صواريخ إيران تعمّق الانقسامات الداخلية في العراق

إدانة سنيّة ـ كردية لـ«انتهاك السيادة» وصمت شيعي... وفصائل مسلحة تهدد بالانتقام لمقتل المهندس والصدر يعتبر أن الأزمة انتهت

صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)
صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)
TT

صواريخ إيران تعمّق الانقسامات الداخلية في العراق

صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)
صورة عبر الأقمار الصناعية من معهد «ميدلبوري للدراسات الدولية» و«بلانيت لابس إنك» تُظهر آثار الضربة الإيرانية التي استهدفت قاعدة «عين الأسد» في الأنبار غرب العراق (أ.ب)

سلّط القصف الصاروخي الإيراني الذي استهدف، ليلة الثلاثاء - الأربعاء، قاعدتين عسكريتين يتمركز فيهما جنود أميركيون في العراق، في إطار «الثأر» لمقتل قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الجنرال قاسم سليماني، الضوء على الانقسامات العراقية - العراقية. ففي حين سُجّل صمت شيعي إزاء ما قامت به طهران، صدرت إدانات سنيّة وكردية لـ«انتهاك» الإيرانيين سيادة العراق، بينما حذّرت فصائل شيعية مسلحة من أن دورها قد جاء الآن للانتقام من الأميركيين لقتلهم نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، في العملية ذاتها التي استهدفت قاسم سليماني، فجر يوم الجمعة الماضي.
وأعلنت الحكومة العراقية، أمس، أن إيران أبلغتها بقرارها شن هجوم صاروخي (باليستي) على قاعدتي «عين الأسد» بالأنبار غرب العراق و«حرير» بإقليم كردستان، اللتين يوجَد فيهما أميركيون. وقال الناطق العسكري باسم رئيس الوزراء اللواء الركن عبد الكريم خلف إن «العراق يرفض أي انتهاك لسيادته والاعتداء على أراضيه»، مضيفاً أن «الحكومة مستمرة بمحاولاتها الجاهدة لمنع التصعيد واحترام الجميع لسيادة العراق وعدم التجاوز عليها وعدم تعريض أبنائه للخطر». ودعا «الجميع إلى ضبط النفس وتغليب لغة العقل والتقيد بالمواثيق الدولية واحترام الدولة العراقية وقرارات حكومتها ومساعدتها على احتواء وتجاوز هذه الأزمة الخطيرة التي تهددها والمنطقة والعالم بحرب مدمرة شاملة».
وأدان رئيس الجمهورية برهم صالح «انتهاك» السيادة العراقية، وقال في بيان إن رئاسة الجمهورية «تجدد رفضها الخرق المتكرر للسيادة الوطنية وتحويل العراق إلى ساحة حرب للأطراف المتنازعة».
كذلك أدان رئيس البرلمان محمد الحلبوسي انتهاك سيادة العراق بسبب الضربة الإيرانية، داعياً الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ السيادة العراقية من الانتهاكات الحاصلة، وإبعاد البلاد عن دائرة الصراع. وقال الحلبوسي، في بيان صحافي نقلته وكالة الأنباء الألمانية: «في الوقت الذي ندين فيه الانتهاك الإيراني للسيادة العراقية فجراً، نؤكد رفضنا القاطع لمحاولة الأطراف المتنازعة استخدام الساحة العراقية في تصفية الحسابات». وأضاف: «في هذا الظرف العصيب، نجدد دعوتنا إلى الحكومة العراقية لاتخاذ الإجراءات والتدابير السياسية والقانونية والأمنية اللازمة لإيقاف مثل هذه الاعتداءات، والعمل على حفظ السيادة العراقية من الانتهاكات، وإبعاد العراق عن الصراع الدائر، وأن لا يكون ساحة للتصفيات والاقتتال، أو طرفاً في أي صراع إقليمي أو دولي».
كما دعا «جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتغليب الحكمة»، مؤكداً أهمية «وحدة الموقف الوطني وتضامن القوى والفعاليات الوطنية، لمواجهة التحديات وحفظ استقرار البلد وأمنه ومصالحه، وتجنيب شعبنا ويلات الحروب».
في المقابل، التزم رئيس حكومة تصريف الأعمال عادل عبد المهدي وعدد من القيادات السياسية الشيعية البارزة الصمت حيال القصف الإيراني، بينما عدّت القوى والفصائل المسلحة، القريبة من إيران، أن الردّ العراقي على مقتل نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس قد حان عراقياً، بعدما أخذت إيران بـ«الثأر» لسليماني.
وفي موقف لافت، أفادت وكالة «رويترز»، مساء أمس، بأن رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر قال إن الأزمة التي عانى منها العراق قد انتهت، وذلك في أعقاب تصريحات صادرة عن إيران والولايات المتحدة والتي تنم عن عدم وجود نية للتصعيد، ودعا الفصائل العراقية المسلحة إلى عدم تنفيذ هجمات.
ودعا الصدر في بيان إلى وجوب تشكيل حكومة عراقية قوية قادرة على حماية سيادة واستقلال العراق خلال الخمسة عشر يوماً المقبلة وإجراء انتخابات مبكرة، مضيفاً أن العراقيين ما زالوا يسعون إلى إنهاء الوجود الأجنبي بالبلاد.
وقال الصدر: «أدعو الفصائل العراقية إلى التأني والصبر وعدم البدء بالعمل العسكري وإسكات صوت التشدد من بعض غير المنضبطين إلى حين استنفاد جميع الطرق السياسية والبرلمانية والدولية».
وفي أربيل، أعلن إقليم كردستان رفضه للعملية الإيرانية، ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إلى ضرورة ضبط النفس واحترام خصوصية إقليم كردستان، وإبعاده عن الصراعات الجانبية.
وعقدت رئاسات إقليم كردستان العراق، أمس، اجتماعاً طارئاً على خلفية إطلاق إيران صاروخين على القاعدة الأميركية في أربيل. وجاء في بيان صادر عن الاجتماع أنه «بحث بشكل مفصّل الأحداث الأخيرة في العراق وموقف الإقليم منها، حيث أعربت الرئاسات الثلاث عن أسفها الشديد للأحداث التي شهدها العراق والمنطقة، في وقت لا يزال خطر الإرهاب قائماً على الإقليم والعراق والمنطقة». وفيما يتعلق بالقصف الإيراني للقواعد الأميركية، أكد البيان الذي أوردته وكالة الأنباء الألمانية أن «الخيار العسكري لا يحل المشكلات بأي شكل من الأشكال»، مشيراً إلى أن الإقليم مع تهدئة الأوضاع والحوار واللجوء إلى الطرق الدبلوماسية، داعياً جميع الأطراف إلى إبعاد إقليم كردستان عن الخلافات والصراعات.
وأشار إلى أن إقليم كردستان يعتبر دعم التحالف الدولي للإقليم والعراق في مواجهة الإرهاب أمراً مهماً، لا سيما أن الأشهر الماضية شهدت تحركات للإرهابيين، داعياً المجتمع الدولي إلى «عدم ترك المجال للإرهاب للعودة مجدداً».
إلى ذلك، وفي ظل أجواء انقسام حاد في المواقف الداخلية بين الكتل السياسية، أعلنت وزارة الخارجية العراقية أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو سيصل إلى بغداد، اليوم (الخميس)، من أجل البحث عن حلول لتطويق الأزمة. وقالت الوزارة، في بيان مقتضب، إن وزيري الخارجية العراقي محمد علي الحكيم ونظيره التركي جاويش أوغلو سيعقدان، اليوم (الخميس)، مؤتمراً صحافياً في بغداد.
وفي ردود الفعل الأخرى، اعتبرت «جبهة الإنقاذ» التي يتزعمها أسامة النجيفي أن «السيادة العراقية أصبحت محل شك»، في حين أعلن زعيم «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، أن الرد العراقي على مقتل أبو مهدي المهندس لن يقل عن الرد الإيراني على مقتل قاسم سليماني. ونشر المكتب الإعلامي للخزعلي تغريدة قال فيها: «الرد الإيراني الأول على مقتل القائد سليماني، حصل. الآن وقت الرد العراقي الأولي على مقتل القائد المهندس». بدوره، شكر المتحدث باسم «حركة النجباء»، نصر الشمري، إيران «على مساعدتها العراق باستعادة سيادته وهيبته، عندما استهدفت قواعد قوات الشرّ الأميركية»، على حد قوله. وحذّر الشمري الجنود الأميركيين قائلاً: «لا تغمضوا أعينكم، فإن ثأر أبي مهدي المهندس قادم لا محالة وبأيدٍ عراقية، حتى يتم إخراج آخر جندي منكم».
ولوحظ أن «ائتلاف النصر»، برئاسة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، أدان «الانتهاك الإيراني» للسيادة العراقية. وقال بيان لـ«النصر» أمس: «سبق وأن أدنّا بتاريخ 3/ 1/ 2020 و29/ 12/ 2019 الانتهاكات الأميركية للسيادة العراقية، واليوم ندين الانتهاك الإيراني للسيادة العراقية». وأضاف: «لسنا أعداء لأحد، ونطلب الصداقة والتعاون مع جميع دول العالم على قاعدة المصالح المشتركة». وتابع: «إننا نؤكد رفضنا لأي صراعات أو تصفية حسابات إقليمية دولية على حساب الدم والأرض والسيادة العراقية، وعلى الشعب والرئاسات الثلاث والقوى الوطنية حفظ وحدة العراق واستقراره ومصالحه». ودعا إلى «الوحدة والتضامن الوطني، وأن نجعل مصالح العراق وسلامة شعبه خطاً أحمر في سياساتنا».
من جهته، دعا «تحالف القوى العراقية» الذي يمثّل غالبية النواب السنّة إلى عقد جلسة استثنائية للبرلمان، لمناقشة خرق سيادة العراق. وقال عضو البرلمان عن التحالف رعد الدهلكي، في بيان، إن «على مجلس النواب عقد جلسة استثنائية لمناقشة الاعتداء والخرق الإيراني لسيادة العراق واستهدافه بصواريخ عمياء سقط أحدها على مناطق مدنية»، محملاً «الجهات التي طبّلت مع إيران وشجعتها على إضعاف سيادة العراق، المسؤولية الكاملة عن سلامة وحياة أي مدني عراقي جراء تلك التصعيد غير المسؤول من إيران». وأضاف أن «حكماء العراق طالما أكدوا على خطورة زج العراق بسياسة المحاور والتخندقات المذهبية إقليمياً، لكن، وكما يبدو، فإن أذرع إيران بالعراق لا تريد إلا الدمار للعراق لإنجاح المشروع الفارسي في تصدير الثورة على جثث العراقيين ودمائهم، من خلال التصعيد والتهديد الذي كانت نتيجته تمادي إيران بالاستهتار وإطلاق صواريخ عمياء على الأراضي العراقية دون أدنى احترام للمواثيق الدولية». وشدد على أن «الحكومة ورئيسها ووزارة خارجيتها مثلما تسابقوا على إصدار البيانات المنددة بالقصف الأميركي، وتسارعوا للمطالبة بموقف برلماني، فاليوم نريد أن نسمع صوتهم بعد العدوان الإيراني». وأكد الدهلكي «أهمية أن يكون للبرلمان موقف جاد وحقيقي لإبعاد العراق عن هذه المعادلة المخجلة، في زج العراق وشعبه بمعركة سيكون الخاسر الوحيد فيها الشعب العراقي».
وفي هذا السياق، قال عبد الله الخربيط، عضو البرلمان العراقي عن محافظة الأنبار التي تقع فيها قاعدة «عين الأسد»، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»، إن «إيران ارتكبت في هذه العملية حماقة كبرى بضرب قاعدة عين الأسد، لأن مَن زلزل الأرض تحت أقدام إيران والموالين لها في العراق لم يأت من الأنبار ولا من عين الأسد، بل جاء من قبل أبناء شيعة الوسط والجنوب الذين انتفضوا على كل السياسات الخاطئة دون أن يكون لأحد من خارجهم فضل عليهم». وأضاف الخربيط أن «السنّة سواء كانوا قادة أو جماهير لم يكن لهم دور في الانتفاضة الشعبية المستمرة حالياً، التي رفضت أي وجود أجنبي في البلاد أياً كان، ومِن ضمنه الوجود الإيراني، وهو الأمر الذي أدى إلى كل ردّات الفعل ضد المتظاهرين من قبل الأطراف المؤيدة لإيران في العراق». وأكد الخربيط أن «إيران ضربت الأنبار وأربيل بعد أن لعقت جراحها، نتيجة ما حصل لها عبر المتظاهرين الذين وقفوا ضد مشروعها في العراق».
من جهته، أكد الدكتور خالد عبد الإله، عميد كلية العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القصف الإيراني لقاعدتي عين الأسد في الأنبار وحرير في أربيل «حمل رسائل عديدة للداخل والخارج معاً»، معتبراً أن من بينها رسائل موجّهة للسنّة والأكراد الذين تحتضن أراضيهم القواعد الأميركية «حيث أرادت هذه الرسائل أن تقول لهم إن أراضيكم لم تعد آمنة».
وأضاف عبد الإله أن «إيران أرسلت عبر هذه الصواريخ رسائل للأميركان بشأن قدرتها على الرد في الوقت المناسب وبطريقة ترى فيها أنها ذات تأثير على الأميركيين، فضلاً عن رسالة إلى المجتمع الدولي، خصوصاً أن وزير خارجية إيران، جواد ظريف، أعلن أن كل شيء قد انتهى، وهو ما يعني أن إيران مستعدة للجلوس حول طاولة المفاوضات».



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».