{انتقام} إيراني باليستي لسليماني بلا خسائر أميركية

بيان لـ{الحرس} لوّح بمهاجمة أهداف إسرائيلية... وخامنئي يذم دعوات التفاوض

إطلاق صاروخ من قاعدة «الحرس الثوري» قرب مدينة كرمانشاه غرب إيران فجر أمس (تسنيم)
إطلاق صاروخ من قاعدة «الحرس الثوري» قرب مدينة كرمانشاه غرب إيران فجر أمس (تسنيم)
TT

{انتقام} إيراني باليستي لسليماني بلا خسائر أميركية

إطلاق صاروخ من قاعدة «الحرس الثوري» قرب مدينة كرمانشاه غرب إيران فجر أمس (تسنيم)
إطلاق صاروخ من قاعدة «الحرس الثوري» قرب مدينة كرمانشاه غرب إيران فجر أمس (تسنيم)

أطلق «الحرس الثوري» الإيراني عشرات الصواريخ أرض - أرض الباليستية على قاعدتين لقوات تقودها الولايات المتحدة في العراق أمس، رداً على ضربة أميركية قضت على الرجل الأول في تنفيذ العمليات العسكرية والمخابراتية الإيرانية، قاسم سليماني؛ ما عمّق المخاوف من نشوب حرب جدية في الشرق الأوسط، رغم أنها لم تسجل أي خسائر في القوات الأميركية.

وأعلن «الحرس الثوري»، الموازي لـ«الجيش» الإيراني، في بيان رسمي، أمس، أن وحدته الصاروخية، نفذت «الوعد بالثأر الصعب» لمقتل سليماني بإطلاق عشرات صواريخ على قاعدة عين الأسد، أكبر قاعدة جوية عراقية تستخدمها القوات الأميركية في العراق، وذلك في عملية حملت اسم سليماني رمزياً، قبل أن تكمل مراسم دفنه بعد ساعتين على الهجوم.
وعادت وسائل الإعلام الإيرانية بعد ساعة ونصف الساعة على الهجوم الأول لتعلن أن «الحرس الثوري»، أطلق موجة ثانية من الهجمات الصاروخية، واستهدفت قاعدة الحرير، بالقرب من أربيل مركز إقليم كردستان.
وبث التلفزيون الرسمي، مباشرة أولى لحظات إطلاق صواريخ متوسطة المدى من طراز قيام مداه 750 كلم وذو الفقار الذي يتراوح مداه بين 700 و750 كلم. وفي الوقت نفسه، أشارت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس» إلى استخدام صاروخ فاتح 313 البالغ مداه 500 كلم. وذكرت وكالة «تسنيم» الناطقة باسم جهاز استخبارات «الحرس»، أن الصواريخ أطلقت من قاعدة كرمانشاه. وقالت في تقريرها الرئيسي: «استهدفنا العاصمة الأميركية في العراق».
قال التلفزيون الرسمي نقلاً عن «مصدر مطلع» في «الحرس»، إن إيران أطلقت 15 صاروخاً باليستياً من أراضيها على أهداف أميركية في العراق. مضيفاً أن 80 «إرهابياً أميركياً» قتلوا ولحقت أضرار بطائرات هليكوبتر ومعدات عسكرية أميركية. ولم يورد دليلاً على مصدر معلوماته.
ونفت الولايات المتحدة وقوع إصابات. وقال جوناثان هوفمان، المتحدث باسم البنتاغون «في إطار تقييمنا للموقف ولردنا، سنتخذ كل الإجراءات الضرورية لحماية أفراد القوات الأميركية وشركائنا وحلفائنا في المنطقة». وقالت ألمانيا والدنمرك والنرويج وبولندا وايطاليا والنروج، بأنه لا إصابات وقعت بين قواتها في العراق.
ونقلت وكالة «تسنيم» عن نائب قائد عمليات الحرس، عباس نيلفروش، أن قواته اتخذت قراراً لـ«عطل» القاعدة التي وصفها بـ«غرفة عمليات إصدار القرار (مقتل سليماني) ومركز قيادة عمليات الاستكبار في المنطقة». لكنه أشار إلى الجاهزية التامة للقوات الأميركية لحظة الهجوم. ومع ذلك، قال إن ذلك «لم يؤدِ إلى تحريف مسار سقوط الصواريخ الباليستية»، مشدداً على أنها «أصابت أهدافها بدقة».
ووجّه «الحرس الثوري» في بيان رسمي أربع رسائل تحذير، أولاها إلى الولايات المتحدة التي سماها «الشيطان الأكبر»، من أن «أي خطوة ستواجه رداً أكثر إيلاماً وقسوة». أما الرسالة الثانية، فكانت لـ«الدول التي تستضيف قواعد أميركية»، ومفادها أنها «ستُستهدف إذا ما كانت منطلقاً للخطوات المعادية أو لاعتداءات». وخص إسرائيل بالرسالة الثالثة التي شدد فيها على أنه «لا يعتبر إسرائيل منفصلة» عن استهداف سليماني. ونقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية بعد البيان، عن مصادر لم تسمها أن «أي رد أميركي على هجوم عين الأسد سيقابل بهجوم صاروخي على إسرائيل».
أما الأخيرة، فوجهها إلى الشعب الأميركي «لمنع المزيد من الخسائر في صفوف الجنود الأميركيين باستدعائهم من المنطقة»، مطالباً الأميركيين بـ«ألا يسمحوا للنظام الحاكم بقبض مزيد من أرواح الجنود».
وقال نائب قائد فرقة «ثأر الله»، في «الحرس الثوري» المسؤولة عن حماية طهران، إسماعيل كوثري، إن الهجوم الصاروخي على قاعدة عين الأسد في الأنبار فجر اليوم (أمس) «خطوة أولى»، مشدداً على أن قواته «لن تترك الأميركيين». وأضاف لوكالة «مهر» الحكومية «على الأميركيين أن يعلموا أن عليهم مغادرة المنطقة». كما دعا المسؤولين الأميركيين إلى «التصدي لترمب»، وطالب بالضغط على الرئيس الأميركي «لوقف خطواته الشريرة، وإلا ستتضرر قواتكم في المنطقة، وأقل خطوة سيقابلها رد».
ونقل التلفزيون الإيراني عن مسؤول بمكتب خامنئي قوله، إن الهجمات الصاروخية هي السيناريو «الأضعف» ضمن الكثير من السيناريوهات. وأفاد «موقع نور نيوز»، الناطق باسم مجلس الأمن القومي الإيراني، بأن «كل مدن (مخابئ) الصواريخ الإيرانية تحت الأرض في حالة تأهب بنسبة 100 في المائة لاستهداف أهداف محددة سلفاً». ونقل الموقع عن مصدر مسؤول لم يسمه، أن «أي خطوة غير حكيمة رداً على الهجوم الانتقامي ستواجه بهجمات قاسية ضد جميع الأهداف المحددة».
وعلى غرار تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعَلم بلاده بعد قتل سليماني، غرّد ممثل المرشد الإيراني علي خامنئي في مجلس الأمن القومي سعيد جليلي بعَلم إيران بعد الهجمات الصاروخية. وبعد ساعة من الهجوم الصاروخي الإيراني عرض التلفزيون الحكومي لقطات لدفن سليماني، حيث بدأ مئات الأشخاص يكبّرون عندما تم الإعلان عن الضربات عبر مكبرات الصوت. وقال التلفزيون «أخذنا بثأره».
وقضى نحو 59 شخصاً في حادث تدافع أول من أمس أثناء مرور نعش سليماني بوسط مدينة كرمان مسقط رأسه في جنوب شرقي إيران.
في بغداد، قالت قيادة العمليات المشتركة العراقية، أمس في بيان، إن 22 صاروخاً سقطت في خلال نصف ساعة على قاعدتي عين الأسد في غرب العراق، وأربيل في الشمال. وقالت وكالة الصحافة الفرنسية، إن البيان نشر بعد نحو سبع ساعات من الهجوم ولم يشر إلى إيران. وأشار إلى أن القصف نفذ في التوقيت ذاته الذي اغتيل فيه سليماني قرب مطار بغداد الجمعة، واستمر «من الساعة 01.45 (22.45 ت غ) إلى الساعة 02.15 (23.15 ت غ)».
وسبق إطلاق الصواريخ، خطاب سنوي للمرشد الإيراني علي خامنئي أمام أنصار بمدينة قم، معقل المحافظين في إيران. واعتبر خامنئي الهجوم بأنه «صفعة على وجه» الولايات المتحدة التي وصفها بـ«الكاذبة وغير المنصفة»، وإنه ينبغي لها سحب قواتها من المنطقة. وكان يخاطب حشداً يردد «الموت لأميركا» بحسب وكالة «رويترز».
واستبعد خامنئي استئناف المحادثات مع واشنطن في عبارة بدا منها أنها موجهة للداخل الإيراني. وقال إن «التراجع أمام الولايات المتحدة خطأ فادح». وكان خامنئي يخاطب من قال في وصفهم «البعض (الذي) يعتقد تراجعنا خطوة سيؤدي إلى توقف أميركا عن العداء». وبوضوح أكبر وصف مطالب التفاوض بـ«غير مقبولة».
وبعد ذم التفاوض، انتقل خامنئي للإشادة بقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني الذي يعد أبرز الخسائر العسكرية الإيرانية على مدى أربعين عاماً. وعاد مرة أخرى لمخاطبة «البعض» قائلاً إنهم «حاولوا أن يظهروا نهاية الثورة في إيران، لكن سليماني أزاح الغشاوة من العيون».
وقال خامنئي «مثل هذا العمل العسكري لا يكفي. المهم هو إنهاء الوجود الأميركي المفسد في المنطقة». وقال: «هذه المنطقة لن تقبل وجود أميركا». واتهم الولايات المتحدة بأنها «جلبت الفتن والدمار إلى المنطقة وتصر على تنفيذ الفساد والدمار بشأن إيران».
في الأثناء، هدد الرئيس الإيراني حسن روحاني الأميركيين بقطع قدمهم عن المنطقة، وصرح خلال اجتماع الحكومة بأن إيران «أثبتت بوضوح أنها لا تتقهقر أمام أميركا». وقال: «إذا أرادت الولايات المتحدة أن ترتكب جريمة أخرى، عليها أن تعلم أنها ستلقى رداً أكثر حزماً»، مضيفاً في كلمة لمجلس الوزراء «لكن إذا كانوا عقلاء، لن يفعلوا أي شيء آخر في هذه المرحلة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
وأضاف روحاني «إذا قاموا بخطوة إضافية، فإن شعبنا وقوانا المسلحة جاهزة» للرد. لكنه اعتبر أن «كل ذلك ليس كافياً»، متابعاً «من وجهة نظري أن الرد الأساسي على أميركا يجب أن تقوم به أمم المنطقة». وقال أيضاً «لقد قطعوا يد عزيزنا سليماني (...) ينبغي الثأر له عبر قطع الطريق أمام أميركا في هذه المنطقة»، في تكرار للخطاب الإيراني الرسمي لجهة أن مقتل سليماني يجب أن يكون فاتحة لطرد القوات الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط. وأضاف روحاني «إذا قطعت الطريق أمام أميركا في هذه المنطقة، وإذا قطعت يدها (الشريرة) في شكل نهائي، (فإن ذلك يعني) رداً فعلياً ونهائياً لأمم المنطقة على أميركا».
بدوره، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، إن بلاده اتخذت «إجراءات محسوبة» في إطار الدفاع عن النفس ولم تحاول تصعيد المواجهة. ويبدو أن الخطوة التالية ستقوم بها واشنطن. وقال إن الضربات «أكملت» رد إيران على مقتل سليماني. وأضاف على «تويتر»: «لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب، لكن سندافع عن أنفسنا في وجه أي عدوان».
وأفادت وكالة «رويترز» نقلاً عن مصادر حكومية أميركية وأوروبية مطلعة على تقديرات المخابرات، بأن من المعتقد أن إيران سعت عمداً إلى تجنب وقوع أي خسائر في صفوف الجنود الأميركيين.
وأضافت المصادر، أن من المعتقد أن الإيرانيين تعمدوا أن تخطئ الهجمات القوات الأميركية للحيلولة دون خروج الأزمة عن نطاق السيطرة مع توجيه رسالة عن قوة العزم لدى إيران. وقال مصدر في واشنطن خلال الليل، إن الدلائل الأولية تشير إلى عدم سقوط قتلى في صفوف الأميركيين بعد الضربات التي تعرضت لها قاعدة عين الأسد الجوية وقاعدة أخرى في أربيل.
وقالت ثلاثة مصادر، إنه يُعتقد أن إيران حاولت ضرب أجزاء معينة بالقاعدتين لتقليل الخسائر البشرية إلى أدنى حد، ولتفادي قتل
أميركيين على وجه الخصوص. وأضافوا، أن التقدير تضمن بعض معلومات المخابرات من داخل إيران تؤكد طبيعة خطة الهجوم.
وقال مصدر أميركي «أرادوا الرد مع عدم التصعيد بشكل يقترب من اليقين».



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».