السلطة تعتبر دعوة البرلمان البريطاني للاعتراف بدولة فلسطين مبنيا على «مسؤولية تاريخية»

غضب كبير في تل أبيب بعد تصويت غير ملزم يزيد من الضغوط السياسية عليها

مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية
مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية
TT

السلطة تعتبر دعوة البرلمان البريطاني للاعتراف بدولة فلسطين مبنيا على «مسؤولية تاريخية»

مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية
مجلس العموم البريطاني الذي شهد تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية

فيما حذرت الحكومة الإسرائيلية من أن اعتراف مجلس العموم البريطاني بالدولة الفلسطينية يقوض عملية السلام في المنطقة، طالب الفلسطينيون الحكومة البريطانية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية بعد تصويت البرلمان بأغلبية ساحقة على ذلك، وأعلنت بريطانيا أنها تحتفظ بحقها في الاعتراف بفلسطين كدولة، واتخاذ قرار مستقل فيما يتعلق بموعد استخدام هذا الحق.
وحذرت الحكومة الإسرائيلية في بيان من أن الاعتراف المبكر بالدولة الفلسطينية يوجه رسالة خاطئة للقيادة الفلسطينية بأنه يمكنها تجنب اتخاذ التضحيات المطلوبة من الجانبين لإنجاز اتفاق سلام دائم. وأضاف البيان، الذي أصدرته الخارجية أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يجب أن يتم فقط نتيجة لمفاوضات السلام.
وجاء البيان الإسرائيلي تعقيبا على تصويت النواب البريطانيين بغالبية ساحقة لصالح الاعتراف بدولة فلسطين في عملية رمزية.
وقد تبنى النواب بغالبية 274 صوتا مقابل رفض 12 المذكرة التي تدعو الحكومة البريطانية إلى «الاعتراف بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل»، كمساهمة في «تأمين حل تفاوضي يكرس قيام دولتين» في الشرق الأوسط. ورحب الفلسطينيون بالتصويت، حيث وصفته الرئاسة الفلسطينية بأنه خطوة في الاتجاه الصحيح. كما دعا أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه، الحكومة البريطانية إلى تبني هذا الموقف رسميا، والتصويت في مجلس الأمن الدولي لصالح الاعتراف بحدود دولة فلسطين، والانسحاب الإسرائيلي التام منها وفق جدول زمني محدد. وقال عبد ربه في تصريح مكتوب إن «بريطانيا ملزمة أكثر من أي دولة أخرى بالتصويت لصالح الاعتراف بدولة فلسطين، لما تتحمله من مسؤولية تاريخية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني المتواصلة منذ وعد بلفور المشؤوم».
وقالت حنان عشراوي، عضو منظمة التحرير الفلسطينية، إن «القرار البريطاني يوجه رسالة لبقية دول الاتحاد الأوروبي، ويسهل لها الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني».
وعبر عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ورئيس كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي، عن تقديره وشكره لمجلس العموم البريطاني والنواب البريطانيين على تصويتهم لصالح القرار الذي يطالب الحكومة البريطانية بالاعتراف بدولة فلسطين. وأضاف الأحمد في بيان صحافي أن «هذا التصويت المهم يشكل بداية لصحوة الضمير البريطاني والعالمي باتخاذ موقف أخلاقي تجاه الشعب الفلسطيني ولرفع الظلم التاريخي الذي لحق به». داعيا البرلمانات الأوروبية لأن تحذو حذو مجلس العموم البريطاني والحكومة السويدية، وأن تتحمل مسؤولياتها تجاه السلام في الشرق الأوسط، والعمل على إلزام حكوماتها بسرعة الاعتراف بدولة فلسطين، وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، الذي يشكل أهم مظاهر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم. وعلى الرغم من رمزية التصويت البريطاني، فإنه أثار جدلا كبيرا في إسرائيل. فقد قال مسؤول إسرائيلي كبير إن «ما حدث ليس جيدا وليس في صالح إسرائيل». وأضاف أن «تسلسل الدول التي ترغب باتخاذ موقف حيال القضية الفلسطينية بات يعتبر مشكلة بالنسبة لنا، وهناك قلق عميق من أن يؤدي ذلك إلى موجة وأجواء تضر بالموقف الإسرائيلي».
ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية عن دبلوماسيين إسرائيليين غاضبين تحميلهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المسؤولية لأنه «يفضل التحدث في خطبه من على منبر الأمم المتحدة، عن الشرق الأوسط الجديد، ويتهرب من تناول الحديث عن كل ما له علاقة بالتفاوض مع الفلسطينيين».
وهاجم زعيم المعارضة البرلمانية في إسرائيل إسحاق هيرتسوغ إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعد أن التصويت في مجلس العموم البريطاني على مذكرة الاعتراف بدولة فلسطينية دليل كبير على «فشل سياسة نتنياهو ووزير خارجيته»، محذرا من أن هذا التصويت «سيفتح الأبواب على خطوات مماثلة في دول أخرى في أوروبا». وأردف «أن العاصفة السياسية الكبرى آتية وهي تقترب بسرعة».
ومضى هيرتسوغ يقول أثناء مقابلة صحافية أجريت معه أمس إن «إسرائيل تتعرض للانتقادات من كل الجهات في العالم، وهي لا تدرك مدى قسوة العاصفة السياسية التي ستحل عليها قريبا».
ومن جهتها، أصدرت السفارة الإسرائيلية في لندن، عقب تصويت مجلس العموم البريطاني على المذكرة، بيانا قالت فيه إن «الطريق إلى استقلال الدولة الفلسطينية يمر عبر غرفة المفاوضات». وأضافت أن «الاعتراف الدولي المسبق يحمل رسالة مقلقة من القيادة الفلسطينية، مفادها أن بوسعهم التملص من اتخاذ القرارات الصعبة التي ينبغي على الجانبين اتخاذها، وهي بذلك تقوض فرص التوصل إلى سلام حقيقي».
كما وصف «اللوبي البرلماني من أجل أرض إسرائيل» قرار البرلمان البريطاني بـ«المخجل»، وجاء في بيان «أن هذا القرار يتجاهل المشكلات الحقيقية التي يواجهها العالم حاليا مثل تهديد تنظيم داعش». ودعا اللوبي أعضاء الحكومة إلى اتخاذ إجراءات فورية ردا على القرار البرلماني.
من جهته، قال ماثيو غولد، السفير البريطاني لدى إسرائيل، إن «قرار مجلس العموم بهذه الأغلبية يوضح تغيرا في توجهات الرأي العام في بلاده ضد إسرائيل»، وأضاف في مقابلة مع الإذاعة الإسرائيلية إن «هذا التصويت في مجلس العموم يوضح رأي الغالبية في بريطانيا إزاء إسرائيل بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة، التي قتل فيها أكثر من 2100 فلسطيني، أغلبهم من المدنيين، و70 إسرائيليا أغلبهم من الجنود».
وأضاف غولد «أعتقد أنه أمر مهم لأنه يوضح الفارق في توجهات الرأي العام». وفي إسرائيل نشر عن مسؤوليين في الاتحاد الأوروبي حديث عن «نقاشات أولية» تدور في أروقة الاتحاد حول الاحتمالات المختلفة لسبل الضغط على إسرائيل من أجل تجميد الاستيطان، وبناء الوحدات الاستيطانية على الضفة الغربية والقدس الشرقية، ومن بينها اقتراح فوري بمنع «المستوطنين العنيفين»، أو ذوي الماضي الجنائي من دخول أراضي الاتحاد. وقال أحد السفراء الأوروبيين في إسرائيل «لا أحد يتحدث عن احتمال فرض عقوبات على إسرائيل، ولكن هناك مستوى عاليا من الإحباط، ولدينا أدوات مختلفة لتوضيح هذا الإحباط». كما صرح مسؤول دبلوماسي آخر بأن «الصبر بدأ ينفد». ورغم أن مجلس العموم البريطاني قد وافق مساء أول من أمس على الاعتراف بدولة فلسطين في تصويت رمزي، فإنه لن يغير من موقف الحكومة من الموضوع، لكنه يحمل قيمة رمزية للفلسطينيين في مسعاهم لنيل اعتراف دولي.
وتبنى النواب بأغلبية 274 من الأصوات المذكرة التي تقدم بها النائب من حزب العمال غرايم موريس، مقابل رفض 12 المذكرة التي تدعو الحكومة البريطانية إلى اعتراف بدولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل.
وشدد أمس ألن دنكن، النائب في حزب المحافظين ووزير التنمية الدولية السابق، خلال خطابه في معهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن على أن «الفلسطينيين حرموا من حق تأسيس دولتهم وأن الوقت حان للقيام بذلك». وأكد أن طريقة التعامل بين فلسطين وإسرائيل والمجتمع الدولي لحل عملية السلام خاطئ، وقال بهذا الخصوص «العالم العربي يحتاج إلى التوحد، والغرب يحتاج أن يقدم موقفا ضد إسرائيل».
ودان دنكن في خطابه المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقارنه بالنظام العنصري في جنوب أفريقيا.
وامتنع كاميرون عن التصويت على القرار الذي دعا إليه مشرع معارض، وقال متحدث باسم كاميرون في وقت سابق إن «السياسة الخارجية لن تتأثر مهما كانت النتيجة».
لكن التصويت حظي بمتابعة عن كثب من السلطات الفلسطينية والإسرائيلية التي تسعى لقياس مدى استعداد الدول الأوروبية للتحرك بشأن آمال الفلسطينيين في اعتراف منفرد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وعرض وزيرا خارجية بريطانيا السابقان وجهتي نظر متعارضتين خلال مناقشات أول من أمس في مجلس العموم في لندن. فقد أعلن جاك سترو، عضو البرلمان الذي تولى وزارة الخارجية سابقا، أنه يعتقد أن «تمرير القرار سيكون بادرة ذات مغزى»، وقال في هذا الصدد «أعتقد أن رد الفعل الإسرائيلي المبالغ فيه على مجرد احتمال أن يوافق هذا المجلس على القرار هو دليل على أن هذا القرار سيحدث فرقا. الشيء الوحيد الذي تفهمه الحكومة الإسرائيلية بإدارتها الحالية بقيادة نتنياهو، هو الضغط، وما سيفعله هذا المجلس هذا المساء هو أنه سيزيد الضغط على حكومة إسرائيل. لذلك فهم قلقون للغاية بشأن الموافقة على هذا القرار».
من جانبه، أبدى السير مالكولم ريفكيند الذي تولى وزارة الخارجية في الفترة من 1995 إلى 1997 قلقه من أن فلسطين لم تف بعد بمتطلبات اعتبارها دولة، وقال موضحا «الاعتراف بدولة لا يحدث إلا عندما تستكمل الأرض المعنية المتطلبات الأساسية للدولة. وهذا لم يتحقق في الوقت الراهن، وليس بسبب أي خطأ ارتكبه الفلسطينيون، لكن يبدو لي أن القرار المعروض علينا الآن سابق لأوانه»، وأضاف: «ليس فقط أن حدود الدولة الفلسطينية غير معروفة بعد، لكن أيضا لا توجد حكومة فلسطينية تسيطر على السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية، ولا يوجد جيش للدفاع عن أراضي هذه الدولة. هذه ليست انتقادات بل مجرد وصف للحقائق التي عادة ما تكون شروطا مسبقة».



«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«لجنة إدارة غزة»... «قضايا عالقة» بانتظار حلول الوسطاء

منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
منازل مُدمَّرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تقف «قضايا عالقة» أمام «لجنة إدارة قطاع غزة»، وفق إفادة جديدة من رئيسها علي شعث، غداة حديث مصدَرين لـ«الشرق الأوسط» عن وجود عراقيل أمام اللجنة، أولها حرص «حماس» على الوجود بعناصرها الأمنية رغم رفض ذلك، وثانيها عدم سماح إسرائيل لأعضاء اللجنة بالعبور للقطاع.

تلك القضايا العالقة التي لم يوضِّحها بيان شعث، السبت، الذي دعا الوسطاء للتدخل للحصول على صلاحيات كاملة، ومهام الشرطة، يراها خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» تتمثَّل في قضيَّتين رئيسيَّتين هما الملفان الأمني والمالي. وأكدوا أن «حماس» لن تسلِّم تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ، وهو ما يستدعي ضغوطاً، لا سيما أميركية؛ لإنهاء ذلك، أو العودة من جديد للحرب.

وأكدت «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» أن البيانات والتصريحات الصادرة من داخل القطاع بشأن الجهوزية لتسليم إدارة جميع المؤسسات والمرافق العامة في قطاع غزة تُمثِّل خطوةً تصبُّ في مصلحة المواطن، وتمهِّد لتمكين اللجنة من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور سعيد عكاشة، يرى أن القضايا العالقة تتمثَّل في غياب الرغبة من «حماس» في إنهاء التسليم والتسلم على عكس ما تبدي في التصريحات العلنية التي عدّها «مناورة» لإطالة أمد حكمها، فهي ليس من مصلحتها تطبيق أي شيء.

وأضاف: «يبدو أن الصدام سيكون وشيكاً ليس بين الحركة واللجنة؛ لكن مع واشنطن وفي ظل قناعة إسرائيل بأنها قد تخوض حرباً وشيكةً ضد الحركة»، مستبعداً وجود حلول مع حركة آيديولوجية مثل «حماس»، مشيراً إلى أن حديث «حماس» المتكرِّر عن جهوزيتها لتسليم المهام، هو كسب للوقت، وحدوث صدف ومفاجآت تعيد لها مكانتها بوصفها حرباً طويلة بين إيران وإسرائيل.

في حين يرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن الملف الأمني، هو أعقد تلك الملفات للجنة، ولا يوجد على الأرض إلا عناصر حركة «حماس» والسلطة الفلسطينية، وأمامهما خيارات غاية في التعقيد والحساسية كالقضية المالية، فما فائدة تسلم اللجنة إدارة القطاع دون أن تكون لديها القدرة المالية لدفع الرواتب وما شابه.

خيام وملاجئ في مخيم للنازحين قرب ساحة الجندي المجهول بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد نزال أن هناك حلولاً عديدة، يمكن أن تذهب لها اللجنة منها تفعيل تفاهمات ومقاربة، ووجود القوات الدولية، وأخيراً الدمج، مشيراً إلى أن الدمج هو الخيار الأفضل بعد الفرز الأمني، موضحاً: «لكن حماس قد ترفض تسليماً كاملاً دون ضمانات سياسية أو نفوذ حتى تضمن عدم إخراجها من المشهد السياسي كليةً».

بالمقابل، لم يعلق الوسطاء على مطالب «اللجنة»، غير أن وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، جدَّد خلال لقاء رئيس وزراء فلسطين، محمد مصطفى «دعم مصر للجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة برئاسة الدكتور علي شعث، بوصفها آليةً انتقاليةً مؤقتةً لإدارة الشؤون اليومية للقطاع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان خلال المرحلة الانتقالية، تمهيداً لتمكين السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بمسؤولياتها كاملة في قطاع غزة».

وشدَّد عبد العاطي على «أهمية التنفيذ الكامل لبنود المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، وعلى رأسها الإسراع بتشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان الالتزام بتدفق المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة، ومتابعة الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل داخل القطاع، بما يسهم في تثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

وأكد عكاشة أن موقف مصر واضح، وستكون حريصة للوصول لتفاهمات والدفع بالاتفاق لتنفيذ الأطراف بنوده كاملة، مشيراً إلى أن الضغوط من الوسطاء، لا سيما واشنطن ربما تكون لها نتيجة إيجابية على المسار المتجمد أو العودة للحرب كما تريد إسرائيل.


العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
TT

العليمي يدعو من ميونيخ إلى إعادة صياغة معادلة الأمن الإقليمي

العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)
العليمي خلال جلسة حوارية في ميونيخ يقدم رؤية اليمن للأمن البحري (سبأ)

في خضم المشهد اليمني المعقّد على جميع الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية، طرح رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية شاملة لإعادة تعريف مقاربة المجتمع الدولي تجاه أمن الممرات المائية والاستقرار الإقليمي، مؤكداً أن التحديات المتصاعدة في البحر الأحمر وباب المندب لم تعد مجرد أزمات أمنية عابرة، بل تحولات جيوسياسية تتطلّب استراتيجية دولية مختلفة تقوم على الردع وبناء الدول، لا الاكتفاء بسياسات الاحتواء المؤقتة.

وخلال جلسة حوارية حول أمن الممرات المائية ضمن أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن الدولي، شدد العليمي على أن تحقيق الأمن المستدام للملاحة الدولية يبدأ من معالجة جذور الأزمة اليمنية، عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدرتها على فرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب بصورة فعّالة ومستدامة.

وأكد أن التعامل الدولي السابق مع الهجمات في البحر الأحمر اتسم بطابع تكتيكي قصير الأمد، حيث جرى النظر إلى التهديدات بوصفها أحداثاً أمنية مؤقتة، الأمر الذي أدى إلى إطلاق مبادرات عسكرية لحماية الملاحة دون معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

وأشار العليمي إلى أن العمليات الدولية التي أُطلقت لحماية السفن التجارية، رغم أهميتها في الحد من المخاطر المباشرة، أسهمت في عسكرة المنطقة أكثر مما أسهمت في استقرارها؛ لأن المقاربة ركزت على احتواء النتائج بدلاً من تفكيك مصادر التهديد المتمثلة في الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وحسب الرؤية اليمنية، فإن الأمن البحري لا يمكن تحقيقه عبر الانتشار العسكري وحده، بل عبر بناء دولة قادرة داخل اليمن تمتلك أدوات الردع السياسي والعسكري والاقتصادي، بما يمنع الجماعات المسلحة من تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة تهديد للملاحة العالمية.

وحذّر العليمي من أن توقف الهجمات مؤقتاً لا يعني زوال الخطر، مؤكداً أن الميليشيات الحوثية ستظل تهديداً دائماً للمصالح الإقليمية والدولية ما لم يتم التعامل معها ضمن استراتيجية ردع طويلة المدى.

أهمية باب المندب

وصف رئيس مجلس القيادة اليمني ما يجري في البحر الأحمر وباب المندب بأنه معضلة جيوسياسية مركبة نتجت عن تداخل عوامل عدة، أبرزها تنافس القوى الإقليمية ومحاولات الهيمنة، إلى جانب ضعف قدرات الدولة اليمنية خلال سنوات الحرب، وصعود جماعات ما دون الدولة.

وأشار إلى أن المشهد الأمني لم يعد محصوراً في جماعة واحدة، بل باتت هناك شبكة مترابطة من التنظيمات المتطرفة تشمل الحوثيين وتنظيمي «القاعدة» و«داعش» وحركات متشددة أخرى تنشط على ضفتَي باب المندب، مما يجعل التهديد متعدد المستويات وعابراً للحدود.

جانب من الحضور خلال جلسة حوارية في ميونيخ بمشاركة العليمي (سبأ)

وفي هذا السياق، دعا إلى تبني استراتيجية دولية استباقية لمكافحة الإرهاب، تقوم على تصنيف هذه الجماعات بوصفها تهديداً جيوسياسياً طويل الأمد، وليس مجرد ظواهر أمنية قابلة للاحتواء عبر التهدئة أو الحوافز السياسية.

كما شدد على أهمية تفعيل الهياكل الإقليمية القائمة، وفي مقدمتها مجلس الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وقوات المهام المشتركة، ضمن شراكات دولية أوسع تهدف إلى تحقيق توازن أمني مستدام في المنطقة.

استقرار اليمن بوابة الأمن

أكد العليمي أن أمن الملاحة الدولية يبدأ فعلياً من البر اليمني، مشيراً إلى أن أي استراتيجية بحرية ستظل ناقصة ما لم تترافق مع جهود حقيقية لإعادة بناء مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدراتها السيادية.

وتطرق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اليمنية بدعم من السعودية، والتي أسهمت -حسب تأكيده- في تجنّب سيناريو كارثي كان يمكن أن يؤدي إلى سيطرة قوى مسلحة على السواحل الجنوبية، وفرض واقع تقسيمي يهدد وحدة البلاد ويعرّض الممرات البحرية لمخاطر غير مسبوقة.

وأوضح أن تلك التطورات أثبتت أن الاستثمار في استقرار الدولة الوطنية أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعيات انهيارها، داعياً المجتمع الدولي إلى تعزيز شراكته مع اليمن لضمان استدامة الأمن البحري العالمي.

وأضاف أن الردع المشترك ضد الجماعات المسلحة يجب أن يُصبح جزءاً أساسياً من أي مقاربة دولية مستقبلية، بما يمنع تكرار العمليات الإرهابية العابرة للحدود ويؤسّس لبيئة آمنة للتجارة الدولية.

شراكة يمنية-خليجية

في سياق آخر، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني دعوته إلى تعزيز الشراكة اليمنية-الخليجية عبر إدماج اليمن تدريجياً في منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتبار ذلك خياراً استراتيجياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي.

وخلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية، أعرب عن تطلّع بلاده إلى تطوير العلاقات الخليجية نحو شراكة استراتيجية شاملة تقوم على التكامل المؤسسي والاندماج الجيو-اقتصادي.

العليمي في ميونيخ خلال جلسة نظّمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (سبأ)

واقترح العليمي إطلاق ما وصفه بـ«خطة مارشال خليجية» لإعادة إعمار اليمن، مستلهمة من تجربة البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومنسجمة مع رؤى التنمية الخليجية الطموحة، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».

وأوضح أن الطريق الأكثر واقعية لاندماج اليمن خليجياً يمر عبر الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، بصفتها مركز ثقل إقليمياً وشريكاً رئيسياً في جهود التعافي اليمني وإعادة تشكيل توازنات المنطقة.

وأشار إلى أن تجربة «عاصفة الحزم» عام 2015 أثبتت أن أمن الخليج واليمن مترابطان بصورة عضوية، وأن استقرار منظومة الأمن الخليجي سيظل معرضاً للخطر ما دامت الدولة اليمنية بقيت ضعيفة أو منقسمة.

وأكد العليمي أن الرؤية اليمنية تتطابق إلى حد كبير مع تصورات غالبية دول الخليج بشأن مستقبل النظام الإقليمي، والتي ترتكز على دعم الدول الوطنية ومكافحة الكيانات المسلحة العابرة للدولة، وتعزيز التنمية باعتبارها أداة للاستقرار طويل الأمد.

العليمي اجتمع في ميونيخ مع رئيس الوزراء الكويتي (سبأ)

وأشاد بالدور الخليجي في الوساطة الدبلوماسية وجهود السلام، بدءاً بالمبادرة الخليجية التي جنّبت اليمن حرباً أهلية شاملة، مروراً بالوساطة الكويتية، وصولاً إلى المبادرات السعودية اللاحقة لإيجاد خريطة طريق سياسية لإنهاء الصراع.

وشدد على أن أي عملية سلام مستقبلية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن تفكيك الميليشيات المسلحة ووقف التدخلات الخارجية التي تغذّي الصراعات، مؤكداً أن الوساطة في الملف اليمني يجب أن تجمع بين الضغوط السياسية والتنمية الاقتصادية، وهي المقاربة التي أثبتت فاعليتها في خفض التصعيد وتعزيز مؤسسات الدولة.

وطرح العليمي، في ختام مداخلته، رؤية لمستقبل آمن لليمن تقوم على المصالحة الداخلية أولاً، وتصحيح العلاقة مع الجوار الخليجي، والتخلي عن النزعات الطائفية والسلالية والسلاح المنفلت، مشدداً على أن قوة اليمن الحقيقية لا تكمن في السلاح بل في موارده البشرية وتاريخه وقدرته على أن يكون شريكاً إيجابياً في استقرار المنطقة وازدهارها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
TT

حزب «المؤتمر» في صنعاء يرضخ لإملاءات حوثية جديدة

قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)
قيادات في جناح حزب «المؤتمر الشعبي» الخاضع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

واصل جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تقديم تنازلات جديدة، في خطوة تعكس حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرض لها منذ سنوات، وذلك بعد إقراره فصل اثنين من قياداته المعتقلين كشرط للإفراج عنهما، وهي واقعة عدّها مراقبون دليلاً إضافياً على تآكل استقلالية الحزب وتحوله إلى كيان يعمل ضمن هامش ضيق تحدده الجماعة الانقلابية.

وأقرت اللجنة العامة، التي تمثل المكتب السياسي لجناح الحزب في صنعاء، فصل القياديين ياسين هزاع نائب رئيس الدائرة السياسية، وناجي محيي الدين، استناداً إلى تقرير لجنة الرقابة التنظيمية، من دون الكشف عن طبيعة المخالفات المنسوبة إليهما.

إلا أن مصادر سياسية أكدت أن القرار جاء استكمالاً لاتفاق غير معلن مع الحوثيين يقضي بإقصاء القيادات المتهمة بالتواصل مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أو مع قيادات الحزب في الخارج مقابل الإفراج عنها.

القرار أعاد إلى الواجهة مساراً متكرراً من الإجراءات التي اتخذها قادة جناح الحزب في صنعاء خلال الأشهر الماضية، أبرزها إقالة أحمد علي عبد الله صالح من موقعه نائباً لرئيس الحزب، ثم فصل الأمين العام غازي الأحول، وهي خطوات ربطها مراقبون مباشرة باشتراطات فرضتها الجماعة الحوثية لضمان استمرار نشاط الحزب في مناطق سيطرتها.

فعالية محدودة سابقة أقامها «مؤتمر صنعاء» تحت إشراف الحوثيين (إعلام محلي)

وتشير المعطيات السياسية إلى أن قرارات الفصل الأخيرة لم تكن نتاج خلافات تنظيمية داخلية بقدر ما كانت استجابة لضغوط أمنية مباشرة؛ فبحسب مصادر مطلعة، فرض الحوثيون حصاراً مشدداً على منزل رئيس الجناح صادق أبو راس لعدة أيام، وهددوا بحظر نشاط الحزب بالكامل ما لم يتم إقصاء القيادات التي يُشتبه بتواصلها مع الخارج.

وأفادت المصادر بأن الاشتراطات صدرت على أعلى مستوى داخل قيادة الجماعة، وتضمنت إلزام الحزب بفصل أي قيادي يثير الشكوك حول علاقاته السياسية خارج مناطق سيطرة الحوثيين. وهو ما وضع قيادة الجناح أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإما الالتزام بالمطالب وإما مواجهة حل الحزب ومصادرة ما تبقى من نفوذه السياسي والتنظيمي.

ويرى محللون أن هذه المعادلة دفعت قيادة «المؤتمر» في صنعاء إلى تقديم تنازلات متتالية بهدف الحفاظ على وجود رمزي يسمح لها بالبقاء ضمن المشهد السياسي، ولو بقدرة محدودة، خصوصاً في ظل الرقابة المشددة المفروضة على موارده المالية وإعلامه ونشاطاته التنظيمية.

حزب تحت الوصاية

منذ مقتل مؤسس الحزب الرئيس السابق علي عبد الله صالح نهاية عام 2017، دخل جناح «المؤتمر» في صنعاء مرحلة جديدة اتسمت بتراجع استقلاليته السياسية بشكل كبير؛ فبعد أن كان شريكاً سياسياً رئيسياً في تحالف إدارة المناطق الخاضعة للحوثيين، تحول تدريجياً إلى طرف ثانوي يحتفظ بتمثيل شكلي داخل مؤسسات الحكم غير المعترف بها دولياً.

وعلى الرغم من أن التحالف بين الطرفين أفضى في عام 2016 إلى تشكيل ما سُمّي بالمجلس السياسي الأعلى بالمناصفة، فإن الحوثيين احتفظوا فعلياً برئاسة المجلس وبالقرار السياسي والعسكري، كما استحوذوا على معظم المناصب الحكومية عقب مقتل صالح، مع الإبقاء على حضور محدود لقيادات المؤتمر لأغراض سياسية وإعلامية.

الرئيس اليمني الأسبق علي عبد الله صالح الذي قتله الحوثيون أواخر 2017 (إعلام محلي)

وتشير تقارير سياسية إلى أن لجنة خاصة تابعة للجماعة تشرف على ميزانية الحزب وأصوله المالية، إضافة إلى مراقبة برامجه الإعلامية وخطط قنواته التلفزيونية وصحفه ومواقعه الإلكترونية؛ ما جعل نشاطه خاضعاً لرقابة دقيقة تقلص هامش حركته إلى الحد الأدنى.

انتقادات داخلية

أثارت قرارات الفصل الأخيرة موجة انتقادات داخل أوساط قيادات الحزب، حيث رأى مسؤولون في الجناح أن الخطوة تمثل «سابقة غير معهودة» في العمل السياسي؛ إذ يقدم حزب على التخلي عن قياداته وهم في السجون بدلاً من الدفاع عنهم.

وأكدت مصادر حزبية أن اعتقال القياديين جاء ضمن حملة مداهمات نفذتها أجهزة أمن الحوثيين في صنعاء وإب خلال أغسطس (آب) الماضي، واستهدفت عدداً من أعضاء الحزب على خلفية انتمائهم التنظيمي أو الاشتباه بوجود علاقات سياسية خارج إطار الجماعة.

ويرى منتقدون أن اتخاذ قرار الفصل قبل يوم واحد فقط من الإفراج عن القياديين يكشف بوضوح طبيعة الصفقة التي أُبرمت، ويعكس حالة «الرضوخ» التي تعيشها قيادة الجناح تحت ضغط الواقع الأمني والسياسي المفروض عليها.

قيادي في «المؤتمر» في صنعاء فصله الحزب مقابل أن يطلق الحوثيون سراحه (إعلام محلي)

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التفكك داخل الحزب، مع تزايد شعور قواعده بأن القيادة لم تعد قادرة على حماية أعضائها أو الدفاع عن استقلالية قراراتها، الأمر الذي قد يدفع مزيداً من الكوادر إلى الابتعاد عن النشاط السياسي، أو البحث عن مسارات بديلة خارج مناطق سيطرة الحوثيين.

في المقابل، يرى آخرون أن القيادة الحالية تحاول المناورة للحفاظ على ما تبقى من وجود الحزب؛ إذ يرون أن أي مواجهة مباشرة مع الحوثيين قد تنتهي بحظر كامل للنشاط السياسي ومصادرة الممتلكات، وهو سيناريو سبق أن لوّحت به الجماعة أكثر من مرة.