المغرب... مهرجانات ومعارض وإصدارات وجوائز... ورحيل فنانين وأدباء

الجمع بين قطاعات الثقافة والرياضة والشباب في حقيبة واحدة

من جداريات أصيلة
من جداريات أصيلة
TT

المغرب... مهرجانات ومعارض وإصدارات وجوائز... ورحيل فنانين وأدباء

من جداريات أصيلة
من جداريات أصيلة

حافظت 2019 على إيقاع العرض الثقافي، سواء تعلق الأمر بالمظاهرات ذات الصيت الدولي، أو مواعيد الاحتفاء بالنبوغ والتميز الأدبي، فضلاً عن تواصل وتيرة النشر بطرح عدد من الكتاب والمؤسسات جديدهم الأدبي. كما تميزت السنة بتعيين الحسن عبيابة وزيراً جديداً للثقافة، خلفاً لمحمد الأعرج، مع مستجد يتمثل في الجمع بين قطاعات الثقافة والرياضة والشباب في حقيبة واحدة.
وتأكيداً للغنى الذي يميز الثقافة المغربية، بخلفيتها الحضارية في بعدها الكوني، وافقت اليونيسكو على تسجيل فن «كناوة» كتراث ثقافي إنساني غير مادي.
وبقدر ما أكدت هذه المواعيد، وغيرها، حيوية ودينامية مغرب متنوع وغني بثقافته ومثقفيه، فقد أبت 2019 إلا أن تترك حزناً في النفوس، بعد رحيل عدد من الأسماء التي تميزت بمسارها الأدبي والفني.
- مهرجانات
نظمت، في 2019، بعدد من المدن المغربية، مهرجانات ذات صيت عالمي. ففي أصيلة، حافظ «موسم أصيلة الثقافي الدولي»، في دورته الـ41، على روح وتوجه هذه التظاهرة المتميزة، التي تحولت إلى موعد سنوي غني بقيمة وتنوع برامجه وراهنية القضايا التي تطرح للنقاش، بمشاركة نوعية لفاعلين من عوالم السياسة والفكر والفن والأدب، من مختلف مناطق العالم. وتضمن برنامج دورة هذه السنة فقرات متناغمة المضامين، شملت الدورة الـ34 لجامعة المعتمد بن عباد الصيفية، ومشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل، ومشاغل الفنون التشكيلية، التي تشمل الصباغة على الجداريات ومشغل الفنون التشكيلية، فضلاً عن مشغل بيداغوجي لتدريب الأطفال على ممارسة الرسم والصباغة، ومعارض، وعروضاً موسيقية وغنائية.
وفي مراكش، كرم المهرجان الدولي للفيلم، في دورته الـ18، أربعة أسماء سينمائية متميزة: الأميركي روبرت ريدفورد، والممثلة الهندية كيارا ماستروياني، والمخرج الفرنسي برتراند تافيرنييه، والممثلة المغربية منى فتو؛ كما كرم السينما الأسترالية. فيما منحت لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة، برئاسة الأسكوتلندية تيلدا سويتون، الجائزة الكبرى للمهرجان لفيلم «وادي الأرواح» للمخرج الكولومبي نيكولاس رينكون خيل.
وواصلت الصويرة، احتضانها لمهرجاناتها الموسيقية، فتحت عنوان «عندما يدعونا حوار الثقافات للقيام برحلة»، حافظت الدورة الـ22 لمهرجان «كْناوة وموسيقى العالم»، على عادة هذه التظاهرة في استقطاب جمهور غفير ومتنوع، غصت به جنبات مختلف الفضاءات التي احتضنت الحفلات الـ40 التي تضمنها البرنامج، فضلاً عن فقرات التكريم والورشات و«شجرة الكلمات» وفعاليات الدورة الثامنة من «منتدى الصويرة لحقوق الإنسان» الذي ناقش «قوة الثقافة في مواجهة ثقافة العنف».
وشهدت الدورة الـ16 لمهرجان «أندلسيات أطلسية»، برمجة 15 حفلاً موسيقياً أبرزت «نبل التراث الموسيقي اليهودي العربي». فيما اقترحت الدورة الـ19 لمهرجان «ربيع الموسيقى الكلاسيكية» أمسيات، تحت عناوين «بيتهوفن المندفع»، و«فيفالدي الممجد»، و«مندلسون المحموم»، و«برامز الإنساني»، و«شوبير الشاعر»، و«متخيل روبير شومان»، و«الجنون البهي لساتي».
وفي فاس، واصل مهرجان الموسيقى العالمية العريقة مسيرته، رافعاً، في دورته الـ25، شعار «فاس في ملتقى الثقافات»، مقترحاً فقرات موسيقية متنوعة، افتتحت بحفل مبتكر تحت عنوان «فاس ذاكرة المستقبل».
وفي الرباط، واصل مهرجان «موازين... إيقاعات العالم»، في دورته الـ18، استقطاب أبرز نجوم الغناء في العالم؛ حيث تابع عشرات الآلاف، حفلات فنانين مغاربة، وعرب وغربيين.
وفي مراكش، اقترح المهرجان الوطني للفنون الشعبية، الذي يعنى بالتراث الفني غير المادي في المغرب، «الثروة والتنوع في التراث الثقافي الوطني» شعاراً لدورته الـ50، التي شهدت مشاركة فرق مغربية وأجنبية.
وأعاد الفنان اللبناني مارسيل خليفة جمهور مهرجان الشعر المغربي، في دورته الثانية، التي نظمتها «دار الشعر» بمراكش، إلى أيام «ريتا» و«البندقية»، وحقيقة القصيدة والأغنية، في زمن الإبداع الملتزم. فيما كان الموعد، في تطوان، مع «مهرجان الشعراء المغاربة»، في دورته الثالثة، التي نظمتها «دار الشعر»، وتميزت بحفل افتتاح أحيته الفنانة اللبنانية أميمة الخليل، فضلاً عن فقرات تكريمية وشعرية ونقدية متنوعة. كما احتضنت المدينة ذاتها المهرجان الوطني للمسرح، في دورته الـ21؛ التي أسفرت نتائج مسابقتها عن فوز مسرحية «يرما - سماء أخرى»، لفرقة «أكون للثقافات والفنون» من الرباط، بـ«الجائزة الكبرى».
- فنون تشكيلية
واصلت المتاحف والأروقة المغربية اقتراح معارض فنية، أكدت الدينامية التي يشهدها المشهد التشكيلي المغربي. ومن بين عشرات المعارض المقترحة بمختلف جهات المغرب، يمكن التوقف، مثلاً، عند المعارض، التي اقترحها «متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر» بالرباط، من قبيل «ملحُ أرضي»، تكريماً للفنان المغربي الراحل حسن الكلاوي، أحد الرواد المؤسسين للفن التشكيلي بالمغرب؛ أو المعرض الجماعي «أضواء أفريقيا»، بمشاركة 54 فناناً أفريقياً، تقاطعت أعمالها عند موضوع الطاقة وتحدياتها بأفريقيا، وفق رؤية تقوم على تنوع وقوة وتميز الفن الأفريقي المعاصر، كما تدفع إلى التفكير في تحديات تنمية القارة؛ أو معرض «ألوان الانطباعية... أروع الأعمال الفنية لمتحف أورساي»، الذي يعد أول معرض انطباعي يعبر ضفتي المتوسط.
- إصدارات
حافظ الكتاب المغربي على دينامية نشره وتداوله، سواء داخل أو خارج البلد، من خلال منجز بقدر ما توزعته مختلف أجناس الكتابة أظهر أن جديد النشر المغربي وجِدّتَهُ تتقاسمه الأسماء المكرسة والصاعدة، على حد سواء. كما استأنفت مجلة «المناهل»، التي يصدرها قطاع الثقافة، مسيرتها، بعد 6 سنوات من الغياب، في سلسلة جديدة، وتحت إشراف إدارة جديدة، فيما واصل «بيت الشعر في المغرب» اقتراح جديده على مستوى النشر، تمثل في 14 كتاباً، في مجالي الترجمة والدراسات النقدية.
- بعد كوني
شهدت 2019 موافقة اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي اللامادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، على تسجيل فن «كناوة» كتراث إنساني ضمن اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي؛ وهو التسجيل الذي رأت فيه وزارة الثقافة والرياضة والشباب المغربية أنه «أبرز الخصائص التاريخية والفنية والاجتماعية المميزة لهذا الفن»، كما «أبرز الجهود المبذولة للتعريف به والمحافظة عليه وتثمينه وضمان نقله للأجيال الصاعدة».
وبتسجيله ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي الإنساني، ينضاف فن «كناوة» إلى 6 عناصر أخرى للتراث المغربي مسجلة على قائمة هذا التراث، هي «الفضاء الثقافي لساحة جامع الفنا»، و«موسم طانطان»، و«الحمية المتوسطية»، و«الصيد بالطيور الجارحة»، و«مهرجان حب الملوك»، و«الممارسات والدرايات المتعلقة بشجر الأركان» و«رقصة تسكوين».
- حصاد جوائز
شكل حفل تسليم الجوائز للفائزين بجائزة المغرب للكتاب (دورة 2019)، بالرباط، فرصة لتقدير عطاءات المتوجين في مجالات الإبداع الأدبي والبحث والترجمة، ودعم الإبداع والمبدعين.
وتوزعت الجوائز على 8 أصناف، شملت الشعر، والسرد، والعلوم الاجتماعية، والدراسات الأدبية والفنية واللغوية، والترجمة، والدراسات في مجال الثقافة الأمازيغية، والإبداع الأدبي الأمازيغي، والكتاب الموجه للطفل والشباب، في وقت تم فيه حجب الجائزة الخاصة بصنف العلوم الإنسانية.
من جهتها، ذهبت جائزة «الأركانة» العالميّة للشعر لعام 2019، في دورتها الـ14، التي يَمنحُها «بيت الشعر في المغرب»، إلى الشاعر الأميركي تشارلز سيميك، الذي «يبدو مَسارُهُ الكتابيّ، الذي يَمتدُّ لأكثر مِنْ نصف قرن، كما لو أنّهُ يَنمو مُحَصَّناً ضدّ كلّ تصنيف جامد»، والذي بقدر ما تنفُذُ قصائدُه إلى آلامِ الإنسان وأهوال الحياة، تنطوي على «بُعدٍ ميتافيزيقي يَخترقُها ويَكشفُ فيها عمّا يفيضُ عن الواقعي وعمّا يُؤمِّنُ للمعنى سَعَتَهُ وشُسوعه وتَعَدُّدَ مَساربه».
- معرض النشر والكتاب
اقترح المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، في دورته الـ25، برنامجاً متنوعاً، تضمن استضافة مملكة إسبانيا كـ«ضيف شرف»، ومشاركة أزيد من 720 عارضاً مباشراً وغير مباشر، من 42 بلداً، قدموا رصيداً وثائقياً جاوز 128 ألف عنوان. فيما شكل البرنامج الثقافي العام، فضاءً للنقاش الحر ولتداول الأفكار، بمجموع فقرات ناهز 1077 نشاطاً، موزعاً ما بين 473 ندوة ومائدة مستديرة، و320 توقيعاً لكتاب، و280 نشاطاً للطفل، و4 معارض موضوعاتية؛ بينما بلغ عدد المشاركين في البرنامج 2700 متدخل.
- آداب مرتحلة
بعد دورتي الرباط - سلا (2017) والدار البيضاء (2018)، حطت «الآداب المرتحلة»، في دورتها الثالثة، بمراكش.
وتميزت الدورة بمشاركة أسماء بارزة في عالم الأدب، بينها رشيد بوجدرة وعبد الفتاح كيليطو ونجاة فالود بلقاسم ورشا الأمير وزكية داود وماحي بينبين ومحمد برادة ومحمد الأشعري وإدريس الكراوي وسمية نعمان جسوس.
وتطمح هذه النظاهرة، حسب منظميها، إلى إرساء تقليد يجعل الكتاب في متناول مختلف الشرائح المجتمعة، سعياً وراء «دمقرطة القراءة وخلق اتصال مباشر بين القراء وكتابهم، وكذا تبادل الرأي حول الكتب من خلال الرابط العاطفي الذي يمكن أن يقوم مع مبدعيها».
- رحيل كتاب ومثقفين
لم تمر 2019 دون أن تترك في نفوس مثقفي وأدباء وفناني المغرب، بشكل خاص، وعموم المغاربة، حزناً على رحيل عدد من الأسماء التي كان لها حضورها على مستوى المنجز الأدبي والفني للبلد؛ حيث فقدت الساحة الفنية الممثل عبد الله العمراني، والموسيقي حسن ميكري، والممثلة أمينة رشيد. فيما فقدت الساحة الأدبية الكاتب الميلودي حمدوشي، الذي أغنى الخزانة المغربية بأكثر من 10 أعمال روائية بوليسية. كما تلقى المشهد الثقافي المغربي صدمة كبيرة بعد الوفاة المفاجئة للكاتب محسن أخريف، إثر صعقة كهربائية، أثناء تقديمه إحدى ندوات معرض للكتاب بتطوان.



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».