالعملات الأجنبية

من التظاهرة الاحتجاجية في السويداء أمس (أخبار السويداء)
من التظاهرة الاحتجاجية في السويداء أمس (أخبار السويداء)
TT

احتجاجات السويداء تتمسك بـ«مطالب معيشية» وتبتعد عن السياسة

من التظاهرة الاحتجاجية في السويداء أمس (أخبار السويداء)
من التظاهرة الاحتجاجية في السويداء أمس (أخبار السويداء)

تواصلت لليوم الرابع، أمس، المظاهرات في محافظة السويداء جنوب سوريا تحت شعار «بدنا نعيش»، احتجاجاً على ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية إلى حد العدم، وسط التزام المشاركين بالشعارات «المطلبية، والابتعاد عن الشعارات السياسية»، وتأكيدات بأن «الفقر» هو السبب وراء هذه المظاهرات.
وتحدثت صفحة «السويداء 24» على موقع «فيسبوك» عن خروج احتجاجات لليوم الرابع على التوالي، تندد بالأوضاع الاقتصادية، في مدينة السويداء، وجابت أسواق المدينة وسط هتافات تندد بانهيار الليرة السورية، وبالفساد الحكومي، وتطالب بتحسين الأوضاع المعيشية.
وأشارت إلى خروج مجموعة مواطنين للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية المتردية، مقابل مبنى المحافظة وسط مدينة السويداء تحت شعار «بدنا نعيش»، ولفتت إلى أن بين هؤلاء «شباناً وصبايا، بالإضافة لرجال وأطفال»، رفعوا لافتات: «ما معنا سلاح وبارود معنا حق ما بموت»، و«حاربتونا بلقمتنا انتوا اخترتوا طلعتنا» وهتفوا لإسقاط الفساد.
وأوضحت الصفحة، أن المظاهرة أمام مبنى المحافظة بدأت بتقديم رسالة سلام، للتأكيد على «سلمية المحتجين». وعرضت مقطع فيديو يظهر مشاركين اثنين يتقدمان إلى أمام مبنى المحافظة، وبيد كل واحد منهما وردة بيضاء، ويضعانها على الأرض أمام عناصر الشرطة التي تحرس مبنى المحافظة.
كما عرضت الصفحة مقطع فيديو لمحتجين في المدينة أمام شركة اتصالات «سيرياتيل» التي كان يملكها رجل الأعمال رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد، ويهتفون: «يا مخلوف ويا شاليش حلوا عنا بدنا نعيش»، إضافة لهتاف آخر أمام مبنى المحافظة: «إسلام ومسيحية، دروز وسنّة وعلوية، بدنا عيشة هنية». ونقلت الصفحة عن مراسلها تأكيده «تفاعل المواطنين مع المحتجين الذين يُقدّر عددهم بالعشرات، حيث قدم بعض المواطنين لهم فطائر وطعاماً في الساحة»، وإن «لم تحدث أي حالات شغب أو احتكاك مع الأجهزة الأمنية، وسط استمرار المحتجين بالهتافات».
وعرضت الصفحة صوراً لشباب وفتيات من المشاركين في الاحتجاجات وهم ينظفون ساحة المحافظة قبيل انصرافهم منها، بعدما اتفقوا على تجديد الاحتجاج اليوم (الأحد) الساعة الواحدة ظهراً في المكان ذاته، للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية، ومحاربة الفساد لدى الحكومة.
وكانت المظاهرات في مدينة السويداء خرجت الأربعاء الماضي، وتجمعت في ساحة السير أمام مبنى المحافظة بسبب تفاقم الأزمات المعيشية الناجمة عن التدهور الحاد في قيمة الليرة السورية وارتفاع الأسعار، وتوالت يومي الخميس والجمعة، وامتدّت إلى مدينة شهبا شمال السويداء، حيث رفع المشاركون أرغفة خبز كتبوا عليها «بدنا نعيش»، وهتفوا لطرطوس وحماة وحمص ودرعا واللاذقية ودمشق: «لا تنامي تعي شوفي الكرامة».
وأغلق سعر صرف الدولار في السوق السوداء بدمشق مساء أمس على 1200 ليرة مقابل الدولار، بعد أن كان وصل إلى 1300 ليرة الجمعة، ليتراجع بذلك أكثر من 22 ضعفاً عما كان عليه قبل الحرب حيث كان حينها ما بين 45 و50 ليرة، ما شل حركة السوق تماماً، وسط صمت حكومي، وزاد من معاناة الغالبية العظمى من المواطنين.
التدهور المتسارع في سعر صرف الليرة في كل مرة كان يترافق مع موجة ارتفاع جديدة في أسعار معظم المواد الأساسية، لتزداد الأسعار أكثر من 22 ضعفاً منذ بدء الحرب، أي بنسبة بلغت 2400 في المائة.
وتجاوزت نسبة ارتفاع الأسعار في ظل التدهور الأخير لسعر الصرف أكثر من 100 في المائة؛ إذ يصل سعر كيلو السكر حالياً إلى 600 ليرة، بعد أن كان بنحو 250 عندما كان سعر الصرف 683، في سبتمبر (أيلول) الماضي، بينما قفز سعر «الفروج المشوي» من 2000 ليرة إلى 4000. وكيلو لحم الخروف إلى أكثر من 12 ألف ليرة بعد أن كان ما يقارب 7 آلاف.
ويتراوح متوسط رواتب وأجور العاملين في القطاع العام بين 20 ألف ليرة (أقل من 20 دولاراً) و40 ألف ليرة (أقل من 40 دولاراً) شهرياً، وفي القطاع الخاص بين 100 ألف ليرة (أقل من 100 دولار) و150 ألف ليرة (نحو 130 دولاراً) شهرياً، في حين يحتاج الفرد إلى أكثر من 100 ألف ليرة للعيش بالحد الأدنى، بينما تؤكد دراسات وتقارير أن أكثر من 93 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر.
وتحدثت لـ«الشرق الأوسط» عدة مصادر أهلية من محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، عن أن السبب الرئيسي لخروج الناس في المظاهرات هو «الفقر الذي بات يعاني منه الناس، ذلك أن مرتب الموظف بات لا يكفي سوى لأربعة أيام». وأشارت المصادر إلى أن ما يؤكد ذلك هو «التزام المشاركين بالشعارات المطلبية بتحسين مستوى المعيشية ومكافحة الفساد، والابتعاد عن الشعارات السياسية»، وهو الأمر الذي سحب الذريعة من السلطات من أن تقوم بأي رد فعل قمعي تجاه المتظاهرين، كما كان يحصل عند انطلاق الاحتجاجات عام 2011.
وبعدما نشرت «وكالة الأنباء السورية» الرسمية (سانا) في اليوم الأول للمظاهرات وعلى غير عادة الإعلام الرسمي خبراً مقتضباً مفاده أن عدة أشخاص تجمعوا في ساحة السير: «اعتراضاً على الواقع المعيشي»، وهتفوا «بدنا نعيش»، تجاهلت أنباء تواصل المظاهرات في المحافظة في الأيام التالية.
وفي السياق ذاته أصدر الرئيس السوري بشار الأسد مرسوماً تشريعياً السبت يقضي بالحبس لمدة سبع سنوات وغرامة مالية بمقدار ضعف قيمة المدفوعات لأي نوع من أنواع التداول التجاري أو التسديدات النقدية وسواء كان ذلك بالقطع الأجنبية أم المعادن الثمينة.
ويقضي المرسوم الذي نشر على مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للرئاسة السورية بتعديل العقوبة بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن سبع سنوات وغرامة مالية بما يعادل ضعف قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به أو المسدد أو الخدمات أو السلع المعروضة.
وكانت العقوبة في السابق الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات والغرامة المالية بما يعادل ضعف قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به أو المسدد أو الخدمات أو السلع المعروضة على ألا تقل عن مائة ألف ليرة سوريا أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ونص المرسوم على أنه في حال كان المبلغ المتعامل به خمسة آلاف دولار فأكثر أو ما يعادله من العملات الأجنبية الأخرى أو المعادن الثمينة كانت العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة من ثلاث إلى عشر سنوات والغرامة المالية بما يعادل ضعف قيمة المدفوعات أو المبلغ المتعامل به أو المسدد على ألا تقل عن مليون ليرة سورية. وكانت وزارة الداخلية السورية حذرت في بلاغ لها الجمعة من التعامل بغير الليرة السورية، في التداول التجاري، كما توعدت بملاحقة المتلاعبين بأسعار الصرف أمام العملات الأجنبية. وأكدت الوزارة عبر حسابها في مواقع التواصل الاجتماعي تكثيف دورياتها لمراقبة الشركات والمحال والأشخاص، في محاولة لقمع الظاهرة وضبط المخالفين داعية المواطنين التعاون معها، لـ«مكافحة الجرائم الاقتصادية التي تمس حياة المواطن». وتدهورت قيمة الليرة السورية بشكل حاد خلال الشهرين الماضيين تزامناً مع فرض الولايات المتحدة الأميركية ودول غربية حزمة من العقوبات الاقتصادية على حكومة النظام السوري.
كما لعبت الأزمة الاقتصادية في المصارف اللبنانية دوراً في تراجع قيمة الليرة السورية، بسبب صعوبة سحب رجال الأعمال السوريين أموالهم التي تم إيداعها خلال السنوات الماضية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.