مشهد ثقافي سوري سوريالي تشكل الأزمة ملامحه

زوابعها اجتاحت المسرح والسينما والفن التشكيلي ومعارض الكتب

فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية
فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية
TT

مشهد ثقافي سوري سوريالي تشكل الأزمة ملامحه

فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية
فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية

ربما جاء عرض مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية، على خشبة مسرح الحمراء في دمشق، حدثا ثقافيا مثيرا للغرابة، وربما الصدمة أيضا. لكن حضور أعداد متزايدة من الدمشقيين إلى فندق الشيراتون، لمشاهدة فيلم يعرض في قاعة صيفية في الهواء الطلق، الذي لا يخلو من بعض دخان قذائف الهاون المتساقطة على وسط العاصمة، في أكثر أحيائها «أمانا»، أو محاضرة للجمعية الكونية في المركز الثقافي العربي في أبو رمانة، أو أخرى للجمعية الجغرافية في مقرها بمنطقة الميسات، وتساقط البراميل المتفجرة على قرى الريف السوري، ما يجعل المشهد الثقافي السوري، سورياليا بامتياز، كأن ما يجري يقع في مدينة أخرى لا تمت لهؤلاء بصلة.
حال تعكس هامشية المثقف العربي وضعف دوره قبل أي شيء آخر. تقول الكاتبة سعاد جروس: «لا أظن أن ما تعيشه منطقتنا العربية عموما، وسوريا خصوصا (أزمة)، بل هو أشبه بزلزال هائل نجم عن تفجر الأزمات المتراكمة دفعة واحدة، ومن بينها أزمة الثقافة. لقد كشف ما يحصل، عن أن الثقافة العربية والمثقفين العرب، كانوا ولا يزالون خارج دائرة الفعل، إذ لا تأثير يذكر لهم، والفعل والتأثير هما لمنظومات الاقتصاد والمخابرات والسياسة والدين وما ملكت إيمانهم من وسائل إعلام. أما المثقفون العرب، فقد انكشف سترهم، وتبين حجم الهوة التي تفصلهم عن واقع تربطهم به مخيلة ثبت أنها كانت ضحلة وقاصرة. وهاهم يقفون حائرين في قراءة ما يجري، ليس لأنه عصي على الاستيعاب، بل لأن الثقافة العربية خارج الفعل لعقود طويلة. لقد تكشّف أن النتاج الثقافي العربي بغالبيته، كان رجع صدى ثورات المجتمعات الغربية. ما يجري الآن أتى على الهشيم والأخضر واليابس، وها نحن جميعا على قدم المساواة، مثقفين وغير مثقفين، يأكلنا الانتظار».

* المسرح يراوح والموسيقى تتقدم
على خشبات المسرح الرسمي (المسرح القومي)، لم يتوقف العمل. وهذا لا ينفي تأثر حال المسرح بغياب أهم الممثلين والعاملين والتقنيين في هذا الحقل وهجرتهم. أما المسرح الخاص، فقد غاب تماما عن الساحة. الأعمال المسرحية التي تعرض في هذه المرحلة، تصدّت بشكل عام، لما يدور في البلاد من وجهة نظر رسمية. وقد غيّرت أحوال دمشق الراهنة حتى من مواعيد تقديم هذه العروض، التي باتت تقدم في أوقات مبكرة من النهار (الرابعة بعد الظهر مثلا)، كحال جميع النشاطات الثقافية الأخرى من محاضرات وندوات.
يقول الكاتب المسرحي، جوان جان، رئيس تحرير مجلة «الحياة المسرحية» التي تصدر عن وزارة الثقافة السورية، إن النشاط المسرحي لم يتوقف هذه الأيام، وتحديدا نشاط المسرح القومي في دمشق، وهو الجسم الرئيس الذي يستوعب النشاط المسرحي للمسرحيين السوريين. وآخر عرض قُدِّم كان بعنوان «إكليل الدم» لزيناتي قدسية، نصًا وإخراجًا. وجسدت شخصياته، مجموعة من الفنانين المسرحيين من غير الأكاديميين، لكنهم موهوبون من دون شك. كذلك جرى عرض مسرحية «الطوفان» تأليف جوان جان، وإخراج سهيل عقلة. وفي الوقت نفسه، واصل المعهد العالي للفنون المسرحية تقديم عروض التخرج بشكل منتظم. كما أن النشاط المسرحي استمر في بعض المحافظات كاللاذقية وطرطوس والسويداء وحلب والحسكة، وإن بشكل أقل من حيث الكمّ عما يعرض في دمشق، وهذا الأمر ليس جديا على أي حال. غير أن الأزمة التي تعيشها البلاد، أثّرت سلبًا على حضور العروض المسرحية. لكن جوان يقلل من حجم هذا التأثير على الجمهور، ويقول إنه بدأ يخفّ تدريجًا، بعد أن تأقلم الكثيرون نوعا ما، مع الأوضاع الاستثنائية القائمة. وقد بدا واضحا أن السوريين باتوا مؤمنين بأن الانقطاع عن النشاط الاجتماعي والثقافي أمر غير مجدٍ، ولا يفيد بشيء، لذلك نراهم يعودون تدريجًا إلى ممارسة هذا النشاط.
ضمن هذه اللوحة السوريالية لحال الثقافة في البلاد، لفت النشاط الموسيقي النظر؛ إذ شكل مشهدا مغايرا. فقد تقدّم أكثر من 400 طفل لامتحان القبول في «معهد صلحي الوادي» لتعليم الموسيقى في دمشق، خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. وجرى اختيار 130 طفلا منهم. ولم يكن الإقبال على الالتحاق بمعاهد محمود العجان وفريد الأطرش الموسيقية في مدينتَي اللاذقية والسويداء، أقل أهمية ولفتا للنظر. وهذا يؤشر، مرة أخرى، على محاولات الجمهور التأقلم مع الأوضاع والظروف الناشئة بعد ما يقارب الأربع سنوات على بدء «الأزمة».

* عجائب السينما وأحوالها
وتبدو دور العرض السينمائي، والنشاط الإنتاجي في سوريا، أكثر المشاهد سوريالية. ففي الوقت الذي أغلقت «سينما الشام» أبوابها مع بداية الأزمة، وبنت «سينما سيتي» جدارا إسمنتيا أمام واجهتها، ظل قائما لمدة تزيد على 3 أعوام، حيث عادت وفتحت أبوابها قبل 3 أشهر، شهدت دمشق افتتاح صالة صيفية، هي الأولى في سوريا، في فندق شيراتون في ساحة الأمويين، القريبة من رئاسة الأركان السورية ومبنى الإذاعة والتلفزيون، وأهم المقرات الأمنية أيضا، التي تشهد يوميا، سقوط قذائف الهاون على مقربة منها. كما شهدت العاصمة السورية، أيضا، افتتاح 3 صالات سينمائية في مشروع دمر، تعدّ إحداها، من الصالات الحديثة جدا (9 D). يقول الناقد السينمائي، عمار أحمد حامد، مدير المهرجانات السينمائية: «إن المؤسسة العامة للسينما هي الأكثر حضورا ووضوحًا، حيث بادرت في نهاية عام 2011 (العام الأول لاندلاع الأزمة)، إلى إطلاق (مشروع دعم سينما الشباب)، الذي يتيح للشباب الذين يملكون مواهب سينمائية (كتابة سيناريو سينمائي، إخراج سينمائي أو غيرهما)، أن يتقدموا بنصوصهم السينمائية التي يرغبون في إخراجها، إلى المؤسسة. وقد قدّم بالفعل 150 نصا سينمائيا، جرى اختيار 30 منها تحولت إلى أفلام قصيرة (15 دقيقة للفيلم الواحد)».
أما على صعيد إنتاج المحترفين، فيقول عمار، إن السينما السورية، بقطاعها الحكومي، أنتجت منذ عام 2011 وحتى عام 2013، 7 أفلام روائية طويلة. ويجري هذا العام، تصوير 4 أفلام سينمائية روائية طويلة، لجود سعيد، وعبد اللطيف عبد الحميد، ومحمد عبد العزيز، وباسل الخطيب.
ويضيف عمار: «كما أقامت المؤسسة وبشكل دوري، تظاهرات سينمائية يعرض فيها أهم الأفلام الحديثة التي تعرض في دول العالم. وقد نجحت التجربة ولم يعد هناك مكان لواقف في أماكن عرض أي من الأفلام. وهذا ما شجع القطاع الخاص على إعادة فتح صالاته السينمائية التي أغلقها مع بداية الأزمة. فعادت سينما سيتي إلى الأضواء مجددا، وراحت تعرض أفلاما حديثة. كما عادت سينما الهواء الطلق في فندق الشيراتون مجددًا. وجرى افتتاح 3 صالات سينمائية في مجمع الـ(Up Town)، الذي جرى افتتاحه أخيرا في مشروع دمر. نذكر أيضا في هذا المجال، مهرجانات سينمائية أخرى أقيمت في طرطوس وحلب خلال العام الحالي، كمهرجان خطوات السينمائي للأفلام القصيرة الذي يقام مرة في العام منذ 3 سنوات، ومهرجان لسينما الشباب في حلب». ويضيف: «على الرغم من كل ما يعصف بسوريا، فإنها لا تزال تقدم أفلاما سينمائية مهمة، حتى إنها شاركت بها في مهرجانات سينمائية عالمية، كمهرجان مالمو السينمائي، في السويد، ومهرجان الأقصر في مصر، ومهرجان الداخلة في المغرب، ومهرجان موسكو، ومهرجان وهران في الجزائر، حيث حصل فيلم (مريم) لمخرجه باسل الخطيب، على الكثير من الجوائز».

* النشر والكتاب
ولعل الكتاب هو الأكثر تأثرا بالأزمة، إذ يعتمد اعتمادا شبه كلي على دور النشر الخاصة. وقد توقفت معارض الكتب، لا سيما معرض دمشق الدولي، للسنة الثالثة على التوالي. وكما يقول صهيب الشريف، مسؤول الإعلام في دار الفكر بدمشق: «لقد تأثرت حركة النشر جدا بالأزمة، لأن معظم المطابع موجود في الريف الدمشقي، أي في المناطق الساخنة، وهناك صعوبة كبيرة ومخاطرة في الوصول إلى أماكنها. أدى هذا بالتالي، إلى ترك معظم العاملين عملهم لعجزهم عن الوصول إليه، أو لوجودهم، أصلا، في المناطق الساخنة. وهذا أدى بدوره إلى نقص شديد في الخبرات الفنية، كما أن العمل لم يعد يجري بالوتيرة السابقة نفسها، مما أدى إلى لجوء معظم دور النشر السورية إلى الطباعة في بيروت، على الرغم من ارتفاع التكاليف هناك عما هي عليه في سوريا، ما انعكس بدوره على سعر الكتاب. أضف إلى ذلك التضخم الاقتصادي الذي أدى إلى ارتفاع سعر الكتاب 4 أضعاف سعره قبل الأزمة، وبالتالي تراجع معدل شراء الكتب، لأن فئة القراء غالبا ما تنتمي إلى الفئات متوسطة الحال والفقيرة».

هجرة التشكيلي
من القطاعات التي تأثرت كثيرا بالأزمة أيضا، قطاع الفن التشكيلي، حيث أغلقت تماما صالات العرض الخاصة مع بداية الأزمة، وتوقف النشاط أيضا على صالة الشعب التي أقامت بعض المعارض الفنية التشكيلية. وبحسب الفنان التشكيلي عدنان حميدة، فقد انتقل نشاط معظم الفنانين التشكيليين إلى بيروت أو دول الخليج، كما أن بيع الأعمال الفنية عاد أخيرا، للتحرك بعد توقف تام لمدة عامين ونصف العام تقريبا. ويضيف حميدة، أن بيع اللوحات يجري، حاليا، عبر الإنترنت، حيث يعرض الفنانون لوحاتهم على صفحة التواصل الاجتماعي «فيسبوك». ونوه بأن معظم الأعمال تباع في الخارج، أما في داخل سوريا، فتسويقها نادر.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».