قلق عربي ودولي بعد إجازة البرلمان التركي التدخل في ليبيا

ترمب يطالب بعدم تأجيج الصراع... و«النواب» الليبي يدعو لجلسة طارئة... والسيسي يبحث مع مجلس الأمن القومي «تهديدات» أنقرة

السيسي خلال اجتماع مجلس الأمن القومي (صفحة المتحدث الرئاسي في مصر)
السيسي خلال اجتماع مجلس الأمن القومي (صفحة المتحدث الرئاسي في مصر)
TT

قلق عربي ودولي بعد إجازة البرلمان التركي التدخل في ليبيا

السيسي خلال اجتماع مجلس الأمن القومي (صفحة المتحدث الرئاسي في مصر)
السيسي خلال اجتماع مجلس الأمن القومي (صفحة المتحدث الرئاسي في مصر)

أثار قرار البرلمان التركي، أمس، بالموافقة على إرسال قوات عسكرية لمساندة حكومة «الوفاق» في ليبيا، ردود أفعال غاضبة على مستويات عدة.
ففي واشنطن دعت الإدارة الأميركية الأطراف الخارجية الفاعلة إلى عدم تأجيج الصراع في ليبيا، بعد مصادقة البرلمان التركي بالأغلبية على إرسال قوات إليها، إذ قال مسؤول بالخارجية الأميركية لقناة «الحرة»، أمس، إن واشنطن «تحث جميع الأطراف الفاعلة لتجنب تفاقم الأوضاع في تلك الدولة».
وبحث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره التركي، أمس، المستجدات الإقليمية، وفي مقدمتها ليبيا، وذلك خلال اتصال هاتفي، بحسب بيان صادر عن دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، حيث أبلغ ترمب الرئيس التركي بأن «التدخل الأجنبي يعقد الوضع في ليبيا».
وقد جاء الاتصال الهاتفي عقب تصويت البرلمان التركي بالأغلبية لصالح إرسال قوات إلى ليبيا.
وكان مسؤول كبير بالخارجية قد ذكر في تصريحات للصحافيين أن الولايات المتحدة «تشعر بقلق بالغ إزاء تصاعد حدة الصراع في ليبيا»، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تواصل الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، التي يقودها فائز السراج. لكنه أضاف أن واشنطن لا تنحاز لطرف في الصراع، وتتحدث مع جميع الأطراف التي قد تكون مؤثرة في محاولة صياغة اتفاق يحل الصراع.
وفي القاهرة، نددت السلطات المصرية على لسان خارجيتها بالقرار التركي، فيما اعتبرت جامعة الدول العربية هذه الخطوة «إذكاءً للصراع الدائر هناك».
وقال السفير بسام راضي، المتحدث باسم الرئاسة المصرية، في بيان أمس، إن الرئيس السيسي عقد اجتماعاً بمجلس الأمن القومي «تناول التطورات الراهنة المتصلة بالأزمة الليبية، والتهديدات الناشئة عن التدخل العسكري الخارجي في ليبيا»، مشيراً إلى أنه «تم تحديد مجموعة من الإجراءات على مختلف الأصعدة، للتصدي لأي تهديد للأمن القومي المصري».
ونددت سلطات مصر في بيان نشرته وزارة الخارجية، أمس، بتمرير البرلمان التركي المذكرة، المقدمة من الرئيس رجب طيب إردوغان بتفويضه لإرسال قوات تركية إلى ليبيا. وقالت إن ذلك جاء على تأسيس «مذكرة التفاهم الباطلة الموقعة بين فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، والحكومة التركية حول التعاون الأمني والعسكري». كما وصفت هذه الخطوة بأنها «انتهاك لمقررات الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن حول ليبيا بشكل صارخ، وبالأخص القرار 1970 لسنة 2011، الذي أنشأ لجنة عقوبات ليبيا، وحظر توريد الأسلحة والتعاون العسكري معها إلا بموافقة لجنة العقوبات».
كما حذرت مصر من مغبة «أي تدخل عسكري تركي في ليبيا وتداعياته»، مؤكدة أن «مثل هذا التدخل سيؤثر سلباً على استقرار منطقة البحر المتوسط، وتركيا ستتحمّل مسؤولية ذلك».
وفي هذا الصدد، أشارت مصر إلى «وحدة الموقف العربي، الرافض لأي تدخل خارجي في ليبيا، والذي اعتمده مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه الأخير، وتذكر بالدور الخطير الذي تلعبه تركيا بدعمها للتنظيمات الإرهابية، وقيامها بنقل عناصر متطرفة من سوريا إلى ليبيا، مما يُبرز الحاجة المُلحة لدعم استعادة منطق الدولة الوطنية، ومؤسساتها في ليبيا، مقابل منطق الميليشيات والجماعات المُسلحة، الذي تدعمه تركيا ويعوق عودة الاستقرار في هذا البلد العربي»، مشيرة إلى أن «أي احتمال للتدخل العسكري التركي في ليبيا يهدد الأمن القومي العربي بصفة عامة، والأمن القومي المصري بصفة خاصة، مما يستوجب اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بحماية المصالح العربية من مثل هذه التهديدات».
كما دعت مصر المجتمع الدولي للاضطلاع بمسؤولياته بشكل عاجل في التصدي لهذا التطور، المنذر بالتصعيد الإقليمي، وآثاره الوخيمة على جهود التوصل عبر عملية برلين لتسوية شاملة، وقابلة للتنفيذ، تقوم على معالجة كل جوانب الأزمة الليبية من خلال المسار الأممي.
في السياق ذاته، أكدت الجامعة العربية على لسان مصدر مسؤول بالأمانة العامة، دعمها العملية السياسية من خلال التنفيذ الكامل لاتفاق الصخيرات الموقع في ديسمبر (كانون الأول) 2015، باعتباره المرجعية الوحيدة للتسوية في ليبيا، معربة عن القلق من التصعيد العسكري، الذي يفاقم الوضع المتأزم في ليبيا، ويهدد أمن واستقرار دول الجوار الليبي، والمنطقة كلها، بما فيها المتوسط. وأكدت أن التسوية السياسية «تظل من المنظور العربي هي الحل الوحيد لعودة الأمن والاستقرار إلى ليبيا».
وأوضح المصدر أنه تنفيذاً لقرار مجلس الجامعة، فقد أجرى الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، اتصالاً هاتفياً، أمس، مع السكرتير العام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تناول خلاله آخر تطورات الموقف في ليبيا، كما أطلعه على فحوى قرار مجلس الجامعة الأخير بهذا الخصوص، ونقل له قلق الدول الأعضاء من تداعيات تصعيد الموقف على النحو الجاري حاليا.
وفي ليبيا، أدان مجلس النواب الليبي والحكومة المؤقتة في شرق البلاد، قرار البرلمان التركي، بينما تصاعدت حالة الغضب لدى بعض المكونات السياسية في البلاد.
وقال المتحدث باسم مجلس النواب الليبي، عبد الله بليحق، في تصريح صحافي، أمس، إنه «تقرر دعوة أعضاء المجلس غداً (السبت) لجلسة عاجلة بمدينة بنغازي لمناقشة تداعيات التدخل التركي السافر في ليبيا، وموافقة البرلمان التركي على إرسال قوات غازية إلى ليبيا»، واعتبر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القرار «يعد غزوا استعماريا لليبيا، وانتهاكا خارقا لسيادتها، وسنواجهه بكل قوة».
من جانبه، قال العقيد خالد المحجوب، مدير إدارة التوجيه المعنوي في قوات حفتر، إن «القوات التركية لن تغير شيئا في المعركة. نحن على أعتاب طرابلس، وسنكثف من غاراتنا على أي مطارات ستستقبل هذه القوات». فيما قال المتحدث باسم الإعلام الحربي التابع لقوات حفتر المنذر الخرطوش: «لا للإحباط والكلام عن التدخل التركي، وعلى إرسال قوات مرتزقة يحملون الجنسية السورية وغيرها. لقد رفعنا منذ البداية لواء الجهاد ضد المستعمر. فقد قاتلنا تنظيم (داعش) بمختلف الجنسيات... والوضع الآن في العاصمة لا يختلف، ولن يختلف بعد الدخول التركي».
كما اعتبر «حرك مانديلا»، الداعم لسيف الإسلام القذافي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن موافقة البرلمان التركي «يعتبر انتهاكاً معلناً واستعماراً لليبيا». وقال المتحدث باسم الحراك عبد المنعم أدرنبة: «رغم اختلافنا في توجهاتنا اليوم، فإنه يجب أن نتحد ضد هذه المهزلة»، مشددا على دعوة الجميع «للاستعداد للدفاع عن ليبيا، والرفض القاطع لكل ما تقوم به حكومة الوفاق غير المسؤولة من إجراءات».
وفي المغرب، قال الحسن عبيابة، الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، أمس، إن بلاده مستعدة لبذل أي مجهود لحل الأزمة في ليبيا. مشيرا إلى أن «المغرب يحترم السيادة الليبية»، وأن الرباط «تحترم كل المجهودات التي بذلت من أجل تنفيذ اتفاق الصخيرات»، الذي اعتبره «مرجعيا».
وفي الجزائر، قالت السلطات إنها ترفض وجود أي قوة أجنبية «مهما كانت» في الجارة ليبيا.
ففي تصريح للصحافة على هامش إرسال مساعدات إنسانية إلى ليبيا، قال صبري بوقادوم، وزير الشؤون الخارجية، إن الجزائر «ستقوم في الأيام القليلة القادمة بالعديد من المبادرات في اتجاه الحل السلمي للأزمة الليبية ما بين الليبيين فقط»، مضيفا أن الجزائر «لا تقبل بوجود أي قوة أجنبية مهما كانت».
وبعد تذكيره بموقف الجزائر الثابت بخصوص عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، جدد الوزير التأكيد أن «لغة المدفعية ليست هي الحل، وإنما يكمن الحل في التشاور بين جميع الليبيين وبمساعدة جميع الجيران وبالأخص الجزائر».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.