الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية

قوات حفتر تهاجم بنغازي ومصر تنفي قصف المتشددين

الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة  لتصفية الحسابات الإقليمية
TT

الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية

الدايري لـ(«الشرق الأوسط»): ليبيا أصبحت ساحة  لتصفية الحسابات الإقليمية

يحتار المرء من أين يبدأ حواره مع وزير خارجية ليبيا محمد الدايري الذي التقته «الشرق الأوسط» في باريس صباح أمس في نهاية زيارة مدتها 48 ساعة إلى العاصمة الفرنسية بمعية وفد رسمي ضم في صفوفه رئيس الأركان الليبي، والتقى خلالها وزيري خارجية فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، والمبعوث الأممي إلى ليبيا، ومسؤولين آخرين. ذلك أن المشكلات التي تواجه الدولة الليبية لا تعد ولا تحصى. والوزير الجديد الذي تسلم مهامه منذ أقل من 3 أسابيع قادم إلى الوزارة من منظمة الأمم المتحدة حيث قضى سنوات طويلة يهتم بقضايا اللاجئين. والرجل يتميز باللطف والكياسة، وهما صفتان لا بد منهما لأي دبلوماسي يريد مقاربة المسائل الشائكة وربما المستعصية مثل مشكلات ليبيا.
يؤكد الوزير الليبي ويشدد على أن ليبيا ليست فيها حكومتان ولا برلمانان، وإنما حكومة شرعية واحدة وبرلمان شرعي واحد. وهو يطلب من الأسرة الدولية دعم هذه الشرعية والمساعدة على إيجاد حل سياسي يرى فيه السبيل الوحيد لإخراج ليبيا من أزماتها. ورغم الغيوم السوداء المنذرة بالسوء التي تخيم فوق ليبيا، فإن محمد الدايري يلحظ علامات تفاؤل؛ لعل أبرزها تعويله على الدور الذي يقوم به المبعوث الأممي ليون برناردينو الذي التقاه في باريس والذي يسعى، عقب مؤتمر غدامس، لبلورة سبل الحل الذي لن يكون ناجزا إلا مع حل الميليشيات وجمع السلاح وبناء الدولة الليبية. ويؤكد الوزير الجديد أن بلاده ضحية «صراع إقليمي وتصفية حسابات وساحة لتحقيق مكاسب جدية يسعى إليها البعض». كما أنه يرى أن المكاسب العسكرية التي تتحقق اليوم لهذا الطرف أو ذاك ربما تزول بعد أسبوع أو 10 أيام. وفي رأيه أن الهدف الأول في ليبيا يجب أن يكون الحصول على وقف لإطلاق النار تمهيدا للمرحلة المقبلة التي يجب أن تكون نزع السلاح وحل الميليشيات. وفي ما يلي نص الحوار:

* أجريت في باريس مجموعة من اللقاءات المهمة بينها اجتماعان مع وزيري خارجية فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. ما مطالب ليبيا اليوم من هذين البلدين وبشكل أوسع من الأسرة الدولية؟
- مطلبنا الأول هو بطبيعة الحال دعم الشرعية الحالية، وهو يأتي في نظرنا من خلال إيجاد حل سياسي، وبالتالي توفير الدعم الحثيث والقوي لجهود السفير برناردينو ليون (رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا). والحقيقة أن مسار غدامس الذي بدأ في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي أعطى لنا آمالا كبيرة في الوصول إلى حل سياسي مع أولئك الليبيين الذين هم أولا وقبل كل شيء أهلنا الذين اختلفنا معهم سياسيا والذين لجأوا وللأسف إلى العنف والوسائل العسكرية لإبداء خلافاتهم السياسية معنا بعد انتخاب مجلس النواب في 25 يونيو (حزيران) الماضي والإعلان عن هذه النتائج في 21 يوليو( تموز).
الحقيقة أننا الآن في مسار سياسي نحاول أن نتجاوز ما حدث، لأن الحل في ليبيا هو حل سياسي في المقام الأول، واسمح لي أن أذكر أن هناك دولا عربية وأفريقية أخرى عانت من ويلات الحروب الطويلة، ولكن في نهاية المطاف انتهت الحروب بعد الدمار والعنف وتوصلت إلى حلول سياسية. ونحن نريد أن نضع حدا للآلام وأوجاع الشعب الليبي.
* لكن ماذا تريدون عمليا من الدول الكبرى وامتدادا من مجلس الأمن الدولي الذي كانت الحكومة السابقة قد تقدمت إليه بطلب للمساعدة؟
- ما نريده منها أولا هو تحييد المناوئين للعملية السياسية.
* من هم هؤلاء؟
- هم يعرفون أنفسهم. في الداخل وكذلك في الخارج. نحن نرى أن ليبيا ضحية صراع إقليمي أيضا بعد التغييرات الجذرية التي حلت في منطقتنا من تونس إلى مصر إلى غيرها من البلدان. الحقيقة أن ليبيا أصبحت ساحة صراع إقليمي وتصفية حسابات. لا بل إنها أضحت ساحة لتحقيق مكاسب جديدة يسعى إليها البعض. وأنا لا أخفي عليك أن هناك تحديات لهذا المسار السياسي.. بعد غدامس، صدرت تصريحات تخون حتى أولئك الذين شاركوا في هذا المسار، وميدانيا هناك من يواصل مسار العنف لكي يحقق مكاسب سياسية وعسكرية. وبنظرنا هذه حسابات قصيرة النظر، لأنك يمكن أن تحقق اليوم مكسبا عسكريا يمكن أن تخسره بعد أسبوع أو 10 أيام.. دوامة العنف في ليبيا ليست مؤدية إلى أية نتيجة. نريد بعد أن تخلصنا في 2011 من براثن الديكتاتورية أن نرسي دولة القانون والمؤسسات ونقود بلادنا، شأنها في ذلك شأن دول عربية أخرى عرفت التغيير سواء في مشرق العالم العربي أو مغربه. الأمر واضح لنا: نريد أن نؤسس لليبيا العصرية سويا. وأمامنا تحديات كبيرة.
* ما «خريطة الطريق» التي رسمتها الحكومة الليبية من أجل الخروج من هذه الدوامة؟
- خريطة الطريق أن نؤيد جهود السفير برناردينو للتوصل إلى وفاق داخل مجلس النواب المنتخب والشرعي. من اجتمع في غدامس هم النواب المنتخبون الشرعيون.. ثم عودة الحكومة إلى طرابلس؛ مكانها الطبيعي، وممارسة مهامها من طرابلس في أقرب فرصة ممكنة.
* من أين تمارسون مهامكم؟
- من مدينة البيضاء التي هي العاصمة الإدارية حاليا، وطبرق هي مؤقتا مقر البرلمان.
* الحكومة السابقة طلبت، من أجل السيطرة على الوضع في ليبيا، تدخلا دوليا. هل ما زال هذا الطلب قائما؟
- ما يحدث اليوم هو أن التدخل الدولي موجود عن طريق الوساطة التي يقوم بها السفير ليون برناردينو، وقد تحدث عن شق سياسي (الحكومة، البرلمان..) كما تحدث عن شق أمني (وقف إطلاق النار وآليات أخرى تتبعه) من أجل وقف هذا الدمار ومعالجة وضع الميليشيات في البلد.
* هل المطروح نزع سلاح الميليشيات؟
* نحن نريد أن نحقق بداية الخطوات الأولى، والمبعوث الأممي لديه آليات، وهو يبحثها مع الأجهزة المعنية في الأمم المتحدة، وهناك دول ستساعده بقوة بالنظر لأهمية الموقع السياسي والجغرافي لليبيا بحيث تدعم جهوده الرامية، بعد فترة، إلى نزع سلاح الميليشيات. ولكن في البداية، ما نريد التوصل إليه هو وقف لإطلاق النار، ثم حل الميليشيات ونزع سلاحها. برناردينو تناول كافة هذه المسائل في اجتماع غدامس.
* وقف إطلاق النار يحتاج إلى قوة مراقبة. من سيؤمن مثل هذه القوة؟
- السفير برناردينو الذي تشاورت معه أمس لم يصل بعد إلى هذه المرحلة من البحث (تعيين قوة المراقبة). هو يبحث مع نيويورك في الآليات. ولكن هناك دعم دولي (لتنفيذ هذه الخطة). وعندما نتحدث عن دعم دولي، فإن هذا هو المقصود. وبالمناسبة، أريد أن أشير إلى أن السفير برناردينو والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون رحب بهما في طرابلس عندما وُجدا في العاصمة قبل أيام، ونحن رحبنا بهم في طبرق أيضا. وأريد أن أقول إن هذا التدخل هو شرعي وينادي به الليبيون الذين يطمحون إلى الخروج ببلدهم إلى ساحة الأمان والابتعاد عن دوامة العنف التي لن تجدي أو تفيد أحدا منا.
* ماذا تريدون من مصر وقد قيل الكثير عنها وعن خططها في ليبيا؟
- الموضوع ضخم كثيرا، وحتى في مصر نفسها. أود أن أقول بداية إن الزيارة لمصر جاءت بداية بدعوة رسمية من الرئيس عبد الفتاح السياسي والذي قام بالزيارة وفد رسمي كبير، وهذا شيء مهم. ثم إن مصر دولة جارة لنا وتربطنا بها علاقات تاريخية. وما نطلبه من كافة الدول قبل 13 يوليو (تموز) 2014، ما طلبناه كمؤتمر وطني وحكومة وهو التعاون العسكري مع مجموعة من الدول منها فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإيطاليا، وتركيا، ومصر، والإمارات، والأردن.. وهناك فرق من الجيش الليبي ذهبت إلى هذه الدول لتتدرب ونتمنى مواصلة ذلك. ولا يخفيك أننا نواجه تحديات (أمنية) كبيرة، والأميركيون لم يباشروا بعد برنامجهم العسكري معنا حتى الآن بسبب عوائق صعبة الحل حتى الآن. ونحن نود الاستمرار في التعاون العسكري، خاصة أنه لدينا الآن جيش وطني يقوده اللواء عبد الرازق الناضوري الذي عينة مجلس النواب. أقول إن لدينا اليوم نواة للجيش الليبي. وما يحدث اليوم (من تعاون) مع أية دولة عربية أو أوروبية هو استمرار لسياسات (سابقة) أبرمت وعقدت. ولكن نحن لا نطلب بأي حال تدخل الجيش المصري أو الفرنسي.
* لكنكم تطلبون التعاون الأمني لضبط الحدود مثلا.. أليس كذلك؟
- نحن نطلب ذلك من كافة بلدان الجوار: التشاد، النيجر.. وهذا المسار بدأ في عام 2012. والحقيقة أن ضبط الحدود نريده مع كافة الدول التي لنا معها حدود مشتركة. كما أن المطلوب أيضا بناء وتطوير قدرات الجيش الليبي. ونحن نريد تبديد اللبس (حول طلب التدخل الدولي) الذي نشأ في ذهنية الإعلام العربي والدولي.
* قالت لنا مصادر مصرية إن القاهرة جاهزة لمساعدة ليبيا بالقدر الذي تريده هذه الأخيرة ومن غير تحفظ بما في ذلك الدعم السياسي والأمني والعسكري وخلافه. ما بالتحديد مطالبكم من مصر وأيضا من دول الجوار؟
- ما نطلبه من دول الجوار حاليا هو الالتزام بنتائج اجتماع الحمامات الذي حصل في يوليو (تموز) 2014. الوزير محمد عبد العزيز هو من مثل ليبيا فيه. وقد أفضى الاجتماع إلى إيلاء مصر ترؤس اللجنة السياسية، وإلى إيلاء الشق الأمني للجزائر بحيث تترأس اللجنة الأمنية. ونحن نتطلع لتفعيل هذا الدور. لو توفر لنا دعم أمني وعسكري من الجزائر سيكوم موقفنا الترحيب واليوم قبل غدا. الجزائر دولة شقيقة، وكذلك تونس، وشأنهما شأن مصر.. لكن في السابق المسارات التي سبقت لجهة تدريب الجيش الليبي كانت تتم في الأردن والإمارات ومصر وفرنسا وإيطاليا.. وهناك استمرارية في هذا الشأن.
* أين أصبح عمل البعثة الأوروبية لمساعدة ليبيا في موضوع ضبط الحدود؟
- هي تقدم مساعدة فنية لبناء قدرات لضبط الحدود، وللأسف ليست هذه البعثة موجودة اليوم على الأرض الليبية؛ إذ إنها غادرت ليبيا شأنها في ذلك شأن السفارات الأجنبية التي تركت طرابلس في أكثريتها.
* ما الخطوة الأولى الضرورية واللازمة حتى نستطيع القول إن الأمور في ليبيا سلكت أخيرا الطريق الصحيح علما بأن الأمور مستمرة في التدهور حيث اللواء حفتر يريد السيطرة على بنغازي، وميليشيات الزنتان تريد السيطرة على مصراتة، والمعارك قائمة غرب طرابلس.. وماذا تقول عن أن المسار السياسي مهم جدا لكن المشكلة أن الواقع الميداني يشي بعكس ذلك؟
- صحيح؛ الواقع الميداني يقول عكس ذلك حاليا، ومسار غدامس لم يبدأ إلا في 29 سبتمبر (أيلول) الماضي. وأمس كنت مع السفير ليون برناردينو. ولا أخفيك أن لدينا الكثير من الآمال التي نضعها في العمل الذي بدأه، وهناك إشارات إيجابية من الجانبين اللذين حضرا «غدامس»، وعلينا أن نمضي قدما بهذا المسار من أجل أن نجد نتائج إيجابية أولية لهذا المسار. والمسؤول الدولي، بعد مرحلة تمهيدية، سيدخل في صلب الموضوع بحيث يصل إلى نتائج أولية، آملين أن يتحقق ذلك في الشهرين القادمين، وتوفر لنا عودة الحكومة إلى طرابلس، لأن الشيء الطبيعي هو أن نعمل كحكومة من العاصمة طرابلس وليس من البيضاء.
* هل هناك تواصل بينكم وبين الحكومة الثانية الموجودة في طرابلس؟
- الحقيقة هي أننا لا نتواصل إلا مع أعضاء المجلس النيابي المنتخبين. ليس في ليبيا سوى حكومة شرعية واحدة، وبالتالي ليست هناك حكومتان. الحكومة الشرعية هي التي انبثقت عن مجلس النواب الذي بدأ أعماله في 4 أغسطس (آب) الماضي والتي حلفت اليمين يوم الأحد 28 سبتمبر 2014.
* هل توصلتم إلى أشياء محددة مع الفرنسيين والأميركيين بشأن إعادة بناء الجيش الليبي؟
- هناك أشياء بدأت في السابق، ونحن مستمرون في ذلك، ونريد تفعيل الاتفاقيات الموقعة ولم تر النور.
* مثلا؟
- التدريب والحصول على أسلحة طلبت في السابق، والحال أنها لم تنفذ بعد. نحن لم نأت إلى هنا لاستحداث أمور جديدة، وإنما لتفعيل اتفاقات تم التوقيع عليها.
* هل أنتم من الذين يرون أن الدول التي ساعدت على إسقاط نظام القذافي لم تكمل المهمة؟
- كنا نتمنى بالفعل أن يكون هناك دعم للفترة الانتقالية، وهم يعترفون بذلك (التقصير). لكن تجربة العراق ربما تكون دفعت هذه الدول لعدم تكرار التجربة عندنا.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.