المشهد الثقافي المصري... حوار غائب وأسئلة حائرة

شهد افتتاح متحف نجيب محفوظ وعودة بينالي القاهرة بعد غياب

افتتاح متحف نجيب محفوظ
افتتاح متحف نجيب محفوظ
TT

المشهد الثقافي المصري... حوار غائب وأسئلة حائرة

افتتاح متحف نجيب محفوظ
افتتاح متحف نجيب محفوظ

يبدو المشهد الثقافي المصري في عام 2019 مثقلاً بأسئلة كثيرة، بعضها مهمش ومكرور، من جعبة السنوات السابقة بحكم التراكم الكمي، وبعضها مهم وحيوي يتحسس طريقه إلى فضاء مغاير للتعبير عن صورة المجتمع، ولتصبح الثقافة مرآة حقيقية له.
في صدارة الأسئلة المكرورة، يبرز سؤال: من الذي يصنع الثقافة في مصر؟ ورغم بداهة السؤال فإنه يبدو حائراً ومرتبكاً في سياق التصور السياسي للثقافة الذي تمثله وزارة معنية بهذا الشأن، تملك جهازاً إدارياً ضخماً، لكنه يحتاج إلى إعادة النظر والهيكلة والتطهير، ووضع خطط وبرامج أكثر جرأة وانفتاحاً على الحياة الثقافية بكل أطيافها وتبايناتها، بعيداً عن التكريس لثقافة النمط المسكونة بهواجس الماضي إلى حد التماهي والاستلاب.
وفي مواجهة هذا التصور تبرز ثقافة السؤال، المسكونة بقيم التنوير والحرية وإعمال العقل النقدي برؤى وأسس موضوعية صحيحة. تأخذ ثقافة السؤال حيزاً لافتاً من الطرح في كتابات كوكبة من الكتاب والباحثين المهمومين بقضايا الواقع، في حين تبدو المسافة شاسعة بين السؤالين، فالأول تحكمه في الغالب الأعم حسابات الكم والمصلحة، وسياسات ملء الفراغ، بينما يولي الآخر اهتماماً حاسماً بالمراجعة، ومساءلة الذات، وإطلاق قوى التجريب والمغامرة والتعدد الخلاق، من أجل الوصول إلى منجز ثقافي نوعي، له تميزه وطبيعته الخاصة.
لا تخلو هذه الصورة الحاكمة للمشهد الثقافي المصري التي تفترض التكامل لا القطيعة من مفارقات حادة بين المؤسسة الثقافية الرسمية بهياكلها النمطية الراسخة، وهي الأوسع والأكثر انتشاراً ونفوذاً، وبين الطرف الآخر الطليعي، ابن الهامش الضيق والنزوع الفردي والتجمعات والمنتديات الأدبية الصغيرة؛ الأمر الذي يطرح السؤال الثالث الهارب في ظلال هذين السؤالين السالفين، حول الثقافة كمسؤولية مجتمعية، وأنها ليست حكراً على جهة أو جماعة معينة، فالكل يصنع الثقافة بداية من عامل المقهى، حتى عالم الذرة. يرفد ذلك أن المشهد المصري بكل تداعياته مشهد خصب ومتنوع، يمتلك بنية تحتية قوية للعمل الثقافي في شتى المجالات، المسرح والسينما والموسيقي والفنون التشكيلية والشعبية، إضافة إلى المكتبات العامة والمتاحف، وثقافة الطفل، كما ينتشر أكثر من 500 بيت وقصر ثقافة في الأقاليم.
في هذا السياق ثمة فجوة، وحلقة مفقودة بين أطراف هذه المعادلة، فرغم النشاطات التي يعج بها هذا المشهد، فإنها لا تؤسس لحوار بنّاء ومتصل، يشد هموم المثقفين والمبدعين إلى آفاق أرحب وأعمق بدلاً من الثرثرة على السطح واستسهال حلول الترقيع والتسكين. كما يشكل في الوقت نفسه نواة لاستراتيجية ثقافية تنهض على مرتكزات وأسس واضحة المعالم والرؤى، يمكن من خلالها ضبط البوصلة بين الجماعة الثقافية والمؤسسة الرسمية المعنية، وتحفيزها على حيوية العمل خارج الصندوق بعيداً عن لوائحه المتكلسة الجامدة. أيضاً من شأن هذا الحوار أن يعزز من دور الدولة بشكل إيجابي في العمل الثقافي. ويجعلها حاضنة للمشهد بكل تحولاته الفارقة.
يرافق هذا المشهد تحول آخر، يجب أن ينهض بالوتيرة نفسها والهدف نفسه داخل المؤسسات الأدبية والفنية المهنية الأهلية، وفي مقدمتها نقابتا اتحاد الكتاب، والتشكيليين المصريين، فلا تزال النقابتان محصورتين داخل مربعهما المكاني، لا يتجاوز دورهما تقديم بعض المساعدات الصحية والاجتماعية للأعضاء، وهي مساعدات فقيرة وضحلة قياساً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة التي طرأت على الواقع في الآونة الأخيرة، فاتحاد الكتاب رغم أنه يزخر ضمن أعضائه بالكثير من العناصر المبدعة، من شعراء وكتاب ونقاد وباحثين، يفتقر إلى برنامج ثقافي جاد ومتنامٍ، يمكن أن يدفع به كطرف فاعل في هذا الحوار المفقود، ليس هذا فحسب، بل يجب أن يكون رأس حربة له، ونقابة التشكيليين لا تنفك عن هذه الإطار، فلا نشاط يذكر لها، ولا مجلة ولو فصلية تساهم في إضاءة الوعي بحركة تشكيلية نشطة لا تكف عن التنوع والمغامرة، وهو ما يتجسد في الكثير من المعارض التي يصعب متابعتها على مدار الشهر.
لا يبتعد قطاع من المثقفين والمبدعين أنفسهم عن عشوائية ومفارقات هذا المشهد، فهم ينتقدونه بحسابات المصلحة الذاتية الضيقة، وفي الوقت نفسه يوسعون من رقعته النمطية الجامدة بشلليتهم وعشوائيتهم وحروبهم الرخوة الصغيرة، يساعدهم في ذلك فضاء الميديا بوسائطها السريعة المغوية.
في إحدى مقالاته مؤخراً بجريدة «الأهرام» يفند الناقد الأدبي الدكتور يسري عبد الله مسارات الفعل الثقافي العام، خاصة بعد ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، و30 يونيو (حزيران)، وما شهده الوطن من أحداث عنف وإرهاب ضارية قائلاً: «وتحولت الثقافة إلى كرنفال باهت محدود التأثير في محيطه الاجتماعي، وبدت أشبه بجيتو يتنازع على اللاشيء، بينما ينزف الوطن دماً زكياً قرباناً للنور والأمل».
يتابع عبد الله بعين نقدية ثاقبة: «كان كل شيء ممهداً لاستئناف مشروع التنوير، لكن غياب الوعي بجدل السياسي والثقافي، والارتكان إلى التصورات القديمة نفسها في إدارة الثقافة، والاكتفاء بالضجيج اللحظي، دون السعي لإدراك الأثر المقيم، والابتعاد عن تشكيل العقل العام وصياغته على نحو جديد ومغاير يكرس لقيم الجمال والاستنارة والتقدم في كل ما يصنع ويصبو من فعل. وقد مثّل ذلك كله غياباً حقيقياً لمشروع جاد للثقافة الوطنية يؤسس للمعني داخله، ويعيد الاعتبار للقوة الناعمة المصرية في محيطيها العربي والعالمي».
وتعليقاً على المؤتمر العام لأدباء مصر، الذي استضافته مؤخراً مدينة بورسعيد، ودارت حوله آراء متضاربة، كتب الشاعر صلاح اللقاني على صفحته بـ«فيسبوك» قائلاً: «لا أحد يريد أن يواجه الحقيقة. مؤتمر الأدباء ليس مؤتمر أدباء. صار تجمعاً من أعضاء نوادي الأدب لا يحضر فعالياته مدعووه. وأعضاؤه في كثرتهم الكثيرة أدباء تحت التمرين»، مضيفاً فيما يشبه الصرخة المؤلمة «وجود منصات التواصل الاجتماعي تمنح فرصة النشر لكل من يظن في نفسه موهبة من أي نوع، وتسحب، في الوقت نفسه، شرعية أي نشر لا يحقق أعلى درجات القيمة الفنية. إما مؤتمر للأدباء الحقيقيين القادرين على الطرح الدائم لقضايا العصر، ومواكبة سيولة العالم التي لا تتوقف حولنا، يا تفضوها سيرة وتريحونا».
ينسرب من ثقوب هذا المشهد بعض الأنشطة الإيجابية التي شهدها هذا العام، من أبرزها عودة بينالي القاهرة الدولي بعد غياب 8 سنوات في دورته الـ13 بمشاركة 78 فناناً من 52 دولة، وتحت شعار «نحو الشرق»، كما كان لاقتاً تنوع واتساع مظاهر الاحتفال بالذكري الـ108 لميلاد الكاتب الروائي نجيب محفوظ الحائز جائزة نوبل، حيث احتفلت به هيئات ومنتديات ثقافية عدة في القاهرة والأقاليم، من بينها الملتقى السادس للكاريكاتير بقصر الأمير طاز، الذي عرض مجموعة كبيرة من البورتريهات الشخصية لصاحب الحرافيش شارك في رسمها عدد من فناني العالم، وشهد المجلس الأعلى للثقافة ندوة موسعة عنه، ركزت على تطور لغة السرد في أعماله، واستضاف «بيت السحيمي» بحي الجمالية الذي شهد السنوات الأولى لمحفوظ، وجرت في شوارعه أحداث الكثير من رواياته، أمسية أدبية بعنوان «نجيب محفوظ المتجدد» تحدث فيه نقاد وكتاب ومخرجون سينمائيون، كما مثل افتتاح متحف نجيب محفوظ، بتكية «أبو الدهب» بحي الأزهر الحدث الأهم في عام 2019، وذلك بعد 13 عاماً من الجدل حول إمكانية إقامة المتحف، خاصة بعد أن تداعى البيت الذي نشأ به محفوظ بحي الجمالية المجاور لمكان المتحف.
وعلى صعيد الحركة التشكيلية برز عدد من المعارض المهمة تتمتع بروح فنية خاصة، ومغامرة جمالية تستقي مصادرها وتميزها من فضاء الواقع بمخزونه التراثي والبصري المتنوع، كما تحتفي بمظاهر البيئة الطبيعية ودبيب البشر الطافر بالحياة فوق سطحها... من بينها معرض «سندس» لإيمان عزت، ومعرض «نقار الخشب» لعبد الوهاب عبد المحسن، ومعرض «مراكب الإشراق» لأحمد عبد الكريم.
ويتجلى القاسم المشترك بين هذه المعارض الثلاثة في الاحتفاء باللون، ليس فقط كمقوم بصري، وإنما كعنصر حاسم في بناء الشكل والصورة وتنويع مساقط النور والضوء في اللوحات.
يضاف إلى هذه المعارض معرض تذكاري للفنانة فاطمة العرارجي (88 عاماً)، استضافه جاليري المسار، بعنوان «الإنسان، المكان، والزمن» تضمن نماذج تمثيلية، شكلت بتتابعها الزمني والتشكيلي تلخيصاً ثرياً لرحلة فنانة رائدة على مدار سبعة عقود، تركت بصمة خاصة في فضاء الفن التشكيلي المصري.
في السياق نفسه، واصل «ملتقى البرلس للرسم على الحوائط والمراكب» صعوده الفني في دورته السادسة بمشاركة 40 فناناً مثلوا 18 دولة من أنحاء العالم، ليصبح أحد أهم ورش الفن المفتوحة على المستوى الدولي، حيث الرسم الحر العفوي على جدران مدينة البرلس، الساحلية، في فضاء خاص مسكون ببداهة المغامرة والحلول البصرية، ثم يتقلص هذا الفراغ في تكثيف فني مغوٍ بانتقال التجربة من الرسم على جدران البيوت للرسم على مسطحات المراكب الخشبية بفراغاتها ونوافذها المعقدة، في اختبار حي وطازج بين الفنانين وأدواتهم، فضلاً عن الحوار الذي يتخلق بتلقائية بينهم في أثناء العمل.
ولم يشأ هذه العام أن ينقضي دون تلويحة وداع شجية وأخيرة لكتاب وشعراء ونقاد أثروا الحياة الثقافية بعطاء متميز، منهم: الكاتب الروائي عبد الوهاب الأسواني، والكاتب الناقد المترجم إبراهيم فتحي، والشاعر رشيد العناني، والفنانة محسنة توفيق، والعالم اللغوي الدكتور محمود فهمي حجازي، والمخرج السينمائي سمير سيف، والمخرج المسرحي محسن حلمي، الذين تركوا لنا ما يبقى في الذاكرة والوجدان.



«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«كنعان» تستعيد التراث الفلسطيني في ليالي رمضان بالأوبرا المصرية

رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)
رقصات وأغانٍ فولكلورية لفرقة كنعان (دار الأوبرا المصرية)

استعادت فرقة «كنعان» الفلسطينية للثقافة والفنون أغاني ورقصات الفولكلور الفلسطيني في ليلة رمضانية بدار الأوبرا المصرية، الجمعة، وسط حضور وتفاعل جماهيري لافت مع اللوحات الفنية الاستعراضية التي قدمتها الفرقة والأغاني الحماسية التي أدّتها.

فعلى المسرح الصغير بدار الأوبرا وبالتعاون مع الإدارة المركزية للعلاقات الثقافية الدولية وسفارة فلسطين وبحضور نائب سفيرها بالقاهرة، ناجي الناجي، قدمت فرقة كنعان للثقافة والفنون نخبة من اللوحات الحركية والتراثية بالزي التقليدي التي جسدت الهوية الفلسطينية بكل ألوانها، وأشعلت حماسة الحشد الجماهيري، كان من أبرزها رقصة الدبكة الشهيرة، وعرض «بعث» الذي قُدِّم للمرة الأولى، إلى جانب عدد من الأهازيج والأعمال الغنائية الفولكلورية التي حملت عطور أرض الزيتون والياسمين وقادها المايسترو أنس النجار وشارك فيها كل من ليندا مهدي ويارا قوريق.

جاء الحفل ضمن السهرات الرمضانية التي تنظمها دار الأوبرا المصرية، وتستضيف فيها العديد من الفرق الفنية من الدول مثل: باكستان، وفلسطين، والفلبين، والعراق، وتونس وإندونيسيا، والتي تعرض نماذج من تراثها الموسيقي والغنائي وعاداتها المرتبطة بشهر رمضان.

فرقة كنعان قدمت التراث الفلسطيني والفولكلور في الأوبرا المصرية (دار الأوبرا المصرية)

وتمثل فرقة «كنعان» للثقافة والفنون الموجودة في مصر دولة فلسطين، وتقوم بتقديم الفلكلور والتراث الفلسطيني في المحافل الدولية والمهرجانات والفعاليات الفنية المتنوعة، وشاركت في العديد من الاحتفاليات من قبل، من بينها مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء، وافتتاح مهرجان بورسعيد للسياحة والفنون، ومهرجان الطبول، وغيرها من المهرجانات الفنية في مصر وخارجها.

ومن الأغاني التراثية والفولكلورية التي اشتهرت بها الفرقة أغاني: «أنا دمي فلسطيني» و«رافع راسي بعلم بلادي» و«يا طالعين ع الجبل» و«فلسطين أنت الروح ونن العين» و«يا فلسطينية»، و«شيل شيل عالجماله»، بالإضافة إلى رقصة الدبكة الفلسطينية الشهيرة.

وأعلنت دار الأوبرا المصرية عن برنامج للحفلات الرمضانية، يتضمن فرقاً فولكلورية وحفلات للإنشاد الديني، وفرقاً عربية وأجنبية ومن بينها حفلات لفرق شبابية مثل فريق وسط البلد الذي استضاف في حفل على مسرح الجمهورية، الخميس، كل من الشيخ إيهاب يونس، والمنشد عبد الرحمن بلاله، والمطرب عادل ميخا، وسلوان محمد لتمتزج طاقة وحيوية الشباب بالأنغام الصوفية والابتهالات وقدموا أعمالاً مثل «قل للمليحة»، و«يا جزيرة»، و«أبشروا»، و«يا إمام الرسل»، و«قمر»، و«باب السما»، و«المسحراتي» و«المسك فاح».

الفرقة قدمت لوحات استعراضية متنوعة (دار الأوبرا المصرية)

ومن المقرر أن تختتم الأوبرا برنامجها الرمضاني بأمسية روحانية مع عميد الإنشاد الديني، ياسين التهامي، وفرقته في حفل على المسرح المكشوف، الاثنين 9 مارس (آذار) الحالي.

يتضمن الحفل نخبة مختارة من الأشعار الصوفية وقصائد المديح النبوي والتواشيح والابتهالات الدينية التي نجح التهامي من خلالها في تحقيق انتشار واسع وقاعدة جماهيرية كبيرة.

ووفق الدكتور علاء عبد السلام، رئيس دار الأوبرا المصرية، فقد حرصت الأوبرا في برنامج حفلاتها الرمضانية على الجمع بين الطرب والإبداع المعاصر والسهرات العربية والإسلامية التى تعكس الهوية وتعبر عن التراث، مؤكداً في بيان صحافي «الحرص على تقديم محتوى يثري الساحة الفنية ويشكل مساراً متميزاً لتعزيز الوعي والارتقاء بالذوق العام مع الحفاظ على الجذور وفتح آفاق جديدة لإبداع الشباب».


ما آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» بموسم دراما رمضان في مصر؟

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
TT

ما آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» بموسم دراما رمضان في مصر؟

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)
الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

أعادت تصريحات أبطال عدد من صناع الأعمال الدرامية الرمضانية المصرية حول الأكثر مشاهدة وصدارة نسب المشاهدات التساؤلات حول آليات معرفة ترتيب «الأكثر مشاهدة» في الموسم الحالي.

وتضج مواقع التواصل الاجتماعي لعدد من الفنانين بتصريحات وسجالات حول الأكثر مشاهدة وصدارة، وهو ما برز بشكل واضح مع تكرار نشر الفنانة مي عمر وزوجها المخرج محمد سامي خبر تصدر مسلسلها «الست موناليزا» للمشاهدة خلال عرضه في النصف الأول من شهر رمضان، في حين تفاعلت الفنانة ياسمين عبد العزيز واحتفلت بصدارة مسلسلها ووجوده في المركز الثاني على منصة «شاهد»، باعتبار أنه لا يُعرض مجاناً ولكن للمشتركين فقط.

ودخلت ياسمين عبد العزيز في سجال مع محمد سامي بعد نشر تصدّرها المشاهدة عبر حسابها على «إنستغرام»، ليتفاعل المخرج المصري معها، ويؤكد أن الصدارة جاءت بعد انتهاء عرض حلقات «الست موناليزا».

الأمر نفسه تكرر بين سامي والفنان عمرو سعد الذي وزّع بيانات إعلامية عن صدارة مسلسله «إفراج» لنسب المشاهدة، ومن بينها تقرير زعم صدوره من «الشركة المصرية للأقمار الصناعية» (نايل سات) تحدث عن صدارة مسلسله، لكن رئيس الشركة نفى في وقت لاحق صدور أي بيانات حول نسب المشاهدة، وهو التقرير الذي نشره سعد بعد تهنئة سامي له بوجوده في المركز السادس بنسب المشاهدة.

بينما دخل أحمد العوضي بطل مسلسل «علي كلاي» على خط الاشتباك مع نشر صور لفيديوهات حققت ملايين المشاهدات بوصفها دليلاً على كونه الأكثر مشاهدة.

الملصق الترويجي لمسلسل «علي كلاي» (حساب العوضي على «فيسبوك»)

وتفاعل عدد من صناع الفن مع الجدل والاشتباك اللفظي بين النجوم منهم أيمن بهجت قمر الذي أكد حبه للسينما، لكونها تضع كل شخص في مكانه الطبيعي من دون صراعات عبر مواقع التواصل، في حين كتب المخرج عمرو سلامة مع الضجة مستغرباً عدم وجود آلية حتى الآن لحساب مصداقية المشاهدات التلفزيونية من دون انحياز، لافتاً في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» إلى أن الأرقام الحقيقية تكون في صالح القناة والمعلن والمنتج والفنان، بالإضافة إلى دورها في إنهاء الجدل بين الصناع.

ورد على تدوينة سلامة الإعلامي حسام صالح بتأكيد وجود هذه التقنية التي تكون مرتبطة بوجود أجهزة خاصة في أطباق الاستقبال الفضائية، لكنها غير موجودة في مصر إلا في الأجهزة التي تستخدم اشتراكات القنوات المشفرة فحسب، مشيراً إلى أن هذه التقنية هي الآلية الوحيدة العملية التي يمكن البناء عليها، لكونها تتيح معلومات حال وجودها عند صاحب الجهاز.

وأضاف أن المنصات لديها الأرقام الخاصة بها المرتبطة بالمشاهدات، لكن في الوقت نفسه توجد تحديات في معرفتها بدقة، لوجود أكثر من فرد يستخدمون الاشتراك نفسه، لافتاً إلى أن التفاعل على مواقع التواصل هو المعيار الحالي.

صورة نشرتها مي عمر عبر صفحتها لتصدر مسلسلها نسب المشاهدة (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى خبير الإعلام الرقمي، خالد البرماوي، أن «مسألة قياس نسب المشاهدة أو تحديد من يتصدر المشهد الإعلامي في مصر ما زالت تفتقر إلى آلية دقيقة أو جهة رسمية متخصصة تتولى هذه المهمة بشكل منهجي»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجهات الموجودة عالمياً تعتمد على أدوات متعددة مثل استطلاعات الرأي والاستبيانات التي كانت تقوم تقليدياً على عينات عشوائية يتم التواصل معها لمعرفة ما يشاهدونه، إلا أن هذه الطريقة لم تعد كافية في العصر الرقمي».

ويشير إلى أن الاتجاه السائد حالياً يعتمد بدرجة أكبر على تحليل البيانات الرقمية، في ظل وجود نسبة كبيرة من الجمهور على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، مما يسمح بقياس حجم الاهتمام بالمحتوى وجودته وطبيعته، سواء أكان إيجابياً أو سلبياً أو محايداً بدرجات مختلفة.

ويضيف البرماوي أن «كثيراً من المؤشرات المتداولة حالياً، مثل تصدر بعض الأعمال أو الأسماء لقوائم (الترند)، لا يمكن عدّها مقياساً دقيقاً للنجاح أو الانتشار، لأن ظهور اسم ما ضمن الأكثر تداولاً قد يكون نتيجة عوامل متعددة، مثل الحملات المدفوعة أو النشاط اللحظي على المنصات»، مؤكداً أن تحليل البيانات يجب أن يتم عبر مستويات مختلفة، تشمل رصد مدى انتشار المحتوى على الشبكات الاجتماعية، والتمييز بين حجم النشر وحجم التفاعل وطبيعته.

عمرو سعد في لقطة من مسلسل «إفراج» (حسابه على «فيسبوك»)

من جهته، عدّ الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، مسألة تحديد العمل الدرامي الأكثر مشاهدة أو ترتيب النجوم وفق نسب المشاهدة «من أكثر الأسئلة تعقيداً في سوق الدراما، ليس في مصر فقط بل في العالم العربي عموماً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «طبيعة هذه السوق تختلف عن السينما التي يمكن قياس نجاحها بسهولة عبر شباك التذاكر والأرقام المعلنة للإيرادات. أما الدراما التلفزيونية فتفتقر إلى مقياس موحد، لأن المشاهدات موزعة بين القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية المختلفة، بالإضافة إلى نسب المشاهدة الناتجة عن النسخ المقرصنة أيضاً، مما يجعل الوصول إلى رقم دقيق لقياس حجم الجمهور أمراً بالغ الصعوبة».

ويضيف عبد الرحمن أن تعدد المنصات ووسائل المشاهدة، إلى جانب محدودية قدرة شركات الأبحاث التسويقية على العمل في جميع الدول أو الوصول إلى كل الشرائح داخل المجتمعات المحلية، يحدّ من دقة الأرقام المتداولة حول نسب المشاهدة، لافتاً إلى أن «الأفضل للنجوم وصناع الدراما هو التركيز على جودة المحتوى وقدرته على البقاء بعد انتهاء الموسم الرمضاني، بدل الانشغال بالصراعات حول من يتصدر المشاهدة».

Your Premium trial has ended


إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
TT

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)
صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي، ولكن كبيان شخصي وصرخة جماعية في آنٍ واحد، فمنذ أكثر من ثلاثين عاماً يعيش إقليم كيفو الشمالي على إيقاع نزاعات مسلحة متكررة، في حين يبقى المدنيون من نساء وأطفال وشباب في قلب العاصفة.

ينطلق الفيلم من لحظة مفصلية، وهي سقوط مدينة غوما في يناير (كانون الثاني) 2025 في يد حركة «23 مارس» الانفصالية خلال أيام قليلة، رغم وجود قوات حكومية ودعم إقليمي، وتحت أنظار بعثة الأمم المتحدة «مونوسكو»، غير أن الفيلم لا يتوقف عند الحدث العسكري في حد ذاته، بل يتجاوزه إلى ما هو أعمق عبر أثر هذا السقوط على أرواح الناس، وتفاصيل حياتهم اليومية، وقصة جيل لم يعرف من وطنه سوى المخيمات والحواجز والرصاص.

فيلم «طفح الكيل» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، لا يتعامل مع الحرب بوصفها خبراً عاجلاً، بل كواقع ممتد يتنفسه السكان كل يوم. سبعة ملايين نازح وعشرة ملايين قتيل خلال ثلاثة عقود، أرقام تتحول هنا إلى وجوه حية... شباب يتدرّبون بعصي خشبية دفاعاً عن أحيائهم، وفتيات يكتبن الشعر احتجاجاً، وموسيقيون يحوّلون الغضب إلى إيقاع، وأمهات يواصلن تربية أطفالهن وسط الخراب.

الملصق الترويجي للفيلم (مهرجان برلين)

الكاميرا المحمولة، والإضاءة الطبيعية، والصوت الخام، كلها عناصر تجعل المتفرج داخل المشهد المستمر في الأحداث على مدار 65 دقيقة، بتجربة بصرية أقرب إلى الالتحام منها إلى المراقبة، في اختيار قدمه المخرج إليزي سواسوا ليس كصحافي يدوّن الوقائع، بل كابن مدينة يعيش المأساة ويقاومها، محاولاً من خلال فيلمه إيصال صوت غوما عالمياً.

يقول المخرج الكونغولي إليزي سواسوا لـ«الشرق الأوسط» إنه عندما وُلد في غوما عام 1994، نشأ «على إيقاع الرصاص»، بحسب وصفه، فالحرب لم تكن حدثاً استثنائياً في حياته، بل خلفية دائمة لطفولته ومراهقته وشبابه، مشيراً إلى أنه «نجا من مجازر عام 2008، وهذه التجربة رسّخت لديه شعوراً بأن الصمت لم يعد خياراً، وأن توثيق ما يحدث هو شكل من أشكال المقاومة».

وأوضح أن جميع الأشخاص الذين يظهرون في الفيلم هم من محيطه القريب، ما بين أصدقاء، وأقارب، وجيران، وفنانين يعرفهم منذ سنوات، لافتاً إلى أن هذا القرب منح العمل صدقه، لكنه في الوقت نفسه حمّله مسؤولية مضاعفة؛ لأنه لم يكن يصوّر غرباء، بل كان يصوّر جزءاً من حياته اليومية، فالعلاقة المتبادلة بينه وبين من صوّرهم جعلت الكاميرا أقل اقتحاماً وأكثر اندماجاً في الواقع.

الفيلم وثّق جوانب إنسانية عدة (الشركة المنتجة)

وتطرق إليزي سواسوا لصعوبات التصوير الذي اعتبره بمنزلة «مغامرة يومية»، لكونه عمل في بيئة مضطربة، وسط مظاهرات غاضبة وتحركات عسكرية مفاجئة، مما جعله يعتمد على معدات خفيفة وكاميرا محمولة، وفي أحيان كثيرة عمل بمفرده من دون فريق صوت أو حماية، بسبب خطورة الوضع وفوضويته، لافتاً إلى أن التنقل بين المخيمات والأحياء لم يكن سهلاً؛ لأن الخطر كان حاضراً في كل لحظة، لكنه رأى أن المخاطرة كانت ضرورة حتى لا تبقى هذه القصص في الظل.

الفيلم يركز على الحياة اليومية للأهالي تحت وطأة الحرب (الشركة المنتجة)

وأكد أن هدفه لم يكن تقديم تحليل سياسي معقّد، بل إظهار ما تعنيه الحرب في تفاصيلها الصغيرة؛ كيف يستيقظ الناس، ويبحثون عن الماء والطعام، وكيف يدرّب الشباب أنفسهم، ويحاول الفنانون تحويل الإحباط إلى طاقة إبداع، لافتاً إلى أنه أراد أن يرى العالم الإنسان الكونغولي الضحية المجرّدة، وأن يفهم أن وراء الأرقام عائلات وأحلاماً معلّقة.

وعن مشاركته في مهرجان برلين، أوضح أن اختياره ضمن عروض «البانوراما» كان حلماً كبيراً بالنسبة إليه، مؤكداً أن لحظة إبلاغه بقبول الفيلم شكّلت اعترافاً بجهد سنوات من العمل في ظروف بالغة الصعوبة، ومعرباً عن سعادته بردود الفعل على العرض الأول الذي شهد تفاعل الجمهور، والذي منحه إحساساً بأن الرسالة وصلت، ولو جزئياً، إلى خارج حدود بلاده.

المخرج الكونغولي إليزي سواسوا (مهرجان برلين)

وشدد على أنه يؤمن بأن السينما يمكن أن تُحدث أثراً، حتى لو لم تُغيّر الواقع فوراً، موضحاً أن مجرد معرفة الناس بتاريخ الكونغو وبالمآسي التي عاشها شعبها، قد يفتح باباً لمساءلة أوسع حول المسؤوليات السياسية والاقتصادية المحيطة بالصراع؛ لأن التغيير يبدأ بالانتباه، والفيلم يطالب العالم بهذا الانتباه، وفق قوله.