عباس: خطة ترمب للسلام ماتت

السعودية تعتبر أن المستوطنات تهدد حل الدولتين... والجامعة العربية تبحث الاثنين الموقف الأميركي الجديد

عمليات بناء جارية أمس (إلى اليسار) في المستوطنة اليهودية «رامات شلومو» المقامة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
عمليات بناء جارية أمس (إلى اليسار) في المستوطنة اليهودية «رامات شلومو» المقامة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
TT

عباس: خطة ترمب للسلام ماتت

عمليات بناء جارية أمس (إلى اليسار) في المستوطنة اليهودية «رامات شلومو» المقامة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)
عمليات بناء جارية أمس (إلى اليسار) في المستوطنة اليهودية «رامات شلومو» المقامة في القدس الشرقية (أ.ف.ب)

برزت أمس مواقف رافضة لتغيير الولايات المتحدة موقفها من المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة. إذ أكدت المملكة العربية السعودية أن المستوطنات مخالفة لقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، وتقف عقبة أمام تحقيق السلام وحلّ الدولتين، فيما شدد الفاتيكان بدوره على أن دعم الاستطيان يهدد بتقويض عملية السلام.
وأعلنت جامعة الدول العربية، أمس، أنه تقرر عقد دورة غير عادية لمجلسها على مستوى وزراء الخارجية الاثنين المقبل، بمقر الأمانة العامة بناء على طلب فلسطين، لبحث «التطور الخطير لموقف الإدارة الأميركية بشأن الاستيطان الإسرائيلي غير القانوني في أرض دولة فلسطين المحتلة عام 1967».
وجاء ذلك في وقت قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) إن «خطة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب للسلام في الشرق الأوسط ماتت»، مشيراً، خلال مقابلة مع «إذاعة الجيش الإسرائيلي»، أمس، إلى أن الجانب الفلسطيني قال مسبقاً «إنها لن تنجح».
واتهم الرئيس الفلسطيني، في المقابلة، الأميركيين بإفشال أي جهود لصنع السلام. وقال: «في أوسلو جلسنا ثمانية أشهر وتوصلنا إلى اتفاق، من دون الأميركيين. لو قمنا بإقحامهم؛ كانت الأمور ستتشوش وستفشل». وكان عبّاس يرد على إعلان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أن بلاده لم تَعُدْ تعتبر المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة «غير متسقة مع القانون الدولي». وقال بومبيو: «بعد دراسة جميع جوانب النقاش القانوني بعناية، توافق هذه الإدارة... على أن (إقامة) مستوطنات إسرائيلية في الضفة الغربية لا يتعارض في حد ذاته مع القانون الدولي». ويعدّ الإعلان الأميركي تراجعاً عن رأي قانوني صدر عن الخارجية الأميركية، عام 1978، يقضي بأن المستوطنات في الأراضي المحتلة «لا تتوافق مع القانون الدولي».
وهاجم عباس إعلان بومبيو وقال إنه «لا يوجد أساس له».
وتطرق الرئيس الفلسطيني إلى انعدام العلاقات مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن الأخير يرفض لقاءه. وأوضح أنه «يرفض الاجتماع معي؛ عرضت عليه الأمر عشرين مرة. آخر مرة اجتمعنا بها كانت في عام 2010». كما اتهم عباس نتنياهو بالسعي إلى إحباط مشاركته في جنازة الرئيس الإسرائيلي الراحل شمعون بيريز. وقال إنه فقط بعد أن هدد «بتسريب الأمر إلى وسائل الإعلام» تمت الموافقة على مشاركته في الجنازة.
ورغم ذلك، فإن عبّاس تحفّظ عن إبداء أي دعم أو تأييد لخصم نتنياهو على كرسي رئاسة الحكومة، بيني غانتس، قائلاً: «نتنياهو لا يريد السلام، لكننا ندعم ونؤيد من يدعم السلام».
وجاء هجوم عباس على الأميركيين ضمن تحرك واسع بدأه الفلسطينيون ضد إعلان بومبيو حول المستوطنات. ويشتمل هذا التحرك على التوجه إلى مجلس الأمن والأمم والمتحدة وجامعة الدول العربية ودول العالم والأحزاب العربية والدولية كافة، والمنظمات المختلفة، من أجل حشد التأييد للموقف المعارض للسياسة الجديدة للإدارة الأميركية.
وقال الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، أمس: «الولايات المتحدة الأميركية ترتكب خطأ تاريخياً من خلال اتباعها سياسة استعمارية بموقفها من القدس والمستوطنات، وهي تشكل بذلك أكبر جرائم العصر، الأمر الذي جعل قوى إقليمية تفقد دورها المهم في مجريات الأحداث». وأضاف أبو ردينة: «إن استمرار هذه الأخطاء سيؤدي إلى استمرار احتراق المنطقة بأسرها، وهذا الحريق جراء هذه السياسة الأميركية الفاشلة في المجالات كافة، لن ينجو منه أحد».
وتابع أبو ردينة أن «المعركة الأساسية التي يخوضها الشعب الفلسطيني وقيادته، هي الحفاظ على الوجود الفلسطيني، وهوية مدينة القدس مدينةً فلسطينيةً عربيةً على الأرض».
وأكد الناطق الرسمي أن الحل الذي يرضي الشعب الفلسطيني هو الكفيل بإنهاء «الحرائق المدمرة الموجودة»، لذلك فعلى الإدارة الأميركية «مراجعة مواقفها الخاطئة، لأن الشعب الفلسطيني سيبقى صامداً على أرضه مهما كانت الصعاب».
وأردف أن «شعبنا قادر على إفشال المؤامرة تماماً كما أفشلها في السابق، وأن الدولة الفلسطينية المستقلة ستقام عاجلاً أم آجلاً، والقدس بمقدساتها وهويتها وإرثها ستكون السدّ والدرع الحامي للمشروع الوطني الفلسطيني».
ويدرس الفلسطينيون الآن خياراتهم في مواجهة الإدارة الأميركية التي اعترفت سابقاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأوقفت جميع المساعدات للفلسطينيين، وأغلقت مكتب منظمة التحرير في واشنطن. وتعمل الإدارة أيضاً على إغلاق «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)» غير معترفة بحقوق اللاجئين، كما أنها تؤيد مسبقاً ضم أجزاء من الضفة الغربية لإسرائيل.
وأطلقت القيادة الفلسطينية سلسلة اجتماعات طارئة من أجل اتخاذ الإجراءات وتحديد الآليات الواجب اتباعها لـ«مواجهة القرارات الأميركية الخطيرة ضد القضية الفلسطينية»، وبدأت تحركاً واسعاً في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لمواجهة الإعلان الأميركي.
وأكد وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، أمس، أنه سيتوجه خلال أيام قليلة إلى المحكمة الجنائية الدولية من أجل رفع قضية ضد وزير الخارجية الأميركي شخصياً «كونه يتحمّل المسؤولية المباشرة عن تداعيات وانعكاسات إعلانه الخطير بشأن المستوطنات». وقال المالكي في حديث لإذاعة «صوت فلسطين» إن الإعلان الأميركي «من الناحية القانونية لا قيمة له، ولكن من الناحية العملية فإن له انعكاسات خطيرة بتقويض السلم والأمن وإمكانية حل الدولتين».
ورفضت الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ودول عربية، إلى جانب روسيا والاتحاد الأوروبي، الإعلان الأميركي بوصفه مقوّضاً للسلام.
وفي هذا الإطار، عبّرت المملكة العربية السعودية، عن رفضها التام لتصريحات الحكومة الأميركية، التي اعتبرت فيها أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية شرعية، ولا تخالف القانون الدولي. وجاء الرفض على لسان مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السعودية، الذي أكد أن قيام إسرائيل ببناء المستوطنات «يعد مخالفاً لقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي، ويقف عقبة أمام تحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وحلّ الدولتين». وأكد المصدر أن تحقيق السلام الدائم يتطلب حصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه المشروعة، وفقاً لمبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية.
وانضم الفاتيكان أمس إلى منتقدي السياسة الأميركية. وقال الفاتيكان في بيان إن دعم الولايات المتحدة للبناء الاستيطاني الإسرائيلي بالضفة الغربية المحتلة يهدد بتقويض عملية السلام مع الفلسطينيين.
وأضاف: «في سياق القرارات الأخيرة التي تهدد بتقويض عملية السلام الإسرائيلية - الفلسطينية والاستقرار الهش بالفعل في المنطقة، يجدد الفاتيكان التأكيد على موقفه الداعم لحل دولتين لشعبين، بوصف ذلك السبيل الوحيد للوصول إلى حل كامل لهذا الصراع الطويل».



اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

تسعى الحكومة اليمنية إلى نقل التنسيق مع المملكة المتحدة من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات أكثر تأثيراً في مواجهة الميليشيات الحوثية، تشمل تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتشديد الرقابة على التقنيات والمكونات التي تستخدمها في تطوير قدراتها العسكرية، بالتزامن مع تحركات دولية مرتقبة لحشد الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وجاءت هذه الملفات خلال لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن دوتي، الذي بحث معه تطورات الأوضاع اليمنية والتهديدات التي تمثلها الجماعة الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية الشهر الحالي.

وأكد العليمي أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن إنهاء مصادر التهديد الحوثية، داعياً إلى دعم قدرات الدولة اليمنية في حماية أراضيها ومياهها الإقليمية، ومشدداً على ضرورة اقتران المواقف السياسية والقانونية بإجراءات عملية تستهدف شبكات التمويل والتسليح والتهريب التي تمد الجماعة بقدراتها العسكرية.

رشاد العليمي يطلب دعماً بريطانياً أوسع لمواجهة الحوثيين (سبأ)

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المملكة المتحدة بدور أكثر فاعلية في حشد موقف دولي لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر الجماعة وفق القانون البريطاني، مؤكداً أن استمرار التعامل مع تهديداتها دون تدابير رادعة يترك مصادر قوتها خارج دائرة الاستهداف.

تهديد يتجاوز اليمن

وضع العليمي أمام الوزير البريطاني صورة التصعيد الحوثي، مشيراً إلى استهداف مطارَي عدن والريان المدنيين، والهجمات المتواصلة على مدينة تعز، وما تتعرض له أحياؤها السكنية والمنشآت المدنية والأسواق والمدارس والمنازل من قصف، فضلاً عن الاعتداءات على الأعيان المدنية في السعودية وتهديد الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية.

وربط رئيس مجلس القيادة اليمني بين أمن المنطقة واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية قدرتها على بسط سلطتها، عادَّاً أن دعم الحكومة في هذا الاتجاه يمثل الضمانة المستدامة لحماية الممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من مسلحيهم لاقتحام محافظة تعز (إ.ب.أ)

كما أثار العليمي ملف الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، في ضوء وفاة موظف في المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء احتجازه، وما وصفه باستمرار الاعتقال التعسفي لأكثر من 70 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب تعطيل المبادرات الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي الجانب الاقتصادي والإنساني، أطلع الوزير دوتي رئيس مجلس القيادة اليمني على زيادة الدعم البريطاني لمواجهة تداعيات الأزمة الإنسانية في اليمن، مؤكداً استمرار مساندة بلاده للقيادة السياسية والحكومة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وتناول اللقاء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والجهود المبذولة لإنجاحه وتوجيه الاستجابة نحو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

وثمّن العليمي المواقف البريطانية الداعمة لليمن، خصوصاً دور لندن بوصفها حاملة القلم بشأن الملف اليمني في مجلس الأمن، كما أشاد بالدعم السعودي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما في ذلك الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.


الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

​ضاعف الحصار الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز اليمنية معاناة مئات الآلاف من سكانها، بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى 5 أضعاف مستوياتها المعتادة، وسط استمرار إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، وتعثر الجهود الإنسانية الرامية إلى فتح ممر آمن لإيصال المساعدات، في وقت تتسع فيه موجة النزوح من مناطق القتال غرب البلاد وجنوبها.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، إن التصعيد العسكري الأخير والقتال الناتج عنه تسببا في ارتفاع حاد لأسعار المواد الأساسية في تعز؛ حيث زادت تكلفتها ما بين 3 و5 أضعاف، نتيجة قطع طرق الوصول إلى المناطق المحيطة بالمدينة، الأمر الذي جعل حتى المواد الغذائية الضرورية بعيدة عن متناول كثير من العائلات.

وأضافت المنظمة أن أكثر من 300 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم مع تصاعد القتال في غرب اليمن، وأن معظم عمليات النزوح وقعت خلال الشهرين الماضيين، وسط صعوبات متزايدة تواجه الأسر في العثور على مأوى وتأمين احتياجاتها الأساسية، بالتزامن مع قيود تعرقل وصول وكالات الإغاثة إلى المتضررين.

الحوثيون يفرضون حصاراً على مدينة تعز منذ 4 أسابيع (إعلام محلي)

وقال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، عبد الستار إيسويف، إن العائلات اليمنية تجد نفسها، بعد سنوات من الصراع، مضطرة إلى النزوح مجدداً، وغالباً لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، مؤكداً حاجتها العاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وحذر إيسويف من أن نقص التمويل قد يترك آلاف العائلات دون المساعدة التي تحتاج إليها بشدة، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية مع اتساع رقعة المواجهات والنزوح.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، نزح أكثر من 43 ألف شخص من مديرية المضاربة والعارة في محافظة لحج، وهو أعلى عدد مسجل في مديرية واحدة على مستوى اليمن، وفق المنظمة. وفي المقابل، تزداد حركة النزوح داخل محافظة تعز، بينما تتجه عائلات كثيرة إلى مدينة عدن التي تستضيف حالياً أكثر من 56 ألف نازح.

وفي محاولة لتخفيف التداعيات الصحية للأزمة، تشغِّل المنظمة 5 فرق طبية متنقلة في 4 محافظات، هي مأرب ولحج وعدن وتعز، بينها فريقان في الأخيرة، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والاستشارات الطبية والصحة الإنجابية، إلى جانب معالجة سوء التغذية الحاد والتطعيم والإحالات الطبية وخدمات الصحة النفسية والحماية والرعاية الطارئة.

وقدمت الفرق الخمسة نحو ألف استشارة طبية خلال الأسبوع الماضي، في المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات أو تتأثر بالأزمات الإنسانية.

45 مليون دولار للاحتياجات العاجلة

في ظل اتساع الاحتياجات، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الاستجابة الإنسانية لا تزال بحاجة إلى تمويل إضافي، رغم المساهمات التي تلقَّتها لتوسيع نطاق تدخلاتها، محددة احتياجاتها بنحو 45 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة.

ويُفترض أن يغطي التمويل المطلوب المساعدات المنقذة للحياة، بما فيها المأوى والمساعدات النقدية الطارئة والمواد الأساسية غير الغذائية والحماية والرعاية الصحية والمياه النظيفة والصرف الصحي، فضلاً عن تنسيق مواقع النزوح وتتبع حركة السكان.

موجة نزوح مستمرة جرَّاء استهداف الحوثيين التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وتأتي هذه التدخلات ضمن خطة الاستجابة لأزمة اليمن التي تستهدف الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، إلى جانب خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين في القرن الأفريقي واليمن، المعنية بمساعدة المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي عبر الأراضي اليمنية.

ورغم أن الحوثيين يفرضون الحصار على مدينة تعز، ويواصلون استهداف التجمعات السكانية في أريافها ومناطق غرب لحج، اكتفت المنظمة الدولية للهجرة بدعوة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ودون عوائق؛ خصوصاً إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها في محافظة تعز.

استهداف القرى

في سياق متصل، أفادت مصادر حكومية يمنية «الشرق الأوسط» باستمرار تدفق الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين في غرب محافظة لحج ومناطق التماس مع تعز، نتيجة استمرار استهداف القرى السكنية بالقذائف الصاروخية والطائرات المُسيَّرة؛ خصوصاً في مديريتي المقاطرة والمضاربة.

أكثر من 300 ألف نازح يمني جرَّاء العدوان الحوثي المستمر منذ سبتمبر الماضي (إعلام محلي)

وذكرت المصادر أن الحوثيين، بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى أرياف محافظة تعز، صعَّدوا استهداف التجمعات السكانية في أطراف مديرية المقاطرة، بالتزامن مع مواصلة إطلاق القذائف والطائرات المُسيَّرة على قرى مديرية المضاربة، التي تشهد أطرافها مواجهات متواصلة مع القوات الحكومية منذ أكثر من شهر.

وتضيف هذه التطورات ضغوطاً جديدة على السكان في المناطق الريفية؛ حيث يتزامن إغلاق الطرق واستهداف القرى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المتضررين.


«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
TT

«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)

​لجأت الميليشيات الحوثية إلى أساليب دعائية لاستقطاب مزيد من المقاتلين إلى صفوفها، عبر رش العطور وروائح المسك والعنبر والعود على قبور قتلاها، قبل تنظيم زيارات للسكان إليها، في محاولة لتصوير الروائح المنبعثة منها بوصفها «كرامات» دينية، وإضفاء هالة من القداسة على الموتى، بما يخدم حملات التعبئة والتجنيد، ويقدم الانخراط في جبهات القتال بوصفه طريقاً إلى منزلة استثنائية.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، عن صدور تعليمات من زعيم الجماعة إلى أتباعه، تقضي بتوفير العطور ورشها على قبور عدد من قتلاها؛ خصوصاً المنتمين إلى سلالته المزعومة، قبل تنظيم زيارات ميدانية للسكان إلى المقابر، يُجبَر كثيرون، بينهم طلاب مدارس، على المشاركة فيها ضمن الفعاليات السنوية التي تقيمها الجماعة تحت اسم «أسبوع الشهيد».

وحسب المصادر، تتعمد الجماعة استغلال الروائح المنبعثة من القبور، بعد إغراقها بالعطور، للترويج لروايات عن «كرامات» مزعومة، وإيهام الزوار بأنها دليل على منزلة استثنائية لقتلاها، في مسعى للتأثير على مشاعر ذويهم وتوظيف المعتقدات الدينية للسكان؛ خصوصاً الشباب وصغار السن، ودفعهم إلى الالتحاق بجبهات القتال.

تربويون وطلاب يمنيون أجبرهم الحوثيون على تنظيم زيارة لمقابر قتلاهم (إكس)

وخصصت ما تسمى «مؤسسة الشهداء» و«الهيئة العامة لرعاية الشهداء»، التابعتان للجماعة، أموالاً لشراء العطور ورشها على قبور القتلى، في مقابر استحدثتها خلال السنوات الماضية في أحياء متفرقة من صنعاء، بينها عصر والجراف ومسيك، في مديريات معين والثورة وآزال.

وسبقت هذه التحركات أعمال تزيين وتوسعة لعدد من المقابر، تمهيداً لتنظيم الزيارات والفعاليات الدعائية المرتبطة بالمناسبة. وأوضحت المصادر أن هذه الممارسات ظلت خلال السنوات الماضية محصورة إلى حد بعيد في صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، قبل أن تتجه الجماعة إلى تعميمها في صنعاء ومدن أخرى، بالتزامن مع تصعيد حملات التجنيد، لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأنشطة، إلى تحويل مقابر قتلاها إلى منصات للتعبئة الآيديولوجية واستقطاب مقاتلين جدد، وتوظيف مشاهد الموت ومآسي الأُسَر لتسويق القتال في صفوفها، وتصوير القتلى بوصفهم نماذج يُحتذى بها، بينما لا تحصد عائلاتهم -وفقاً للمصادر- سوى الفقد والتشرد وتفاقم الأعباء الاجتماعية والإنسانية.

استياء من استغلال المقابر

أثارت هذه الممارسات موجة من السخرية والاستياء في أوساط سكان صنعاء، الذين اعتبروا رش العطور على القبور ثم تقديم روائحها بوصفها «كرامات» محاولة للتضليل والاستخفاف بعقول المواطنين، واستغلال الحزن الذي تعيشه أُسَر القتلى، لتحويل المقابر إلى أدوات دعائية تخدم حملات التجنيد والتحشيد.

وقال تربوي، أُجبر مع طلاب مدرسة حكومية في صنعاء، قبل أيام، على زيارة إحدى مقابر الجماعة، إن مشرفين حوثيين حاولوا إقناع الزوار بوجود روائح طيبة تنبعث من بعض القبور، وقدموا ذلك بوصفه دليلاً على ما وصفوه بـ«الكرامات».

جانب من زيارات قيادات حوثية لمقابر قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأضاف أن المشرفين تعمدوا لفت انتباه الطلاب والزوار إلى تلك الروائح، في محاولة لترسيخ روايات الجماعة حول قتلاها، والتأثير على قناعات الأجيال الصغيرة. وقال: «من المعيب جداً أن تتحول قبور القتلى إلى وسيلة لخداع الناس والتأثير على عقولهم، عبر خرافات مصطنعة تخدم أهدافاً ترمي إلى استدراج مزيد من المقاتلين إلى الجبهات».

من جهته، يقول ناصر -وهو صاحب متجر في صنعاء- إن الميليشات الحوثية لم تكتفِ بمصادرة حياة السكان وفرض الضغوط عليهم؛ بل امتدت ممارساتها إلى استغلال المقابر ومآسي الأُسَر لتسويق مشروعها القتالي، وإقناع الشباب وصغار السن بأن الالتحاق بصفوفها غاية تستحق التضحية بالحياة.

وأضاف أن الجماعة تنفق الأموال على سكب العطور وتزيين القبور وتنظيم الفعاليات الدعائية حولها، بدلاً من توجيهها إلى رعاية أسر القتلى، وتعويض الأطفال الذين فقدوا آباءهم في حروبها. وقال: «من السهل سكب العطور على القبور، ولكن الأصعب هو مواجهة أُسَر القتلى بحقيقة ما خسرته».