معزوفة تشكيلية استيعادية لأحمد فؤاد سليم في القاهرة

معرضه يضم 80 لوحة تعكس مراحله الفنية ما بين التجريد والتشخيص

أحمد فؤاد سليم قدم التجريد بفلسفة تحديث التراث
أحمد فؤاد سليم قدم التجريد بفلسفة تحديث التراث
TT

معزوفة تشكيلية استيعادية لأحمد فؤاد سليم في القاهرة

أحمد فؤاد سليم قدم التجريد بفلسفة تحديث التراث
أحمد فؤاد سليم قدم التجريد بفلسفة تحديث التراث

أعمال ولوحات يزيد وهجها عاماً بعد عام، هي إرث حي يتجدد، تركه الفنان التشكيلي الراحل أحمد فؤاد سليم، أحد رموز الفن التشكيلي المعاصر، يحتضنها مجمع الفنون بالزمالك في معرض استيعادي له، بمناسبة ذكرى مرور 10 سنوات على رحيله.
افتتحت المعرض وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة إيناس عبد الدايم، والدكتور خالد سرور، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، والفنان إيهاب اللبان، مدير مجمع الفنون بالزمالك، بحضور نقيب التشكيليين المصريين حمدي أبو المعاطي والفنان فاروق حسني، وزير ثقافة مصر الأسبق، والفنان طه قرني، وغيرهم.
وقالت وزيرة الثقافة المصرية لـ«الشرق الأوسط»: «تكمن أهمية المعرض في إحياء ذاكرة الفن التشكيلي، وإثراء للساحة التشكيلية التي لطالما كان أحد الداعمين لها وللشباب». وأضافت: «نحتفي اليوم بلوحاته التي تحتفظ بالكثير من الصدق والتماهي مع الموسيقى؛ ما يؤثر فينا كفنانين وكمتلقين».
في حين تقول السوبرانو أميرة سليم لـ«الشرق الأوسط»: «هو تكريم رمزي مهم لوالدي ولفنه ودوره في دعم شباب الفنانين، فقد كان عاشقاً للموسيقى حتى أنه كان يتمنى أن يتقن العزف على الكمان منذ طفولته، لكنه لم يكن يملك مالاً لشرائها؛ لذا ظلت الموسيقى رفيقة له في رحلته الفنية. وكان حريصاً على أن تكون الموسيقى في الخلفية ويستوحي منها الإلهام سواء من موسيقى شرقية تراثية أو طربية لأم كلثوم وعبد الوهاب، إلى جانب المقطوعات الكلاسيكية العالمية، بل كان حريصاً على أن تكون الموسيقى (العزف الحي) مصاحبة لافتتاح المعارض الفنية في قاعات العرض».
وأعربت عن سعادتها بمشاركة بعض المقتنين للوحاته لتنضم إلى المجموعة الكبيرة التي تقتنيها أسرته: «نحن نحتفظ بالكثير من أعماله؛ لأنها تعبر عن مراحل حياته ومرتبطة لدينا بذكريات كثيرة... أتصور أنه غادر عالمنا مبكراً، كان لديه الكثير من المخزون الفني والإبداعي ليقدمه».
وعن رغبه الأسرة في تأسيس متحف له يخلد ذكراه، أكدت: «لم يكن يحب أي شيء ثابت؛ لذا نفكر في إقامة معارض متنقلة عدة يراها أكبر عدد من الشباب، وحرصنا على أن نبث في هذا المعرض فيلماً تسجيلياً صغيراً عنه ليتعرفوا عليه وعلى فكره وأسلوبه في الحوار».
وحول قيمة المعرض، يقول الدكتور سرور: «المعرض يجسد تطور مراحل فنية في حياة الفنان الذي كان عاشقاً للتجريب؛ لذا سنشاهد عبر 80 لوحة تطور الرسوم والميديا و(الميكس ميديا) وهو الذي يعكس شخصيته الفنية. الفنان أحمد فؤاد سليم خلق نهضة فنية لا تزال ثمارها موجودة بيننا، فضلاً عن دوره كناقد من طراز رفيع. هذا المعرض مجرد تعبير عن امتنان لما قدمه للفن المصري وما قدمه لأجيال من الشباب».
بينما يؤكد الفنان إيهاب اللبان، مدير مجمع الفنون بالزمالك: «يأتي المعرض تقديراً لدور فنان وناقد ورائد كبير ولإلقاء مزيد من الضوء على تجربته ومسيرته المهمة التي تحرر فيها من القواعد الأكاديمية للفن، وحفر لنفسه مكانة مستقلة بين أبناء جيله والأجيال التالية بعده».
وتتميز أعمال الفنان أحمد فؤاد سليم بحس تجريدي عالٍ، لكنه معجون بالتراث العربي والمصري، فضلاً عن مرحلة الخط العربي في الثمانينات، وصولاً إلى آخر اللوحات (عمل غير مكتمل) يتوسط إحدى قاعات مجمع الفنون، وهو تصوير أكريلليك على ورق رسمها عام 2009 يمثل طبقات لونية متعددة بداخلها تكوينات تتركز في أسفل مسطح اللوحة في حين يتنزل عليها اللون الأحمر القاني، والتي تعبر عن اختلاجات الفنان في تلك المرحلة.
تجعلك لوحات أحمد فؤاد سليم مندهشاً أمام ترويضه الخطوط في المساحات وتراكيبه اللونية التي تستمد طاقتها من الإبداع الموسيقي إلى جانب الرموز والدلالات التي تحملها ضربات فرشاته، وبراعته في الموازنة بين التراكيب وكيف يخلق من الفراغ عوالم لونية مذهلة تثير الشجون والتأمل لدى المتلقي. في عدد كبير من اللوحات سنجد اهتماماً كبيراً بالطاقات الكونية، مثل تجسيده للحظات شروق الشمس وغروبها ببعد تجريدي.
وفي مجموعة الموسيقى التي تارة يجسد فيها سليم رموزاً موسيقية صريحة كالبيانو وزوجته أثناء العزف وابنته أثناء غناء السوبرانو، وتارة تجده يرسم موسيقى تنبعث من رحم اللون وتناغماته مشكلة قوالب لحنية؛ فالموسيقى معزوفة تشكيلية في لوحات أحمد فؤاد سليم؛ إذ تجد الفرشاة تتهادى على سلم لحني غير مرئي باللوحة تتماوج معه شفرات اللون وصولاً إلى أعين المتلقي.
وفي لوحات أخرى سنجد استخدامه للموتيفات والزخارف في تجسيد معنى أو قضية تشغله ومنها لوحة «طيور مهاجرة» التي اختزل فيها أسراب الطيور بتكنيك تجريدي وكأنها تريد أن تتحرر من إطار اللوحة لفضاء أرحب.
أما تصويره للجسد سنجد فلسفته في التعامل معه تكمن في اختزال التفاصيل واختزال ما هو مادي بالضرورة في مقابل إعلاء ما هو حسي وروحاني فيتماهى الجسد مع تكوينات لونية تتمحور طاقتها حول الحلم والأمل. ونجد أحياناً أخرى رسماً يبرز تفاصيل الوجه بقوة كمرآة ثلاثية الأبعاد للروح والمشاعر، وهو ما نلمسه في لوحات البورتريه التي رسمها لنفسه أو التي رسمها لزوجته وابنته.
ويضيء المعرض أيضاً على تجارب فؤاد سليم في الحفر ويلفت حداثته وسبقه لعصره في تقديم تكنيك الأبعاد الثلاثية في اللوحات عبر الخطوط والأشكال واللعب بالضوء. ويستمر المعرض حتى 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
والفنان أحمد فؤاد سليم، المولود في محافظة دمياط عام 1936، درس الحقوق بجامعة القاهرة ثم تخلى عن دراسة القانون ليشبع عشقه للفن التشكيلي بمعهد ليوناردو دافنشي بالقاهرة، ثم شغل مناصب عدة، حيث عمل مستشاراً فنياً بالمركز الثقافي التشيكوسلوفاكي 9 أعوام، ثم تولى إدارة مجمع الفنون نحو ثلاثين عاماً حتى تولى إدارة متحف الفن المصري الحديث من عام 2005 وحتى وفاته.
ويعد سجله حافلاً بالإنجازات الفنية والجوائز، أبرزها وسام بدرجة فارس الفنون والآداب من الحكومة الفرنسية 1986، ميدالية الفن من ملكة الدنمارك 1986، الجائزة الكبرى لبينالي القاهرة الدولي الثالث 1988.



بعد صداقة طويلة... هنديتان تكتشفان أنهما شقيقتان

مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
TT

بعد صداقة طويلة... هنديتان تكتشفان أنهما شقيقتان

مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)
مينا جيلتينك - يسار- ومينال تيسن (رويترز)

اكتشفت امرأتان هنديتان في الأربعينيات من عمرهما أنهما شقيقتان بيولوجيتان، بعدما تبنتهما عائلتان مختلفتان ونشأتا بالقرب من بعضهما في هولندا.

وُلدت مينا جيلتينك ومينال تيسن في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وتبنت كلاً منهما عائلةٌ مختلفة من دار أيتام في مدينة مومباي غربي الهند، بعد أشهر قليلة من ولادتهما. وتم تبني «مينا» و«مينال» من داري أيتام مختلفتين على يد زوجين هولنديين مختلفين.

والتقت المرأتان للمرة الأولى في بداية مراهقتهما خلال فعالية نظمتها وكالة التبني التي تعامل معها والداهما، ولاحظتا حينها التشابه الكبير بينهما في المظهر والتصرفات.

وتتذكر مينا، البالغة من العمر الآن 43 عاماً، ذلك اليوم بوضوح، وتقول لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «تم جمع جميع الأطفال المتبنين معاً للتعارف والتواصل وتناول العشاء»،

كانت كل من مينا ومينال برفقة أصدقاء لاحظوا مدى تشابههما، وتقول مينا: «قالوا لي: انظري إلى نفسكِ في المرآة».

اهتمامات مشتركة

وقالت مينا لـ«بي بي سي»، وهي تتحدث من منزلها في هولندا: «خلال العشاء، ظللت أنظر إليها طوال الوقت». وفي اليوم التالي، تبادلت الفتاتان أرقام الهواتف والعناوين، ووعدتا بالبقاء على تواصل.

ورغم عدم وجود أي مؤشر على وجود صلة قرابة دموية بينهما، فإن الرابط بينهما نشأ فوراً؛ ولسنوات، تبادلتا الرسائل وكثيراً ما خاطبت كل منهما الأخرى بكلمة «أختي» لأنهما «شعرتا بذلك فعلاً».

كتبتا عن المدرسة والأصدقاء والفتيان والخروج والرقص. وتحدثتا عن الرياضات التي تمارسانها وناقشتا الموسيقى، لتكتشفا حبهما المشترك لفرقة «باك ستريت بويز» (Backstreet Boys)، ثم انقطع التواصل بينهما قبل 15 عاماً؛ فقد انتقلت مينال إلى فرنسا، بينما كانت مينا قد أنجبت طفلها الأول وانشغلت بمسؤولياتها.

رسالة بـ«فيسبوك» أول الخيط

في عام 2017، حضرت «مينا» اجتماعاً آخر للمُتبنَّين من الهند، حيث سمعت عن اختبارات الحمض النووي وقررت إجراء الاختبار بنفسها. لكنها لم تعثر على أي تطابق، وفي وقت سابق من هذا العام، حذفت التطبيق لأن مساحة التخزين في هاتفها كانت ممتلئة. ثم في 20 مايو (أيار)، تلقت «مينا» رسالة من «مينال» عبر «فيسبوك». سألتها: «هل تذكرينني؟».

وكانت «مينال» قد أجرت اختبار الحمض النووي في شهر أبريل (نيسان) أثناء زيارتها لوالديها في هولندا، وأرفقت لقطة شاشة لنتيجة الاختبار. وتقول «مينا»: «أعدتُ تثبيت التطبيق. كنت متوترة للغاية لدرجة أنني أدخلت كلمات مرور خاطئة عشر مرات قبل أن أتمكن من تسجيل الدخول». وكانت النتيجة واضحة تماماً؛ فقد تبين أن المرأتين تشكلان «تطابقاً بنسبة 100 في المائة».

توضح «مينا»: «كانت لدي أخت شقيقة، مما يعني أننا نتشارك الأم والأب البيولوجيين نفسيهما. كان الأمر أشبه بتلقي جرعة من الأدرينالين. بكيتُ؛ فقد كانت مينال هي القطعة المفقودة من الأحجية التي طالما انتظرتها. لقد نادينا بعضنا البعض بلقب أخت»، و«كان تطابق الحمض النووي هذا بمثابة تأكيد على صحة كل ما شعرنا به حدسياً».

وفي شهر أغسطس (آب)، التقت الصديقتان القديمتان للمرة الأولى منذ اكتشافهما أنهما شقيقتان، وتقول مينا، التي أصبحت الآن أماً لثلاثة أطفال: «كان الأمر مذهلاً. شعرت وكأنني عدتُ إلى المنزل. لسنوات، عانيتُ أنا ومينال من فراغ كبير في قلبينا. نشعر الآن بأننا أصبحنا مكتملتين، وأن كل شيء يسير كما ينبغي أن يكون».

لقاء عاطفي و«سيلفي»

وفي تقريرها عن «اللقاء العاطفي» الذي جمعهما، ذكرت وكالة «رويترز» للأنباء أن «الدموع والعناق والضحكات تخللت اللقاء... الذي تلاه التقاط أول صورة (سيلفي) لهما معاً».

وصرحت مينال (44 عاماً) -التي تقيم في فرنسا مع شريك حياتها وابنيها- للوكالة بأنها لم تدرك في البداية، حين ظهرت نتائج فحص الحمض النووي في شهر أبريل، أن الشخص الذي تطابقت معه هو الفتاة المراهقة ذاتها التي كانت قد تعلقت بها بشدة عند لقائهما الأول قبل 30 عاماً.

ولم تستوعب مينال الأمر تماماً إلا عندما شاهدت صور تلك الفتاة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ قالت: «(مينا: الأخت). لم أستطع تصديق ذلك. لقد كنا صديقتين قبل أن نكون أختين». وأضافت: «كنا أختين طوال ذلك الوقت، لكننا لم نكن نعلم».


سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
TT

سبازونو يرسم بالغرافيتي ذاكرةً لبيروت لا تنتهي عند ندوبها

شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)
شيء من البرّية استقرّ بين شرفات الجعيتاوي (سبازونو)

هناك لون جديد يصعد على واجهة مبنى قديم في منطقة الجعيتاوي البيروتية. وسط الأسمنت الذي راكم آثار الزمن، يستقرّ طائر ضخم بريش أزرق وأخضر وأحمر، تُحيط به أزهار كثيفة، وتنسكب فوقه درجات البرتقالي والزهري. لا تنفصل جدارية «حَمَلة الشمس» للفنان اللبناني سبازونو عن المبنى الذي يحملها. فالعلاقة بينهما جزء من العمل، خصوصاً بعدما عرف الفنان، إثر إنجازه الجدارية، بعضاً ممّا خبّأته هذه الجدران.

قبل أسابيع، كان سبازونو يرسم غياباً من نوع آخر. جدارية «المفقودين» في منطقة الحمرا، المُنجَزة ضمن مشروع بالتعاون مع «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، أعادت قضية المفقودين والمغيَّبين قسراً إلى الفضاء العام. اعتمد فيها صورة مشوَّشة تتفكّك فيها الملامح إلى مربّعات، فتبدو الوجوه عالقةً بين الظهور والاختفاء. كلّما اقترب العابر، تفتَّتت الصورة أمامه، وكلّما ابتعد استعادت شيئاً من اكتمالها.

وجوه ترفض أن يكتمل غيابها (سبازونو)

يقول سبازونو لـ«الشرق الأوسط» إنّ العمل في الشارع يضعه أمام «مسؤولية تَرْك أثر كبير في المكان»؛ لذلك يُحاول أن يجعل الجدارية متصلة بما نعيشه، من دون أن يتخلَّى عن الجمال الذي «نحتاج إليه بشدّة في مدينتنا». يُريد للغرافيتي أن يتجاوز وظيفة تجميل الواجهة. فالجدار يدخل حياة أشخاص لم يقرّروا زيارة معرض، ويضع العمل في طريقهم اليومي، وسط زحمتهم وانشغالهم وشاشات هواتفهم.

جناحان يبدّلان مزاج واجهة أنهكها الزمن (سبازونو)

في الجعيتاوي، اختار «طائر الشمس الفلسطيني»، المعروف أيضاً بالتمير الفلسطيني، ليبني حوله عملاً عن الانتماء والاختلاف. طائر من طيور المنطقة، بريشه الذي يتبدَّل إدراكُ ألوانه تبعاً للضوء وزاوية النظر، فتح أمام سبازونو باباً لفكرة أخرى. يقول إنّ «مصدر النور واحد»، بينما تختلف الصورة باختلاف موقع الناظر إليها. ومن هذه الخاصيّة الطبيعية، خرجت قراءة تمسُّ بلاد الشام وشعوبها، وما يجمع بينها تحت الانقسامات التي راكمتها السياسة والتاريخ.

عند هذه الفكرة، تلتقي الجدارية بما يحدث في الجنوب اللبناني. أراد الفنان أن ينقل ما تعيشه هذه الأرض المُشتعلة إلى جدار في بيروت بصورة تستوقف المارّة، وتمنحهم في الوقت نفسه شيئاً جميلاً يتأمّلونه. وفي الجدارية أيضاً أثر للتهجير. فمَن يُغادر أرضه لا يتركها كلّها وراءه. يأخذ منها ما يبقى فيه أينما ذهب. ويعرف سبازونو حدود ما يستطيع الفنّ فعله، فالجدارية لن تُغيّر واقعاً سياسياً أو تُعيد أرضاً، لكنها قد توقظ انتباهاً لدى أحدهم أو تدفعه إلى التوقُّف أمام ما اعتاد المرور بقربه.

الواجهة ما عادت تُقرأ طابقاً طابقاً... صارت تُرى دفعةً واحدة (سبازونو)

للجدار عنده حياة تسبق وصوله إليه. يحمل الفنان تاريخ المكان وآثار مَن عاشوا حوله، ومن هذه العلاقة يبدأ العمل ويتشكَّل. سبازونو يدخل إليه محاولاً العثور على الصلة التي تجعل العمل ينتمي إلى موقعه. لهذا يتجنّب أن يفرض فكرته على أيّ جدار فقط، لأنّ مساحته تسمح بها.

فقد تقوده الجدارية إلى ذاكرة الحيّ أو ناسه أو لحظة يعيشها، وقد تولد من إحساس شخصي يلتقي بالمكان. واللافت أنّ «حَمَلة الشمس» اكتسبت بعد اكتمالها طبقةً لم يُخطّط لها صاحبها. نزلت إحدى ساكنات المبنى وأخبرته أنّ البناء تلقّى خلال الحرب نحو 10 قذائف «آر بي جي» أصابت سطحه، وسيارة مُحمَّلة بالبنزين اشتعلت أمامه بعد إصابتها بقذيفة خلال إحدى أزمات الوقود. فجأةً، صار الطائر الملوَّن مُعلَّقاً فوق تاريخ من النار.

أصبحت الجدارية بذلك جزءاً آخر من سيرة المبنى. فالعمل المُضيء لم يَمحُ ما حدث للمكان، وقد أضاف إليه أثراً إضافياً قابلاً للتذكُّر. بالنسبة إلى امرأة عاشت تاريخه، صار المبنى الذي أصابته القذائف هو نفسه المبنى الذي ارتفع عليه طائر تُحيط به الأزهار. يختصر سبازونو ذلك بقوله إنّ الفنّ يستطيع «أن يُضيف إلى ذاكرة المكان ذاكرةً جديدة».

كلّ طابق يمنح الطائر جزءاً من جسده (سبازونو)

أما الغرافيتي، فيراه فناً لا تزال روح التمرّد جزءاً من تكوينه، وإن تبدَّلت أدواتها. وللجدار اللبناني خصوصيته. خلال الحرب، حمل شعارات الميليشيات وعلاماتها التي رسمت حدود النفوذ، وفي السنوات اللاحقة أخذ الغرافيتي يكتب عليه فصلاً مختلفاً. دخول التمويل والتصاريح والمشروعات المؤسّسية لا يعني في نظر سبازونو إفراغه من قدرته على المُشاغبة. فقد يستخدم الفنان أدوات المؤسَّسة لتمرير طبقات لم تكن في حساباتها.

التمرُّد الذي يعرف طريقه مُسبقاً يفقد شيئاً من مفعوله، وسبازونو يبحث دائماً عن منفذ آخر. هذه المرّة وجده في طائر يحمل الشمس فوق مبنى نجا من القذائف. تغيَّرت ملامح الجدار، وبقيت ندوبه تحته. فالمدينة لا تختار دائماً ما يَعْلَق في ذاكرتها، لكنها تستطيع أن تمنح ما أصابها خاتمةً أخرى.


ليلة سيلين ديون في باريس... عودة مدويّة ومضادّة للألم

حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)
حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)
TT

ليلة سيلين ديون في باريس... عودة مدويّة ومضادّة للألم

حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)
حفل سيلين ديون الأول في باريس ضمن مجموعة حفلات تحييها بعد غياب 6 سنوات (رويترز)

حانت اللحظة التي انتظرتها سيلين ديون 6 سنوات. يوم خطف المرض صوتها وقدرتها على الحركة، ظنّت أنها لن تعيش لتطأ المسرح من جديد وتغنّي أمام الآلاف. لكن ها هي المعجزة تتمّ، وتطلّ الفنانة الكنَديّة على 30 ألف شخصٍ محتشد في ميدان «لا بلينيتود»، القاعة المغلقة الأضخم في أوروبا، في منطقة نانتير في العاصمة الفرنسية باريس.

بدقائق طويلة من التصفيق والهتاف استقبلها الجمهور، أما هي فبلّلت عودتها المدويّة بالدموع. وبين جملةٍ موسيقية وأخرى، باحت بقليلٍ ممّا في قلبها.

استقبل الجمهور سيلين ديون بتصفيق طويل وهي استسلمت لدموعها (أ.ب)

«هذا كان وعداً، وها أنا واقفة على المسرح»، قالتها سيلين ديون وكأنها تتوجّه ليس إلى جمهورها فحسب بل إلى نفسها أوّلاً. وتابعت، هي التي واجهت سنوات من الألم بسبب إصابتها بمتلازمة الشخص المتيبّس: «أنا هنا، في هذه المدينة التي أحب كثيراً، بفَضل دعمكم وحبّكم. شكراً».

في حفلها الذي سار على إيقاع المشاعر المتّقدة، أسرّت ديون للحضور الضخم ببعض ما قاست خلال سنوات المرض: «يجب أن أعترف بأنّ الطريق كان وعراً وأطول من المتوقع، لكنّي تمسّكت».

غنّت سيلين ديون أمام 30 ألف شخص (أ.ب)

سيلين ديون «على قيد الحياة»

بصوتٍ لم يسلم تماماً من آثار المرض ولم ينفَد من الطاقة والصلابة والسحر، استحضرت سيلين ديون مجموعة من أغانيها المحبّبة. افتتحت الحفل بـOn ne change pas (نحن لا نتغيّر)، ثم كرّت سبحة أعمالها الموسيقية الخالدة باللغتين الفرنسية والإنجليزية، على رأسها أيقونة فيلم «تيتانيك» أغنية My Heart Will Go On (سيستمر قلبي في الخفقان).

وهكذا قلبُ سيلين الشجاع الذي صدحَ I’m Alive (أنا على قيد الحياة)، قبل أن تتابع البوح للجمهور: «أنا بحالٍ أفضل. لقد تعلّمت أن أعيش مع هذه الهشاشة. لِفَرط ما جاورتُه، قمتُ بترويضه وقررت أن أجعل منه قوّة حياتي».

بصوت لم يسلم من آثار المرض ولم يفقد طاقته غنّت سيلين ديون (أ.ف.ب)

سيلين ديون تتحدّى حنجرتها

على خلاف ما توقّعَ كثيرون، فإنّ حفل سيلين ديون المنتظر لم يستند إلى الإبهار البصري، بقَدر ما ارتكز إلى ما تختزل الفنانة من سحر. لا عروض ضوئية أو راقصة تُذكَر، ولا ضيوف بارزين على المسرح لمرافقتها غناءً.

لا نجمة سواها تبثّ الطاقة في المكان وتتحايل على صوتها وجسدها من أجل تقديم أفضل ما لديها. ترقص وتركض وتبدّل أزياءها وتقاوم الدمع طيلة مدّة العرض. تتحدّى الحنجرة التي خانتها قبل سنوات، فتطلق العنان لرائعة ماريا كالاس «إيبين ني اندرو لونتانا» بصوتٍ أوبراليّ فاجأ الجمهور.

وبانتظار أن يتجدّد الموعد مساء الأربعاء المقبل، تَعِدُ باريس نفسَها بعائداتٍ اقتصاديّة تُقدَّر بمليار يورو، من المتوقّع أن تُدرَّها إقامة سيلين ديون في المدينة. مع العلم بأنّ الأسعار الرسمية للبطاقات تراوحت ما بين 90 و300 يورو، لكنها تجاوزت الـ1000 يورو في السوق السوداء.

سيلين وباريس... حبّ عمره 44 سنة

بوقوفها تحت سماء باريس، تتوّج سيلين ديون قصة حبٍ عمرها 44 عاماً. كانت الفنانة الكنديّة في الـ 14عندما زارت «مدينة الأضواء» للمرة الأولى. جلست على حافّةٍ وخلفها برج أيفل الأسطوريّ، ابتسمت للكاميرا كأيِ طفلةٍ مزهوّة باللحظة المميّزة. وهي عادت إلى تلك اللقطة من عام 1982 يوم أعلنت عن حفلاتها في باريس، ناشرةً الصورة على صفحاتها.

في تلك الرحلة الباريسية الأولى، سجّلت ديون ألبومها الثالث ومن ضمنه أغنية D’amour ou d’amitié التي عرّفت الجمهور الفرنسي إليها، وسرعان ما تحوّلت إلى نشيد رومانسي عابر للّغات والقارّات.

سيلين ديون أمام برج إيفل في باريس عام 1982 (إنستغرام)

ما هي إلّا أشهُر على إصدار تلك الأغنية التي استحقّت عنها الأسطوانة الذهبيّة، حتى عادت سيلين ديون مطلع 1983 إلى باريس لتؤدّيها ضمن أبرز برنامج تلفزيونيّ وبضيافة أهمّ الإعلاميين الفرنسيين، ميشال دروكير. «تذكّروا اسمَ هذه الشابّة... ستذهب بعيداً»، قالها دروكير بثقة متوقعاً مستقبلاً باهراً للصوت الكنَديّ الصغير عمراً والكبير طاقةً.

وفق دروكير، كانت ديون تحلم بفرنسا كما يحلم الجميع بأميركا. وهي لم تنكر ذلك يوماً، ففي وثائقي تلفزيوني بُثّ عام 2025، قالت إنها لطالما أرادت أن تكون محبوبةً من فرنسا والفرنسيين.

بدايات سيلين ديون على مسارح باريس

إذا كانت أولى إطلالات سيلين ديون أمام الفرنسيين من خلال الشاشة، فإنّ أوّل حفلٍ لها في باريس لم يتأخّر. إلّا أنه لم يكن حفلاً رسمياً، بما أنّ ظهورها عام 1984 في الأولمبيا، اقتصر على فقرةٍ افتتاحيّة لعروض الفنان باتريك سيباستيان. قدّمت حينها 3 أغنيات كل ليلة لفترة 5 أسابيع.

كان عليها أن تنتظر 10 سنوات كي تكرّس نفسها نجمةَ مسرح في عيون الفرنسيين. وقفت على نفس الخشبة عام 1994، بعد أن كانت قد أطلّت في السنة ذاتها ضمن حفلٍ خيريّ، إلى جانب محبوب فرنسا المؤلّف والمغنّي جان جاك غولدمان، أحد أبرز شركاء مسيرتها الموسيقية.

أول حفل لسيلين ديون في الأولمبيا عام 1994 (ويكيبيديا)

جان جاك غولدمان... الراعي الفرنسي لسيلين ديون

اللحظة التي تعرّفت فيها سيلين ديون إلى جان جاك غولدمان كانت مفصليّة في مسيرتها. ليس غولدمان شخصيةً اعتياديّة بالنسبة للفرنسيين، فهو وفق استطلاعات الرأي الإنسان الأحبّ إليهم عبر السنوات. بذلك هو شكّل علامة فارقة في العلاقة بين ديون وفرنسا، وجواز سفر مجّاني لها إلى قلوب الفرنسيين. فبمجرّد ما سمع صوتها، تبنّاه فوراً وتحوّل إلى ما يُشبه الراعي الفرنسي الحصري له.

حتى عندما عادت سيلين ديون من غيابها الطويل بعد المرض في 2026، غولدمان هو الذي ألّف أغنيات العودة رغم كونه شبه معتزل وغائب كلياً عن الساحة الفنية منذ 2004. وليس ذلك سوى دليل على قدر المحبة التي يُكنُّها لزميلته الكنَديّة. مع العلم بأنّ العلاقة بينهما لا تقتصر على مجرّد زمالة أو شراكة فنية، فغولدمان من أقرب الأصدقاء إلى قلب سيلين.

جان جاك غولدمان، الراعي الرسمي للنسخة الفرنسية من سيلين ديون (أ.ف.ب)

عام 1995 سجّلا نجاحهما المشترك الأول من خلال ألبوم D’eux الذي تحوّل إلى الأسطوانة الفرنكوفونية الأكثر مبيعاً في فرنسا عبر التاريخ. أعقبت ذلك مجموعة حفلات في قاعة «زينيث» في باريس أمام آلاف المتفرّجين، نتج عنها ألبوم Live à Paris. وقد تشارك غولدمان المسرح مع ديون في أغنيتَين تحوّلتا إلى إحدى أهمّ محطّات مسيرتها، إلى درجة إقرارها بأنّ غولدمان هو الذي منحها فرصة أن تكون فنانة مرحّباً بها في فرنسا.

منذ ذلك الحين، لم يتوقّف التعاون بينهما فألّف غولدمان عشرات الأغاني لديون كما فاجأ جمهورها بإطلالاتٍ خاطفة له خلال حفلاتها في باريس، لا سيما عام 1999 في ملعب «ستاد دو فرانس". في هذَين الحفلَين الأسطوريين، فتحت باريس ذراعَيها مجدّداً لسيلين التي جمعت حولها 180 ألف متفرّج.

سيلين في باريس من دون رينيه

توالت حفلات سيلين ديون في كبرى مسارح باريس وقاعاتها، وتخلّلها تكريمٌ رسمي لها حيث نالت وسام الشرف من الرئاسة الفرنسية عام 2008. وبعد غيابٍ قسريّ ما بين 2013 و2015، عادت ديون في 2016 إلى العاصمة الفرنسية لكن تلك المرة من دون زوجها ومدير أعمالها رينيه أنجليل.

احتضنت باريس الفنانة بعد خسارتها رفيق دربها، وشهدَ ميدان «بيرسي» على أكثر حفلةٍ مؤثّرة في سجلّ ديون الطويل. خمسة أشهر بعد وفاة أنجليل، أحيت 9 حفلاتٍ شهدت أولاها استقبالاً حاراً للمغنية.

باريس.. حضن سيلين الدافئ بعد المصاعب

لشهورٍ طويلة أقعدَت متلازمة الشخص المتيبّس سيلين ديون. جعلها المرض العصبيّ والعضليّ تظنّ أنها لن تقف مجدداً على المسارح وتغنّي لجمهورها. إلّا أنّ إرادتها الصلبة وشغفها الكبير دفعا بها إلى محاربة المرض. وعندما قررت أن تخبر العالم بأنّ حنجرتها ما زالت قادرة على صناعة المعجزات، اختارت باريس منصّةً.

فاجأت ديون جمهورها بعودةٍ مدويّة ومبهرة ضمن افتتاح الألعاب الأولمبية في باريس صيف 2024، حيث وقفت في قلب برج إيفل وصدحت برائعة إديث بياف Hymne à l’amour.

عرض سيلين متواصل

إذا لم تعاكسها الظروف الصحية، فإنّ العروض الباريسية الـ16 لسيلين ديون مستمرة حتى 17 أكتوبر (تشرين الأول) بمعدّل 3 حفلات أسبوعية كل أربعاء وجمعة وسبت. ووفق جدول الفنانة، فهي ستعود في ربيع 2027 إلى العاصمة الفرنسية حيث من المفترض أن تحيي مجموعة حفلات جديدة حتى شهر مايو (أيار) من العام المقبل. ويتزامن ذلك مع إطلاقها ألبومها الفرنسي الجديد والذي يتضمّن أعمالاً من تأليف فنانين فرنسيين مثل جان جاك غولدمان وفرانسيس كابريل وستروماي وغيرهم.