سوريا بقعة سوداء للعمل الصحافي... و39 حالة انتهاك في شمال شرقي البلاد

الصحافيون في مرمى نيران المعارك العسكرية

الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي
الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي
TT

سوريا بقعة سوداء للعمل الصحافي... و39 حالة انتهاك في شمال شرقي البلاد

الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي
الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي

سوريا؛ بقعة سوداء على خريطة التصنيف العالمي لحرية الصحافة، بحسب منظمة «مراسلون بلا حدود». تعددت الانتهاكات، والمحصلة إسكات عدسة صوت الحق. منهم من قضى نحبه وهو يحاول التقاط صورة أو نقل ما يجري على أرض الواقع، والبعض اختُطف أو اختفى قسراً، ولا يزال مصيره منذ سنوات غير معروف، وكثيرون مَن هم بالسجن ينتظرون العدالة، وهناك آخرون منعوا من مزاولة المهنة، أو كسرت معداتهم، وفي أحسن الأحوال أُجبروا على النفي وترك بلدهم.
ولتسليط الضوء على واقع الإعلاميين العاملين في مهنة أشبه بحقل ألغام، أصدر «اتحاد الصحافيين الكُرد السوريين» تقريره السنوي بداية الشهر الحالي، ورصد عبر جداوله 39 حالة انتهاك، توزعت على أربع حالات قتل، بعد استهداف الصحافيين من طيران الجيش التركي وقصف مدفعيته، مع سقوط 14 جريحاً، و4 حالات تعرضت للتهديد أو الاعتداء بالضرب، وهناك حالتان تم منعهما من العمل، مع ثلاث حالات اعتقال. ولا يزال مصير الصحافي الكردي فرهاد حمو، مراسل قناة «رووداو» الكردية غير معروف. وهي الحالة الوحيدة للاختفاء القسري، والمستمرة منذ ست سنوات. وهناك 10 حالات اعتداء على منازل وممتلكات الصحافيين.
«اتحاد الصحافيين الكُرد» مؤسسة إعلامية كردية مستقلة، تضم إعلاميين وصحافيين من أكراد سوريا، تأسست في شهر مارس (آذار) 2013، في مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا.
وعن آليات التوثيق ومنهجية العمل، يقول الصحافي علي نمر، مدير مكتب الانتهاكات بالاتحاد: «نعتمد على أعضاء الاتحاد الذين يعملون على الأرض، بالإضافة للبلاغات التي تردنا من الزملاء ومطابقتها للمعاير الدولية، وبعد التأكد من صحتها وتدقيقها، توثق في جداول الانتهاك».
وبقيت منطقة شرق الفرات الأكثر أمناً لعمل الصحافيين، حتى التوغل التركي في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، بمشاركة فصائل سورية مسلحة موالية؛ استهدفت المراسلين الصحافيين: «بغية تخويفهم ومنعهم من رصد وتصوير وتوثيق انتهاكاتهم، معلنين حرباً مفتوحة ضد رُسل الحقيقة» بحسب الصحافي علي نمر.
ويقوم الاتحاد بإرسال نسخة من التقارير والبيانات إلى منظمة «مراسلون بلا حدود»، والجهات الصحافية السورية والدولية الشريكة.
وأضاف: «نحاول التواصل مع مختلف الجهات المختصة في رصد الانتهاكات التي تطال الإعلاميين، لنقل الصورة الصحيحة بكل حيادية ومهنية».
ويروي ثلاثة صحافيين يوميات الحرب الدائرة في شمال شرقي سوريا. فعلى الرغم من المخاطر التي تهدد سلامتهم؛ نقلوا للعالم أحداثاً وروايات وصوراً عما جرى في مسقط رأسهم.
الصحافية رنكين شرو، تعمل مراسلة لقناة «رووداو» الكردية، وهيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» الأميركية، ومحمد حسن مراسل قناة «روسيا اليوم»، عايشوا لحظات الحرب، وقدموا قصصاً وتقارير مرئية عن الفظائع والجرائم التي ارتكبتها الجهات المعتدية على تراب بلدهم منذ تسع سنوات.
تقول رنكين إن الظروف هي التي تفرض اختيار الشخصية المناسبة لتجسيد القصة الإخبارية: «أنا شخصياً أتبع البساطة والعفوية في عملي، ولا أرتب أو أملي ما يقدمه الضيف في التقرير، بهدف إيصال الفكرة عبر صورة مبسطة إلى المشاهد تكون قريبة من هذه البيئة».
واعتبر هيبار منطقة شرق الفرات ليست استثناءً من محيطها السوري، فالإعلاميون يتعرضون إلى انتهاكات من جميع الأطراف المتصارعة في هذه الجغرافيا: «بدءاً من القوات الأمنية التابعة للإدارة الذاتية، والأجهزة الأمنية المرتبطة بالنظام السوري، والفصائل السورية الموالية لأنقرة».
بينما نقل محمد أن عمله يعتمد بالدرجة الأولى على أسلوب «الكاميرا تتحدث»، وقال: «أذهب إلى الموقع، ثم أشاهد ما تراه عيني، بعدها أجري لقاءات عشوائية، وأخُرج تقريري حسبما يقوله الضيوف المدنيون. وهم بالعادة أكثر صدقاً من كبار قادة السياسة».
تحتاج النساء العاملات في المجال الإعلامي إلى إرادة قوية، لمواجهة نيران المعارك الصديقة والمعادية في هذا القطاع. تقول المراسلة الميدانية رنكين شرو: «مفتاح العمل الصحافي في كل بقعة جغرافية، فهم خريطة وتوزع الجهات العسكرية. فالتغطية الحربية بحد ذاتها خطرة، وتحتاج إلى جرأة ودعم المؤسسة والأهل»، دون أن تخفي مصاعب العمل الصحافي في منطقة يتحدر منها الصحافي. وتابعت رنكين قائلة: «عندما يرتبط الحدث بشكل مباشر بأهلك ومنطقتك، يصعب العمل بشكل مستقل وموضوعي، فالصحافي ابن هذا الحدث الذي ينقله، وطبيعي أن يتأثر به».
وتتعرض مناطق شمال شرقي سوريا منذ تسع سنوات لهجمات من فصائل «الجيش السوري الحر»، وتنظيم «داعش»، وآخرها التوغل التركي. وغطى الصحافي هيبار عثمان ميدانياً هذه الحروب المستعرة في مسقط رأسه. ولدى حديثه ذكر أن: «عملنا أشبه بالمشي في حقل ألغام. فقدنا 8 إعلاميين كانوا زملاء، أتذكرهم جميعاً. ولا يزال مصير فرهاد حمو مراسل قناة (رووداو) مجهولاً منذ ما يزيد عن 5 سنوات».
وأشار إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» خسرت 12 إعلامياً عسكرياً كانت مهمتهم حماية الصحافيين العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وبعد انتشار الجيش السوري برعاية روسية في مناطق كثيرة بالحسكة والرقة، يساور الصحافيين هواجس عددية، أبرزها الملاحقة الأمنية من قبل النظام الحاكم. ويضيف هيبار: «الاعتقال، ومنع السفر، والحرمان من الحقوق المدنية، مخاوف نعايشها يومياً؛ لأننا مراسلون لقنوات خارجية تصفها الحكومة السورية بالمعادية».
أما الصحافي محمد حسن، فقد غطى أكثر الجبهات سخونة، إذ كان على الخطوط الأمامية في معركة الباغوز، شهر مارس 2019، عند القضاء على تنظيم «داعش» الإرهابي وخلافته المزعومة، واليوم يغطي الهجوم التركي على منطقته. يتذكر المشاهد القاسية عند فرار سكان مدينة رأس العين، أو «سري كانيه» بحسب تسميتها الكردية، الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، ويقول: «كنت مع زملائي في آخر يوم لخروج آلاف السكان. كان يشبه يوم الحشر. أطفال ونسوة ورجال طاعنون بالسن، الكل كان يهرب هرعاً من القصف التركي». يومها بقي الطيران الحربي في السماء، مع قصف المدينة، وكانت قذائف «الهاون» تنهال كزخات المطر. ويزيد محمد: «قوافل المدنيين الفارِّين وصلت مدخل المدينة الجنوبي حتى آخر نقطة شمالاً. أتذكر رجلاً عربياً كان يمسك حبلاً ملفوفاً على رأس بقرته، يهذي قائلاً: العثمانيون قادمون، المجرمون قادمون».
وقُتلت السياسية الكردية هفرين خلف، على أيدي «الجيش الوطني السوري» المدعوم من قبل تركيا، أثناء عملية «نبع السلام» العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا، نهاية العام الفائت. يومها كانت الصحافية رنكين شرو في تلك المنطقة تغطي الحدث. تتذكر تلك اللحظات وكأنها حدثت قبل قليل، وكيف ذهبت لمدينة تل أبيض التي كانت خاوية على عروشها بسبب القصف المدفعي: «قررنا العودة من طريق (m4) لكن عناصر (الأسايش) طلبوا تغيير الطريق لوجود مسلحين مدعومين من تركيا، وفعلاً اتجهنا إلى الرقة، وبعد وصولنا عرفت أن هفرين قُتلت على يد المسلحين».
ونقل المراسل الميداني محمد حسن الذي يعمل منذ 2016 مع قناة «روسيا اليوم» أنه كان من بين الطواقم الطبية والإعلامية التي تمكنت من الوصول إلى مكان مقتل السياسية الكردية هفرين خلف. وقال: «وصلنا إلى موقع الاغتيال، وكانت يومها الطريق السريعة غير مؤمنة. نقلنا جثتها إلى مشفى بلدة تل تمر المجاورة. وصادف مجيء أكثر من عشرين جنازة لمدنيين. كانت مشاهد مروعة ارتكبها الجيش التركي بحق أبناء رأس العين»، وأضاف: «في أحد الأيام ضربت مقاتلة تركية أطراف مخيم عين عيسى أمامي. نجوت بحياتي، وبعد وصولي للمنزل كانت نشرات الأخبار تنقل خبر هروب 700 من عائلات وأسر تنظيم (داعش) هربوا إلى تركيا». وتعرف أول مرة على تنظيم «داعش» الإرهابي عندما قام بتغطية فرار آلاف اللاجئين الإيزيديين عبر الحدود السورية من جبال شنكال، التي تعد موطن الأقلية الكردية الأصلي. وقال محمد: «آنذاك، لم تتسع عدسة الكاميرا لنقل مأساة هؤلاء الفارين».
وذكر الصحافي الحربي هيبار عثمان الذي يعمل مع قناة «الحرة» منذ 2017، أن التوغل التركي على شرق الفرات تسبب في مقتل «4 إعلاميين، وأصيب 14 آخرون بجروح بليغة، بعد تعرض قافلة مدنية مشكلة من فرق صحافية وطواقم طبية لقصف من الطيران الحربي. كما صادرت فصائل المعارضة منازل وممتلكات 10 صحافيين يتحدرون من المدينة»، ويصعب عليه نسيان المقابلات مع الشهود الذين عايشوا ظروف الحرب. يسرد قصة سيدة نازحة بالمخيم كانت تقف في حيرة من أمرها لإطعام أطفالها الصغار: «أتذكر تفاصيل وجهها. كانت تسعى لتأمين كاسة شاي أو رغيف خبز لإشباع أطفالها الصغار». وتتكرر على مسامعه شهادة شاب يتحدر من الرقة، فقد زوجته وأبناءه جراء قصف الطيران الحربي. ويزيد: «أحمد المحمود أصبح مقعداً بعدما قُطعت كلتا قدميه جراء القصف. هذه الشخصيات باتت جزءاً من حياتي، وأتساءل: كيف وضعهم اليوم؟».
ونقلت رنكين التي تعمل مع شبكة «رووداو» الكردية منذ 2013، أن ظروف الحرب تستوجب معاينة القتل والنزوح، ومشاهدة الطيران الحربي، وقذائف «الهاون» من قنابل الدبابات. ولفتت إلى أن «هذه المشاهد أصبحت ملازمة للتاريخ والحاضر الكردي، فالأزمة السورية هي الأسوأ على الإطلاق بالنسبة للصحافيين. تعرضتُ في فترة عملي القصيرة نسبياً هنا إلى مواقف صعبة وخطرة جداً، سأتذكرها ما حييت». وقالت في ختام حديثها: «حرصي في بعض الأحيان، وربما الحظ في أحيان كثيرة، كان سبباً في نجاتي والحمد لله. فالحقيقة ضريبتها كبيرة، قد تفقد حياتك في سبيلها».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.