روسيا تفتح ثلاث معارك لـ«شرعنة» الواقع السوري الجديد

صورة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته قاعدة حميميم نهاية 2017 (أ.ف.ب)
صورة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته قاعدة حميميم نهاية 2017 (أ.ف.ب)
TT

روسيا تفتح ثلاث معارك لـ«شرعنة» الواقع السوري الجديد

صورة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته قاعدة حميميم نهاية 2017 (أ.ف.ب)
صورة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته قاعدة حميميم نهاية 2017 (أ.ف.ب)

صعّدت روسيا في الأيام الأخيرة في سوريا، وفتحت ثلاث جبهات - معارك عسكرية وسياسية ودبلوماسية، لاعتراف الخصوم بـ«الواقع الجديد» والاستعداد لمقايضات محتملة مع تركيا خلال قمة الرئيسين فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، في إسطنبول في 8 يناير (كانون الثاني) المقبل، ومع دول غربية مع انتهاء صلاحية القرار الدولي الخاص بالمساعدات الإنسانية «عبر الحدود» في 10 الشهر المقبل.

الجبهة العسكرية

بعد هدوء منذ اتفاق سوتشي في سبتمبر (أيلول) 2018، شكّل أبريل (نيسان) نقطة تحول في إدلب مع بدء التصعيد، حيث تمكنت قوات الحكومة من السيطرة على ما لا يقل عن نحو 115 منطقة على مرحلتين: الأولى، 70 منطقة بدعم روسي من نهاية أبريل حتى مطلع شهر ديسمبر (كانون الأول). الأخرى، بدءاً من 17 ديسمبر، حيث أطلقت قوات روسية وسورية معركة أسفرت عن السيطرة على 45 منطقة، وأُجبر 320 ألفاً على النزوح، حسب الأمم المتحدة.
على عكس المرات السابقة، قادت القوات الروسية المعارك ولم تحصل استجابة لمطالب أنقرة بوقفها، في وقت أُفيد بوصول بعض الدعم لفصائل معارضة لوقف تقدم الحكومة جنوب شرقي معرة النعمان وتحسين أنقرة موقفها التفاوضي حيث استمرت المفاوضات بين عسكريين ودبلوماسيين وأتراك في موسكو لأيام عدة. بين الاقتراحات، تسيير دوريات روسية - تركية بين خان شيخون ومعرة النعمان وصولاً إلى سراقب باتجاه حلب، ما يعني فتح طريق «إم 5» واستعجال حسم مصير «هيئة تحرير الشام» خصوصاً في المنطقة العازلة بموجب اتفاق سوتشي، وتأجيل ملف «إم 4» بين اللاذقية وحلب إلى الربيع المقبل.
في حال أُنجز الاتفاق، تبقى تلك المنطقة بحماية الجانب التركي مع انتشار الروس في الطرف الشرقي من الطريق. عقبة أخرى، أن دمشق التي نشرت قواتها جنوب غربي حلب، تضغط لـ«الحسم العسكري» وفتح معركة نحو إدلب. صعب أن يحصل ذلك دون موافقة إيرانية التي تنشر ميليشياتها هناك. وكان هذا بين المواضيع التي بحثها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ونظيره الروسي سيرغي لافروف، في موسكو، أمس، استعداداً لقمة بوتين - إردوغان في 8 الشهر المقبل، حيث وضعت لهما خطط أقرب إلى توقيع مذكرة تفسير جديدة لاتفاق سوتشي.
وفي شرق الفرات، تَمثل التصعيد الروسي في رسم خطوط لمنع تقدم القوات التركية خارج منطقة «نبع السلام» بين رأس العين وتل أبيض. كما أن انكفاء الأميركيين إلى شرق المنطقة الواقعة شرق الفرات بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الانسحاب من شمال سوريا في 6 أكتوبر (تشرين الأول)، أدخل الروس لاعبين أساسيين هناك. ودخلت قوات الحكومة بموجب اتفاق بين «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) والنظام بوساطة روسية، إلى 35.6% من إجمالي سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» التي فقدت السيطرة على 23641 كيلومتراً، بعد أن كانت تسيطر على مساحة قدرها 52916 كيلومتراً مربعاً؛ 28.6% من مساحة سوريا. كما وافقت دمشق على تأجير مطار القامشلي للقوات الروسية لمدة 49 عاماً لاتخاذه مقراً للقوات الروسية على غرار ما حدث في قاعدة حميميم.

الجبهة السياسية

لم تمارس روسيا الكثير من الضغوط على دمشق كي تستقبل المبعوث الأممي غير بيدرسن، بعد انتهاء أعمال اللجنة الدستورية ولا كي تقدم مرونة في أعمال اللجنة الدستورية التي انطلقت في نهاية أكتوبر الماضي. صحيح أن الجولة الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) حققت بعض التقدم، لكن الجولة الثانية اصطدمت بإصرار وفد الحكومة على موافقة المعارضة على «مرتكزات وطنية» قبل بحث الإصلاح الدستوري. لكن التصعيد الروسي تَمثل أيضاً في توجيه لافروف انتقادات إلى مكتب بيدرسن ورفض وضع «برنامج زمني» لعمل اللجنة الدستورية، إضافةً إلى عدم ممارسة الكثير من الضغوط لتحريك الملف خلال اجتماع آستانة الأخير. تزامن ذلك مع توقيع ترمب «قانون قيصر» الذي يفرض عقوبات على دمشق، وأنباء عن عقوبات أوروبية جديدة، إضافة إلى تزامن هذا التشدد مع التوغل التركي شرق الفرات.
مع بداية العام، يتوقع دبلوماسيون أن تقدم موسكو بعض النصائح لدمشق لاستقبال بيدرسن وأن تتعاطى الحكومة السورية بجدية مع الاجتماعات المقبلة سواء بالشكل بحيث يسمى الوفد أنه «وفد الحكومة» وليس «الوفد المدعوم من الحكومة» أو «الوفد الوطني»، أو بالمضمون بالاتفاق على جدول أعمال الجولة المقبلة من أعمال اللجنة الدستورية.

ثلاث مواجهات دبلوماسية

الأولى، المساعدات الإنسانية: لأول مرة منذ 2014، صوّتت روسيا (والصين) الأسبوع الماضي، ضد تمديد قرار إيصال المساعدات الإنسانية لأربعة ملايين سوري، عبر الحدود الذي كان أمراً روتينياً. وصوّت باقي أعضاء مجلس الأمن الـ13 مع مشروع القرار.
وحاول معدو المشروع، الأربعاء، تخفيف المعارضة الروسية بالتخلي عن معبر على الحدود السورية مع الأردن بعد أن توقف استخدامه منذ 2018، وتقدمت روسيا خلال المفاوضات بمشروع قرار ينص على تمديد المساعدة ستة أشهر والاكتفاء بنقطتي العبور مع تركيا وغلق النقاط الموجودة مع الأردن والعراق، لكنها صوتت ضده لاحقاً. وهذا هو الفيتو الـ14 لروسيا ضد مشروع قرار حول سوريا منذ بداية النزاع في 2011 وثاني فيتو روسي خلال أربعة أشهر حول مشروع قرار على صلة بالوضع الإنساني في سوريا، الأمر دفع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، لانتقاد الفيتو «المعيب». وقال بومبيو مخاطباً موسكو وبكين إن «أيديكما ملطخة بالدماء».
موسكو أرادت دفع الدول الغربية إلى الاعتراف بـ«الأمر الواقع» الذي تضمن ارتفاع حصة الحكومة من أراضي سوريا إلى 72% بعدما كانت 10% في 2015. وقال السفير الروسي فاسيلي نيبينزا، إن الحكومة السورية «استعادت السيطرة على معظم أراضي» البلاد، وبالتالي فإن هذا القرار بات «ساقطاً». وأبلغ بوتين الرئيس السوري بشار الأسد، أمس، بدعمه «استعادة وحدة الأراضي السورية».
كما أرادت موسكو دفع الدول كي تقدم المساعدات الإنسانية عبر دمشق. وتنتهي مدة الترخيص الأممي في 10 يناير 2020 ولا يزال بإمكان أعضاء مجلس الأمن أن يبحثوا في تسوية.
الثانية، آلية التحقيق: لم يكن الملف الإنساني ساحة المواجهة الدبلوماسية الوحيدة بين روسيا والغرب، ذلك أن توتراً حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة لدى التصويت على تمويل «الآلية المستقلة للتحقيق في جرائم الحرب المرتكَبة في سوريا منذ مارس (آذار) 2011». إذ اعتمدت الجمعية ميزانية تشغيلية للعام المقبل بقيمة 3,07 مليار دولار، تتضمن للمرة الأولى تمويلاً مشتركاً للآلية، ذلك رغم معارضة روسيا. في المقابل، صوّتت الأمم المتحدة بأغلبية ساحقة ضد مشروع روسي بشأن الآلية دعا إلى «إلغاء جميع الإشارات والعبارات المتعلقة بالآلية الدولية المحايدة والمستقلة من الميزانية المقترحة لعام 2020.
الثالثة، حصلت في اجتماعات منظمة حظر السلاح الكيماوي بعد تسريب «إيميلات» عبر «ويكيليكس» شككت بمسؤولية الحكومة عن هجوم بالغاز السام في دوما في أبريل العام الماضي. وشنت القوى الغربية ضربات جوية استناداً إلى نتائج التحقيق.
وإذ تنفي موسكو ودمشق مسؤولية الحكومة عن الهجمات وشككت بنتائج التحقيق، فإن التسريبات جددت المواجهة والتشكيك بآلية عمل المنظمة التي بات بإمكانها تحديد المسؤولية وفق صلاحية جديدة لها. وقال دبلوماسي غربي: «نأسف لأن بعض الوفود أعطت أهمية أكبر للتسريبات الجزئية أكثر من التقرير الذي تم إعداده بطريقة صارمة»، بعد نشر «ويكيليس» رسالة بريد إلكتروني من محقق اتهم فيها المنظمة بتغيير النتائج الأصلية للتحقيق لجعل الأدلة على وقوع هجوم كيماوي تبدو أكثر حسماً.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.