السعودية... الثقافة صانعة التغيير

من معرض «روائع المملكة» الذي أقيم في روما
من معرض «روائع المملكة» الذي أقيم في روما
TT

السعودية... الثقافة صانعة التغيير

من معرض «روائع المملكة» الذي أقيم في روما
من معرض «روائع المملكة» الذي أقيم في روما

يمكن اعتبار عام 2019 عام «الثقافة السعودية» بامتياز، فهو العام الذي تم فيه وضع جميع الأحلام والتصوّرات واستراتيجيات المستقبل على الطريق السريعة، وهو العام الذي سيُحدث دويّاً هائلاً على الآتي من الأيام كونه العام الذي تحّولت فيه الثقافة، والفنون إلى محرك لـ«صناعة التغيير».
لقد شهد عام 2019 أكبر طفرة في النشاط الثقافي والفني السعودي القائم على استراتيجية «رؤية المملكة 2030»، وهي استراتيجية تجعل من الثقافة أسلوب حياة ورافداً مهماً في الاقتصاد الوطني، وتوفير منتج ثقافي مميز يساعد في رفع مستوى جودة الحياة في المملكة.
توّزعت الأنشطة الثقافية والفنية في كل أرجاء المملكة، وأهمها إطلاق «موسم الرياض» الذي تجاوز عدد زواره 11 مليون زائر واستمر حتى 15 ديسمبر (كانون الأول)؛ واستضاف خلال تلك الفترة كثيراً من الفعاليات والحفلات لكبار نجوم الوطن العربي والعالم، واعتبر الأضخم على مستوى الشرق الأوسط؛ وتجاوز عدد فعالياته 3 آلاف فعالية.
- عودة الفنون للمدارس
وقبل يوم من مضي عام 2019، أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، عن «مفاجأة سارة خاصة بالتعليم الأسبوع»، ويتوقع أن تعلن اليوم، كما يتوقع أن تشمل التعاون مع وزارة التعليم في تعميم مناهج الفنون (موسيقى ومسرح) في المناهج الدراسية.
وكان وزير الثقافة قد عقد في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) اجتماعاً مع وزير التعليم الدكتور حمد بن محمد آل الشيخ، حيث تم بحث التعاون بين وزارتي الثقافة والتعليم لتحقيق الأهداف الاستراتيجية ذات الصلة. وتم الاتفاق على إدراج الثقافة والفنون في مناهج التعليم العام والأهلي، إضافة إلى نقل صلاحية إعطاء التصاريح والرخص للأنشطة والمسارات الثقافية والفنية إلى وزارة الثقافة، وأن يكون لوزارة الثقافة التصريح للمعاهد والجامعات والكليات والمدارس الأهلية للبرامج والأنشطة والمسارات التعليمية المستحدثة في الثقافة والفنون.
وتم الاتفاق المبدئي لدراسة نقل إنشاء وإصدار التصاريح للمعاهد والكليات والمدارس الأهلية المتخصصة في مجالات الثقافة والفنون إلى وزارة الثقافة، كما تم الاتفاق المبدئي بين الوزارتين على تفعيل واستخدام وتشغيل مرافق وزارة التعليم كالمسارح المدرسية والجامعية.
- الثقافة نمط حياة
وبدأ العام بإطلاق الاستراتيجية الوطنية للثقافة، (أطلقت مساء الأربعاء 27 مارس/ آذار 2019 في مركز الملك عبد العزيز التاريخي في الرياض)، وأعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة أن وزارة الثقافة «سيكون لها دور كبير في تحقيق رؤية المملكة 2030، حيث ستقود جهود تنمية القطاعات الثقافية والفنية في المملكة، بما يثري نمط حياة الفرد ويشجّع على التعبير والحوار الثقافي».
وتمّ الكشف كذلك عن رؤية وتوجهات أول وزارة للثقافة في تاريخ السعودية، التي تحدّد 3 تطلعات رئيسية؛ هي: تكريس الثقافة نمط حياة، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة الدولية.
كما تضمّنت الإعلان عن 27 مبادرة لتحقيق هذه التطلعات، التي تعد أول حزمة من المبادرات. ومن أبرز المبادرات المعلنة: تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وإنشاء صندوق «نمو» الثقافي، وإطلاق برنامج الابتعاث الثقافي، وتطوير المكتبات العامة، وإقامة مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي. وتنتمي هذه المبادرات الـ27 إلى 16 قطاعاً ثقافياً تخدمها الوزارة وهي: اللغة، والتراث، والكتب والنشر، والموسيقى، والأفلام والعروض المرئية، والفنون الأدائية، والشعر، والفنون البصرية، والمكتبات، والمتاحف، والتراث الطبيعي، والمواقع الثقافية والأثرية، والطعام وفنون الطهي، والأزياء، والمهرجانات والفعاليات، والعمارة والتصميم الداخلي، التي تُشكّل في مجموعها كل المسارات الثقافية التي تنشط فيها المواهب السعودية في مختلف مناطق المملكة.
وشاركت السعودية في الدورة 40 لمؤتمر اليونيسكو، منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، حيث أكدت المملكة في كلمتها التي ألقاها وزير الثقافة، أهمية تعزيز العلوم والثقافة والفنون للمساهمة في إفشاء الحوار والتواصل بين الأمم، من أجل حاضر مزدهر ومستقبل أفضل للأجيال القادمة.
وفي 21 مايو (أيار) 2019، شاركت وزارة الثقافة في مؤتمر «الثقافة والتنمية المستدامة» الذي نظمته الجمعية العامة للأمم المتحدة بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، في مقر الأمم المتحدة الرئيسي بنيويورك بالتزامن مع «اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية».
- البينالي العالمي للفن المعاصر
في 5 نوفمبر 2019، استضافت وزارة الثقافة بينالي «بينالسور» للفن المعاصر في دورته الثانية، حيث حطّ رحاله في المملكة للمرة الأولى في الشرق الأوسط، بعد أن تنقّل عبر القارات الخمس. و«بينالسور» هو وليد المنصة العالمية للحوار الثقافي والفني العالمي «بينالي» التي تعد واحدة من أشهر وأهم المنظمات الثقافية في العالم، بتاريخها العريض الذي يمتد إلى أكثر من 120 سنة. وقد توسع مفهوم «البينالي» ليتجاوز حدود الفن المعاصر ويشمل الموسيقى والسينما والمسرح، وظهر نتيجة هذا التوسع معرض «بينالسور» المتجوّل، الذي يسعى لمحو المسافات وكسر الحواجز والاحتفاء بالفردية ضمن إطار التنوع.
- 14 جائزة ثقافية للمبدعين السعوديين
في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، أعلن وزير الثقافة عن مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» للاحتفاء بإنجازات المبدعين السعوديين في القطاعات الثقافية الـ16 الرئيسية التي اعتمدتها الوزارة في وثيقة رؤيتها وتوجهاتها.
وحددت وزارة الثقافة 14 جائزة تغطي المجالات الثقافية كافة؛ من بينها جوائز للرواد وللشباب وللمؤسسات الثقافية. وتتوزع الجوائز على 4 مسارات، هي: جائزة الروّاد، وجائزة الثقافة للشباب، وجائزة المؤسسات الثقافية، بالإضافة إلى المسار الرابع الذي يشتمل على 11 جائزة تمثل القطاعات الثقافية كافة.
- «عام الخط العربي»
في 19 ديسمبر 2019، أعلن وزير الثقافة السعودي، تسمية عام 2020 بـ«عام الخط العربي» احتفاءً بالخط العربي وتقديراً لما يُمثله من أهمية في التعبير عن مخزون اللغة العربية، وما يمتلكه من تاريخ وجماليات في هندسته وتفاصيله وأشكاله، تزامناً مع الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية.
- «آرتاثون الذكاء الاصطناعي»
في هذه الأيام الأخيرة من العام، أعلن عن استضافة الرياض أول مسابقة «آرتاثون الذكاء الاصطناعي»، التي تقام من 23 إلى 25 يناير (كانون الثاني) 2020. وهي أول مسابقة آرتاثون للفن القائم على الذكاء الاصطناعي، وذلك لخلق الوعي حول الذكاء الاصطناعي من خلال الفنون ومجالات التصميم. وتهدف إلى دمج مجموعة من الفنانين الرقميين وخبراء الذكاء الاصطناعي في شكل فرق لإنتاج أعمال فنية قائمة على الذكاء الاصطناعي، وسيتم اختيار أفضل 10 أعمال فنية ليتم عرضها في معرض فني بالقمة العالمية للذكاء الاصطناعي 2020.
- جمعية التراث الصناعي
في 29 أبريل (نيسان) 2019، أعلن عن تأسيس الجمعية السعودية للمحافظة على التراث الصناعي بدعم من وزارة الثقافة، إضافة إلى تأسيس برنامج يُعنى بالتراث الصناعي، وقال وزير الثقافة إن «السعودية تمتلك بالفعل تراثاً صناعياً ضارباً في جذور التاريخ يمتد إلى آلاف السنين، ولديها معالم حضارية شهيرة تستحق الرعاية والاهتمام».
ويُعد التراث الصناعي من الأنماط الحديثة المرتبطة بالتطور الصناعي في العالم، ويُقصد به الإنجازات الاجتماعية والهندسية التي صنعها الإنسان بعد النهضة الصناعية، ويشمل ذلك بقايا الثقافة الصناعية القديمة، سواءً التكنولوجية أو الاجتماعية أو المعمارية أو العلمية، ويتكون من المباني والآلات والمصانع والمناجم ومواقع التكرير والمستودعات. وتتميز المملكة العربية السعودية بتاريخ قديم في التراث الصناعي يتمثل في المحطات القديمة لتحلية المياه ولتكرير النفط، ومناجم التعدين والإسمنت، إضافة إلى بقايا خط التابلاين وما يحتويه من محطات ومبانٍ وتاريخ وطني طويل ابتدأ منذ عام 1947.
كما أطلقت وزارة الثقافة أول مسابقة وطنية لتوثيق «التراث الصناعي»، وفي مسابقة التراث الصناعي، تجاوز عدد المشاركات حاجز الـ800 مشاركة، رصد من خلالها المشاركون مواقع للتراث الصناعي في مختلف مناطق المملكة.
- «الأعشى» في منفوحة
وتبّنت وزارة الثقافة السعودية في 13 ديسمبر 2019 تنظيم فعالية «حياة الأعشى» ضمن مشروعها لإحياء التراث العربي والاحتفاء برموزه، حيث ستحتفي الفعالية بتاريخ الشاعر العربي «الأعشى»، وتستعرض في فقرات متنوعة مسيرته الكبيرة مع الأدب والشعر ورحلة حياته التي قضاها في حي منفوحة التاريخي بالرياض.
ومن المقرر أن تنطلق الفعاليات في شهر مارس (آذار) 2020، وستقام في حي منفوحة سنوياً، متضمنة أنشطة وفعاليات ثقافية تُعرض في إطار قصصي موحد، لتقدم للزائر تجربة تفاعلية يتعرف خلالها على حياة الأعشى وتاريخ حي منفوحة العريق ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في تلك الحقبة.
- مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي
مع تدشين مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، أعلن عن فتح باب تقديم الأفلام لدورته الأولى التي تُقام في المنطقة التاريخية في جدة في مارس (آذار) 2020. يضم المهرجان إبداعات سينمائية عالمية وعربية وسعودية في فئات الفيلم الطويل، والقصير، والسينما التفاعلية.
وتم اختيار محمود صبّاغ مديراً للمهرجان ورئيساً تنفيذياً، وستنطلق نسخته الأولى بأبعاد إقليمية ودولية، وفق ما كشفته في خطتها التفصيلية. وأعلن المهرجان عن تفاصيل برنامج «معمل البحر الأحمر» لتطوير مشاريع وسيناريوهات الأفلام الطويلة، ينطلق بالتعاون مع الشريك الأكاديمي «تورينو فيلم لاب».
يذكر أن وزارة الثقافة أقامت دورة «مهارات التمثيل الاحترافي» نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، ونظمتها بالتعاون مع مدرسة الفنون السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا. وتعد هذه الدورة ثالث الدورات التدريبية في برنامج تطوير المواهب في صناعة الأفلام الذي أطلقته وزارة الثقافة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، واشتمل على دورة في «صناعة الأفلام» بالتعاون مع المعهد البريطاني لصناعة الأفلام، ودورة في مهارات «صناعة الأفلام تحت خط الإنتاج» بالتعاون مع المعهد البريطاني لصناعة الأفلام واستوديو باين وود.
كما أطلقت الوزارة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أكبر مسابقة لتمويل الأفلام السعودية بجوائز تصل إلى 40 مليون ريال. وأطلقت على المسابقة «ضوء» وتهدف إلى دعم الأفلام السعودية ضمن برنامج جودة الحياة، وذلك لتمكين المواهب الوطنية الناشطة في مجال صناعة الأفلام عبر 4 مسارات تشمل دعم نصوص السيناريو، وتطويرها، ودعم إنتاج الأفلام، إلى جانب دعم أفلام الطلاب السعوديين الذين يدرسون تخصص صناعة الأفلام في المعاهد والجامعات العالمية.
- «أكاديميات الفنون»
في 18 أغسطس (آب) 2019، وجه وزير الثقافة بتأسيس أكاديميات للفنون، ضمن مبادرات برنامج جودة الحياة، حيث ستنطلق أكاديميات الفنون بأكاديميتين في المرحلة الأولى؛ واحدة متخصصة في التراث والفنون التقليدية والحرف، وستبدأ في استقبال طلبات الالتحاق بها في خريف 2020 وتستهدف ألف طالب ومتدرب في البرامج طويلة وقصيرة المدى. فيما ستكون الأكاديمية الثانية خاصة بالموسيقى وستستقبل ألف طالب ومتدرب ابتداءً من عام 2021.
وتأتي الأكاديميتان ضمن المبادرات الـ27 التي أعلنتها الوزارة كحزمة أولى، وذلك سعياً من الوزارة لرفد القطاع الثقافي بالمخرجات المميزة.
قبل ذلك، وفي 27 مارس 2019، أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان اختيار مركز الملك فهد الثقافي بالرياض مقراً للفرقة الوطنية للمسرح، والفرقة الوطنية للموسيقى التي تم الإعلان عنهما ضمن مبادرات وزارة الثقافة.
- مسابقة الفلكلور الشعبي
وفي الشهر التاسع من هذه السنة، أعلن عن إطلاق مسابقة الفلكلور الشعبي، وذلك ضمن مشروعها الوطني لتوثيق التراث غير المادي في السعودية الذي يهدف لحصر جميع أوجه التعبير الشفهي والأدائي التي تتميز بها مناطق المملكة بتنوع ثقافاتها. وتأتي مسابقة الفلكلور الشعبي لخدمة هذا الاتجاه عبر إحياء الفلكلور الشعبي وتحفيز جميع أفراد المجتمع في المملكة للمشاركة في تسجيل كنوز الفلكلور الشعبي بفيديو أو مقطع صوتي في 3 مسارات محددة؛ هي: الرقص الشعبي، والموسيقى الشعبية، والحكايات والأساطير الشعبية.
- سجل وطني للفنون
في 16 يوليو (تموز) 2019، وجه مجلس الوزراء وزارة الثقافة بإعداد سجل وطني للأعمال الفنية، والتعميم على كل الجهات الحكومية بتزويد الوزارة ببيانات الأعمال التي لديها؛ لتكون للوزارة قاعدة بيانات متكاملة حيال تلك الأعمال. وسيكون «السجل الوطني للأعمال الفنية» دليلاً وقاعدة بيانات للأعمال الفنية بكل أشكالها في المملكة، بهدف حفظ هذه الأعمال وجمعها، ما سيسهم في استثمار هذا الدليل للترويج والتعريف بها وتسهيل الوصول إليها من قبل الدارسين والباحثين والمهتمين وحفظها من الضياع.
- مهرجان الجنادرية إلى «الثقافة»
في 16 يوليو 2019، وجه مجلس الوزراء نقل المهمات المتعلقة بإقامة وتنظيم فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة «مهرجان الجنادرية»، من وزارة الحرس الوطني إلى وزارة الثقافة.
واستطاع مهرجان الجنادرية، الذي تعود بداياته إلى عام 1985، أن يسجل حضوراً مميزاً كل عام في المملكة. وأضحى من أهم المناسبات الثقافية في مجالات الثقافة والتراث والفنون، التي يحضرها قيادات سياسية وكبار المسؤولين ومفكرون وأدباء من مختلف دول العالم.
وكان مجلس الوزراء، قرر في مايو (أيار) 2019 نقل المهمات والنشاطات المتصلة بالثقافة إلى وزارة الثقافة، إذ تم نقل جميع أنشطة الأندية الأدبية والمجلة العربية ومركز الملك فهد الثقافي بالرياض وبقية المراكز الثقافية الأخرى في مختلف مناطق المملكة من وزارة الإعلام إلى وزارة الثقافة. كما انتقل الإشراف على الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، والجمعية السعودية للفنون التشكيلية، وجمعية الطوابع، وجمعية التصوير الضوئي، والجمعية السعودية للكاريكاتير والرسوم المتحركة، وجمعية المسرحين، وجمعية الخط العربي، وجمعية الناشرين السعوديين، وجمعية المنتجين السعوديين، إلى وزارة الثقافة.
وفي مطلع مايو (أيار) 2019، بدأت وزارة الثقافة تسلّمها لقرية المفتاحة، والإشراف على القرية وتشغيلها وصيانتها، وتقع القرية في عسير، وتعد المفتاحة من المعالم السياحية البارزة في المملكة، ورغم عمرها الممتد لمئات السنين فإن فكرة استثمارها سياحياً بدأت عام 1990، حيث تم تحويلها إلى متنفس إبداعي يضم مركز الملك فهد الثقافي ومقر المفتاحة الأثري ومحلات الحِرف إضافة إلى مسرح المفتاحة الذي يعد من أكبر المسارح في المملكة.



بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».


الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)
TT

الفنان السعودي خالد بن عفيف: تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة مصدر سعادة لي

خالد بن عفيف (إنستغرام)
خالد بن عفيف (إنستغرام)

إن بحثت عن الفنان السعودي خالد بن عفيف فستجده غالباً محاطاً بمجموعة من الناس أو متأملاً في الطبيعة، لكنه ليس بمعزل أبداً عن قضايا وتقنيات عصره. فهو منشغل دائماً بالتحليل والتدقيق في كل ما يمكن أن يؤثر على جودة حياة الإنسان. في هذا الحوار، اقتربت «الشرق الأوسط» من عالمه الفني والإنساني للتساؤل عن علاقته بالطين وعن آرائه حول موضوعات مثل الموروث وحياة المدينة وإعادة التدوير.

جدي والطين

تبدأ الحكاية من مكة المكرمة مع طفل يحب صناعة الأعمال الفنية والمجسمات: «كنت أكثر من ينتج أعمالاً فنية بين أقراني، أصنع مجسمات لطيارات وأجنحة متحركة، أرتديها على ظهري وأدور بها في الحارة. أتذكر الفرح الذي كنت أنشره بين أصدقائي بأعمالي». لاحقاً، اتجه بن عفيف إلى الرسم واحتراف التصوير، وعمل مدرباً للتصوير المفاهيمي، ثم انجذب للعمل بالخامات، وبشكل خاص أسره العمل بالطين، ليكتشف أن هذا الحب ليس مستحدثاً، بل موروثاً.

قرّر بن عفيف أن يجمع بين أساليب جدّه وتقنيات العصر الحديث عبر طابعة الطين (إنستغرام)

يحكي بن عفيف عن زيارة قام بها أخوه للاستديو الخاص به، وتركت تأثيراً على مسيرته الفنية، سأله أخوه عن سبب استخدامه للطين في أعماله، لم يستطع بن عفيف تقديم إجابة واضحة، ثم شاركه أن أحد أجداده كان يعمل بالطين، يقول: «هذه المعلومة حرّكت مشاعري، وفي ذلك اليوم حلمت أن جدي كان يوصيني». بالإضافة إلى هذا الموقف، كان بن عفيف منشغلاً بهندسة المباني الطينية ومقدرتها على الصمود وتفاعل الإنسان مع بيئته، وأيضاً كان مهتماً بتقنية طابعة البلاستيك، لذا قرر أن يجمع بين أساليب جده وتقنيات العصر الحديث، وكانت النتيجة، صناعة طابعة الطين «جمعت الرمل من مكة مسقط رأس والدتي حيث أكملت تعليمي، ونجران والمدينة المنورة والرياض مستلهماً هذه الفكرة من تكوين آدم عليه السلام، حيث خلقه الله من قبضة جمعت من شتى بقاع الأرض. كان هدفي من تصميم طابعة الطين أن أعبر عن افتخاري بالجانب الفكري والإبداعي والعلمي لما ورثناه عن أجدادنا وعن أصالة هذا الموروث».

نظريات التسويق في الفن

خلال مسيرته التعليمية، تخصص بن عفيف في الهندسة والتسويق، كما طوّر معرفته بمجال التقنية، ليسخر كل هذه المعارف في ممارسته الفنية: «استعنت بفهمي لعلوم التسويق، من سلوك المستهلك وفلسفة اتخاذ القرار ونظريات الولاء، لأطرح أعمالاً تجذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور». يشرح سبب استعانته بالتقنيات المختلفة في أعماله: «إنسان هذا العصر متطور، وعيناه مشبعتان بالألوان والجمال وتعقيدات المباني والأضواء، لذا على الفنان أن يطرح أفكاره بالأسلوب واللغة التي تتناسب مع المتلقي» ويضيف: «من المهم أن يكون العمل الإبداعي متصلاً بالفنان، بما يملكه من ثقافة ومعتقدات وهموم، وما عايشه في طفولته، وبذلك يصبح العمل صادقاً بغضّ النظر عن جماليته أو الخامات المستخدمة فيه».

عمل «ثمار من الأرض» (إنستغرام)

الحديث عن توظيف التقنيات في الفن يؤدي للسؤال؛ هل توافق على أن الأعمال المعاصرة التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة باتت منشغلة بإبهار المشاهد من ناحية الشكل والتقنية المستخدمة أكثر من انشغالها بإثارة مشاعر وفكر المتلقي؟ يرى أن أسلوب الاستعانة بالتكنولوجيا في الأعمال الفنية على مستوى العالم العربي ما زال حديثاً، وفي طور التجربة، ما عدا بعض التجارب الناجحة. وأن الإشكالية من وجهة نظره، تكمن في اتساع الفجوة بين معرفة الفنان التقنية - كإلمامه بعلوم الحركة والبرمجة وغيرها - وبين انشغاله الفني والرسالة التي يسعى لإيصالها إلى جمهوره، ما يجعل التركيز ينصرف إلى الشكل الخارجي وعامل الإبهار على حساب الرسالة والمضمون، يوضح: «أنا دائماً أحرص في أعمالي الفنية أو حين أشرف على إنتاج أعمال لفنانين آخرين، على عدم إقحام التقنيات في العمل، وإنما استخدامها في إطار ما يخدم الفكرة».

دعوة للتعاطف مع البلاستيك!

تُظهر أعمال بن عفيف تفاعلاً واهتماماً جلياً بالطبيعة، مع ذلك وفي حوار سابق له أبدى تعاطفاً مع البلاستيك، المادة التي تعدّ من أخطر التحديات البيئية المعاصرة. عبر عن هذا التعاطف من خلال عملين فنيين. كانت تجربته الأولى بعنوان «بين زرقتين»، حيث أعاد تشكيل قوارير الماء الفارغة، وأضاف إليها سوائل ملونة، ونسقها في تصميم أسطواني. في هذا العمل، حوّل بن عفيف قوارير الماء إلى بلورات تتوهج عند ملامستها للضوء. قدّم فكرة مقاربة في عمله الجديد «ثمار من الأرض»، الذي يتكون من هيكل حديدي على شكل شجرة كبيرة وقوارير ماء ملونة تمثل الأوراق والأغصان. يقف العمل بشموخ الشجرة المعمرة بين أحضان الطبيعة، في المزرعة التابعة لمركز الدرعية لفنون المستقبل، ضمن الأعمال المشاركة في المعرض الحالي «من الأرض». في بيانه الفني، أوضح أن العمل يحتفي بجمال المواد الطبيعية ومن ضمنها البلاستيك، كونها جزءاً من الأرض.

عمل «بين زرقتين» (إنستغرام)

بعد تأمل هذه التجارب الفنية، يبرز سؤال ملحّ، «ألا تجد تناقضاً بين اهتمامك بالبيئة والطبيعة وتعاطفك مع مادة تضرّ بها؟» يجيب بن عفيف: «أتفق تماماً، لكن إذا فكرنا في الماء على سبيل المثال، فهو من ناحية يعدّ أساساً للحياة، ومن ناحية أخرى هو قادر على إنهاء حياة إنسان. كذلك قرأت كثيراً في قضايا إعادة التدوير، ووجدت أن هذا الملف يحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية، تفوق كونه شأناً بيئياً محضاً». ينظر إلى البلاستيك على أنه خامة نبيلة، بل نعمة للإنسان، فهو يملك مزايا عديدة، منها انخفاض التكلفة وسهولة التشكيل والتصنيع وقدرته على خدمة مجالات متعددة، ومنها الطب. يضيف: «تعاطفت مع البلاستيك، فهو يتعرض لاتهامات مضللة، بينما المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الاستخدام، وليس في المادة ذاتها».

الإنسان والمدينة

أينما نوجه الحوار يعيدنا بن عفيف للحديث عن الإنسان وتأثيره على أعماله: «كل عمل فني بالنسبة لي هو عبارة عن حالة وقضية لا تكتمل إلا بوجود الإنسان، لذا أعتبر أن جزءاً كبيراً من ممارستي الفنية هو حالة تفاعلية مع الإنسان». يجد بن عفيف في النقاشات التي تدور حول أعماله مصدر إلهام لأعمال أخرى، حتى إنه في بعض المرات يوجد قرب أعماله دون التصريح عن شخصيته، باحثاً عن جزء مفقود في فكرته قد يسد فراغه الجمهور.

عمل شارك به بن عفيف في متحف يوتا للفن المعاصر 2017 (إنستغرام)

وعن الغاية التي تحرك الفنان بداخله، يقول: «تحركني رغبة في إعادة تشكيل بعض المفاهيم المغلوطة، فالإنسان لم يخلقه الله ليشقى، بل معمراً للأرض». في السنوات الأخيرة، انشغل بن عفيف بتقديم أعمال تعكس الفرح والأمل: «أكون أكثر سعادة حين أتمكن من تحرير الإنسان من الآثار السلبية للمدينة، تلك التي وجدت أساساً من أجله، أما الآن فقد اختلف الحال بشكل كبير». يضيف: «أريد أن أذكر الناس من خلال أعمالي بأن الله قد كرمهم، وأن كل هذا الكون مسخر من أجلهم، وإن هم أيقنوا هذه الفكرة فلا أظن أنهم سيسلمون حياتهم للحزن والبؤس».