مؤسسة «الفن جميل»... أحلامها محلقة وجناحاها الإبداع المحلي والتعاون الدولي

فادي جميل لـ«الشرق الأوسط»: دوافعنا كانت ولا تزال إقامة مراكز فنية من أجل المجتمع ومن خلاله

TT

مؤسسة «الفن جميل»... أحلامها محلقة وجناحاها الإبداع المحلي والتعاون الدولي

تعد مؤسسة «فن جميل» من أبرز اللاعبين على الساحة الفنية العربية وتحديداً السعودية والإمارات وعلى مدى سنوات طويلة، بدأت من 2003، أطلقت المؤسسة مشاريع عدة غيرت الكثير في الخريطة الفنية، واكتشفت فنانين واعدين وقدمت للعالم العربي والغربي ملامح من الفن العربي والإسلامي من خلال جائزتها للفنون بالتعاون مع متحف «فيكتوريا آند ألبرت»، وأيضاً من خلال «جناح جميل للفن الإسلامي» في المتحف ذاته. ولم تقف المؤسسة عند ذلك بل أسست مركزاً ضخماً للفنون في دبي والآن في مراحل العمل الأخيرة من تنفيذ مشروعها الواعد في مدينة جدة بالسعودية تحت اسم «حي: ملتقى الإبداع». كل ذلك لا ينسينا الجهد الذي تبذله المؤسسة لإنعاش الحرف التراثية عبر الشراكة مع «مدرسة الأمير تشارلز للحرف التراثية» ورعايتها لنشاطاتها في مصر والسعودية حيث ينضم الكثيرون لبرامجها المختلفة لإعادة الفنون التراثية الجميلة قبل أن تغيب عن أعيننا بفعل الزمن واختفاء ممارسيها القدامى.
فادي جميل رئيس المؤسسة خص «الشرق الأوسط» بحوار مستفيض فتح أمامنا أبواباً كثيرة لمعرفة ما الذي يحمله المستقبل للمؤسسة ونشاطاتها المتعددة وكان فرصة للاقتراب من العقل المنظم والرجل خلف تلك الاستراتيجية الفنية. أبدأ حواري مع فادي جميل بسؤال عام لعلي أستشف منه رؤيته وتقييمه لعمل المؤسسة على مدى 16 عاماً، أسأله: «ما هو تقييمك لتأثير مؤسسة فن جميل على الساحة العربية؟» يجيب بتقديم رؤية زمنية لمنجزات المؤسسة: «أسست عائلتي مؤسسة (فن جميل) في عام 2003، كجزء من مساعيها الخيرية الأوسع ضمن (مجتمع جميل). فقد ساعد جدي، الراحل عبد اللطيف جميل، على مدار حياته عشرات الآلاف من المتضررين في مجالات الرعاية الصحية والتعليم. واليوم، تكّرس (مجتمع جميل) جهودها لدعم الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية؛ ومن جانبها تحمل (فن جميل) نفس الشغف والاهتمام إلا أنها تطبقها في مجال الثقافة». ويستطرد حول «فن جميل» والرؤية من خلفها وتأثيرها المأمول: «نحن نؤمن بمبدأ أن الفن للجميع؛ بدءاً من أطفال المدارس إلى البالغين من جميع الخلفيات والبيئات، وأن الإبداع هو مقوّم أساسي لأي مجتمع صحي وخطابي ومقاوم للمستقبل.
بالنسبة لتأثير المؤسسة على المجتمع يقول فادي جميل: «أعتقد أنه يجب أولاً وقبل كل شيء أن أحدثك عن (فن جميل) كمؤسسة. فنحن نعمل في المملكة العربية السعودية ومصر وأماكن أخرى في المنطقة منذ سنوات عديدة، ولدينا شراكات مع المنظمات الحكومية والخاصة التي تدير مدارس فنون التراث، بالإضافة إلى مشاريع محلية ثقافية أخرى. كما أننا لدينا شراكات طويلة الأمد مع مؤسسات كبيرة مثل متحف (فيكتوريا وألبرت) في لندن ومتحف (المتروبوليتان) للفنون في نيويورك، وذلك من بين مؤسسات دولية أخرى، للتأكد من تمثيل فنانين من الشرق الأوسط في متاحف العالم الأكثر شهرة». وكإضافة لكل ذلك قامت المؤسسة في عام 2018 بافتتاح أول مؤسسة كبرى للفنون المعاصرة وهو «مركز جميل للفنون» في دبي والذي يعد أول مساحة فنية معاصرة في دبي، والتي سجلت حضوراً سريعاً على المشهد الفني هناك وحسب ما يذكر جميل فقد لاقت برامج المركز خلال العام الماضي إقبالاً وتجاوباً واسعاً محلياً وعلى صعيد المنطقة من المجتمع المحلي والمدارس والفنانين المحليين والعالميين».
التعليم جانب مهم في استراتيجية «الفن جميل» وهو من أهداف المؤسسة، يؤكد فادي جميل على أن هناك تصميماً على أن تكون المؤسسة «معنية بالتعليم» وأن توفر مركز بحوث مفتوحاً للجميع يضم العديد من البرامج الفنية إلى جانب تنظيم المعارض. ويستطرد قائلاً: «لقد كفلنا الدخول المجاني للجميع بحيث نشجع الزوار على جعل المركز (بيتهم الثاني)، والعودة للقيام بزيارات متعددة إلى المعارض والمكتبات ومساحات المشاريع وحديقة (جداف) و(وترفرونت) للفنون والتي أنشئت بالتعاون مع دبي القابضة والتي تعد أول متنزه فني مفتوح يعرض المجسمات الفنية على ضفاف خور دبي «إيماناً منّا بأن الفنون فقط هي التي لديها إمكانية فتح هذه المساحات للحوار والتعلم».
يبدو من إجابات فادي جميل الإصرار على تحقيق المزيد ولكن هل ترصد المؤسسة ردود الفعل من الجمهور وتتفاعل معها؟ يقول: «نحن نقدر جميع التعليقات ووجهات النظر التي نتلقاها تماماً. وبالطبع، في هذه الأيام، يمكن للجميع أن يكون لهم رأي في وسائل التواصل الاجتماعي، ومنطقة الخليج ليست استثناءً من ذلك. ففي الواقع، ولا سيما في السعودية، يعبر الناس بشكل خاص عن أنفسهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولا يشعرون بالخجل من إبداء آرائهم. وبالمثل، نحن أيضاً نقوم بعمل استطلاع يشمل جماهيرنا بعد الفعاليات الكبرى التي ننظمها ونتعلم من ملاحظاتهم. فقد كانت دوافعنا دائماً ولا تزال إقامة مراكز فنية «من أجل المجتمع ومن خلاله»، وهذا الشعور بالملكية المجتمعية مهم جداً لنا لنجاح برامجنا. ولحسن الحظ، لقد غمرتنا حتى الآن الكثير من ردود الفعل الإيجابية، لكنني دائماً ما أنصح فريق (فن جميل) بالبقاء على أهبة الاستعداد لأي نوع من ردود الفعل سواء كانت إيجابية أو سلبية!»

- مدرسة الفنون التراثية
المتابع للتأثير الذي تحدثه مدرسة الفنون التراثية في القاهرة وفي جدة يستطيع رؤية بعض النتائج وأيضاً التفاعلات معها، ففي جدة على سبيل المثال يتوافد الشباب والشابات على ورش العمل التي تقام بشكل مستمر ويبادرون لمشاركة أقرانهم في نشاطاتهم وفي إنتاجاتهم في الرسم والنجارة وغيرها. أسأله عما يلمسه هو شخصياً عن ذلك التأثير وعما إذا ما كان يلمس نتيجة لذلك الجهد من حيث الدارسين والخريجين وتأثيرهم على الساحة الفنية؟ يجيب: «نعتقد أن الفنون التقليدية في مدن مثل جدة والقاهرة هي من الفنون المعاصرة التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية وجزءاً من ماضينا ومستقبلنا. لقد شهدنا في السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في الاهتمام بالحفاظ على تاريخنا وهيكليتنا. يتزايد عدد الطلبات المقدمة للانضمام لكلتا المدرستين كل عام، وبشكل كبير ولا سيما في جدة. وفي مصر، يتم تدريس الطلاب لمدة عامين للحصول على شهادة دبلوم، وأصبح الحصول على مكان في الدورة الآن أمراً تنافسياً للغاية». يشير إلى أن «الفن جميل» استمراراً منها في دعم المدارس التراثية بدأت العمل على إنشاء أعمال تجارة إلكترونية مع منصات إلكترونية عالمية مثل «أمازون»، فضلاً عن التدريب التقليدي في مجال الحرف اليدوية، يستطرد قائلاً: «نقدم أيضاً مشغلاً لعرض أعمال خريجينا، حيث يمكنهم تلقي مزيد من التدريب وإنشاء شركاتهم الخاصة ليس فقط من أجل المساهمة في الفنون في المجتمع ولكن أيضاً العمل في نفس المجال التجاري».

- فنون جدة التراثية تنتعش
بالنسبة لمدينة جدة يتميز مشروع مدرسة الفنون التراثية بأنه يستغرق عاماً واحداً فقط ويقام في قلب المدينة القديمة (البلد) ويشرح لنا أكثر: «ذلك بالإضافة إلى العمل الميداني لدراسة وتفهُم التراث المعماري الغني للبلدة القديمة، بما في ذلك واجهات الجبس ونوافذ المباني المصممة على شكل «روشان» والمصنوعة من خشب المنجور، وأحياناً يُطلَق عليه (المنقور). إلى جانب الوحدات النظرية في الهندسة الإسلامية وتناغم الألوان، كل ذلك يعكس الغنى التراثي للبلدة القديمة. وتشتمل الوحدات العملية في البرنامج على صناعة الأصباغ والرسم والسيراميك ونحت الجبس وخشب الباركيه والمنجور.
يضرب المثل بنجاح المدرسة بتزايد دور المشاركين والخريجين على المستوى المحلي وبالمشاركة في «مهرجان الفنون السنوي» الذي ينظمه المجلس السعودي للفنون، ومعرض «21,39» في جدة؛ ومعرض «منور» الذي ينظمه مركز المدينة للفنون؛ بالإضافة إلى المشاركة في «أسبوع التصميم السعودي» في الرياض؛ والمساهمة في ترميم بيت الجمجوم، أروع بيوت الأبراج الحجرية التاريخية في البلد، كما أننا كنا جزءاً من برنامج التعزيز الهيكلي لوزارة الثقافة السعودية.

- من المحلي للعالمي وبالعكس
الشراكات مع جهات عالمية، ما هو تأثيرها برأيكم وهل هناك شراكات أخرى قادمة؟ يقول إن المؤسسة تتبع نهجاً ذي شقين في ذلك الخصوص، الأول هو استمرار النشاط على مستوى المجتمع والثاني العمل مباشرة مع الفنانين والمجتمعات، ولكن أيضاً من خلال تعزيز ودعم الفنون في الشرق الأوسط على أعلى مستوى دولياً. «لدينا شراكة مع متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، منذ عام 2003. حيث نعمل في كل من مجالات الفن الإسلامي والفن المعاصر مع أكبر متحف في العالم للفنون التطبيقية والزخرفية. ومنذ خمس سنوات، بدأنا بعقد شراكة مع متحف «المتروبوليتان» للفنون، نيويورك، حيث يدعم صندوق «فن جميل» الفنانين من الشرق الأوسط، ويضمن عرض أعمالهم في أحد المتاحف الأكثر زيارة في العالم. دعيني أخبرك عن عمل فني مذهل قام متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك باقتنائه، وهو مجموعة فنية للفنانة الكبيرة سلوى شقير «مجموعة من ألف قطعة (1966 – 1968) تم إنتاجها بدعم من خلال صندوق «فن جميل».
هناك شراكة أكثر حداثة مع مؤسسة دلفينا، وهي من أكبر الجهات التي توفر برامج الإقامة الفنية للفنانين، فهو موطن حقيقي لكثير من الفنانين من الشرق الأوسط وحول العالم. فنحن لا نهدف إلى توسيع شركائنا الأساسيين، لكننا نعمل بشكل وثيق معهم لضمان الحفاظ على المكانة المركزية لفناني الشرق الأوسط على المسرح العالمي وأفكارهم.

- المحطة القادمة: «حي: ملتقى الإبداع»
وفي المسيرة نحو تحقيق الرؤية الواسعة والطموحة للمؤسسة يتطلع الجمهور السعودي للمشروع المخصص لهم وهو مركز جديد بعنوان «حي: ملتقى الإبداع» والذي يعتبره فادي «أكبر مشروع فني على مستوى (فن جميل) حتى الآن وهو، مجمع ثقافي متعدد التخصصات في مدينتنا جدة، والذي من المقرر افتتاحه في فصل الشتاء المقبل».
ويشرح جميل أن سكان مدينة جدة سيمكنهم الاستمتاع بنشاطات متنوعة في مركزهم الجديد ويضيف: «حي: ملتقى الإبداع» لا يشمل الفن فحسب، بل يتضمن أيضاً داراً سينمائية ونوادي الأداء والكوميديا والعروض المسرحية وريادة الأعمال والعمارة والتصميم.
يشير إلى أن أعمال البناء تسير على المسار الصحيح، ويضيف: «سنعلن قريباً عن مزيد من التفاصيل حول أنشطتنا الخاصة وكذلك شركائنا في هذا الصرح خلال الأشهر المقبلة. في الوقت الحالي، يمكننا القول بأن (فن جميل) ستدير معارض الفنون والتصميم ومركز الفنون المركزي والمسرح، بالإضافة إلى استوديوهات الفنانين واستوديوهات الأفلام الرقمية والمرئية ومساحة ريادة الأعمال من المشاريع المستقلة، وسينضم إلينا شركاء آخرون يديرون مساحات أخرى، بما في ذلك المقاهي والمعارض ونوادي الأداء ومساحات العمل، وغيرها الكثير».
وتكمن الفكرة وراء ذلك في أن «حي: ملتقى الإبداع» سيصبح أول حاضنة للفنون والإبداع تقام في جدة، داخل مجمع متعدد التخصصات والمجالات بالمنطقة في حي واحد. سيكون «حي: ملتقى الإبداع» بلا أدنى شك وجهة للسياح والزوار إلى جدة، إلا أن مهمته الرئيسية هي احتضان ورعاية المواهب الواعدة من الفنانين السعوديين، وتمكين التبادل الدولي بين السعودية وبقية العالم.
ولكن قبل إطلاق المركز الجديد بدأت المؤسسة العام الماضي في إطلاق بعض البرامج التجريبية؛ مثل برنامج «حي: التعليم»، وهو منصة تعليمية مُقدمة للفنانين والمُبدعين المقيمين في السعودية، وهي دورة مُكثفة مُقدمة للفنانين، تقدم مهارات عملية وكذلك تعزز من القدرة النقدية والمهارات النظرية حول أحدث الفنانين التشكيليين الموجودين حالياً. كما أعلنت المؤسسة عن عقد مسابقة دولية لتصميم (سينما حي) ضمن مركز «حي: ملتقى الإبداع»، وفاز فيها استوديو «بريك لاب» الذي يتخذ من جدة مقراً له حيث سيقوم بتصميم (سينما حي)، وهي أول دار عرض سينمائية غير تجارية في جدة، والذي تم اختياره من خلال عملية التصويت التي تتم دون معرفة هوية أصحاب الأعمال من قبل لجنة تحكيم عالمية.



فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».


«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
TT

«مهرجانات بعلبك الدولية» تعلن عن حفل موسيقي - سينمائي في عيدها الـ70

مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)
مصدر هذه الصورة (فيسبوك غابرييل يارد)

الصيف المقبل تحتفي «مهرجانات بعلبك الدولية» بمرور 70 سنة على انطلاقتها، بحفل موسيقي-سينمائي تشهده القلعة الرومانية المهابة يوم 24 يوليو (تموز) المقبل، استذكاراً لهذه المناسبة الكبيرة، وتكريماً للموسيقي الموهوب اللبناني-الفرنسي غابرييل يارد الذي أنجز أجمل الموسيقات التصويرية.

وهي من المرات القليلة التي يعلن فيها عن حفل الافتتاح للمهرجانات بهذا الشكل المبكر، حيث تجمع الليلة الأولى، في إنتاج مشترك، مهرجان بعلبك مع مهرجان أبو ظبي، والأوركسترا الكبيرة لبودابست، وعازفين أوروبيين منفردين، وجوقة الجامعة الأنطونية، وغابرييل يارد عزفاً على البيانو.

وأعلن عن الحفل في مؤتمر صحافي شارك فيه وزير الثقافة غسان سلامة، ورئيسة مهرجانات بعلبك نايلة دي فريج، ومؤسسة «مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون» هدى الخميس كانو، كما شارك الفنان غابرييل يارد الذي قال في كلمته: «إنّ تقديم أيّ فنّان لعرض في مهرجانات بعلبك الدولية، يُعدّ حلماً لأنّها من أعرق المهرجانات في العالم، وهو الأوّل في منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة لي، بصفتي مؤلف موسيقي لبناني، فإنّ العزف في قلب تلك المعابد العريقة للمرّة الأولى هو فرح عظيم وشرف كبير!»، وأضاف: «رغم أنّ مصطلح (المقاومة الثقافية) قد يبدو مستهلكاً، فإنّه ينطبق تماماً على مهرجانات بعلبك ومنظميه، الذين يُصرّون على الاحتفال بالذكرى السبعين، رغم كلّ الصعاب!».

وقالت دي فريج: «إنّ جمال معبدي باخوس وجوبيتر وهيبتهما يوفّران إطاراً رائعاً، لكنهما لا يكفيان وحدهما. فهما يتطلّبان عروضاً قادرة على مجاراة هذه العظمة ليتحقّق لهما السحر».

يقدم هذا الحفل الموسيقي الكبير مصحوباً بمقاطع سينمائية تُعرض على جدران المعبد العريقة. حيث يتم تزامناً مع العزف الحي عرض مقتطفات من أفلام يارد على جدران معبد باخوس المعمّرة، مما يولّد تجربة فريدة تتفاعل فيها الصورة مع الموسيقى.

وفي كلمته الافتتاحية أكد وزير الثقافة، غسان سلامة، دعمه المطلق لمهرجانات بعلبك الدولية، مُسلّطاً الضوء على دورها التاريخي رمزاً للتميز الفنّي والصمود والفخر الوطني».

غابرييل يارد في إحدى حفلاته (فيسبوك)

أما الموسيقي غابرييل يارد، الذي يعتبر أحد أكبر المؤلّفين المعاصرين، فمنذ باكورة مسيرته، وجد في بعلبك مصدر إلهام له، ما شجعه على أن يكون جزءاً من الاحتفالية السبعينية. ويُعدّ يارد الفنان اللبناني الوحيد الذي نال جائزتي الأوسكار والسيزار، وقد رُشِّح مرات عدة لجوائز السيزار، كما حصد العديد من الجوائز والتكريمات في مختلف أنحاء العالم، وفي جعبته أعمالِ عظيمة، وموسيقى تصويرية لأكثر من 70 فيلماً في السينما الفرنسية والأميركية.

وقالت عنه هدى الخميس كانو في كلمتها في المؤتمر: «تسمو موسيقى غابرييل يارد بأرواحنا، وتحلّق بنا في فضاءات الإبداع، ببَصْمَته المُتَفرِّدة، ونبضِ إيقاعِهِ، بإحساسه العميق، بما تحفظُهُ الذاكرة، وما يستعيدهُ الحنين والألفة، مُتجذّراً في روحِ لبنانَ وقِيَمِ المشرِق».

حفل هبة طوجي في مهرجانات بعلبك الدولية العام الماضي (خاص - الشرق الأوسط)

مهرجانات بعلبك الدولية، هي أم المهرجانات العربية، وكانت رائدة يوم انطلقت لأول مرة عام 1956 بعروض دولية للموسيقى الكلاسيكية والمسرح، وسرعان ما أصبحت الأبرز في المنطقة، مدفوعة برؤية الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا، وبمساندة رعاةٍ محبّين للفن والجمال.

ومنذ عام 1957، أدى إدخال عرض لبناني بمشاركة فيروز والأخوين رحباني إلى ولادة «الليالي اللبنانية»، التي أصبحت تقليداً، وكشفت على مرّ السنوات عن مواهب لبنانية كبيرة. وتعاقب منذ ذلك الحين على المهرجان فنانين دوليين ومحليين، في حوارٍ جمع بين الموسيقى الكلاسيكية والمسرح والرقص والأوبرا والجاز.

وبعد التوقف الذي فرضته الحرب الأهلية اللبنانية، استأنفت المهرجانات نشاطها عام 1997، محافظًة على التزامها بالتميّز، ومستلهمة روح المثابرة والاستمرار، رغم المحن التي يمرّ بها البلد.