{الخزانة} الأميركية: تعاون مثمر مع السعودية والإمارات لقطع خطوط تمويل «داعش»

أعلنت خطة من 3 عناصر لقطع المساعدات عن المتطرفين وملاحقة قادتهم

أحد مقاتلي تنظيم {داعش} (الصورة اليمين) يبدو قبل لحظات من القصف الجوي (الصورة اليسار) الذي نفذته الطائرات الأميركية على بلدة تقع على الحدود التركية السورية أمس (أ.ف.ب)
أحد مقاتلي تنظيم {داعش} (الصورة اليمين) يبدو قبل لحظات من القصف الجوي (الصورة اليسار) الذي نفذته الطائرات الأميركية على بلدة تقع على الحدود التركية السورية أمس (أ.ف.ب)
TT

{الخزانة} الأميركية: تعاون مثمر مع السعودية والإمارات لقطع خطوط تمويل «داعش»

أحد مقاتلي تنظيم {داعش} (الصورة اليمين) يبدو قبل لحظات من القصف الجوي (الصورة اليسار) الذي نفذته الطائرات الأميركية على بلدة تقع على الحدود التركية السورية أمس (أ.ف.ب)
أحد مقاتلي تنظيم {داعش} (الصورة اليمين) يبدو قبل لحظات من القصف الجوي (الصورة اليسار) الذي نفذته الطائرات الأميركية على بلدة تقع على الحدود التركية السورية أمس (أ.ف.ب)

أشاد ديفيد كوهين، وكيل وزارة الخزانة لشؤون مكافحة الإرهاب والاستخبارات المالية، بالتعاون مع السلطات السعودية والإماراتية ودول الخليج العربي في مكافحة وقطع خطوط التمويل لتنظيم «داعش». وأكد أن لقاءاته بالمسؤولين في السعودية وقطر الأسبوع الماضي كانت جيدة للغاية، وأنه وجد التزاما بمنع حصول «داعش» على تمويل. وأعلن كوهين استراتيجية من 3 عناصر لإحكام القبضة على خطوط تمويل «داعش».
وقال وكيل وزارة الخزانة الأميركية الذي يصفونه في واشنطن بأنه «باتمان الأموال»، إن الطريقة الوحيدة لإحباط الهجمات الإرهابية هي حرمان المنظمات الإرهابية من الأموال بالتعاون مع الشركاء الأجانب والقطاع الخاص وتحسين الشفافية المالية الدولية، لكنه أشار إلى أن «داعش» يمثل تحديا مختلفا عن بقية المنظمات الإرهابية، وأن جهود مكافحة تمويل «داعش» ستستغرق وقتا طويلا وأنه لا يمكن إفراغ خزائن «داعش» بين عشية وضحاها.
واستعرض كوهين خلال ندوة بـ«معهد كارنيغي» صباح أمس، قدرات «داعش» في الحصول على الأموال التي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات شهريا من خلال بيع النفط، والحصول على فدى من ضحايا الخطف، إضافة إلى سرقة وابتزاز المواطنين في المناطق التي يسيطرون عليها، والحصول على تبرعات من المؤيدين لـ«داعش» من خارج سوريا والعراق.
وقال وكيل وزارة الخزانة إن «داعش» حصل على ثروات بوتيرة غير مسبوقة، وإن تركيبة مصادر إيراداته مختلفة عن كثير من المنظمات الأخرى كتنظيم القاعدة، مشيرا إلى أن «داعش» لا يعتمد على الأموال من المانحين عبر الحدود، و«إنما يحصل على الغالبية العظمي من إيراداته من خلال الأنشطة الإجرامية والإرهابية المحلية». وقال: «(داعش) لديه علاقات عميقة الجذور بتجار السوق السوداء في المنطقة، ويقوم باستخراج النفط وبيعه للمهربين الذين ينقلون النفط في حاويات صغيرة الحجم عبر شبكة متنوعة من الطرق، ووفقا لمعلوماتنا، فإن (داعش) يبيع النفط بأسعار منخفضة جدا لمجموعة متنوعة من الوسطاء، بما في ذلك تركيا (التي تعيد بيعه) وإلى الأكراد الذين يعيدون بيعه في تركيا، وأيضا يبدو أن الحكومة السورية تقوم بترتيبات لشراء النفط من (داعش)، وهو مؤشر آخر على فساد نظام الأسد».
ووفقا لتقديرات الخزانة الأميركية، فإن «داعش» يحصل منذ يونيو (حزيران) الماضي على مليون دولار يوميا من مبيعات النفط. وأوضح كوهين أن جهود التحالف الدولي بدأت تضعف قدرة «داعش» على تهريب النفط بعد توجيه ضربات جوية ضد مصافي النفط التي يسيطر عليها «داعش»، وحرمانه من الوقود الذي يبيعه أو يستخدمه، إضافة إلى التزام الدول المجاورة، بما في ذلك تركيا وحكومة إقليم كردستان، بمنع تهريب نفط «داعش» عبر حدودها.
ويشترك «داعش» مع المنظمات الإرهابية الأخرى، مثل «تنظيم القاعدة في اليمن»، وشمال أفريقيا، في الاعتماد على اختطاف الرهائن للحصول على فدية بوصفها دخلا رئيسيا. وحصل «داعش» من خلال اختطاف الرهائن على 20 مليون دولار في صورة فدى خلال هذا العام، كما حصل «داعش» على عدة ملايين من الدولارات شهريا من خلال ابتزاز المواطنين في العراق وسوريا، ومجموعة من الأنشطة الإجرامية الأخرى مثل سرقة البنوك، ونهب وبيع الآثار، وسرقة المواشي والمحاصيل من المزارعين، وبيع الفتيات والنساء جواري في الأسواق.
وأشار كوهين أن «داعش» يستمد بعض التمويل من الجهات المانحة الغنية، لكنه لا يعتمد بشكل كبير على المنح الخارجية. وأشار كوهين إلى 3 عناصر أساسية في استراتيجية الولايات المتحدة لتقويض القدرات المالية لـ«داعش» في جزء من الاستراتيجية الشاملة لملاحقة وهزيمة «داعش» في نهاية المطاف». وقال: «استراتيجيتنا تتضمن 3 عناصر؛ الأول: هو العمل على تعطيل تدفق إيرادات (داعش). والثاني: تقييد قدرة (داعش) على التصرف في الأموال التي يحصل عليها من خلال تقييد قدرته على الوصول للنظام المالي الدولي. والعنصر الثالث: هو الاستمرار في فرض عقوبات على القيادات العليا لـ(داعش) والمانحين وتعطيل قدرتهم على توفير أموال».
وفي مجال تعطيل تدفق إيرادات «داعش» من تهريب النفط، قال كوهين: «نستهدف فرض عقوبات مالية على الذين يتاجرون في النفط مع (داعش)، وصحيح أن تحركات نفط (داعش) تتم خارج الاقتصاد الرسمي، لكن في مرحلة ما فإن بعض الأشخاص الذين يعملون في هذه السوق يحتاجون إلى استخدام النظام المالي الرسمي لفتح حساب مصرفي أو ترخيص شركة، ولذا نحن نعمل على تحديد هويتهم، ولدينا الأدوات لوقفهم وعزلهم من النظام المالي، وتجميد أصولهم، ومنعهم من التعامل مع أي بنك، ولدينا مزايا راسخة لالتزام البنوك حول العالم بوقف تسهيل تمويل الإرهاب».
وأشار كوهين إلى تعاون وثيق مع دول المنطقة العربية لوقف طرق تهريب النفط عبر الحدود وتحديد المتورطين في شبكات التهريب، ودفع السلطات الكردية والتركية والسلطات العراقية على الالتزام بمكافحة تهريب النفط على أراضيها.
وفي مجال الحصول على فدى، شدد كوهين على التزام الولايات المتحدة بسياسة عدم دفع فدى لمحتجزي الرهائن، مشيرا إلى أنها سياسة أثبتت أن عدم دفع الفدية يقلل من وتيرة عمليات الخطف من خلال القضاء على الحافز الأساسي لخطف الرهائن، وقال: «نحافظ على هذه السياسة، ليس لأننا قساة القلوب، وإنما نستخدم كل قدراتنا الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية لتنفيذ القانون، وضمان الإفراج عن الرهائن الأميركيين الذين يحتجزهم (داعش)، ولكن ببساطة شديدة إذا أردنا حماية مواطنينا فعلينا تجنب تمويل العدو، وعلى كل دولة اعتماد وتنفيذ سياسة عدم دفع فدية».
وفي مجال الحصول على تبرعات خارجية، أشار كوهين إلى عمل وزارة الخزانة الأميركية منذ فترة طويلة على تعطيل تمويل الشبكات الإرهابية من التبرعات الخارجية، وقال: «قمنا بتطبيق العقوبات على أكثر من 20 فردا مرتبطين بـ(داعش) وتنظيم القاعدة، وسوف نستمر في استهداف أولئك الذين يستغلون معاناة الأبرياء في سوريا والعراق لجمع الأموال لخدمة أجندات متطرفة سواء لدعم (داعش) أو (جبهة النصرة) أو جماعات إرهابية أخرى، ونخطط لتسريع جهودنا لفرض عقوبات واتخاذ إجراءات ضدهم». وأشار وكيل وزارة الخزانة إلى قرارات مجلس الأمن لوقف تدفق المقاتلين الأجانب وتدفق المال لـ«داعش» و«جبهة النصرة».
وفي مجال مكافحة طرق «داعش» في الحصول على إيرادات من الابتزاز والأنشطة الإجرامية المحلية الأخرى، قال كوهين: «ندرك أنه ليست لدينا أدوات مناسبة لهذه المهمة، لكننا سنكشف الأفراد الذين يشرفون على شبكات ابتزاز (داعش)، ونعمل على كسر قبضة (داعش) على الأراضي». وأضاف كوهين: «نحن نعمل لتقييد قدرة (داعش) على الوصول إلى النظام المالي الدولي، وإضعاف قدرته على تحريك الأموال وتمويل العمليات الخارجية وتمويل جذب المقاتلين الأجانب، ونعمل على الحد من قدرة (داعش) على التعامل مع النظم المصرفية العراقية والسورية والدولية (وهناك عشرات من فروع البنوك في المناطق التي يسيطر عليها (داعش) من خلال التعاون مع السلطات العراقية والمجتمع المالي الدولي لمنع (داعش) من استخدام تلك الفروع البنكية».
أما العنصر الثالث في الاستراتيجية الأميركية، فهو ملاحقة زعماء «داعش»، واستهداف القيادات وكشف المناصرين للتنظيم الإرهابي، وقال وكيل وزارة الخزانة الأميركية: «ما رأيناه في حربنا ضد (القاعدة) والمنظمات الإرهابية الأخرى، أن معاقبة كبار المسؤولين في تلك المنظمات يعوق قدراتها على التعامل مع الأموال، وقد قمنا بكشف بعض المسؤولين في (داعش) والمناصرين للتنظيم، وقمنا في سبتمبر (أيلول) الماضي بفرض عقوبات على أشخاص قاموا بتوفير مليوني دولار من الخليج لـ(داعش)، وفرض العقوبات سيحبط قدرة (داعش) على جذب الأموال والمقاتلين». وأشار كوهين إلى عجز تنظيم «داعش» عن تقديم الخدمات وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين في المناطق التي يسيطر عليها، وقال: «نحن نحرز تقدما في تقليص عائدات (داعش) وقدرته على استخدام الأموال. علينا أيضا استغلال هذه الثغرة الأمنية وكشف عجز (داعش) عن إدارة المناطق».
وأضاف: «مع مرور الوقت وبالصبر والتعاون الدولي، فإن هذه الخطوات ستساعد في تقويض الأسس المالية لـ(داعش) بالتوازي مع الحملة العسكرية، وندرك أن الحلول الوحيدة للصراعات في سوريا والعراق ذات طبيعة سياسية ويجب التصدي للآيديولوجية البغيضة التي يروجها (داعش) بتقوية الجماعات المعتدلة، وإعادة الحيوية للاقتصاد والحكم بطريقة شاملة، وهي أهداف طويلة المدى تلتزم بها الولايات المتحدة». وأشار وكيل وزارة الخزانة إلى الجرائم التي يرتكبها «داعش» من ذبح الأبرياء، ومعظمهم من المسلمين السنة والشيعة، واضطهاد الأقليات الدينية، واغتصاب النساء، وقتل الصحافيين، وإشاعة الفوضى في كل من العراق وسوريا، وجذب المقاتلين الأجانب، وتأمين ملاذات آمنة للإرهاب، مشددا على أن ذلك يهدد مصالح الولايات المتحدة، ويهدد أمن الدول الحليفة مثل تركيا والأردن ولبنان ومنطقة الشرق الأوسط، قائلا: «إننا نواجه منظمة إرهابية لها طموحات إقليمية ورغبة معلنة في قتل الأبرياء».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.