المنطقة العازلة تفجر خلافا في التحالف.. وواشنطن محبطة من {التلكؤ التركي}

البنتاغون: نحتاج لشريك على الأرض في سوريا

أفراد من الجيش التركي على متن دبابة قرب منطقة سوروق القريبة من مدينة كوباني التي يحاصرها تنظيم داعش (أ.ب.إ)
أفراد من الجيش التركي على متن دبابة قرب منطقة سوروق القريبة من مدينة كوباني التي يحاصرها تنظيم داعش (أ.ب.إ)
TT

المنطقة العازلة تفجر خلافا في التحالف.. وواشنطن محبطة من {التلكؤ التركي}

أفراد من الجيش التركي على متن دبابة قرب منطقة سوروق القريبة من مدينة كوباني التي يحاصرها تنظيم داعش (أ.ب.إ)
أفراد من الجيش التركي على متن دبابة قرب منطقة سوروق القريبة من مدينة كوباني التي يحاصرها تنظيم داعش (أ.ب.إ)

بينما كان مقاتلو «داعش» يتقدمون يوم الثلاثاء، باتجاه بلدة كوباني السورية الواقعة على الحدود التركية، أصبحت خطة الرئيس باراك أوباما لمحاربة التنظيم المسلح التي تهدف إلى عدم الانجرار بشكل أعمق في الحرب الأهلية السورية تواجه ضغوطا شديدة.
وبينما كانت القوات التركية تراقب القتال الدائر في كوباني من خلال سياج من الأسلاك الممتدة، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إن المدينة كانت على وشك السقوط، كما حذر المقاتلون الأكراد من حمامات دم وشيكة حال عدم دعمهم، وهي المخاوف ذاتها التي تتقاسمها الولايات المتحدة الأميركية.
ولكن إردوغان أعلن أن تركيا لن تشارك بشكل أكثر عمقا في الصراع الدائر ضد «داعش» ما لم توافق الولايات المتحدة على توفير المزيد من الدعم للمتمردين الذين يحاولون إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، مما زاد من حدة التوترات مع أوباما، الذي كان يود أن تتخذ تركيا إجراءات أكثر قوة ضد «داعش» وعدم الخلط بين ذلك والقتال ضد الأسد.
كما عارض إردوغان أيضا المناشدات لإرسال قواته إلى الحدود في ظل غياب منطقة حظر طيران لدرء خطر القوات الجوية السورية.
وشعرت إدارة أوباما بخيبة الأمل حيال ما عدته رفضا تركيا للقيام بالمزيد من العمليات العسكرية. فقد أشار المسؤولون - على سبيل المثال - إلى أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تمكن بنحو فعال - في ظل عمليات القتال والغارات الجوية المتعاقبة - من فرض منطقة حظر طيران فوق شمال سوريا، وبالتالي فإن طلب إردوغان بمنطقة حظر طيران ليس سوى طلب أجوف لا معنى له.
ومن جهته، قال مسؤول كبير بالإدارة الأميركية: «هناك قلق متزايد إزاء التلكؤ التركي في التحرك لمنع وقوع مذبحة على مسافة أقل من ميل من حدودها». فبعد كل الشجب والإدانة ضد الكارثة الإنسانية التي تشهدها سوريا، إنهم يبتكرون أسبابا تبرر عدم تحركهم لتجنب وقوع كارثة أخرى.
وفي سياق متصل، قال المسؤول الذي اشترط عدم الكشف عن هويته تجنبا للانتقاد العلني لأحد حلفاء الناتو: «هذه ليست هي الطريقة التي تتصرف بها دولة في الناتو عندما تكون أبواب الجحيم على مرمى حجر من حدودهم».
وبدوره، أجرى وزير الخارجية الأميركي جون كيري مكالمات هاتفية كثيرة على مدار الـ27 ساعة الماضية مع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو وكذلك مع نظيره التركي ميفلوت تشافوشو، في محاولة لحل أزمة الحدود، طبقا لما ذكره مسؤولون أميركيون. فيما يرى الرئيس أوباما أن الخلاف مع تركيا من شأنه أن يهدد جهوده لتشكيل تحالف يضم الدول المسلمة السنية لمحاربة «داعش». وفي حين أن تركيا لا تعد الدولة الوحيدة التي قد تجعل هدف الإطاحة بالأسد يتقدم على دحر المتطرفين لدى «داعش»، شدد البيت الأبيض على أن التهديد الملح يأتي من جانب المتشددين.
ولكن إذا ظلت تركيا رافضة للتفاهم، من الممكن أن يتعرض هذا التحالف إلى المزيد من الصدع. إنها ليست فقط حليفا بالناتو، ولكنها تعد أيضا الطريق الرئيسي للمقاتلين للأجانب الذين يسعون للانخراط في صفوف «داعش».
وفي نهاية المطاف، قال مسؤولون أميركيون إنه لا يمكن أن تتقهقر «داعش» دون وجود قوات برية تستمد من صفوف المعارضة السورية. ولكن يرى مسؤولون أنه حتى يتم تدريب تلك القوات وتجهيزها للقتال، وهو ما سوف يستغرق بعض الوقت، يمكن لتركيا أن تلعب دورا حيويا.
ومن جانبه قال مسؤول بارز من مقاتلي قوات البيشمركة والجيش العراقي، مشترطا عدم الكشف عن هويته بسبب إدلائه بمسائل داخلية: «كنا نعتقد أنه سوف يكون من الأسهل حماية المراكز السكنية ودعم الهجمات البرية في العراق، حيث يوجد لدينا شركاء»، وأضاف: «من الواضح أن الوضع في سوريا سوف يستغرق المزيد من الوقت لإيجاد نمط الشركاء ممن نستطيع التنسيق معهم للقتال على الأرض».
وفي سياق متصل، لفت المسؤول إلى أنه لهذه الأسباب، كانت - وما زالت - الاستراتيجية العسكرية في سوريا تركز على «عدم توفير ملاذ آمن لـ(داعش)، وإضعاف البنية التحتية الحيوية - مثل نظم القيادة والسيطرة ومطافي النفط المتنقلة - التي يستخدمونها لدعم عملياتهم في العراق».
فيما أوضح جوش آرنست، المتحدث باسم الرئيس أوباما، في حديثه مع الصحافيين على متن طائرة «إير فورس وان»، أنه كان واثقا أن الجنرال المتقاعد جون آلن، الذي عينه الرئيس مؤخرا مبعوثا خاصا إلى سوريا، سيكون قادرا على حل بعض القضايا اللوجيستية المتعلقة بمشاركة الجيش التركي في التحالف، ولكنه أقر أن رأي تركيا المخالف بالحاجة إلى الإطاحة بالأسد كان أمرا مرجحا.
وبينما مضت الخطة الدبلوماسية في طريقها، حرصت الولايات المتحدة على التأكيد على مساندتها للأكراد المحاصرين في كوباني.
وأفاد المقاتلون الأكراد في كوباني بنفاد ما لديهم من ذخيرة وأنهم لا يمكنهم تحقيق النصر دون تزويدهم بالمزيد من القوات والأسلحة من تركيا، وأجمع على ذلك بعض المحللين المستقلين وبعض الشخصيات من ذوي النفوذ في الكونغرس الذين سخروا من الغارات الجوية التي جرى شنها في كوباني وعدوها قليلة جدا ومتأخرة للغاية.
وفي هذا الصدد، قال النائب الجمهوري الأميركي إد رويس عن ولاية كاليفورنيا، والذي يترأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، في بيان له: «كان هذا موقفا آخر ملائما؛ حيث كان مقاتلو (داعش) وأسلحتهم الثقيلة مرئيين بشكل واضح لتوجيه ضربات جوية أميركية ضدهم»، ومضيفا: «وبدلا من اتخاذ إجراء حاسم، قوبل تقدم (داعش) بحفنة قليلة من الغارات الجوية. قد تكون تلك الجهود المكثفة صباح الثلاثاء قد جاءت بعد فوات الأوان».
كما ناشد ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، العالم بشكل شديد وغير معتاد لاتخاذ «إجراءات ملموسة» للحيلولة دون وقوع كوباني في قبضة «داعش»، قائلا: «سوف يندم العالم أجمع بشدة حال تمكن (داعش) من السيطرة على مدينة دافعت عن نفسها بشجاعة ولكنها لن تتمكن، قريبا، من الاستمرار في ذلك. علينا أن نتحرك الآن».
اندلعت أعمال القتال على طول التلال المنحدرة من منطقة كوباني الكردية، بينما لا يزال يحاول العراق المجاور جاهدا تحويل عمليات القصف الجوى ضد «داعش» إلى المزيد من القوات على الأرض. وزاد الأمر من تفتيت سوريا، من خلال عزل المناطق الكردية الواقعة في الشمال الشرقي. وأصبح الأكراد يشعرون بالعزلة، رغم أنهم من بين الأقلية المستضعفة التي عدّ أوباما حمايتها واحدة من الأولويات - فهم أقلية معتدلة سياسيا، ويقاتل السيدات إلى جانبهم ووفروا الملاذ للسورين النازحين داخليا من مختلف الانتماءات العرقية.
ومن جانبه، قال الكردي السوري محمود نابو (35 عاما): «يمكنني الآن مشاهدة القصف الجوي وهو يقترب من المناطق المجاورة لي»، مشيرا إلى الجانب الغربي من المدينة التي فر إليها يوم الاثنين عندما دعا المقاتلين الأكراد المدنيين إلى إخلاء منازلهم، مضيفا: «كنا نعتقد أنه سينتهي الأمر بعد شن الغارة الجوية الأولى ضد (داعش)، ولكن الآن أصبح القصف الجوي أقرب وأكثر تواترا».
ويقول محللون إن أكراد كوباني محتجزون كرهائن، بينما يسعى إردوغان إلى انتزاع تنازلات ليس فقط من واشنطن ولكن أيضا من قادة الأكراد (خصومه المحليين منذ وقت طويل).
ومن جهته، نوه سونر كاجابتاي، المحلل بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى أن الهدف يكمن في إضعاف حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا خلال محادثات سلام مع الحكومة التركية.
تريد تركيا أيضا أن يندد المقاتلون الأكراد بالأسد وأن ينضموا علانية إلى الثوار السوريين الذين يحاربونه. ولكن المقاتلين والقادة السياسيين المحليين قبلوا بالسيطرة على المناطق الكردية عندما انسحبت قوات الأسد في بداية الحرب السورية، وركزّوا على الحكم الذاتي وحماية أراضيهم بصورة أكبر من محاربة القوات الحكومية. وفي بعض المناطق، حاربوا إلى جانب القوات الحكومية. تركت الأزمة كوباني معزولة. وأصبح بعض اللاجئين حرفيا مضغوطين حتى السياج الحدودي، غير راغبين في العبور لأنهم لا يستطيعون حمل الحيوانات التي يربونها، وأحيانا ما تمنعهم السلطات التركية التي تمنع أيضا الأكراد السوريين والأتراك من العبور إلى سوريا لمحاربة تنظيم «داعش».
وعلى مسافة قصيرة من الحدود القريبة من كوباني، صرح كردي سوري هارب يدعى عمر علوش، أن جنديا تركيا كان يشاهد ما يحدث عندما خاطب مقاتل تابع لـ«داعش» الأكراد السوريين عبر السياج الحدودي قائلا إنه مرحب بعودتهم طالما التزموا بتطبيق التنظيم المتطرف للشريعة.
وقال علوش، وهو عضو في أحد الأحزاب السياسية الكردية في كوباني، عبر الهاتف: «لن نثق مطلقا في هؤلاء الأشخاص».
ولكن شاهدا آخر يدعى أفني ألتنداج وهو كردي من مدينة سروج قال إن «داعش» أقوى من بضع غارات جوية.
وأشار إلى الرجال الذين يشاهدون دخاناً متصاعداً فوق كوباني، وكانوا يهتفون باسم وحدات الحماية الشعبية الكردية التي تحارب تنظيم «داعش» في شوارع البلدة.
وقال: «كانت لديهم توقعات كبيرة بشأن الغارات الجوية ضد (داعش)، ولكنهم جميعا محبطون».
ويلقي التينداج باللوم على تركيا قائلا: «إنهم لا يريدون مساعدة من يصفونه بعدوهم. لذلك من مصلحة تركيا أن تسقط كوباني في يد داعش».

* خدمة نيويورك تايمز



الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟