مشهد ثقافي سوري سوريالي تشكل الأزمة ملامحه

زوابعها اجتاحت المسرح والسينما والفن التشكيلي ومعارض الكتب

فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية
فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية
TT

مشهد ثقافي سوري سوريالي تشكل الأزمة ملامحه

فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية
فريق عمل مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية

ربما جاء عرض مسرحية «إكليل الدم» لزيناتي قدسية، على خشبة مسرح الحمراء في دمشق، حدثا ثقافيا مثيرا للغرابة، وربما الصدمة أيضا. لكن حضور أعداد متزايدة من الدمشقيين إلى فندق الشيراتون، لمشاهدة فيلم يعرض في قاعة صيفية في الهواء الطلق، الذي لا يخلو من بعض دخان قذائف الهاون المتساقطة على وسط العاصمة، في أكثر أحيائها «أمانا»، أو محاضرة للجمعية الكونية في المركز الثقافي العربي في أبو رمانة، أو أخرى للجمعية الجغرافية في مقرها بمنطقة الميسات، وتساقط البراميل المتفجرة على قرى الريف السوري، ما يجعل المشهد الثقافي السوري، سورياليا بامتياز، كأن ما يجري يقع في مدينة أخرى لا تمت لهؤلاء بصلة.
حال تعكس هامشية المثقف العربي وضعف دوره قبل أي شيء آخر. تقول الكاتبة سعاد جروس: «لا أظن أن ما تعيشه منطقتنا العربية عموما، وسوريا خصوصا (أزمة)، بل هو أشبه بزلزال هائل نجم عن تفجر الأزمات المتراكمة دفعة واحدة، ومن بينها أزمة الثقافة. لقد كشف ما يحصل، عن أن الثقافة العربية والمثقفين العرب، كانوا ولا يزالون خارج دائرة الفعل، إذ لا تأثير يذكر لهم، والفعل والتأثير هما لمنظومات الاقتصاد والمخابرات والسياسة والدين وما ملكت إيمانهم من وسائل إعلام. أما المثقفون العرب، فقد انكشف سترهم، وتبين حجم الهوة التي تفصلهم عن واقع تربطهم به مخيلة ثبت أنها كانت ضحلة وقاصرة. وهاهم يقفون حائرين في قراءة ما يجري، ليس لأنه عصي على الاستيعاب، بل لأن الثقافة العربية خارج الفعل لعقود طويلة. لقد تكشّف أن النتاج الثقافي العربي بغالبيته، كان رجع صدى ثورات المجتمعات الغربية. ما يجري الآن أتى على الهشيم والأخضر واليابس، وها نحن جميعا على قدم المساواة، مثقفين وغير مثقفين، يأكلنا الانتظار».

* المسرح يراوح والموسيقى تتقدم
على خشبات المسرح الرسمي (المسرح القومي)، لم يتوقف العمل. وهذا لا ينفي تأثر حال المسرح بغياب أهم الممثلين والعاملين والتقنيين في هذا الحقل وهجرتهم. أما المسرح الخاص، فقد غاب تماما عن الساحة. الأعمال المسرحية التي تعرض في هذه المرحلة، تصدّت بشكل عام، لما يدور في البلاد من وجهة نظر رسمية. وقد غيّرت أحوال دمشق الراهنة حتى من مواعيد تقديم هذه العروض، التي باتت تقدم في أوقات مبكرة من النهار (الرابعة بعد الظهر مثلا)، كحال جميع النشاطات الثقافية الأخرى من محاضرات وندوات.
يقول الكاتب المسرحي، جوان جان، رئيس تحرير مجلة «الحياة المسرحية» التي تصدر عن وزارة الثقافة السورية، إن النشاط المسرحي لم يتوقف هذه الأيام، وتحديدا نشاط المسرح القومي في دمشق، وهو الجسم الرئيس الذي يستوعب النشاط المسرحي للمسرحيين السوريين. وآخر عرض قُدِّم كان بعنوان «إكليل الدم» لزيناتي قدسية، نصًا وإخراجًا. وجسدت شخصياته، مجموعة من الفنانين المسرحيين من غير الأكاديميين، لكنهم موهوبون من دون شك. كذلك جرى عرض مسرحية «الطوفان» تأليف جوان جان، وإخراج سهيل عقلة. وفي الوقت نفسه، واصل المعهد العالي للفنون المسرحية تقديم عروض التخرج بشكل منتظم. كما أن النشاط المسرحي استمر في بعض المحافظات كاللاذقية وطرطوس والسويداء وحلب والحسكة، وإن بشكل أقل من حيث الكمّ عما يعرض في دمشق، وهذا الأمر ليس جديا على أي حال. غير أن الأزمة التي تعيشها البلاد، أثّرت سلبًا على حضور العروض المسرحية. لكن جوان يقلل من حجم هذا التأثير على الجمهور، ويقول إنه بدأ يخفّ تدريجًا، بعد أن تأقلم الكثيرون نوعا ما، مع الأوضاع الاستثنائية القائمة. وقد بدا واضحا أن السوريين باتوا مؤمنين بأن الانقطاع عن النشاط الاجتماعي والثقافي أمر غير مجدٍ، ولا يفيد بشيء، لذلك نراهم يعودون تدريجًا إلى ممارسة هذا النشاط.
ضمن هذه اللوحة السوريالية لحال الثقافة في البلاد، لفت النشاط الموسيقي النظر؛ إذ شكل مشهدا مغايرا. فقد تقدّم أكثر من 400 طفل لامتحان القبول في «معهد صلحي الوادي» لتعليم الموسيقى في دمشق، خلال شهر سبتمبر (أيلول) الماضي. وجرى اختيار 130 طفلا منهم. ولم يكن الإقبال على الالتحاق بمعاهد محمود العجان وفريد الأطرش الموسيقية في مدينتَي اللاذقية والسويداء، أقل أهمية ولفتا للنظر. وهذا يؤشر، مرة أخرى، على محاولات الجمهور التأقلم مع الأوضاع والظروف الناشئة بعد ما يقارب الأربع سنوات على بدء «الأزمة».

* عجائب السينما وأحوالها
وتبدو دور العرض السينمائي، والنشاط الإنتاجي في سوريا، أكثر المشاهد سوريالية. ففي الوقت الذي أغلقت «سينما الشام» أبوابها مع بداية الأزمة، وبنت «سينما سيتي» جدارا إسمنتيا أمام واجهتها، ظل قائما لمدة تزيد على 3 أعوام، حيث عادت وفتحت أبوابها قبل 3 أشهر، شهدت دمشق افتتاح صالة صيفية، هي الأولى في سوريا، في فندق شيراتون في ساحة الأمويين، القريبة من رئاسة الأركان السورية ومبنى الإذاعة والتلفزيون، وأهم المقرات الأمنية أيضا، التي تشهد يوميا، سقوط قذائف الهاون على مقربة منها. كما شهدت العاصمة السورية، أيضا، افتتاح 3 صالات سينمائية في مشروع دمر، تعدّ إحداها، من الصالات الحديثة جدا (9 D). يقول الناقد السينمائي، عمار أحمد حامد، مدير المهرجانات السينمائية: «إن المؤسسة العامة للسينما هي الأكثر حضورا ووضوحًا، حيث بادرت في نهاية عام 2011 (العام الأول لاندلاع الأزمة)، إلى إطلاق (مشروع دعم سينما الشباب)، الذي يتيح للشباب الذين يملكون مواهب سينمائية (كتابة سيناريو سينمائي، إخراج سينمائي أو غيرهما)، أن يتقدموا بنصوصهم السينمائية التي يرغبون في إخراجها، إلى المؤسسة. وقد قدّم بالفعل 150 نصا سينمائيا، جرى اختيار 30 منها تحولت إلى أفلام قصيرة (15 دقيقة للفيلم الواحد)».
أما على صعيد إنتاج المحترفين، فيقول عمار، إن السينما السورية، بقطاعها الحكومي، أنتجت منذ عام 2011 وحتى عام 2013، 7 أفلام روائية طويلة. ويجري هذا العام، تصوير 4 أفلام سينمائية روائية طويلة، لجود سعيد، وعبد اللطيف عبد الحميد، ومحمد عبد العزيز، وباسل الخطيب.
ويضيف عمار: «كما أقامت المؤسسة وبشكل دوري، تظاهرات سينمائية يعرض فيها أهم الأفلام الحديثة التي تعرض في دول العالم. وقد نجحت التجربة ولم يعد هناك مكان لواقف في أماكن عرض أي من الأفلام. وهذا ما شجع القطاع الخاص على إعادة فتح صالاته السينمائية التي أغلقها مع بداية الأزمة. فعادت سينما سيتي إلى الأضواء مجددا، وراحت تعرض أفلاما حديثة. كما عادت سينما الهواء الطلق في فندق الشيراتون مجددًا. وجرى افتتاح 3 صالات سينمائية في مجمع الـ(Up Town)، الذي جرى افتتاحه أخيرا في مشروع دمر. نذكر أيضا في هذا المجال، مهرجانات سينمائية أخرى أقيمت في طرطوس وحلب خلال العام الحالي، كمهرجان خطوات السينمائي للأفلام القصيرة الذي يقام مرة في العام منذ 3 سنوات، ومهرجان لسينما الشباب في حلب». ويضيف: «على الرغم من كل ما يعصف بسوريا، فإنها لا تزال تقدم أفلاما سينمائية مهمة، حتى إنها شاركت بها في مهرجانات سينمائية عالمية، كمهرجان مالمو السينمائي، في السويد، ومهرجان الأقصر في مصر، ومهرجان الداخلة في المغرب، ومهرجان موسكو، ومهرجان وهران في الجزائر، حيث حصل فيلم (مريم) لمخرجه باسل الخطيب، على الكثير من الجوائز».

* النشر والكتاب
ولعل الكتاب هو الأكثر تأثرا بالأزمة، إذ يعتمد اعتمادا شبه كلي على دور النشر الخاصة. وقد توقفت معارض الكتب، لا سيما معرض دمشق الدولي، للسنة الثالثة على التوالي. وكما يقول صهيب الشريف، مسؤول الإعلام في دار الفكر بدمشق: «لقد تأثرت حركة النشر جدا بالأزمة، لأن معظم المطابع موجود في الريف الدمشقي، أي في المناطق الساخنة، وهناك صعوبة كبيرة ومخاطرة في الوصول إلى أماكنها. أدى هذا بالتالي، إلى ترك معظم العاملين عملهم لعجزهم عن الوصول إليه، أو لوجودهم، أصلا، في المناطق الساخنة. وهذا أدى بدوره إلى نقص شديد في الخبرات الفنية، كما أن العمل لم يعد يجري بالوتيرة السابقة نفسها، مما أدى إلى لجوء معظم دور النشر السورية إلى الطباعة في بيروت، على الرغم من ارتفاع التكاليف هناك عما هي عليه في سوريا، ما انعكس بدوره على سعر الكتاب. أضف إلى ذلك التضخم الاقتصادي الذي أدى إلى ارتفاع سعر الكتاب 4 أضعاف سعره قبل الأزمة، وبالتالي تراجع معدل شراء الكتب، لأن فئة القراء غالبا ما تنتمي إلى الفئات متوسطة الحال والفقيرة».

هجرة التشكيلي
من القطاعات التي تأثرت كثيرا بالأزمة أيضا، قطاع الفن التشكيلي، حيث أغلقت تماما صالات العرض الخاصة مع بداية الأزمة، وتوقف النشاط أيضا على صالة الشعب التي أقامت بعض المعارض الفنية التشكيلية. وبحسب الفنان التشكيلي عدنان حميدة، فقد انتقل نشاط معظم الفنانين التشكيليين إلى بيروت أو دول الخليج، كما أن بيع الأعمال الفنية عاد أخيرا، للتحرك بعد توقف تام لمدة عامين ونصف العام تقريبا. ويضيف حميدة، أن بيع اللوحات يجري، حاليا، عبر الإنترنت، حيث يعرض الفنانون لوحاتهم على صفحة التواصل الاجتماعي «فيسبوك». ونوه بأن معظم الأعمال تباع في الخارج، أما في داخل سوريا، فتسويقها نادر.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».