الحراك العراقي يرفض مرشح حزب «الدعوة» لرئاسة الوزراء

طالب بـ«مستقل» بدل السوداني «المستقيل»

مواجهات لمحتجين مع قوات الأمن في شارع الرشيد ببغداد مطلع الشهر الحالي (أ.ب)
مواجهات لمحتجين مع قوات الأمن في شارع الرشيد ببغداد مطلع الشهر الحالي (أ.ب)
TT

الحراك العراقي يرفض مرشح حزب «الدعوة» لرئاسة الوزراء

مواجهات لمحتجين مع قوات الأمن في شارع الرشيد ببغداد مطلع الشهر الحالي (أ.ب)
مواجهات لمحتجين مع قوات الأمن في شارع الرشيد ببغداد مطلع الشهر الحالي (أ.ب)

تتوالى منذ يومين حملات الرفض والإدانة من قبل طيف واسع من جماعات الحراك للتسريبات التي تتحدث عن عزم رئيس الجمهورية برهم صالح ترشيح النائب والوزير السابق محمد شياع السوداني خلفاً لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي. وتمحورت غالبية الانتقادات وحالات الرفض ضد السوداني، باعتباره من بين أكثر الشخصيات تمثيلاً للأحزاب والجماعات السياسية التي حكمت البلاد منذ 2003، التي تطالب جماعات الحراك برحيلها ومحاسبتها.
وينظر المتظاهرون إلى السوداني، المنتمي لحزب «الدعوة - تنظيم العراق» الجناح الآخر لحزب الدعوة الإسلامية والعضو الدائم في ائتلاف «دولة القانون» الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بوصفه من بين أكثر الشخصيات قرباً من المالكي، وأكثر من شغل مناصب عليا في الدولة، توزعت بين قائمقام ومحافظ لميسان وشغل منصب الوزير في حكومات متعاقبة، في لوزارات حقوق الإنسان والتجارة والعمل والزراعة والمالية، إضافة إلى رئاسة هيئة المساءلة والعدالة ومؤسسة السجناء السياسية وغيرها من المناصب العليا في الدولة. وركزت غالبية مطالب المحتجين على «رجل مستقل وليس مستقيلاً».
وأعلن متظاهرو ساحة التحرير في بغداد عبر الإذاعة الداخلية في بيان مقتضب، أمس، رفضهم ترشيح السوداني، وقال البيان: «ما زالت تصل إلينا الأنباء من الاجتماعات السرية بين الكتل السياسية في المنطقة الخضراء، بأن أوفر الأسماء حظاً هو السوداني، وكما هو معروف في الأوساط السياسية، فإن السوداني أحد رجال المالكي المهمين، وأحد رجالات الأحزاب الحاكمة السيئة التي حكمت العراق بعد 2003».
ولم يعلن متظاهرو التحرير رفضهم للسوداني وغيره من أقطاب النظام وحسب، بل عمدوا قبل نحو أسبوع إلى تعليق لوحة كبيرة على واجهة مبنى «المطعم التركي» (جبل أحد) وضعت فيها صور 10 سياسيين، ضمنهم السوداني ووضعت علامة (X) على تلك الصور، في إشارة إلى رفض القبول بتوليهم منصب رئيس الوزراء الجديد الذي يقود المرحلة الانتقالية التي تمهد لانتخابات مبكرة في غضون سنة واحدة. وأبلغ الناشط محمد الربيعي «الشرق الأوسط» أن المتظاهرين قاموا أمس بـ«طباعة آلاف الصور للسوداني ورميها تحت الأقدام»، في إشارة إلى رفضه وعدم قبول ترشيحه. ويؤكد الربيعي أن «القصة بالنسبة لنا لا تتعلق بالسوداني كشخص، إنما به كرمز من رموز النظام الفاسد، لذلك فإن المحتجين سيرفضون أي شخصية ترشح من هذا النظام وأحزابه». وتابع: «لم نتظاهر وندفع التضحيات الغالية لنستبدل مسماراً صدأ بآخر».
وعما يتردد حول مشكلة رفض جماعات الحراك لمرشحي الأحزاب وعدم مبادرتها إلى تقديم مرشحها الذي ترتضيه، يقول الربيعي إن «جماعات الحراك وضعت شروطاً محددة للمرشحين؛ منها أن يكون مستقلاً ولم يشترك في الحكومات السابقة ومعروفاً بالنزاهة والوطنية، وعلى الحكومة وأحزابها الالتزام بهذه الشروط في أي مرشح».
ولم يقتصر الأمر على رفض ترشيح السوداني على المتظاهرين في ساحة التحرير، وامتد ليشمل غالبية المتظاهرين في ساحات الاحتجاج بمناطق وسط وجنوب العراق، حيث أظهرت صور وأفلام من محافظة البصرة والناصرية وكربلاء متظاهرين وهم يهتفون ضد ترشيح السوداني أو غيره من أقطاب السلطة.
وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي موجة سخرية وانتقادات واسعة للاستقالة التي قدمها السوداني من حزب «الدعوة» وائتلاف «دولة القانون» قبل ساعات من تسريبات تحدثت عن اتفاق غالبية الكتل السياسية على ترشيحه، باستثناء تحالف «سائرون» المدعوم من مقتدى الصدر ورئيس تحالف «القرار» أسامة النجيفي.
وكان السوداني غرد في «تويتر» أول من أمس، قائلاً: «أعلن استقالتي من حزب الدعوة - تنظيم العراق ومن ائتلاف دولة القانون، كما أني لست مرشحاً عن أي حزب، العراق انتمائي أولاً». واتهم الصحافي ورئيس تحرير جريدة «الصباح» شبه الرسمية السابق، عبد المنعم الأعسم، السوداني بالتسبب في توقف «عشرات الألوف من المصانع والمشاريع الوطنية على يديه»، في إشارة إلى المناصب الوزارية الكثيرة التي شغلها سابقاً. وتعليقاً على استقالة السوداني كتب الأعسم: «لو لم تكن استقالتك من حزب الدعوة وتحالف دولة القانون وإعلان انتمائك للعراق أولاً، موصولة بشرط اختيارك رئيساً لحكومة جديدة، لكنا قد رحبنا بالخطوة، على أنها تحوّل في البصيرة وانحياز سديد لهبّة الملايين نحو التغيير». وصنفها ضمن سياق «أغرب استقالة لسياسي في دول العالم، وهي من لوازم (وهم) الحفاظ على هيكلية حكم ما قبل الانتفاضة الفاسد، الفاشل، الفاجر، بتغيير شكلي في الواجهات. تغييرٍ من سيئٍ إلى أسوأ».
في غضون ذلك، دعا السياسي المستقل، فائق الشيخ علي، أمس، العراقيين والمتظاهرين إلى تقديم المرشح لمنصب رئاسة الوزراء من ساحة التحرير وسط بغداد. وغرد عبر «تويتر»، قائلاً: «أيها العراقيون... أيها المتظاهرون... قدِموا مرشحكم من ساحة التحرير. لقد أَزِفَت الساعة وحان الوقت». وأضاف: «لا تستمعوا إلى جاهل بالسياسة، أو مغمور، أو حمار أن يقول لكم: لدينا ما هو أهم من رئاسة الوزراء، كلا و1000 كلا! بل الأهم والأساس رئاسة الوزراء والباقي أهوَن».
ويميل مصدر سياسي إلى الاعتقاد بأن ترشيح السوداني «يأتي في إطار مناورة القوى السياسية لجس نبض المتظاهرين، ولا تعني بالضرورة أن الأمر قد حسم نهائياً». ويضيف المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «الشخصية التي ستشغل المنصب ستكون مثار غموض وجدل حتى اللحظات الأخيرة من إعلانها رسمياً من قبل رئيس الجمهورية، لذلك نرى أن في كل ساعة ثمة اسم مطروح للترشيح». ويرى المصدر أن «القوى السياسية في مأزق حقيقي نتيجة وقوعها بين اختيار شخصية مقبولة لديها وتحفظ مصالحها وبين الضغط الهائل المسلط عليها من ساحات التظاهر، فضلاً عن الضغوط الدولية والإقليمية التي تتعرض لها لاختيار هذه الشخصية أو تلك».
من جانبه، دعا تحالف «سائرون» أمس، رئيس الجمهورية برهم صالح إلى عدم الرضوخ لضغوطات القوى السياسية واختيار شخصية تحظى بقبول جماعات الحراك. وقال القيادي في التحالف الشيخ صباح الساعدي في رسالة وجهها إلى صالح قبل ساعات من انتهاء مهلة التكليف الرسمية، إن «رئيس الحكومة القادم يجب أن يكون نتاج الحراك الشعبي وليس نتاجاً للحراك السياسي الذي لن ينتج إلا فشلاً جديداً وفساداً أكثر». وأضاف أن «الفرصة التاريخية التي وضعت اليوم أمامكم لا تتعلق بكم بل بمصير العراق وبتاريخية موقع رئاسة الجمهورية ليكون ممثلاً للشعب والوطن وليس ممثلاً للأحزاب التي تتربص انتهاز الفرص».
وحمّل الساعدي رئيس الجمهورية «مسؤولية تاريخية في الإبقاء على الأمل في الإصلاح من عدمه ويكون قرار تكليف مرشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء من اختيار الشعب وليس (تدويراً وإعادة إنتاج) لرجالات أحزاب الفشل والفساد».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.