السلطة تعتبر دعوة البرلمان البريطاني للاعتراف بدولة فلسطين مبنيا على «مسؤولية تاريخية»

غضب كبير في تل أبيب بعد تصويت غير ملزم يزيد من الضغوط السياسية عليها

مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية
مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية
TT

السلطة تعتبر دعوة البرلمان البريطاني للاعتراف بدولة فلسطين مبنيا على «مسؤولية تاريخية»

مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية
مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية

فيما حذرت الحكومة الإسرائيلية من أن اعتراف مجلس العموم البريطاني بالدولة الفلسطينية يقوض عملية السلام في المنطقة، طالب الفلسطينيون الحكومة البريطانية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد تصويت البرلمان بأغلبية ساحقة على ذلك، وأعلنت بريطانيا أنها تحتفظ بحقها في الاعتراف بفلسطين كدولة، واتخاذ قرار مستقل فيما يتعلق بموعد استخدام هذا الحق.
وحذرت الحكومة الإسرائيلية في بيان من أن الاعتراف المبكر بالدولة الفلسطينية يوجه رسالة خاطئة للقيادة الفلسطينية بأنه يمكنها تجنب اتخاذ التضحيات المطلوبة من الجانبين لإنجاز اتفاق سلام دائم. وأضاف البيان، الذي أصدرته الخارجية أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يجب أن يتم فقط نتيجة لمفاوضات السلام.
وجاء البيان الإسرائيلي تعقيبا على تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية.
وقد تبنى النواب بغالبية 274 صوتا مقابل رفض 12 المذكرة التي تدعو الحكومة البريطانية إلى «الاعتراف بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل»، كمساهمة في «تأمين حل تفاوضي يكرس قيام دولتين» في الشرق الأوسط. ورحب الفلسطينيون بالتصويت، حيث وصفته الرئاسة الفلسطينية بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح. كما دعا أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه، الحكومة البريطانية إلى تبني هذا الموقف رسميا، والتصويت في مجلس الأمن الدولي لصالح الاعتراف بحدود دولة فلسطين، والانسحاب الإسرائيلي التام منها وفق جدول زمني محدد. وقال عبد ربه في تصريح مكتوب إن «بريطانيا ملزمة أكثر من أي دولة أخرى بالتصويت لصالح الاعتراف بدولة فلسطين، لما تتحمله من مسؤولية تاريخية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني المتواصلة منذ وعد بلفور المشؤوم».
وقالت حنان عشراوي، عضو منظمة التحرير الفلسطينية، إن «القرار البريطاني يوجه رسالة لبقية دول الاتحاد الأوروبي، ويسهل لها الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني».
وعبر عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ورئيس كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي، عن تقديره وشكره لمجلس العموم البريطاني والنواب البريطانيين على تصويتهم لصالح القرار الذي يطالب الحكومة البريطانية بالاعتراف بدولة فلسطين. وأضاف الأحمد في بيان صحافي أن «هذا التصويت المهم يشكل بداية لصحوة الضمير البريطاني والعالمي باتخاذ موقف أخلاقي تجاه الشعب الفلسطيني ولرفع الظلم التاريخي الذي لحق به». داعيا البرلمانات الأوروبية لأن تحذو حذو مجلس العموم البريطاني والحكومة السويدية، وأن تتحمل مسؤولياتها تجاه السلام في الشرق الأوسط، والعمل على إلزام حكوماتها بسرعة الاعتراف بدولة فلسطين، وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يشكل أهم مظاهر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم. وعلى الرغم من رمزية التصويت البريطاني، فإنه أثار جدلا كبيرا في إسرائيل. فقد قال مسؤول إسرائيلي كبير إن «ما حدث ليس جيدا وليس في صالح إسرائيل». وأضاف أن «تسلسل الدول التي ترغب باتخاذ موقف حيال القضية الفلسطينية بات يعتبر مشكلة بالنسبة لنا، وهناك قلق عميق من أن يؤدي ذلك إلى موجة وأجواء تضر بالموقف الإسرائيلي».
ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية عن دبلوماسيين إسرائيليين غاضبين تحميلهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المسؤولية لأنه «يفضل التحدث في خطبه من على منبر الأمم المتحدة، عن الشرق الأوسط الجديد، ويتهرب من تناول الحديث عن كل ما له علاقة بالتفاوض مع الفلسطينيين».
وهاجم زعيم المعارضة البرلمانية في إسرائيل إسحاق هيرتسوغ إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعد أن التصويت في مجلس العموم البريطاني على مذكرة الاعتراف بدولة فلسطينية دليل كبير على «فشل سياسة نتنياهو ووزير خارجيته»، محذرا من أن هذا التصويت «سيفتح الأبواب على خطوات مماثلة في دول أخرى في أوروبا». وأردف «أن العاصفة السياسية الكبرى آتية وهي تقترب بسرعة».
ومضى هيرتسوغ يقول أثناء مقابلة صحافية أجريت معه أمس إن «إسرائيل تتعرض للانتقادات من كل الجهات في العالم، وهي لا تدرك مدى قسوة العاصفة السياسية التي ستحل عليها قريبا».
ومن جهتها، أصدرت السفارة الإسرائيلية في لندن، عقب تصويت مجلس العموم البريطاني على المذكرة، بيانا قالت فيه إن «الطريق إلى استقلال الدولة الفلسطينية يمر عبر غرفة المفاوضات». وأضافت أن «الاعتراف الدولي المسبق يحمل رسالة مقلقة من القيادة الفلسطينية، مفادها أن بوسعهم التملص من اتخاذ القرارات الصعبة التي ينبغي على الجانبين اتخاذها، وهي بذلك تقوض فرص التوصل إلى سلام حقيقي».
كما وصف «اللوبي البرلماني من أجل أرض إسرائيل» قرار البرلمان البريطاني بـ«المخجل»، وجاء في بيان «أن هذا القرار يتجاهل المشكلات الحقيقية التي يواجهها العالم حاليا مثل تهديد تنظيم داعش». ودعا اللوبي أعضاء الحكومة إلى اتخاذ إجراءات فورية ردا على القرار البرلماني.
من جهته، قال ماثيو غولد، السفير البريطاني لدى إسرائيل، إن «قرار مجلس العموم بهذه الأغلبية يوضح تغيرا في توجهات الرأي العام في بلاده ضد إسرائيل»، وأضاف في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية إن «هذا التصويت في مجلس العموم يوضح رأي الغالبية في بريطانيا إزاء إسرائيل بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة، التي قتل فيها أكثر من 2100 فلسطيني، أغلبهم من المدنيين، و70 إسرائيليا أغلبهم من الجنود».
وأضاف غولد «أعتقد أنه أمر مهم لأنه يوضح الفارق في توجهات الرأي العام». وفي إسرائيل نشر عن مسؤوليين في الاتحاد الأوروبي حديث عن «نقاشات أولية» تدور في أروقة الاتحاد حول الاحتمالات المختلفة لسبل الضغط على إسرائيل من أجل تجميد الاستيطان، وبناء الوحدات الاستيطانية على الضفة الغربية والقدس الشرقية، ومن بينها اقتراح فوري بمنع «المستوطنين العنيفين»، أو ذوي الماضي الجنائي من دخول أراضي الاتحاد. وقال أحد السفراء الأوروبيين في إسرائيل «لا أحد يتحدث عن احتمال فرض عقوبات على إسرائيل، ولكن هناك مستوى عاليا من الإحباط، ولدينا أدوات مختلفة لتوضيح هذا الإحباط». كما صرح مسؤول دبلوماسي آخر بأن «الصبر بدأ ينفد». ورغم أن مجلس العموم البريطاني قد وافق مساء أول من أمس على الاعتراف بدولة فلسطين في تصويت رمزي، فإنه لن يغير من موقف الحكومة من الموضوع، لكنه يحمل قيمة رمزية للفلسطينيين في مسعاهم لنيل اعتراف دولي.
وتبنى النواب بأغلبية 274 من الأصوات المذكرة التي تقدم بها النائب من حزب العمال غرايم موريس، مقابل رفض 12 المذكرة التي تدعو الحكومة البريطانية إلى اعتراف بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل.
وشدد أمس ألن دنكن، النائب في حزب المحافظين ووزير التنمية الدولية السابق، خلال خطابه في معهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن على أن «الفلسطينيين حرموا من حق تأسيس دولتهم وأن الوقت حان للقيام بذلك». وأكد أن طريقة التعامل بين فلسطين وإسرائيل والمجتمع الدولي لحل عملية السلام خاطئ، وقال بهذا الخصوص «العالم العربي يحتاج إلى التوحد، والغرب يحتاج أن يقدم موقفا ضد إسرائيل».
ودان دنكن في خطابه المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقارنه بالنظام العنصري في جنوب أفريقيا.
وامتنع كاميرون عن التصويت على القرار الذي دعا إليه مشرع معارض، وقال متحدث باسم كاميرون في وقت سابق إن «السياسة الخارجية لن تتأثر مهما كانت النتيجة».
لكن التصويت حظي بمتابعة عن كثب من السلطات الفلسطينية والإسرائيلية التي تسعى لقياس مدى استعداد الدول الأوروبية للتحرك بشأن آمال الفلسطينيين في اعتراف منفرد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وعرض وزيرا خارجية بريطانيا السابقان وجهتي نظر متعارضتين خلال مناقشات أول من أمس في مجلس العموم في لندن. فقد أعلن جاك سترو، عضو البرلمان الذي تولى وزارة الخارجية سابقا، أنه يعتقد أن «تمرير القرار سيكون بادرة ذات مغزى»، وقال في هذا الصدد «أعتقد أن رد الفعل الإسرائيلي المبالغ فيه على مجرد احتمال أن يوافق هذا المجلس على القرار هو دليل على أن هذا القرار سيحدث فرقا. الشيء الوحيد الذي تفهمه الحكومة الإسرائيلية بإدارتها الحالية بقيادة نتنياهو، هو الضغط، وما سيفعله هذا المجلس هذا المساء هو أنه سيزيد الضغط على حكومة إسرائيل. لذلك فهم قلقون للغاية بشأن الموافقة على هذا القرار».
من جانبه، أبدى السير مالكولم ريفكيند الذي تولى وزارة الخارجية في الفترة من 1995 إلى 1997 قلقه من أن فلسطين لم تف بعد بمتطلبات اعتبارها دولة، وقال موضحا «الاعتراف بدولة لا يحدث إلا عندما تستكمل الأرض المعنية المتطلبات الأساسية للدولة. وهذا لم يتحقق في الوقت الراهن، وليس بسبب أي خطأ ارتكبه الفلسطينيون، لكن يبدو لي أن القرار المعروض علينا الآن سابق لأوانه»، وأضاف: «ليس فقط أن حدود الدولة الفلسطينية غير معروفة بعد، لكن أيضا لا توجد حكومة فلسطينية تسيطر على السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية، ولا يوجد جيش للدفاع عن أراضي هذه الدولة. هذه ليست انتقادات بل مجرد وصف للحقائق التي عادة ما تكون شروطا مسبقة».



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.