نمو الدين العام للناتج المحلي الإجمالي في دول الربيع العربي يتجاوز النسب الآمنة

خبراء يطرحون أفكارا غير تقليدية للخروج من الأزمة

نمو الدين العام للناتج المحلي الإجمالي في دول الربيع العربي يتجاوز النسب الآمنة
TT

نمو الدين العام للناتج المحلي الإجمالي في دول الربيع العربي يتجاوز النسب الآمنة

نمو الدين العام للناتج المحلي الإجمالي في دول الربيع العربي يتجاوز النسب الآمنة

أظهر تحليل اقتصادي لـ«الشرق الأوسط» نمو نسبة الدين المحلي لإجمالي الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الحالية بعد ثورات الربيع العربي في عامي 2011 و2012، لثلاث من دول الربيع العربي، والتي توفرت عنها بيانات مالية ببنوكها المركزية ووزارات المالية، ثم تباطأت تلك النسبة لكل من تونس واليمن، وما زالت ترتفع في مصر.
وطرح الخبراء أفكارا غير تقليدية للخروج من أزمة الدين العام التي تواجه الدول العربية، عن طريق زيادة الإيرادات من خلال دمج القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي، وتطبيق نظام موازنة البرامج والأداء بالإضافة لتشجيع المشاريع الصغيرة ومتوسطة الحجم ومحاربة الفساد الإداري واستخدام بدائل تمويلية جديدة مثل الصكوك.
والدين العام (public debt) هو مصدر من مصادر الإيرادات العامة، تلجأ الدولة إليه لتمويل نفقاتها العامة عندما تعجز عن توفير إيرادات أخرى، ولا سيما من الضرائب ومصادر الدخل الحكومية الأخرى، فتقترض إما من الأفراد أو من هيئات داخلية أو دولية أو من دول أجنبية.
وهذا العجز الذي يواجه الدول لا بد من تسويته، لأنه عبارة عن مرتبات لموظفين حكوميين لا بد من دفعها، وفواتير لمستلزمات أساسية مثل الأدوية في المستشفيات، أو مشاريع عامة مثل شق الطرق، وإنشاء المدارس، وخدمات لمصالح حكومية، لذا تلجأ الدول للاقتراض مع قيامها بزيادة الإنتاج لتخفيض هذا الاقتراض بشكل تدريجي.
ومع هذه الزيادة الكبيرة، ليس في الدول العربية فقط بل لمعظم الدول الفقيرة، حاول صندوق النقد الدولي حل تلك الأزمة عن طريق تدشين سياسة جديدة لسقوف الدين في العام المقبل، ستعطي الدول الأكثر فقرا قدرا أكبر من المرونة لإنفاق الأموال على أولوية التنمية من دون تقويض قدرتها على الوفاء بديونها، وذلك عن طريق تقديم منح لا ترد من المانحين وبذلك لن تؤثر على قدرتها على الوفاء بديونها.
وأظهرت البيانات التي جمعتها الوحدة الاقتصادية لـ«الشرق الأوسط» نمو نسبة الدين المحلي لإجمالي الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الحالية لتونس بنسبة 43.9 في المائة مع نهاية عام 2011، مقارنة مع 40.2 في المائة خلال عام 2010، ومواصلة الارتفاع إلى 46.4 في المائة بنهاية 2012، ثم تباطأت تلك النسبة إلى 44.38 في المائة خلال عام 2013.
وكذلك كان اليمن الذي قفزت فيه النسبة إلى 43.8 في المائة خلال عام 2011، من 38 في المائة خلال عام 2010، ثم إلى 51.7 في المائة مع نهاية عام 2012، إلا أنها تباطأت إلى 49.95 في المائة خلال عام 2013.
واتفقت مصر مع تونس واليمن في نمو ذلك المؤشر، إلا أنها اختلفت معهما خلال عام 2013 الذي واصلت فيه النمو إلى 87.1 في المائة، مقارنة مع 80.3 في المائة مع نهاية السنة المالية 2012.
وقابل هذا الارتفاع في نسبة الدين المحلي بعد ثورات الربيع العربي، تباطؤ في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة في مصر، وانخفاض في كل من تونس واليمن خلال عام 2011، ثم عاد للنمو مرة أخرى بمعدل أسرع في عام 2012.
وهذا التباطؤ والتراجع في النمو الاقتصادي لدول الربيع العربي يعود لتوقف اقتصادات تلك الدول خلال عام 2011، عام ثورات الربيع العربي، مع بحث حكوماتها عن موارد لتمويل عجز الموازنة العامة، مما دفعها لزيادة مديونياتها الأمر الذي أظهر ارتفاع نسبة الدين العام للناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير في عام 2011، ثم عام 2012، وتباطؤها في كل من تونس واليمن اللذين شهدا استقرارا نسبيا في عام 2013.
ولا يمكن قياس نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلا بعد مقارنتها بمقياس عالمي، وهو الحد الدولي الفاصل الذي يشير لاستقرار الدين العام للدول، والذي تبنته بلدان مجلس التعاون الخليجي في عام 2005، والذي سمى بـ«معاهدة ماسترخت» حول التقارب النقدي.
وتعد تلك المعاهدة هي الاتفاقية المؤسسة للاتحاد الأوروبي وجرى الاتفاق عليها في مدينة ماسترخت الهولندية ودخلت حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1993، ومن شروطها المالية عدم زيادة الدين العام على 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وكانت أكثر الدول العربية إفصاحا عن بياناتها المالية هي مصر، حيث أظهرت البيانات الصادرة من البنك المركزي ووزارة المالية تخطي هذا الحاجز وتسارع معدل نموه على مدار الثلاث سنوات التالية لثورة يناير (كانون الثاني)، حيث ارتفعت تلك النسبة إلى 91 في المائة حتى نهاية يونيو (حزيران) 2011، ثم إلى 92 في المائة حتى نهاية يونيو 2012. وقفزت تلك النسبة إلى 104 في المائة مع نهاية يونيو 2013، ثم ارتفعت إلى 105 في المائة في يونيو 2014، ليصل إجمالي الدين العام إلى 2.13 تريليون جنيه مصري (الدولار الأميركي يساوي نحو 7 جنيهات مصرية). واعتمدت الحكومة المصرية في تمويل عجز ميزانيتها على الدين العام المحلي، حيث بلغت نسبته من إجمالي الدين العام 85 في المائة ليصل إلى 1.82 تريلون جنيه بنهاية يونيو 2014، مقابل 15 في المائة للدين العام الخارجي والذي بلغ 45.3 مليار دولار بنهاية مارس (آذار) 2014، مقارنة مع 38.4 ملیار دولار في مارس 2013، وأغلب الزیادة جاءت في صورة مساعدات من دول الخلیج بشروط ميسرة.
وارتفاع نصيب الفرد من الدين العام 16 في المائة إلى 25 ألف جنيه مصري في نهاية يونيو 2014، مقارنة مع 21.56 ألف جنيه في نهاية يونيو 2013، قافزا من 17.53 ألف جنيه في نهاية يونيو 2012.
ويتمثل الدين العام المحلى في الدين الحكومي ومديونية الهيئات العامة الاقتصادية وبنك الاستثمار القومي، ويعني ما اقترضته الجهات الثلاث بالعملة المحلية الجنيه المصري، والخزانة العامة بوزارة المالية هي المسؤولة عن الدين المطلوب لتمويل عجز الموازنة العامة للدولة.
أما الدين الخارجي بمفهومه الشامل، فهو ديون مصر في الالتزامات القائمة بالعملة الأجنبية على الأفراد أو الجهات المقيمة في مصر، وغير المقيمين الأجانب مؤسسات أو حكومات أو أفرادا. ويعد من الديون طويلة الأجل من المصادر الرسمية والخاصة والديون قصيرة الأجل وتسهيلات صندوق النقد الدولي والديون الخاصة غير المضمونة.
وأكد خبراء استطلعت «الشرق الأوسط» آراءهم، أن ارتفاع الدين العام لدى الدول العربية بهذا الشكل الكبير يرجع إلى اعتماد تلك الدول على الديون في ظل توقف الإنتاج خلال فترات الاضطرابات، مع استمرار ذات القوانين التي لا تشجع على الاستثمار في هذه الدول، وارتفاع مؤشرات الفساد.
وعزا الدكتور بهجت أبو النصر، رئيس قسم البحوث بجامعة الدول العربية، ارتفاع الدين بهذا الشكل الضخم إلى الفساد المستشري في عدد من الدول العربية إلى الأنظمة المعقدة في التعامل مع الاستثمار، أحد الروافد الهامة والذي يخفض من الاستدانة. وقال أبو النصر إن التضارب الواسع بين الرؤية النظرية والتطبيق الفعلي يدفع الاقتصاد بشكل عام للركود في الدول العربية، وعلى سبيل المثال مصر تواجه تعقيدات شديدة في تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتي تستطيع دفع عجلة الاقتصاد.
وأضاف أبو النصر أن التجربة الصينية في المشاريع الصغيرة والمتوسطة تظهر أهميتها لدفع الاقتصاد، حيث بلغت نسبة صادرات تلك المشاريع 84 في المائة من إجمالي الصادرات الصينية، حيث ألزمت الصين البنوك بتقديم حصة معينة من إقراضها للمشاريع الصغيرة والمتوسطة بسعر فائدة أقل مما تقدمه لكبار المستثمرين، وأنشأت مدنا كاملة لها.
وتخوف أبو النصر من اعتماد الدول العربية على الدين الداخلي الذي يواجه مخاطر أقل من الدين الخارجي إلا أنه يؤدي لتشدد البنوك في تقديم الإقراض للأفراد والشركات مما يعيق دفع عجلة الاستثمار.
وأكد أبو النصر على أن الدين أصبح مثل كرة الثلج يكبر مع الوقت والحل هو تقديم بدائل تمويلية للموازنة العامة للدولة تختلف عن الأدوات الموجودة حاليا، مثل طرح فكرة الصكوك التي مولت بها مطارات ومدن كاملة في الخارج، وتبني مشروع قومي لمحاربة الفساد.
وقالت الدكتورة يمنى الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، إنه ينبغي على الدول التوجه نحو الإنتاج وزيادة الإيرادات لمجابهة المصروفات المرتفعة؛ وإلا فستواصل اقتصادات تلك الدول الاعتماد على سياسة الاقتراض. ونوهت لمعاناة الاقتصاد المصري من ركود وعجز متزايد في عدم وجود إيرادات تكافئ هذا العجز، مما يدفع الحكومات المتعاقبة للاستدانة بشكل متزايد لتلبية متطلباتها من النفقات.
وأضافت الحماقي أن «الحكومة المصرية اتخذت إجراءات مثل كف غول الدعم، وخاصة في مجال الطاقة، وزيادة الإيرادات عن طريق الضرائب من ضريبة عقارية وضريبة القيمة المضافة، وذلك لإيجاد مصادر أخرى تواجه بها العجز المتزايد». كما أكدت على أهمية قيام الحكومة المصرية بدمج القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي، وهو الذي يمثل حسب التقديرات 60 في المائة من حجم الاقتصاد المصري.
وترى الحماقي أن تطبيق موازنة البرامج والأداء سيؤدى لبث الطمأنينة لكفاءة النفقات في ظل عدم كفاءة الجهاز الحكومي في إداراتها مما يؤدي في النهاية لرضا المواطنين.
وشددت على أن ارتفاع الدين الخارجي يحمل في طياته الكثير من المخاطر، ويجب عند اللجوء إليه استخدام أساليب التحوط التي تحمي تلك الأموال والقيام بإنفاقها على مشاريع مدروسة بشكل جيد جدا يضمن سدادها.
* الوحدة الاقتصادية لـ«الشرق الأوسط»



محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
TT

محافظ «المركزي السعودي»: عدم اليقين العالمي بات هيكلياً لـ4 أسباب رئيسية

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)
محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (المؤتمر)

قال محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، إن حالة عدم اليقين العالمي الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية -ولا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتزايد للوساطة المالية غير المصرفية.

وخلال مشاركته في «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، أوضح السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات مثل طلبات تغطية الهوامش وخصومات الضمانات وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

وأشار إلى أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات، مضيفاً أن هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتجزؤ التجارة وارتفاع مستويات الدين وتكاليفه.

وأوضح أن التمييز بين الاقتصادات الأكثر مرونة وتلك الأكثر هشاشة يرتكز على عاملين أساسيين: أولهما وجود أطر سياسات محلية متماسكة نقدية ومالية وتنظيمية تدعم الاستجابات المعاكسة للدورات الاقتصادية، وتحد من تقلب تدفقات رؤوس الأموال، وثانيهما توفر «ممتصات صدمات» فعالة، وفي مقدمتها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي، إلى جانب عمق الأسواق المالية، بما في ذلك أسواق الدين ورأس المال وأسواق النقد.

وتطرق السياري إلى تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وأضاف أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

وأكد أن التعاون الدولي يظل عنصراً محورياً في مواجهة مواطن الضعف المستجدة، مشيراً إلى التقدم الملحوظ الذي حققه صانعو السياسات عالمياً، وأهمية تبادل الخبرات لتعزيز الجاهزية الرقابية والتنظيمية بما يدعم الاستقرار المالي العالمي.

واختتم السياري كلمته عبر تأكيده 3 أولويات للتعاون الدولي: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم مواطن الضعف، وتحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة، بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية.


أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

أبرز منظّري التجارة الدولية في «هارفارد»: السعودية تملك «شيفرة» النجاح في عالم مجزأ

البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
البروفسور بول أنتراس يتحدث إلى الحضور بإحدى الجلسات الحوارية في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما أسماه «التكامل المجزأ». وفي حديثه إلى «الشرق الأوسط»، على هامش مؤتمر العلا، أشار أنتراس إلى أن رؤية السعودية وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

يُعدُّ البروفسور بول أنتراس واحداً من أبرز المنظرين الاقتصاديين في العصر الحديث، وهو أستاذ كرسي «روبرت برينكتون» للاقتصاد في جامعة هارفارد. تتركز أبحاثه التي غيَّرت مفاهيم التجارة الدولية حول «سلاسل القيمة العالمية» وكيفية تنظيم الشركات إنتاجها عبر الحدود. ويعدّ أنتراس مرجعاً عالمياً في فهم كيفية تأثير القوانين والتكنولوجيا على تدفق السلع السعودية وتحدي «الصناديق الجاهزة».

بدأ أنتراس حديثه بانتقاد الطريقة التقليدية في تصنيف الاقتصادات، قائلاً: «من الصعب جداً تقديم عبارات عامة حول كيفية استفادة الأسواق الناشئة من التحول التجاري الدولي، والسبب هو أننا غالباً ما نحب وضع الدول في صناديق أو سلال واحدة كما نفعل مع القارات». وأوضح أنتراس أن مصطلح «الأسواق الناشئة» يخفي خلفه هياكل صناعية متباينة تماماً، مبيِّناً الفرق الجوهري للحالة السعودية: «هناك اقتصادات تعتمد بشكل مكثف على تصدير الصناعات التحويلية، وهذه يمثل التكامل التجاري والوصول للأسواق شريان حياة لها، وهي الأكثر قلقاً من ضغوط المنافسة الصينية التي بدأت بالانزياح من السوق الأميركية نحو أسواقهم. لكن في المقابل، نجد اقتصاداً مثل السعودية، يُصدِّر كثيراً، ولكنه يواجه منافسةً ضئيلةً جداً من جانب الصين في سلعته الأساسية». ويرى أنتراس أن هذا الوضع يخلق فرصةً ذهبيةً للمملكة. فـ«بالنسبة للسعودية، هذا الوقت هو فرصة للحصول على سلع من الصين بتكلفة أرخص من السابق، أو الحصول على تشكيلة متنوعة من البضائع التي لم تكن متاحةً لها لأنها كانت تتدفق بالكامل نحو السوق الأميركية».

وحول كيفية تعامل الأسواق الناشئة مع ضغوط «الإغراق» والمنافسة، وجَّه أنتراس نصيحةً صريحةً: «أعتقد أن على الأسواق الناشئة إظهار أقل قدر ممكن من الميول الحمائية. لن يكون الأمر سهلاً؛ لأن نمو الصادرات الصينية سيؤثر حتماً على بعض المنتجين المحليين، مما سيخلق ضغوطاً سياسية لحمايتهم. لكن الطريق الصحيح للمستقبل هو أن تسوِّق نفسك بوصفك اقتصاداً ملتزماً بنظام متعدد الأطراف، اقتصاداً يسمح للمنتجين الأجانب بالبيع في سوقك، ويشجع منتجيك في الوقت ذاته على استكشاف الأسواق الخارجية. يجب أن نتجنَّب تماماً محاكاة ما تفعله الدول الكبيرة مثل الولايات المتحدة». وعند سؤاله عن حماية الصناعات المحلية المتضررة، أضاف: «نعم، الإغراق الصيني يمثل قلقاً جدياً لبعض الدول التي تمتلك قاعدة تصنيع محلية تتنافس مباشرة مع الصين، ولكن بالنسبة للسعودية، القلق أقل لأنها لا تملك تلك القاعدة التي تتصادم مباشرة مع المنتجات الصينية. في الواقع، الواردات الرخيصة قد تفيد المستهلك السعودي. وإذا وُجد قطاع متضرر، فهناك طرق أفضل لحماية الناس من الحمائية، مثل تقديم خطط ائتمان، أو إعانات، أو مساعدة الشركات على إعادة التفكير في نماذج أعمالها وتطويرها».

العولمة لم تمت... بل أصبحت «مجتزأة»

ورداً على السؤال الجدلي حول نهاية العولمة، صاغ أنتراس مفهوماً جديداً، قائلاً: «لا أظن أن العولمة قد انتهت، بل أسميها (التكامل المجزأ - Fragmented Integration). سنستمر في التكامل، لكن الاتفاقات التجارية ستُبرَم بطرق مختلفة. لم يعد بإمكاننا الاعتماد فقط على المفاوضات متعددة الأطراف للوصول إلى الأسواق، لأن الشعور بالالتزام بتلك الاتفاقات تَراجَع عالمياً. الصفقات ستظل تُوقَّع، لكنها ستكون أكثر تعقيداً، وسيبقى عدم اليقين هو العنوان الأبرز».

الفائدة والذكاء الاصطناعي: الوجه الآخر للعملة

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، قال أنتراس: «أسعار الفائدة المرتفعة، مضافةً إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، تحد دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن، الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ويرى أنتراس أن هذا النمو هو المُخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».

قلق الوظائف... والتدخل الحكومي

لم يخفِ أنتراس قلقه العميق تجاه سوق العمل، حيث عدّ أن التحدي المقبل مزدوج وخطير؛ فهو يجمع بين مطرقة المنافسة الصينية وسندان الأتمتة عبر الذكاء الاصطناعي. وقال أنتراس بلهجة تحذيرية: «أنا قلق جداً بشأن مستقبل العمالة؛ فالمنافسة الشرسة من الصادرات الصينية، إذا تزامنت مع أتمتة الوظائف عبر الذكاء الاصطناعي، قد تؤدي إلى اضطرابات حادة في سوق العمل، وتحديداً بين أوساط العمال الشباب».

وأكد أنتراس أن هذا المشهد لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها، بل يتطلب استراتيجيةً استباقيةً. «هنا تبرز الحاجة الماسة لتدخُّل الحكومات، وهو تدخُّل يتطلب موارد مالية ضخمة، واستعداداً عالي المستوى». ويرى أنتراس أن المَخرَج الوحيد هو «شرط الإنتاجية»؛ فإذا أثبتت التقنيات الجديدة قدرتها على رفع الإنتاجية بالقدر المأمول، فإن هذا النمو سيوفر للحكومات «الحيز المالي» اللازم لتعويض المتضررين وإعادة تأهيل الكوادر البشرية. واختتم هذه النقطة بالتأكيد على أن النجاح يكمن في «إيجاد توازن دقيق بين معالجة الآثار السلبية قصيرة المدى، والاستثمار في المكاسب الاستراتيجية طويلة الأجل».


الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
TT

الهند وماليزيا تتعهّدان التعاون في مجال الرقائق الإلكترونية

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يصافح نظيره الماليزي أنور إبراهيم خلال مؤتمر صحافي في ماليزيا 8 فبراير 2026 (رويترز)

جدَّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا ​مودي، ونظيره الماليزي أنور إبراهيم، الأحد، تعهداتهما بتعزيز التجارة، واستكشاف أوجه التعاون المحتملة في مجالات أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية والدفاع وغيرها.

جاء ذلك في إطار زيارة يقوم بها مودي لماليزيا تستغرق ‌يومين، وهي الأولى ‌له منذ أن رفع ‌البلدان ⁠مستوى ​العلاقات ‌إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في أغسطس (آب) 2024.

وقال أنور إن الشراكة تشمل تعاوناً عميقاً في مجالات متعددة، منها التجارة، والاستثمار، والأمن الغذائي، والدفاع، والرعاية الصحية، والسياحة.

وأضاف في مؤتمر ⁠صحافي بعد استضافة مودي في مقر ‌إقامته الرسمي في العاصمة الإدارية بوتراجايا: «إنها (شراكة) شاملة حقاً، ونعتقد أنه يمكننا المضي قدماً في هذا الأمر وتنفيذه بسرعة بفضل التزام حكومتينا».

وعقب اجتماعهما، شهد أنور ومودي توقيع 11 ​اتفاقية تعاون، شملت مجالات أشباه الموصلات، وإدارة الكوارث، وحفظ السلام.

وقال ⁠أنور إن الهند وماليزيا ستواصلان جهودهما لتعزيز استخدام العملة المحلية في تسوية المعاملات عبر الحدود، وعبَّر عن أمله في أن يتجاوز حجم التجارة الثنائية 18.6 مليار دولار، وهو الرقم الذي سُجِّل العام الماضي.

وأضاف أنور أن ماليزيا ستدعم أيضاً جهود الهند ‌لفتح قنصلية لها في ولاية صباح الماليزية بجزيرة بورنيو.