سراييفو جوهرة البلقان وحاضنة الجوامع والكنائس

من يشرب من مائها لا بد أن يعود إليها

توجد بها مجموعة من الجوامع القديمة إلى جانب كنائس رومانية
توجد بها مجموعة من الجوامع القديمة إلى جانب كنائس رومانية
TT

سراييفو جوهرة البلقان وحاضنة الجوامع والكنائس

توجد بها مجموعة من الجوامع القديمة إلى جانب كنائس رومانية
توجد بها مجموعة من الجوامع القديمة إلى جانب كنائس رومانية

على مدى سنوات، كان الوضع في جمهورية البوسنة والهرسك ملتبساً، وكانت الأخبار التي تأتي من العاصمة «سراييفو» في بداية التسعينات غارقة بمآسي الحرب والحصار. لكن الحال تغير الآن، بعد أن أعادت هذه العاصمة بناء نفسها من جديد، وتحولت إلى واحة مسالمة تستحق الزيارة لمن يريد أن يتعرف على تعدد الثقافات والأديان، ويقف عند جمال الطبيعة الكامن في ثناياها الغافية على نهر «ملجاشا»، وترتمي في أحضان وادي خلاب تحيط به الأشجار من كل جانب وتطوقه جبال الألب. ولا شك أن الزيارة ستكون فرصة للسائح للتعرف على تاريخ المدينة، حيث تلوح من بعيد المساجد القديمة، وعلى رأسها مسجد غازي هوسريفي بك، الذي يعد تحفة معمارية نادرة، وحيث تربض الكنائس الرومانية العتيقة والبنايات ذات الطراز النمساوي الهنغاري. ولعل هذا ما دعا إلى إطلاق لقب «قدس أوروبا» على سراييفو. فإلى جانب أمانها، توجد فيها طيور الحمام في كل ركن وزاوية، ويعمل أهل المدينة في الحرف اليدوية التقليدية بصمت وكبرياء، وكأنهم قد خرجوا من بطون واحدة من الحكايات القديمة؛ لا يطلبون من السائح الشراء، بل يدعونه كي يتمعن في السجاد وفنون النحاس والخشب والفضة والتطريز وصناعة الحلويات التقليدية، ويتركون له حرية الفرجة. أما في المقاهي المنتشرة في كل مكان، فإن الخدمة والنظافة وتنوع المشروبات الساخنة والباردة تغري بـالجلوس والتفرج على هذا العالم المسالم بكل معالمه التي تدعو للاسترخاء والدعة.

حضارات متناغمة وناس يعملون بصمت
تقع العاصمة سراييفو في قلب البلقان، وهي مدينة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 500 ألف نسمة، أكثر من نصفهم من المسلمين. وسط المدينة، يجد السائح لافتة كتب عليها «مجمع سراييفو للثقافات». وإذا اتجه شرقاً، يجد نفسه في سراييفو العثمانية ذات الغالبية المسلمة، التي يعود تاريخها إلى أساس نشوء المدينة في القرن الخامس عشر الميلادي. أما إذا اتجه إلى الغرب، فإن المشهد يتغير تماماً، حيث تبدو أمامه البنايات ذات الطراز المعماري النمساوي المجري التي تطوق المكان كما السوار. وما بين هذين الاتجاهين، تتوزع العاصمة على تاريخين منفصلين، ولكنهما متناغمين، ولا بد أيضاً من زيارة المنطقة المحيطة بمركز العاصمة، والسير في شارع «فرهادجيا»، وزيارة الحي القديم، حيث أماكن التسوق والبازارات والمطاعم والمقاهي ومحلات بيع البوظة والحلويات، والمشي نحو حي «ماريين دفور»، حيث تلوح بناية البرلمان ونزل «هوليداي إن سراييفو».
ويمكن التنقل في المدينة باستخدام الترام رقم 3 الذي يأخذ السائح عبر شرق وغرب المدينة بأوقات منتظمة وأسعار زهيدة، ولا تفوته أيضاً تجربة مياه الينابيع الأنقى في العالم، وهنا يقول الناس: «من يشرب من ماء سراييفو، لا بد أن يعود إليها مرة أخرى»؛ وكثيرون يعودون لها مرة أخرى، ولكن ليس بسبب الماء بالتأكيد.

1- برنامج السائح في سراييفو
جولة في مدينة «باشاريشيا» القديمة
لا يمكن زيارة سراييفو دون التجول في شوارع المشاة الرخامية في حي باشاريشيا التاريخي، فهو يعد نقطة الجذب السياحي الرئيسية للتعرف على مدينة بُنيت في القرن الخامس عشر الميلادي، وأصبحت اليوم بنصف حجمها الحقيقي، بسبب ما واجهته من حروب على مر التاريخ. ويقع هذا الجزء على الضفة الشمالية لنهر ميلجاكا، ويضج بالمتاجر والمطاعم والبازارات والمساجد، ويمكن شرب الماء النقي من النافورة الحجرية، والتمتع بمشاهدة فنون الخشب في ساحة السوق القديمة، إضافة إلى التجول في الشوارع الضيقة التي تقدم أنواع الطعام والحلويات التقليدية التي يصنعها عمال مهرة توارثوا المهنة عن أجدادهم.

2- السير على الجسر القديم Mostar Bridge
يعود تاريخ هذا الجسر إلى عصور قديمة، وكان يعد واحداً من أكبر الأقواس في العالم. أعيد بناؤه في القرن السادس عشر في مدينة موستار على نهر نيريتفا ليربط بين شطري المدينة. وقد تم تدميره في عام 1993 بسبب الحرب، وأعيد ترميمه وافتتاحه في 2004، وهو مدرج حالياً في قائمة اليونيسكو، لما يمثله من بقايا العمارة الإسلامية في منطقة البلقان، وما يحمله من تفاصيل رائعة وضعها المصمم المسلم حير الدين، الذي استغرقه تنفيذها نحو تسع سنوات. ويُعتقد أنه قد بني من ملاط مصنوع من بياض البيض، ويقال إن كلفة بنائه قد وصلت إلى ثلاثمائة ألف درهم من الفضة.

3- الدخول إلى متحف نفق الأمل (Tunnel of Hope Museum)
عبارة عن نفق يبلغ طوله 800 متر. وقد تم حفره خلال الحصار الذي شهدته العاصمة سراييفو (من 1992 إلى 1996). وقد تمت العملية في سرية تامة بالأيدي، ودون ضجيج، خوفاً من افتضاح أمره، لا سيما أنه يقع تحت مدرج مطار كانت تحتله القوى المعادية في هذه الحرب. وكان هذا النفق بمثابة طوق إنقاذ للناس المحاصرين في المدينة، لأنه يربط سراييفو بجبل إيغمان الذي لا يخضع للحصار. وبذلك، تحول هذا النفق إلى شريان الحياة للناس في ذلك الوقت، يزودهم بالأكل والشرب والأدوية. والآن، تحول هذا النفق إلى متحف يروي الحكاية عن طريق لقطات فيديو ومعارض ومقاطع صوتية. ويمكن للزائر التجول داخله، والتعرف على الطريقة التي نجا بها الناس من المجاعة والموت، ويمكن أيضاً الدخول إلى المتحف، حيث تستغرق هذه الرحلة بضع ساعات بواسطة سيارة خاصة تتسع لثمانية أشخاص، وبأسعار معقولة.

4- زيارة الآثار في هاسليهان
هي بقايا آثار قديمة في وسط المدينة، تعود إلى جزء من نزل للمسافرين تم بناؤه في عام 1543، ويضم غرفاً تستوعب نحو 90 نزيلاً من التجار مع بضائعهم، لأنه مزود بقاعات لشحن وتفريغ هذه البضائع، مع إسطبلات تتسع لسبعين حصاناً. وهنالك فكرة لإعادة بناء نسخة طبق الأصل من هذا النزل، وتحويله إلى فندق مستقبلاً. ويحيط بهذا النزل بازار صغير مسقوف بالخشب يعود تاريخه إلى القرن السادس عشر، تتوزع فيه دكاكين صغيرة تبيع القطع اليدوية المصنوعة بحرفية ومهارة، وبعض الأزياء الرجالية والنسائية التي تحمل توقيع مصممين محليين شباب، إضافة إلى المجوهرات المصنوعة يدوياً. وكانت النجمة بيونسيه قد اشترت إحدى هذه القطع في أثناء زياراتها للمدينة، وظهرت بها في أغنية «Spirit».

5- مدينة كونيتش
هي واحدة من جواهر البوسنة والهرسك وأقدم مدنها، وتقع في جنوب غربي العاصمة سراييفو. وتتميز بطبيعتها المدهشة، وجسرها الحجري القديم الذي يربط ضفتي نهر نيريتفا ومتاحف فنون الخشب المدرجة في قائمة اليونيسكو. ويوفر نهر المدينة فرصاً للسائح لممارسة رياضة التجديف في المياه البيضاء، ورياضة المشي لمسافات طويلة، وصيد سمك السلمون المرقط، والرياضة المائية في بحيرتين قريبتين. وتوجد خارج المدينة بعض المتاحف والمعارض التي تقدم لمحات عن التاريخ السياسي القديم لجمهورية البوسنة والهرسك منذ عهد الرئيس تيتو.
ويمكن زيارة المدينة باستخدام القطار المنطلق من سراييفو، وبتذكرة ذهاب وإياب لا تتعدى 6 جنيهات إسترلينية، وغالباً ما يكون الشارع الرئيسي في المدينة مغلقاً أمام حركة المرور، عندما يزدحم بالسياح أو السكان المحليين الذين يبيعون سلعهم في السوق على طول النهر.

6-تذوق الطعام البوسني وشرب الشيشة
سراييفو من أهم العواصم العالمية التي يجد فيها السائح ما يناسبه من الطعام بسبب التنوع في الطعام الشرقي والأوروبي. وسواء اتجه السائح إلى المطاعم الراقية أو الشعبية، فإن مستوى النظافة هو نفسه، وكذلك الحال مع الحرص على استخدام أفضل أنواع اللحوم والخضراوات الطازجة. ويمكن تجربة طبق بوسني نموذجي، مثل «apevapi» أو«ćevapčići»، وهو سجق من اللحم المفروم المشوي المتبل، يقدم مع الخبز الحار، أو طبق لحم الرافيولي بالكريمة الحامضة والثوم، أو طبق ساراجفسكي ساهان، المصنوع من الفلفل والبصل المحشو مع مكعبات طرية من لحم العجل. وأخيراً، يمكن التحلية بطبق «تفاهيجا»، وهو عبارة عن تفاحة مخبوزة محشوة بالجوز المفروم، ومغطاة بالكريمة وصلصة الشوكولاته. وتوجد كثير من المطاعم قرب مسرح سراييفو الوطني، تقدم الأكلات البوسنية الشعبية، مع الشاي والقهوة وعصير العنب الطازج، كما أنهم يفخرون بصناعة أفضل أنواع البقلاوة المحشية بالمكسرات أو القشطة والمربى والفواكه المجففة، مع نوع من الحلوى الشعبية التي يسمونها «هلفة». ويمكن أيضاً شرب الشيشة، ولعب طاولة الزهر، وتناول الشاي والقهوة المنكهة بحبات الهال، في كثير من المقاهي الشعبية المنتشرة في الشوارع والأزقة الضيقة.

7- القيام بجولات سياحية مع دليل
وتتوفر الفرصة للقيام بجولات سيراً على الأقدام مع دليل. وتنطلق هذه الرحلات من مركز سراييفو، وتأخذ السائح إلى أغلب مناطق المدينة، بشقيها الإسلامي والأوروبي، مع تناول الفطائر والمشروبات الساخنة والباردة، ثم تعود به إلى نقطة الانطلاق نفسها.
التكلفة: 28 جنيهاً إسترلينياً.
- يمكن تناول وجبة العشاء مع عائلة بوسنية، وتذوق الطعام المنزلي التقليدي والحلويات الشعبية والقهوة، مع فرصة للتحاور مع أفراد العائلة، وتوفر سيارة مريحة تأخذ السائح من مكان إقامته وتعود به أيضاً.
التكلفة: 26 جنيهاً إسترلينياً.



السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.