الحنين إلى الحقبة السوفياتية في قوائم مطاعم موسكو

طابع خاص يلبي ذوق الماضي وعصر سباق الفضاء والخدمة بلا ابتسامة

TT

الحنين إلى الحقبة السوفياتية في قوائم مطاعم موسكو

إنه وقت الغداء في موسكو. يمتد صف طويل أمام مطعم «ستولوفايا 57» إلى خارج الباب؛ حيث يصطف أكثر من 20 شخصاً بانتظار الحصول على الحساء، واللحم المقدد، والخضراوات المسلوقة، والملفوف المبشور. وعلى الرغم من صعوبة تصور أن الناس سيواصلون الانتظار لأي فترة من الوقت، بغية الحصول على صينية من الأطعمة التي تقدمها امرأة روسية قاسية الملامح، في مطعم تشوبه أجواء الملل الخانق، فإن هذا المطعم الموجود في مركز «GUM» التجاري في العاصمة قد أثبت واقعاً معاكساً لذلك.
وكلمة «ستولوفايا» باللغة الروسية تعني «المقصف»، وهي تشير إلى المصطلح شائع الاستخدام لمنافذ بيع الطعام بأسعار معقولة تحت إدارة الدولة، قبل انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وكان سكان موسكو يجتمعون لدى هذه المنافذ لتناول وجبات الطعام الكاملة، مع الشاي بالليمون، وضمان قيمة جيدة من الأغذية مقابل ما يدفعونه من مال.
واليوم، يعد مطعم «ستولوفايا 57»، بتصاميمه الداخلية التي تماثل حقبة السبعينات المذهلة، فضلاً عن السيدة التي لا تحظى بإعجاب أحد، والتي تجهز أطباق الطعام على صينية كل شخص من رواد المطعم قبل أن تطالبه بإجمالي الثمن، واحداً من عدد متزايد من المطاعم الروسية التي تتناثر في مختلف أرجاء موسكو، وتثير مشاعر الحنين إلى الأيام الروسية الخوالي.
والشوق إلى الخدمة الخالية تماماً من الابتسام أو المشاعر، يعتبر جزءاً من الحنين إلى الماضي في البلاد الروسية. إذ خلص مركز «ليفادا» لاستطلاعات الرأي مؤخراً، إلى أن ثلثي الشعب الروسي يعاني من مشاعر الأسف والحزن إزاء انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وتقول السيدة المسنة فيرا بيتروفنا التي تبلغ من العمر 73 سنة: «كانت الحياة أفضل كثيراً في تلك الأوقات»، وهي تجلس على الطاولة أمامي في مطعم «ستولوفايا 57»، وتتناول وجبة من الفطائر غير المختمرة، وتضيف: «كانت لي وظيفتي الخاصة آنذاك، ولم أكن أتطلع إلى المزيد في حياتي. كما لم أكن أجتهد لتلبية أي متطلبات. بل كنت امرأة ثرية ببقرتي، وقطعة الأرض الصغيرة، وتلك الخضراوات التي كنت أزرعها بنفسي في الصيف».
يختار زبائن مطعم «ستولوفايا 57» من بين ثلاثة إلى أربعة أطباق – أو بقدر ما تتحمل صينية كل واحد منهم – من مختارات الخضراوات أو السلطة التي تتراوح بين الجزر المسلوق جيداً، أو البروكلي، أو السلطة الروسية المغطاة بالمايونيز، ثم طبق من كرات اللحم والبطاطا المهروسة، أو مرق سمك الرنجة، أو سمك الرنجة المطهو في الفرن مع الأرز المتبل في المرق. وتُقدم كافة الأطعمة دافئة، باستثناء حساء اليوم، الذي دائماً ما يكون أكثر عناصر القائمة اهتماماً وعناية. ويبلغ السعر في المعتاد 470 روبلاً روسياً، مقابل ثلاثة أطباق مع كوب الشاي (ما يساوي 7.40 دولار أميركي)، وربما تعتبر الوجبات التي يقدمها هذا المطعم هي أرخص ما يمكن العثور عليه في مركز «GUM» التجاري على الإطلاق، بخلاف ذلك هناك المتاجر الراقية والمنتجات الفاخرة من شاكلة «بولغاري» و«غوتشي».
وعند افتتاح مطعم «ستولوفايا 57» للزبائن في عام 2012، كان أول مطاعم العاصمة موسكو الذي يقدم وجبات الحنين إلى الماضي قبل الأطعمة والأشربة المعتادة، ولكن منذ ذلك الحين، افتتحت سلسلة من المطاعم المماثلة في موسكو التي تحمل طابعاً خاصاً يتوق ويتعلق بالماضي ما قبل فلاديمير بوتين. وفيما يلي عرض لأبرز خمسة مطاعم من هذه النوعية.

- مطعم «غراند كافيه دكتور جيفاغو»
هو أحد المطاعم ضمن مجموعة مطاعم «رابابورت» التي تحظى بشعبية كبيرة ومستمرة منذ افتتاحها في عام 2015، وغالباً ما يكون ذلك المطعم – الذي يقدم المأكولات الروسية المفضلة – محجوزاً بالكامل على نحو تقريبي. ويوجد المطعم قبالة الساحة الحمراء مباشرة، ويطل على مبنى الكرملين المهيب من خلال نوافذه الممتدة من الأرضية وحتى السقف. وجاء تصميمه على صورة مقهى أنيق للغاية من فترة نهاية القرن العشرين؛ حيث تمتلئ رفوفه بكثير من المراجع الروسية ومؤلفات الثورة السوفياتية.
يقول ألكسندر رابابورت، مالك المطعم: «يكمن الغرض الرئيسي في إنشاء مطعم تاريخي للسياح الأجانب، ولكنني استلهمت فكرته من حركة الطليعة الثورية الروسية في بدايات القرن العشرين، وانطلقت من هناك».
وفي الداخل، يسيطر اللون الأحمر على كافة أجواء المطعم. وتجد زهرة القرنفل الأحمر – الرمز التاريخي للبروليتاريا الروسية – تزين كل طاولة تمتد تحت الثريات القرمزية الدرامية. والنادلات (ولا يعمل بالمطعم إلا النادلات من النساء) يرتدين أزياء الوصيفات الرسمية الكاملة، ذات المآزر المزركشة بالكروشيه، وأغطية الرأس البيضاء الناصعة. كما تلاحظ أحمر الشفاه الكثيف على شفاههن وتعبيرات وجوههن الصارمة الجامدة. وهناك محاكيات فنية لأعمال مهمة من فناني حقبة الطليعة الروسية، أمثال كازيمير ماليفيتش، وبيتروف فودكين، التي تطل على رواد المطعم من الجدران أحادية اللون وشديدة اللمعان.
وتعتبر التصاميم الداخلية الفاخرة والأنيقة من أكثر ما يميز مطعم «غراند كافيه دكتور جيفاغو»، ولكنك ستجد قائمة الطعام ذات الأسعار المعقولة للغاية والمليئة بالمتنوع من المأكولات الروسية الحديثة والمفضلة، مثل شطائر ذيل الثور الساخنة (بسعر 280 روبلاً)، والبيض المسلوق مع الكافيار الأحمر (بسعر 460 روبلاً)، وغير ذلك من المختارات المتنوعة. يقول السيد رابابورت عن ذلك: «عندما افتتحنا المطعم للمرة الأولى، كان عدد المطاعم المعنية بتقديم المأكولات الروسية الشعبية محدوداً للغاية، وكانت كذلك في موسكو عاصمة البلاد التي يتجاوز سكانها عدة ملايين نسمة»، مشيراً إلى المكانة الخاوية التي تمكن مطعم «غراند كافيه دكتور جيفاغو» من ملئها بمرور الوقت.

- مطعم «كازبيك»
كانت دولة جورجيا تعتبر المكان المثالي لقضاء العطلات خلال الحقبة السوفياتية، وكانت تعتبر أرض الوفرة بسبب تربتها الخصبة ومناخها المعتدل. وكان الرفاق القدامى يحصلون هنا على قسطهم الوافر من الراحة في كل عام في مصحات الاتحاد السوفياتي القديمة (أو ما يُعرف بالمنتجعات الصحية بمصطلحات العصر الحاضر). ومع وضع ذلك في الحسبان. أنشأ كل من: أندريه ديلوس (الرجل الذي أنشأ مطعم «كافيه بوشكين» الشهير على طراز مطاعم القرن التاسع عشر في موسكو)، رفقة الشيف ماميا جوجوا، مع والدة جوجوا الطاهية المخضرمة المولودة في تبليسي عاصمة دولة جورجيا، مطعم «كازبيك» في عام 2016، وهو المطعم المصمم لإحياء ذكريات العطلات القديمة التي شهدتها أيام الطفولة الخوالي.
وبالدخول إلى مطعم «كازبيك»، تجد نفسك في خضم رحلة إلى ما وراء البحر الأسود وحتى جورجيا في حقبة ستينات القرن الماضي، إذ تعتبر ديكورات المطعم الداخلية عبارة عن زخارف رائعة من الأثاث العتيق، مع أغطية المصابيح المخملية فائقة التحمل، مع الطلاء الباهت، جنباً إلى جنب مع مجموعة من التذكارات من شاكلة الجرار القديمة، والتماثيل المصنوعة من الخزف، والصور العائلية من رحلات أندريه ديلوس القديمة إلى المنطقة، والمصممة لإحياء ذكريات الأماكن التي مر عليها في أيام شبابه الأولى. ومما يُضاف إلى ذلك، هناك فرقة موسيقية جورجية تحيي الحفلات الموسيقية الرائعة، خمس ليالٍ من كل أسبوع، لاستكمال مناخ العطلات الروسية القديمة في تلك البلاد.
وفي فترة ما بعد الظهيرة من فصل الربيع النابض بالحياة، تنساب أشعة الضوء الدافئ عبر الشرفة المكتظة بالزبائن (ويستحيل تماماً العثور على مقعد خاوٍ في فصل الصيف في ذلك المطعم، بسبب موقعه المطل على نهر موسكو) والمليء بالشجيرات والأعشاب المورقة في أواني الفخار والكروم المعلقة لأعلى. وفي حين أن قائمة المطعم تذكر الزبائن بالأطباق التي كان يعدها الطاهي في أيام العطلات في ستينات القرن الماضي، فإنها تعكس في الوقت نفسه إطلالة المطعم المشمسة الرائعة.

- مطعم «فوسخود»
وإن كان هناك شيء واحد يفخر به الروس، فهو نجاحاتهم المحققة في سباق الفضاء. ويعتبرون رائد الفضاء يوري غاغارين بطلاً قومياً. ويبدو أن تمثال التيتانيوم الذي يبلغ طوله 42 متراً في شارع لينينسكي بروسبكت في موسكو، لإحياء ذكرى غاغارين، ليس كافياً، حتى يقدم مطعم «فوسخود» الجديد – المشغول للغاية حتى في أمسيات أيام الأسبوع – تكريماً خاصاً من المأكولات ذات الذوق الرفيع للبطل القومي الروسي، الذي تصدر السباق الفضائي الروسي في عام 1962.
ويبدو مطعم «فوسخود» مثل الكبسولة الفضائية الأنيقة التي تشبه الأجسام الغريبة على مساحة خضراء في حديقة «زاريادي» الحديثة، على الواجهة الشمالية من نهر موسكو. وكانت التصميمات الداخلية من أعمال شركة «صاندوكوفي» للتصاميم الداخلية، والحائزة على مختلف الجوائز، والتي جمعت مستجدات عصر الفضاء الروسي، مثل قطع السيراميك التي تشبه الملاحة الفضائية، والمتناثرة عبر مختلف الطاولات، جنباً إلى جنب مع التركيبات الضوئية المستوحاة من النظام الشمسي، مع الأثاث الفخم الذي يرجع تاريخه إلى منتصف القرن العشرين.
هناك مقولة روسية شهيرة: «كل جديد ليس إلا قديماً منسياً». وعندما تزور مطعم «فوسخود»، يمكنك مشاهدة المستقبل أيضاً، ولكنه المستقبل الذي كان يحلم به رجال ونساء الوطن منذ فترة طويلة.
كما يقول السيد رابابورت مالك مطعم «دكتور جيفاغو». ومطعم «فوسخود» يعبر عمَّا كان سكان موسكو من جيل يوري غاغارين يتصورونه ويحلمون به، على اعتباره مطعم المستقبل.

- خدمة نيويورك تايمز


مقالات ذات صلة

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

مذاقات «ساوردو»...  من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات «سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.