«داعش» يقترب من احتلال الأنبار والسيطرة على سد حديثة

إذا نجحت عملياته سيصبح بإمكانه تهديد أهداف مهمة في بغداد

شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)
شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)
TT

«داعش» يقترب من احتلال الأنبار والسيطرة على سد حديثة

شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)
شاب عراقي يتفحص عربة مدرعة تركها الجيش العراقي في هيت قرب الأنبار «داعش» (رويترز)

يقف مسلحو «داعش» على وشك السيطرة على محافظة محورية غرب العراق، مما سيشكل نصرا كبيرا للتنظيم الإرهابي وانتكاسة مثيرة وحرجة للتحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة ضد الجماعة.
ومن شأن فوز «داعش» بالسيطرة على الأنبار منح مسلحيه السيطرة على أحد أهم السدود بالعراق، بجانب الكثير من المنشآت الضخمة التابعة للجيش، الأمر الذي قد يزيد من مخزونات السلاح الوفيرة بالفعل لدى الجماعة. ومن شأن ذلك أيضا السماح للجماعة بإقامة خط إمدادات من سوريا إلى قرب بغداد، ومنحها موقع متميز يمكنها من شن هجمات ضد العاصمة العراقية.
الملاحظ أن هجوم «داعش» على الأنبار حظي باهتمام أقل عن هجومها ضد مدينة كوباني السورية الحدودية، التي تواردت الصور منها على أيدي المصورين الصحافيين المرابطين فوق تلال بتركيا المجاورة. إلا أن الأسابيع الأخيرة، شهدت غزو مقاتلي «داعش» بصورة ممنهجة لمدن وقرى الأنبار، وحصارهم لمناطق تمركز للجيش ومراكز الشرطة، إضافة لشنهم هجمات ضد قوات عراقية في الرمادي، عاصمة المحافظة.
يذكر أن «داعش» تمكن بالفعل من ضمان معقل له داخل محافظة الأنبار في يناير (كانون الثاني)، عندما سيطر على مدينة الفلوجة وأجزاء من الرمادي، واستمر في تقدمه داخل المحافظة في يونيو (حزيران) . ومع ذلك، أبقت الحكومة العراقية سيطرتها على جيوب صغيرة داخل المحافظة ذات الغالبية السنية.
من جهتها، منيت القوات العراقية بانتكاسات عدة خلال الهجوم الأخير الذي شنه «داعش»، بما في ذلك خسارة قاعدتين تابعتين للجيش. من جهة أخرى، هاجمت الطائرات الحربية والمروحية الهجومية الأميركية أهدافا لـ«داعش» ووفرت الدعم للقوات العراقية التي تقاتل في الأنبار. وساعدت الضربات الجوية الأميركية الشهر الماضي في صد هجوم على سد «حديثة»، وذلك في إطار مساعي المسلحين للسيطرة على إمدادات المياه العراقية. ومع ذلك، أخفقت الضربات بوجه عام في وقف تقدم المسلحين.
من ناحيته، علق الخبير الأمني العراقي، سعيد الجيشي، بقوله: «إذا سيطر (داعش) على الأنبار، سيصبح بإمكانه تهديد أهداف مهمة ببغداد. وإذا خسرت الحكومة سيطرتها على سد حديثة، سيتعين على قوات الأمن الانسحاب، سيسيل حمام دماء».
تجدر الإشارة إلى أن محافظة الأنبار - كبرى محافظات العراق - شكلت محور موجة التمرد السني ضد القوات الأميركية التي اندلعت بعد الغزو عامي 2003. وفي عام2006 قرر الكثير من القبائل السنية بالأنبار تأييد الحكومة المدعومة من واشنطن في مواجهة الجماعة التابعة لتنظيم القاعدة بالعراق، في خضم ما عرف لاحقا بـ«الصحوات السنية». وقد سحقت حركة التمرد تلك.
بيد أن السياسات الطائفية لرئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، الشيعي، أثارت سخط القبائل السنية، وعملت «داعش» التي تأسست كذراع لـ«القاعدة» داخل العراق، على تأجيج هذه الغضب السني. في الوقت ذاته، تمكن عناصر «داعش» من تحسين قدراتهم العسكرية عبر المشاركة في الحرب الأهلية بسوريا. وبالفعل، نجحوا في السيطرة على أجزاء واسعة من سوريا والعراق. وتشير بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية إلى أنه منذ بداية الحملة الأميركية ضد «داعش» في أغسطس (آب)، هاجمت الطائرات الأميركية أكثر من 40 هدفا داخل الأنبار.
من جهتها، أعربت إدارة أوباما عن أملها في أن تتمكن القوى العربية السنية بالمنطقة، بقيادة السعودية، من إقناع قبائل الأنبار بالانقلاب ضد «داعش» والانضمام للقوات الحكومية العراقية أو المشاركة في حرس وطني قوامه عناصر محلية.
إلا أنه رغم رحيل المالكي في وقت مبكر من الشهر الماضي، لم تظهر مؤشرات توحي بأن النفوذ العربي، مع افتراض وجود جهود لممارسته، ترك تأثيرا يذكر. وأعرب أبناء قبائل سنية عن تخوفهم من الميليشيات الشيعية المشاركة في القتال الذي يخوضه العراق ضد «داعش».
وخلال محادثات جرت هذا الأسبوع بينهم وبين الجنرال الأميركي المتقاعد جون آلن، منسق الإدارة الأميركية لشؤون التحالف الدولي ضد «داعش»، ذكرت قيادات قبلية أنه «لن نقف في مواجهة (داعش)، بينما توجد ميليشيات شيعية داخل مناطق سنية»، حسبما أفاد الزعيم القبلي سميل المحمدي في تصريحات صحافية. المعروف أن الأنبار، التي تضم مساحات صحراوية واسعة تقطعها طرق للشاحنات تؤدي للأردن والسعودية وسوريا، تحمل أهمية استراتيجية ورمزية بالنسبة لـ«داعش»، وفي حال سيطرة الجماعة على المحافظة، سيصبح بمقدورها نقل أسلحة ومقاتلين من المناطق التي تسيطر عليها في سوريا حتى الضواحي الغربية لبغداد، وحاليا، يقطع خط الإمداد هذا منطقتي حديثة والرمادي الخاضعتين للسيطرة الحكومية. أيضا، من نتائج السيطرة على الأنبار مساعدة الجماعة على تمديد حدودهم الفعلية لأطراف العاصمة العراقية.
من جانبه، قال أحمد صدق الدليمي، رئيس شرطة الأنبار: «ستتحول المنطقة لقاعدة لتحركاتهم، وسيمر وقت طويل قبل أن نتمكن من إعادة السيطرة عليها»، كما أن السيطرة على الأنبار تشكل نصرا معنويا لـ«داعش». في هذا الصدد، أوضحت جيسيكا لويس، مديرة الأبحاث بمعهد دراسة الحرب في واشنطن، أن «الأنبار تمثل مهد الجماعة الأم لـ(داعش)، وهي القاعدة في العراق. لذا فإن السيطرة على مدن الأنبار يحمل أهمية كبيرة لهم (داعش)».
وذكر مسؤولون أمنيون بالأنبار، أن «داعش» عمل على تعزيز قوته القتالية داخل المحافظة. يذكر أن مسلحي «داعش» قاتلوا بضراوة خلال الأيام القليلة الماضية للسيطرة على مدينة هيت بمحافظة الأنبار الواقعة على نهر الفرات، وكذلك بلدة كبيسة القريبة. وتقع البلدتان قرب قاعدة عين الأسد العسكرية، وهي واحدة من أكبر القواعد العسكرية بالعراق، حيث تمد تعزيزات للقوات المعنية بالدفاع عن سد حديثة الواقع شمال غربي القاعدة مباشرة. وتبعا لتقرير صدر حديثا عن معهد دراسة الحرب، فإن «داعش» شن حملة متطورة في الأنبار خلال الأسابيع الأربعة الماضية، مما مكنه من السيطرة على غالبية الأراضي الممتدة من الحدود السورية حتى أبو غريب في الضواحي الغربية من بغداد.
وعمد المسلحون لقطع خطوط إمدادات الجيش العراقي والاتصالات بين القوات، وتعزيز مكاسبهم التي لن يكون من السهل القضاء عليها عبر حملة جوية، حسبما أفاد التقرير. وقد يكون مصدر القلق الأكبر تقدم «داعش» نحو الرمادي، الواقعة على بعد 80 ميلا من بغداد.
وأفادت وسائل إعلام عراقية، الاثنين، بأن قوات الأمن انسحبت من وسط الرمادي، وهذا ادعاء نفاه الدليمي، مدير شرطة الرمادي، لاحقا. ومع ذلك، أدت الهجمات التي جرى شنها طيلة الأسبوع الماضي إلى سيطرة المسلحين على أحياء جديدة بالمدينة.
من جهتهم، حذر مسؤولون محليون من قرب انهيار الحكومة المركزية في الرمادي. وقال أحمد أبو ريشة، أحد الشيوخ القبليين البارزين والذي يقود مجموعة من المقاتلين الموالين للحكومة بالمنطقة: «تخضع جميع المناطق حول الرمادي لسيطرة (داعش)». وأضاف أن قواته، ذات التسليح الخفيف، لم تتلق دعما جويا خلال قتالها ضد «داعش».
وحذر أبو ريشة من أنه «إذا سقطت الرمادي، فسوف تسقط الأنبار كلها، الرمادي هي الرأس، فإذا قطعت الرأس مات باقي الجسد».
ومن بين أكبر الخسائر التي منيت بها قوات الأمن العراقية كان فقدان قاعدة عسكرية بالصقلاوية. كان مقاتلو «داعش» قد طوقوا القاعدة الواقعة إلى الغرب من الفالوجة الشهر الماضي، وفر بعض الجنود من القاعدة، بينما يعتقد أن المسلحين ذبحوا آخرين كثيرين، تبعا لما أفاده ناجون. وأضافوا أن ما بين 300 و500 جندي مفقودين. بعد ذلك، سيطر المسلحون على قاعدة عسكرية في البوعيثة، الواقعة على بعد 50 ميلا من بغداد.
وقال أحد الجنود الناجين من مذبحة الصقلوية (38 عاما): «توسلنا لأيام من أجل توجيه ضربات جوية ضدهم، لكن شيئا لم يحدث». واكتفى الجندي بالإشارة لنفسه باسم أبو علي، خوفا من الانتقام منه. وأضاف أنه لم يعد لديه شعور الآن بأن هناك ما يستحق القتال من أجله داخل الأنبار. وقال: «القيادة لا تأبه بنا، والناس هناك لا يأبهون لنا. إنهم يطلقون علينا لقب كلاب الشيعة، فكيف أقاتل من أجل أي من هؤلاء بعد الآن؟». من جانبه، أكد الخبير الأمني العراقي، سعيد الجيشي، أن سكان الأنبار عليهم دعم القوات العراقية و«إلا سنخسر غرب العراق بأكمله».
* خدمة «واشنطن بوست» خاص بـ«الشرق الأوسط»



«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».