تحديات الاتحاد الأوروبي الرئيسية في 2020

ماكرون لدى اختتام قمة أوروبية ببروكسل في 13 ديسمبر الماضي (أ.ب)
ماكرون لدى اختتام قمة أوروبية ببروكسل في 13 ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

تحديات الاتحاد الأوروبي الرئيسية في 2020

ماكرون لدى اختتام قمة أوروبية ببروكسل في 13 ديسمبر الماضي (أ.ب)
ماكرون لدى اختتام قمة أوروبية ببروكسل في 13 ديسمبر الماضي (أ.ب)

أخيراً؛ وبعد أكثر من 3 سنوات من الجدل العقيم وتغيير 3 رؤساء حكومة و3 انتخابات عامة وكثير من الإثارة والمشهدية الدرامية، ستحقق بريطانيا ما طلبه مواطنوها في استفتاء جرى في عام 2016 بالخروج من الاتحاد الأوروبي ليتراجع عدد أعضائه من 28 إلى 27 عضواً.
لكن الخروج الرسمي المنتظر نهاية يناير (كانون الثاني) 2020 لا يعني أن المسائل الخلافية قد حسمت؛ إذ ما زالت «خريطة الطريق» العملية تحتاج إلى جهود جبارة وساعات طويلة من المفاوضات والتغلب على المسائل المعلقة لتستعيد بريطانيا حريتها.

- «بريكست»
في الأحوال كافة، ومهما كانت الطريق للخروج متعرجة، إلا إنها المرة الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي الذي يقرر فيه عضو (وهو في حالة بريطانيا من الأطراف الرئيسية)، التخلي عن انتمائه إلى إحدى أهم المجموعات الإقليمية في العالم التي رأت النور بعد الحرب العالمية الثانية ونجحت في تحقيق الصلح والمحافظة على السلام في القارة القديمة. ويكمن التحدي الذي يواجهه الاتحاد في إنجاح عملية الخروج وتحقيقه بأقل الخسائر لدى الطرفين، رغم أن المستشارة الألمانية سارعت إلى تحذير حكومة بوريس جونسون من تحويل بلاده إلى «سنغافورة جديدة» لا تحترم أصول المنافسة الشريفة وتسعى لاجتذاب الشركات من خلال تليين قوانين العمل. ولم يقل قادة أوروبيون أشياء بعيدة عما جاءت به المستشارة الألمانية، ومنهم الرئيس الفرنسي، وجميعهم يؤكد على التمسك بقواعد واضحة للتعامل مع بريطانيا التي مانع الجنرال شارل ديغول طويلاً في انضمامها إلى «السوق الأوروبية المشتركة»، باعتبار أنها تنظر بالدرجة الأولى إلى ما وراء الحلف الأطلسي (أي الولايات المتحدة الأميركية) بدل أوروبا.
ثمة 5 تحديات رئيسية يواجهها «الاتحاد»، إضافة إلى «بريكست»، وكلها ذات أهمية قصوى. ولا شك في أنها ستكون مطروحة باستمرار في السنوات المقبلة.

- توسعة جديدة؟
أول هذه التحديات يتناول توسيع الاتحاد وضم بلدان جديدة إليه. والحال أنه اليوم هناك 5 بلدان، هي: ألبانيا، والجبل الأسود، ومقدونيا الشمالية، وصربيا وتركيا، منخرطة في مفاوضات مع الاتحاد، إضافة إلى مرشحَين محتملين هما البوسنة والهرسك من جهة؛ وكوسوفو من جهة أخرى. وثمة أصول وقواعد للانضمام تسمى «معايير كوبنهاغن» وتتناول الحريات بمختلف أنواعها، ودولة القانون، والنظام الاقتصادي الليبرالي. وتعود آخر توسعة لعام 2013 بانضمام كرواتيا إلى «الاتحاد» الذي انتقل من 6 أعضاء في عام 1957، إلى 28 عضواً في العام المذكور. والحال؛ أن صعوبات جمة أخذت تطرح على القادة الأوروبيين وفق ما حدث في 18 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؛ إذ رفض الرئيس الفرنسي إطلاق مفاوضات الانضمام مع ألبانيا وجمهورية مقدونيا الشمالية، الأمر الذي أثار حفيظة المستشارة ميركل التي عدت ذلك «خطأً تاريخياً»، واستجلب رداً قاسياً من رئيس المفوضية «وقتها» جان كلود يونكر. وحجة ماكرون الذي حظي بدعم هولندا، أنه «تتعين إعادة النظر في قواعد الانضمام» قبل مواصلة السير فيه.
وتمثل ألبانيا معضلة؛ حيث ثلث سكانها اضطر للهجرة بسبب الفقر والبطالة، ويشكل مواطنوها العدد الأكبر من طالبي اللجوء إلى فرنسا، وبالتالي فإن باريس «لا تفهم» كيفية التوفيق بين الانضمام من جهة؛ وحالة ألبانيا الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. وثمة مشكلة أعصى على الحل، وهي طلب تركيا الانضمام الذي قدمته أنقرة منذ 20 عاماً على الأقل، ولا يبدو أن في الأفق حلاً يمكن أن يرضي الجانب التركي نظراً لأوضاع حقوق الإنسان فيها، وغياب دولة القانون. من هنا، فإن إشكالية توسيع «الاتحاد» ستكون موضع جدل لسنوات، خصوصاً أن هناك من يطرح سؤالين متلازمين: أين يجب أن يتوقف التوسيع؟ ووفق أي قواعد تتعين إدارة هذه المجموعة الواسعة والمعقدة؟
حقيقة الأمر أن العلاقات الأوروبية مع تركيا تطرح مجموعة تحديات تحت أسماء مختلفة، أوّلها التوتير المستمر الذي يسم هذه العلاقات. فأنقرة دأبت على إطلاق التهديدات باتجاه أوروبا يوماً بتأكيد استعدادها لفتح الحدود أمام مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين؛ وأكثريتهم من سوريا، وآخر بشأن إعادة المئات من مقاتلي تنظيم «داعش» الإرهابي إلى البلدان الأوروبية التي يتحدرون منها. وبين «الاتحاد» وتركيا خلافات كبرى ليس أقلها سياسة أنقرة في سوريا وتدخلها العسكري هناك، أو سياستها البحرية الجديدة في المتوسط وسعيها لفرض نفسها قوة إقليمية تدوس القوانين الدولية والأعراف. وآخر تجليات هذه السياسة التنقيب عن الغاز في مياه ليست مياهها، وبحجج لا تستقيم وفق منطوق قوانين البحار، وبالتالي فإنها تثير التوترات مع دولتين عضو في «الاتحاد» وهما قبرص واليونان، إضافة إلى دول إقليمية أخرى. لكن مشكلة أوروبا أنها تعاني من مَكْمَنَيْ ضعف: الهجرات من جهة؛ ومقاتلو «داعش» المعتقلين من جهة؛ وهما ورقتا الضغط التركية.

- توحيد السياسات الخارجية والدفاعية
في سعيها للتخلص من تشبيه أنها «عملاق اقتصادي لكن رجلاه من طين»، تسعى أوروبا لبناء سياسة خارجية موحدة، خصوصاً لبناء قوة عسكرية أوروبية تكون قادرة على التعاطي مع التحديات الأمنية التي يمكن أن تواجهها من غير الحاجة للحلف الأطلسي. وبطلا هذه الدعوة هما بلا منازع ماكرون وميركل: الأول يكرر أنه «لا يمكن توفير الحماية للأوروبيين إن لم نقرر بناء جيش أوروبي وبمواجهة روسيا، الموجودة على حدودنا، والتي تبدو أحياناً مهددة. علينا أن نقيم أوروبا القادرة على الدفاع عن نفسها أكثر فأكثر من غير الحاجة للولايات المتحدة وبشكل سيادي». والثانية دعت في الفترة عينها أمام البرلمان الأوروبي في استراسبورغ إلى «بلورة رؤية تتيح لنا الوصول يوماً إلى قيام جيش أوروبي حقيقي»، مقترحة إنشاء «مجلس أمن أوروبي» مهمته اتخاذ القرارات المهمة في المسائل الدفاعية والأمنية. وحتى اليوم، ليس لأوروبا «دفاع أوروبي»، بل هناك مجموعة من مشاريع التعاون الدفاعي والصناعي المحدودة.
بيد أن هذا «الدفاع» يفتقر إلى عقيدة عسكرية موحدة، كما يفتقر لقوة عسكرية للتدخل السريع ولقيادة مشتركة. وما يعوقه سياسياً واستراتيجياً أن دول البلطيق وأخرى شرق أوروبا، وعلى رأسها بولندا ورومانيا، لا ترغب في الاستبدال بالمظلة الأطلسية «الأميركية» مظلة أوروبية غير موجودة بسبب خوفها الدائم من روسيا، التي بينت في ضمها شبه جزيرة القرم أنها تسعى لاستعادة مجدها السابق. لذا، فإن مشروع «الجيش الأوروبي» و«الاستقلالية الاستراتيجية» العزيزين على قلب ماكرون وميركل لن يريا النور في المستقبل المنظور؛ وفي أي حال لن يكونا بديلاً عن الحلف الأطلسي. وشخّص وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين وضْع أوروبا بأنها «تعاني من الشلل الاستراتيجي»، مما يعني أن موضوع الدفاع الأوروبي سيكون التحدي الدائم للسنوات المقبلة.

- دور الـ«ناتو»
في قمة الحلف الأطلسي الأخيرة في لندن (3 و4 ديسمبر/ كانون الأول الماضي) أثارت عبارة ماكرون عن «موت الحلف السريري» جدلاً واسعاً وردود فعل مستهجنة من غالبية الأعضاء؛ وعلى رأسهم الرئيس الأميركي. وبغض النظر عن نية الرئيس الفرنسي الاستفزازية الواضحة في انتقاء العبارات، إلا إن ما قاله يضع الأصبع على نوعية العلاقات المستقبلية بين جناحي الحلف؛ الأوروبي والأميركي، الأمر الذي يشكل تحدياً من الطراز الأول للأوروبيين الذين رأوا أن الشريك الأميركي في عهد الرئيس دونالد ترمب لا يعيرهم كبير اهتمام.
والدليل؛ أنه خرج من اتفاقية الصواريخ النووية متوسطة المدى من غير استشارتهم، وأنه سيتخلى عن اتفاقية «ستارت» بعيداً عنهم، فضلاً عن أن مواقفه من الحلف متأرجحة، وهو «يغمسهم»، كما تركيا؛ العضو في الحلف، في مسائل يفترض توضيحها، مثل تفعيل البند الخامس من معاهدة الحلف، الذي ينص على الدفاع عن أي عضو يتعرض لاعتداء خارجي. وما يريده ماكرون جهاراً وآخرون سراً أن يعيد الحلف النظر في استراتيجيته ويحدد من هم أعداؤه وما دوره. وكلها أسئلة استراتيجية؛ وعلى رأسها العلاقة مع موسكو، وهي التحدي الدائم ومصدر الانقسامات داخل الحلف كما داخل «الاتحاد».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».