الجزائريون ينتخبون اليوم خليفة بوتفليقة وسط انقسام حاد

توقعات بمقاطعة كبيرة لسادس استحقاق تعددي في تاريخ البلاد

الجزائريون ينتخبون اليوم خليفة بوتفليقة وسط انقسام حاد
TT

الجزائريون ينتخبون اليوم خليفة بوتفليقة وسط انقسام حاد

الجزائريون ينتخبون اليوم خليفة بوتفليقة وسط انقسام حاد

تشهد الجزائر اليوم سادس انتخابات رئاسية تعددية في تاريخها، وسط انقسام حاد وسط الجزائريين بين رافض ومؤيد لإجرائها، حيث تسبب هذا الانقسام في وقوع مواجهات محدودة بين أفراد الجالية المهاجرة في فرنسا، عند بدء التصويت السبت الماضي.
ونشرت قوات الشرطة والدرك منذ أمس رجالها بأعداد كبيرة في مكاتب الاقتراع، التي تبلغ 55 ألف مكتب، موزعة على 48 ولاية، فيما يبلغ عدد الناخبين 24.5 مليون (سكان الجزائر 43 مليونا).

ويتنافس على خلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي أجبره الحراك على التنحي في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، خمسة مترشحين، اثنان منهم كانا رئيسين للوزراء في عهده، أحدهما في بداية فترة حكمه هو علي بن فليس (74 سنة)، الذي اختلف معه وتحول إلى خصمه. والثاني في نهاية فترة حكمه، هو عبد المجيد تبون (72 سنة)، الذي ساند ترشحه لولاية خامسة. بينما كان المترشح عز الدين ميهوبي (60 سنة) وزيرا للثقافة في حكومته. أما عبد القادر بن قرينة (61 سنة) فقد اشتغل بجنبه كوزير للسياحة لمدة ستة أشهر، إذ وجده بوتفليقة في الحكومة عندما تسلم السلطة عام 1999، ويبقى المترشح بلعيد عبد العزيز (56 سنة) الوحيد الذي ليس له انتماء في نظام بوتفليقة، بل عارض ترشحه لولاية ثانية في انتخابات 2004، وكان أحد أبرز رجال بن فليس، عندما نافس بوتفليقة في هذه الانتخابات.
وتجري الانتخابات في دورين، علما بأنه في المواعيد الانتخابية السابقة كان مرشح النظام يحسم النتيجة لصالحه من الجولة الأولى.
وأعلنت قيادة حزب الأغلبية «جبهة التحرير الوطني»، أمس، أنها تدعم ترشح ميهوبي. وفي الغالب يقف الحزب الواحد في السابق مع المترشح الفائز. وتملك «جبهة التحرير» مئات الآلاف من المناضلين، تفرقت مواقفهم بين المترشحين، باستثناء بن قرينة ذي التوجه الإسلامي، الذي يوجد أنصاره في وعاء انتخابي خاص بهم.
ويجمع المراقبون للشأن السياسي المحلي أن العملية الانتخابية تجري في أجواء احتقان لم يعرفها أي استحقاق من قبل، حتى في فترة الاقتتال مع الإرهاب، عندما كانت الجماعات الإسلامية المسلحة تهدد الجزائريين بالقتل إن أدلوا بأصواتهم.
وعاشت العاصمة، والمدن ذات الكثافة السكانية العالية، كسطيف (شرق) ووهران (غرب)، أمس مظاهرات واحتجاجات كبيرة معادية لتنظيم الانتخابات، شارك فيها عشرات الآلاف، المنخرطين في حراك الجمعة، ومظاهرات طلاب الجامعات التي تتم يوم الثلاثاء، منذ قرابة 10 أشهر.
في المقابل، نظم موالون لمسعى الانتخاب مظاهرات بدت أقل عددا قياسا إلى الرافضين، وكانت بإيعاز من الحكومة، بالنظر إلى أسماء التنظيمات والجمعيات التي نظمتها، وهي كلها موالية للسلطة، وكانت حتى وقت قريب تحشد التأييد لترشح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة.
وتجمع المتظاهرون في ساحة «11 ديسمبر 1960» في حي بلوزداد (بلكور سابقاً) في العاصمة، تزامناً مع ذكرى انطلاقة المظاهرات الحاشدة في ديسمبر (كانون الأول) 1960 ضد السلطة الاستعمارية الفرنسية، والتي انطلقت من هذا الحي نفسه، وانتشرت خلال أسبوع في كافة أنحاء الجزائر. وتوجهوا بعد ذلك نحو متحف البريد المركزي، الواقع على بعد 4 كلم من الساحة، وهو مركز تجمع تقليدي في العاصمة للحراك الشعبي، غير المسبوق الذي تشهده البلاد منذ 22 من فبراير (شباط) الماضي.
وخلال مسيرات أمس ردد المتظاهرون بقوة الشعار المعروف «لا انتخابات مع العصابات»، وارتدى الكثير منهم العلم الوطني، تعبيرا عن التمسك بالوحدة الوطنية. وكان ذلك بمثابة رسالة منهم إلى قائد الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، الذي اتهم رافضي الانتخابات بأنهم «أعداء الوحدة الوطنية»، وقال عنهم في أحد خطاباته إنهم «خدام الاستعمار». كما رفع المتظاهرون لافتات معادية للسلطة وللمترشحين، ورفعوا صور شهداء ثورة التحرير، ومن بينهم أيقونة «معركة الجزائر العاصمة» إبان الاستعمار علي لابوانت، وصاحوا باسمه «يا علي يا علي»، في مشهد رمزي قوي يفهم منه الاستنجاد بالرموز الثوريين، على أساس أن البلاد بحاجة إليهم اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وانتشر المتظاهرون بين شوارع العاصمة وأزقتها، وتعقب أثرهم رجال الأمن بالهراوات لمنعهم من التوجه إلى المواقع الحساسة، كقصر الرئاسة ومبنى رئاسة الوزراء. وأحاطت السلطات المقار الحكومية بتعزيزات كبيرة، استعدادا لصد المتظاهرين إن وصلوا إليها. كما تم اعتقال العشرات من الأشخاص، أغلبهم من طلاب «الجامعة المركزية»، فيما سمعت زغاريد النساء تنطلق من شرفات العمارات بشوارع ديدوش مراد، وحسيبة بن بوعلي وعسلة حسين، التي يعود بناؤها إلى فترة الاستعمار.
في غضون ذلك، عاشت بجاية وتيزي وزو، كبرى مدن منطقة القبائل (شرق)، مظاهرات واحتجاجات كبيرة، وشن التجار والموظفون في الإدارات والشركات الحكومية، إضرابا تعبيرا عن رفضهم للانتخابات.
وكانت هذه المنطقة الوحيدة التي لم يزرها المترشحون خلال حملة الانتخابات، التي دامت 21 يوما، بسبب المعارضة الشديدة لهم وللانتخابات بها. ويتوقع بأن تكون نسبة المقاطعة قياسية وسط سكان القبائل، الساخطين على نظام الحكم منذ سنوات طويلة لأسباب سياسية، ترتبط بالثقافة والهوية المحلية. وقد استهدفهم قائد الجيش عدة مرات، من خلال اعتقال وسجن متظاهرين بسبب حمل الراية الأمازيغية، فيما دان القضاء بعضهم بالسجن، وهو ما زاد في حالة الاحتقان بالمنطقة.
وقال علاوة محمد حاجي، المدون والصحافي المعروف بنقده اللاذع للمسؤولين ورجال السياسة، عشية الانتخابات: «الانتخابات هي أفضل حلٍّ لأي أزمة سياسية يعيشها أي بلد، لكن شريطة أن يُهيَّأ لها جوّ حقيقي من الديمقراطية، ويترشّحَ لها الأفضل لا الأسوأ، وتجري بشكل نزيه وشفّاف فعلاً، وأن تحترَم نتائجها أخيراً. وفي الحالة الجزائرية، لا يبدو أن أيا من تلك الشروط متوافرة، بعد أن مضت تسعة أشهر على دفع بوتفليقة إلى الاستقالة، فيما بدا للبعض لحظة انتصار شعبي على منظومة حكم فاسدة، أتت على الأخضر واليابس، بينما سيثبت مع مرور الأيام أنه لم يكن سوى حلّ تكتيكي لاستمرار المنظومة نفسها في البقاء».
وتابع حاجي: «لم يكن الوضع يحتاج إلى دلائل للتأكيد على أن جميع شروط إجراء انتخابات ديمقراطية، تُفرز حُلولا للأزمة، كانت غائبة ونحن على بعد أيّام قلائل من موعد الرئاسيات المقبلة. لكن ربّما يجدر التذكير مجدداً بأنها جرت تحت إشراف تام من منظومة بوتفليقة نفسها، حتّى وإن حاولت السلطة تغليفها بلجنة صورية، وأنّ من ترشح لها هم (أبناء) بوتفليقة أنفسهم، حتّى وإن حاول بعضهم التنصل من ماضيه، أو الادعاء بأنه كان معارضا لـ(العصابة) أو ضحيّة لها».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.