الثلاثي الأوروبي يطالب طهران بالتزام تعهداتها ويرحّب بانضمام حلفاء إلى «إينستكس»

انتقادات أميركية لست دول... ولاريجاني يشكك في جدوى آلية التبادل التجاري

TT

الثلاثي الأوروبي يطالب طهران بالتزام تعهداتها ويرحّب بانضمام حلفاء إلى «إينستكس»

حذرت بريطانيا وفرنسا وبريطانيا إيران من أن عليها «العودة فوراً للالتزام بكل تعهداتها» في الاتفاق النووي، وبخاصة توقيف تخصيب اليورانيوم بنسب محظورة، وذلك في بيان رحبت فيه بانضمام 6 حلفاء أوروبيين إلى آلية «إينستكس» للمقايضة التجارية مع إيران التي أنشئت مطلع عام 2019 للالتفاف على العقوبات الأميركية، بتجّنب استعمال الدولار.
وجاء في بيان مشترك للدول الثلاث أن «فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة بصفتها مؤسسة ومساهمة في آلية دعم التبادلات التجارية، (إينستكس) ترحّب بحرارة بقرار حكومات بلجيكا والدنمارك وفنلندا والنروج وهولندا والسويد الانضمام إلى إينستكس بصفة دول مساهمة».
ويفترض أن تعمل «إينستكس» ومقرها باريس كغرفة مقاصة تتيح لإيران مواصلة بيع النفط مقابل استيراد منتجات أخرى أو خدمات ضرورية لاقتصادها. لكن الآلية لم تجرِ أي عملية حتى الآن.
وأكّدت الدول الثلاث أن على «إيران العودة فوراً للالتزام بكل تعهداتها» في الاتفاق النووي، وبخاصة توقيف تخصيب اليورانيوم بنسب محظورة.
وكانت واشنطن قد وجهت ضربة كبيرة للاقتصاد الإيراني بإعادة نظام العقوبات الشاملة في عام 2018، بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، وطالبت باتفاق يتضمن برنامج إيران لتطوير الصواريخ الباليستية والتهديدات الإقليمية، وتمديد قيود الاتفاق النووي إلى بعد موعد نهايته في 2025.
وأكدت الدول الثلاث أن موجة الانضمام إلى آلية المقايضة التجارية «تعزز إينستكس وتشكل دليلاً على جهود الأوروبيين لتسهيل التبادل التجاري المشروع بين أوروبا وإيران، وتسلّط الضوء على تمسكنا المستمر» بالاتفاق النووي المبرم مع إيران في عام 2015.
واحتج السفير الأميركي في ألمانيا، ريتشارد جرينل، على انضمام الدول الأوروبية الست، وكتب في تغريدة على «تويتر» إن انضمام الدول الأوروبية للآلية «يأتي في أسوأ توقيت»، وأضاف: «لماذا يجب التجارة مع نظام يقتل الشعب الإيراني ويقطع الإنترنت؟ يجب عليكم أن تدعموا حقوق الإنسان وليس التجارة مع الظالمين؟».
وقال السيناتور ماركو روبيو في تغريدة عبر حسابه على موقع «تويتر» في رده على تغريدة للسفير النرويجي في طهران، لارس نوردروم، إن «النظام الإيراني لا ينتهك الاتفاق النووي فحسب، ولكن أيضاً يقمع ويقتل المتظاهرين في إيران»، وطالب الدول الست بالوقوف مع الاحتجاجات الإيرانية «بدلاً من المناورة للقيام بأعمال تجارية مع هذا النظام الإرهابي».
بدورها، ندّدت إسرائيل بانضمام الدول الأوروبية إلى آلية «إينستكس»، قائلة إنها تشجع طهران على قمع الاحتجاجات.
وذكرت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان أنّ الدول الست «لم يكن بإمكانها اختيار توقيت أسوأ» من ذلك. وتابعت أن «المئات من الإيرانيين الأبرياء الذين قتلوا خلال الاحتجاجات الأخيرة يتقلبون في قبورهم».
وحذّر جوزيب بوريل في أوّل حديث له إثر تسلّمه مهامه كمسؤول عن السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، إيران من عواقب انهيار الاتفاق النووي، قائلاً: «أناشد السلطات الإيرانية ببذل كل الجهود الممكنة للحفاظ على الاتفاق النووي، وعدم الإقدام على أي خطوة من شأنها أن تؤدي إلى انهياره، لأن ذلك سيكون خطأ فادحاً. لأوروبا مصلحة كبيرة في الحفاظ على الاتفاق الذي نتمسك به رغم كل الصعوبات، ونقول للطرف الإيراني إن من مصلحته منع انهياره».
وكان بوريل يتحدث إلى عدد من الصحافيين مساء السبت الماضي، بعد حصول «الحكومة» الأوروبية الجديدة التي ترأسها أورسولا فون دير لاين على ثقة البرلمان الأوروبي الذي رأسه قبل 15 عاماً، حيث قال: «شهد الاتحاد الأوروبي النور، منطوياً على ذاته، لمعالجة نزاعاته التاريخية والتخلص من كوابيس الماضي، لكن أزف الوقت اليوم ليتطلع إلى الخارج، وينفتح أكثر على العالم من أجل التصدي للتحديات الدولية الجديدة مثل تغيّر المناخ والهجرة».
وقال المسـؤول الأوروبي لدى سؤاله عما إذا كان الاتحاد الأوروبي يطرح في محادثاته مع الإيرانيين دورهم في الاحتجاجات والأزمات التي تعيشها المنطقة، خاصة في العراق ولبنان وما حصل مؤخراً في إيران: «الملف النووي هو المحور الأساسي للمحادثات، لكنه ليس معزولاً عن الملفات الأخرى، والمسؤولون الأوروبيون لا يوفّرون مناسبة إلا ويدعون الطرف الإيراني إلى عدم تأجيج الأزمات الإقليمية والمساعدة على تهدئتها».
في طهران، تعليقاً على انضمام 6 دول أوروبية للآلية، شكك رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني، أمس، في جدوى آلية «إينستكس»، وقال في مؤتمر صحافي: «من غير الواضح ما إذا كانت الآلية ستحقق نتائج ملموسة».
وقال لاريجاني إنه رغم تصاعد التوترات فإن «هناك دائماً إرادة سياسية لحل المشاكل العالقة مع الولايات المتحدة ولا يوجد طريق مسدود»، مضيفاً أن إيران «لم تغلق الباب في وجه واشنطن، لكن الأساس هو أن على الأميركيين أن يفهموا أن أسلوبهم لم يجد نفعاً». وتمارس الولايات المتحدة حالياً ضغوطاً قصوى على إيران لإجبارها على التفاوض على اتفاق أوسع يتجاوز برنامجها النووي، إلا أن طهران تؤكد أنها لن تدخل في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة ما لم تظهر واشنطن «حسن نية».
وحذّر لاريجاني بأن إيران قد «تعيد النظر جدياً» في التزاماتها تجاه الوكالة الدولية للطاقة الذرية إذا لجأت الأطراف الأوروبية الموقّعة على الاتفاق النووي إلى «آلية حل الخلافات» التي قد تؤدي إلى عقوبات.
وقال لاريجاني: «إذا أطلقوا (الآلية)، فستكون إيران مجبرة على إعادة النظر جدياً في التزاماتها حيال» الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وأضاف: «إذا ظنوا أن ذلك سيفيدهم أكثر، فيمكنهم المضي قدماً».
وبعد آخر إجراءات إيران الشهر الماضي للتراجع عن التزاماتها، حذّرت الدول الأوروبية بأنها ستلجأ إلى «آلية تسوية المنازعات» في الاتفاق. ويتضمن الاتفاق آلية لتسوية المنازعات تتوزع على مراحل عدة. ومن شأن مسار قد يستغرق أشهراً أن يقود إلى تصويت مجلس الأمن الدولي على إمكانية أن تواصل إيران الاستفادة من رفع العقوبات الذي أقر إبان توقيع الاتفاق.
في بكين، قال مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون السياسية عباس عراقجي، إن جميع دول العالم تتحمل مسؤولية الحفاظ على الاتفاق النووي وتنفيذه.
ونقلت وكالة (إرنا) الرسمية عنه عراقجي قوله بعد إجراء مشاورات سياسية مع نظيره الصيني، ما جاو شي، إن «الاتفاق النووي كان إنجازاً للدبلوماسية الدولية، وجميع دول العالم تتحمل مسؤولية حفظه وتنفيذه». وأشار المسؤول الصيني إلى أن «إيران شريك استراتيجي للصين»، وأكد على رغبة بلاده في تعزيز التعاون مع إيران في القضايا الثنائية والإقليمية الدولية بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
وكان عراقجي صرح، أول من أمس، لدى وصوله إلى بكين، بأن «الهدف من زيارته إلى الصين هو إجراء جولة من الحوار السياسي مع المسؤولين فيها يتعلق بالاتفاق النووي والقضايا الثنائية المشتركة». وقال: «بسبب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعدم التزام الأطراف الأخرى بتعهداتها، فإن الاتفاق يمر بظروف غير ملائمة».
إلى ذلك، أعلن قائد الجيش الإيراني الأدميرال حسين خانزادي، أن مناورات بحرية مشتركة ستجري في مياه شمال المحيط الهندي بمشاركة إيران والصين وروسيا، لافتاً إلى أن المناورات هدفها «تأمين الأمن الجماعي وتعزيز الأمن في المحيط الهندي»، وأضاف أن المناورات «رسالة للمجتمع الدولي حول توسط الدول المشاركة إلى علاقات استراتيجية ذات مغزى».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...