الأسواق المالية اللبنانية تتوازن نسبياً بفضل السيولة والتدابير الوقائية

امرأة تستخدم آلة لسحب النقود في بيروت بعد معاودة المصارف فتح أبوابها أول من أمس الجمعة (إ.ب.أ)
امرأة تستخدم آلة لسحب النقود في بيروت بعد معاودة المصارف فتح أبوابها أول من أمس الجمعة (إ.ب.أ)
TT

الأسواق المالية اللبنانية تتوازن نسبياً بفضل السيولة والتدابير الوقائية

امرأة تستخدم آلة لسحب النقود في بيروت بعد معاودة المصارف فتح أبوابها أول من أمس الجمعة (إ.ب.أ)
امرأة تستخدم آلة لسحب النقود في بيروت بعد معاودة المصارف فتح أبوابها أول من أمس الجمعة (إ.ب.أ)

نجحت المصارف اللبنانية، خلال يومين مدعمين بساعات عمل إضافية، في استيعاب الموجة المرتقبة مسبقاً للسحوبات النقدية والمعززة بحجم العمليات المتراكمة جراء الإقفال المتواصل لأسبوعين متتاليين، والمعزز أيضاً بمصادفة معاودة العمل مع صرف الرواتب الشهرية للعاملين في القطاعين العام والخاص، بينما عمد البنك المركزي إلى ضخ السيولة المطلوبة، مع الاستعداد وإبقاء الصناديق مفتوحة لتلبية أي احتياجات مصرفية طارئة.
ورُصدَ انكفاء تام للازدحام في اليوم الثاني لمعاودة فتح أبواب المصارف أمام الزبائن. كما تراجع الضغط على أجهزة الصرف الآلي، وهذا ما يسهم في تسريع عودة التوازن إلى الأسواق المالية والمصرفية في الأسبوع المقبل، خصوصاً إذا نجحت المفاوضات غير المعلنة في بلورة تفاهمات جديدة بشأن تأليف الحكومة الجديدة التي يترجم تركيبتها تسمية المرشح لرئاستها في الاستشارات النيابية المرتقبة.
وأكّد رئيس جمعية مصارف لبنان سليم صفير أن البنوك اللبنانية لم تشهد «أي تحركات غير عادية لحركة الأموال» يومي الجمعة والسبت، بعد أن ظلت مغلقة لمدة أسبوعين بسبب الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد. وقال لوكالة «رويترز»: «رد الفعل كان تقريباً ما توقعناه وترقبناه. ورغم ذلك، طرح الناس كثيراً من الأسئلة وقدمنا أكبر قدر ممكن من التطمينات».
وعزز هدوء التعاملات والسحوبات التزام موظفي المصارف بتعليمات صارمة من الإدارات العليا لاعتماد أقصى قواعد حُسن التعامل مع الزبائن وتلبية طلباتهم دون تمييز، وتفهم هواجسهم بخصوص الودائع ومحاولة طمأنتهم إلى حفظ حقوقهم، بحيث يتم صرف أي وديعة مع عوائدها، ومهما كان حجمها، عند استحقاقها. كما يمكن إجراء عمليات تحويل من الليرة إلى الدولار ضمن الهامش السعري الحقيقي (1501 - 1515 ليرة لكل دولار)، ووفقاً للمواصفات السابقة التي تفرض تجميد الحسابات بالعملات لفترة معينة بين 6 أشهر وسنة.
في المقابل، أكد مسؤولون مصرفيون لـ«الشرق الأوسط» أن التزام البنك المركزي والمصارف بقواعد العمل السوقية وحرية القطع والتحويل، لا يشكل حائلاً دون تنظيم هذا النوع من العمليات والتدقيق فيها انطلاقاً من القاعدة المعتمدة «اعرف عميلك». ولكل مصرف اتخاذ التدابير المناسبة التي تضمن الاستجابة لطلبات عملائه المطابقة للمواصفات المعتمدة قبل الأزمة من جهة، وحفظ حق البنك في الامتناع عن التجاوب مع طلبات لزبائن غير معتادين أو معروفين من قبل الموظفين والإدارات العامة من جهة موازية. وهذا حق قانوني للمصارف ويسهم في الحد من التسعير العشوائي للدولار خارج النطاق الرسمي، ويحول دون إجراء أي تحويلات مشبوهة.
وعملياً، اعتمدت غالبية المصارف تدابير متشددة في عمليات التحويل إلى الخارج، بحيث تم ربطها بتبيان الهدف منها ومن دون المس بحرية العميل وقراره. فالتحويلات ذات الطابع الضروري لعمليات الاستيراد للمواد الأساسية حظيت بأولوية ودون تقييد. كذلك الأمر بالنسبة لاحتياجات الأفراد المتصلة بشؤون حياتية أو صحية أو تعليمية. أما عمليات التحويل المحفزة بالعامل «النفسي» جراء الهواجس أو بتأثير من حملات التهويل، فتخضع لنقاش هادئ ومحاولة طمأنة العميل إلى متانة المراكز المالية للبنوك والتزامها بأفضل المعايير الدولية، وتأكيد الحرص على حقوق العملاء. فضلاً عن تبيان الكلفة المرتفعة محلياً وخارجياً المفروضة على شكل عمولات لتنفيذ هذا النوع من العمليات، وانتهاء بإبداء التجاوب لتنفيذ العملية على دفعات متتالية قيمة وزمنياً في حال إصرار العميل.
ويؤكد مصرفيون أن أولوية التعامل مع الضرورات بعد انقطاع عن العمل غير مسبوق في عدد أيامه وتواصله، تفرض اللجوء إلى إجراءات وقائية مؤقتة. لكنها لا تصل مطلقاً إلى مفهوم تقييد الرساميل والودائع أو إخضاعها لأي استثناءات أو أعباء. وقد أثبتت تجربة اليوم الأول من معاودة العمل أن القطاع المالي المحلي يحوز خبرات مشهودة اكتسبها في محطات مفصلية سابقة في إدارة التعامل مع ظروف طارئة ومفاجئة.
ووفق رصد موازٍ أجرته «الشرق الأوسط»، عاد الطلب وبوتيرة تصاعدية إلى أسواق «اليوروبوندز» في الداخل والخارج، لتنعكس موجة الهبوط الحاد والقياسي التي أوصلت أسعار الأوراق إلى ما بين 50 و70 في المائة من قيمها الأصلية، إلى ملامح موجة عكسية أنتجت في بدايتها تحسناً بنسب راوحت بين 3 و5 في المائة في أول يوم عمل بعد الإقفال القسري. وهو مسار يؤمل تعزيزه بنسب تحسن إضافية مع عودة النشاط الطبيعي بداية الأسبوع المقبل، مع الرهان الاستثماري على توجهات أكثر إيجابية للمرجعيات الداخلية الفاعلة وتسريع تأليف الحكومة الجديدة.
ووفق التحليل الدوري الذي تصدره مجموعة «عودة» المصرفية، سجلت سندات الدين المقومة بالدولار بعض التصحيح التصاعدي في الأسعار يومي الخميس والجمعة، إثر عودة الطلب من قبل المتعاملين المؤسساتيين الأجانب. وبلغ متوسط المردود المثقل 20.76 في المائة في نهاية هذا الأسبوع، بعد أن كان قد بلغ مستوى قياسياً نسبته 22.66 في المائة يوم الأربعاء. كذلك، أقفل متوسط الهامش المثقل (قياساً بالسندات الأميركية) على 2186 نقطة أساس في نهاية هذا الأسبوع بعد أن كان وصل إلى 2366 نقطة أساس يوم الأربعاء. وعلى صعيد كلفة تأمين الدين، تراوح هامش مقايضة المخاطر الائتمانية لـ5 سنوات بين 1510 و1565 نقطة أساس يوم الجمعة مقابل 1610 - 1670 نقطة أساس يوم الأربعاء و1305 - 1330 نقطة أساس في نهاية الأسبوع السابق.
وفي سياق متصل بنشاط السوق المالية، شهدت بورصة بيروت التي عاودت العمل أيضاً تداولات محدودة وحصرية على أسهم شركة سوليدير (إعمارية وسط بيروت) أفضت إلى انحدار إضافي بنسبة قاربت 13 في المائة في سعر السهم ليصل إلى 4.75 دولار، عوضت سندات الدين الدولية المصدرة من الحكومة جزءاً وافراً من خسائرها بنسب راوحت بين 3 و5 في المائة. وكرست مسار التعافي النسبي الذي بدا أصلاً في التداولات الخارجية عقب استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وترقب بوادر للخروج من الوضعية شديدة التأزم التي فرضتها الاحتجاجات الشعبية العارمة منذ 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وفي تقييم أجرته مجموعة «الاعتماد اللبناني»، شهدت حركة التداول على بورصة بيروت تباطؤاً ملموساً خلال الشهر العاشر من عام 2019 بسبب تعليق نشاط السوق الرسميّة لنحو الأسبوعَين في ظلّ الانتفاضة الشعبيّة التي اشتعلت ليل 17 أكتوبر، ما أدّى إلى إغلاق كثير من المؤسّسات أبوابها نتيجة المظاهرات الكبيرة وقطع الطرقات. إلّا أنّ إجمالي عدد الأسهُم المتداولة على البورصة قد تمّ تعزيزه بفعل صفقة كبيرة من الأسهُم العاديّة المدرجة التابعة لبنك لبنان والمهجر في مطلع الشهر، التي تخطّى عددها 4 ملايين دولار أميركي.



جبهات الحوثيين تحت الضغط العسكري في الجوف وشمال لحج

مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
TT

جبهات الحوثيين تحت الضغط العسكري في الجوف وشمال لحج

مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)

نقلت القوات الحكومية اليمنية المواجهات مع الحوثيين إلى مرحلة جديدة من العمليات الهجومية في محافظتي الجوف ولحج، بالتزامن مع إحباط محاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها في مأرب وتعز، في تطورات ميدانية تعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن».

وفي أحدث التطورات، تمكنت القوات الحكومية من تثبيت مواقعها في سلاسل جبلية استراتيجية شرقي محافظة الجوف، بعد إحراز تقدم ميداني في مناطق كانت خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في خطوة من شأنها تعزيز مواقعها العسكرية وتهيئة الظروف لمواصلة التقدم باتجاه مدينة الحزم، مركز المحافظة.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي أن وحدات من الفرقتين الأولى والثالثة طوارئ تمكنت من استعادة مواقع كانت تتمركز فيها الجماعة الحوثية في مناطق أم لفيفة وقرون الصبير ودحيضة العاقر، ضمن العمليات العسكرية المتواصلة في المحافظة.

وقال النزيلي، في بيان، إن القوات الحكومية حققت تقدماً ميدانياً في جبهات الجوف، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لاستعادة المواقع التي سيطرت عليها الجماعة، بدعم من الطيران الحربي والمسيّر.

قوات الجيش اليمني أحرزت تقدماً ميدانياً باتجاه مركز محافظة الجوف (أ.ف.ب)

ووفقاً لموقع «سبتمبر نت» التابع لوزارة الدفاع اليمنية، تقدمت القوات الحكومية في سلسلة جبال الدحيضة، وتمكنت من اقتحام تحصينات وثكنات حوثية والاستيلاء على أسلحة ومعدات قتالية، في حين استهدف الطيران الحربي والمسيّر تجمعات ومخازن أسلحة للجماعة في مواقع متعددة.

ويكتسب التقدم في هذه المناطق أهمية عسكرية بالنظر إلى طبيعة التضاريس الجبلية وموقعها بالنسبة إلى الطرق المؤدية إلى مدينة الحزم، التي تمثل مركز الثقل الإداري والعسكري للجماعة الحوثية في المحافظة، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية تثبيت مكاسبها وتأمين المواقع المستعادة قبل توسيع نطاق تقدمها.

وفي محاولة لاحتواء هذا التقدم، شنّت الجماعة الحوثية هجوماً واسعاً على مواقع القوات الحكومية في منطقة حلحلان بمديرية رغوان، غرب المحافظة، غير أن القوات تمكنت من التصدي للهجوم وإجبار المهاجمين على التراجع، وفقاً لمصادر عسكرية حكومية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم الحوثي في حلحلان استهدف الضغط على القوات المتقدمة في الجوف، ومحاولة إرباك تحركاتها العسكرية والالتفاف على مواقعها الجديدة، إلا أن القوات الحكومية كانت مستعدة لهذا التحرك وتمكنت من إحباطه، وفق المصادر نفسها.

هجوم مضاد في لحج

وفي جبهة لحج، استعادت القوات الحكومية المبادرة بعد إعادة تنظيم انتشارها العسكري في محور طور الباحة، وبدأت هجوماً مضاداً لاستعادة المناطق التي تقدمت إليها الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة، المحاذية لمديرية طور الباحة.

وتمكنت القوات، بإسناد من الطيران الحربي، من دخول أولى مناطق المديرية، والتقدم إلى قرية بني عبدان، مع استمرار المعارك في محيطها، في حين امتدت العمليات إلى مواقع حوثية في حيفان والزريقة الشام، بمحافظة تعز، ضمن تحرك عسكري متزامن على أكثر من محور.

وتشير هذه التطورات إلى أن القوات الحكومية انتقلت من مرحلة احتواء الاندفاعة الحوثية في مناطق المقاطرة إلى تنفيذ هجمات لاستعادة المواقع، بعد تعزيز انتشارها وإعادة ترتيب القيادة العسكرية في محور طور الباحة، بما أتاح لها استعادة زمام المبادرة في هذه الجبهة.

وفي سياق متصل، أفادت معلومات ميدانية بمشاركة كتائب من ألوية العمالقة في تحرك التفافي واسع بجبال المضاربة، استهدف مواقع وعناصر حوثية، وأدى، بحسب الأرقام التي أوردتها تلك المعلومات، إلى مقتل وإصابة عشرات الحوثيين واستعادة معدات قتالية.

تعز بين الهجمات والخسائر المدنية

في مدينة تعز المحاصرة، تواصلت المواجهات على نحو متقطع في عدد من الجبهات، مع إحباط القوات الحكومية والمقاومة الشعبية هجمات حوثية ومحاولات تسلل، خصوصاً في الجبهة الشمالية والشمالية الغربية، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في المحور الجنوبي الشرقي.

وأعلنت القوات الحكومية كسر هجوم حوثي باتجاه عبارة العواضي في منطقة الأربعين، شمال المدينة، وإجبار المهاجمين على التراجع، في حين شهدت جبهة الشقب تحركات وتعزيزات حوثية، تضمنت أطقماً ودبابات وصلت من اتجاه الدمنة، وفقاً لمصدر عسكري نقل عنه موقع «سبتمبر نت».

قوات الحكومة اليمنية استعادت زمام المبادرة في جبهات الجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي جبهة الأقروض، جنوب شرقي تعز، تمكنت قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، الخميس، من كسر هجوم شنته الجماعة الحوثية واستمر نحو 4 ساعات، وشمل محاور حمة والكريف ورأس النقيل والقحفة. وأسفرت المواجهات، بحسب مصادر ميدانية، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المهاجمين.

لكن التصعيد الحوثي في المحافظة لم يقتصر على المواجهات العسكرية؛ إذ أسفر قصف بصاروخ باليستي استهدف منزلاً في عزلة الأثاور بمديرية حيفان عن مقتل أربعة مدنيين من أسرة واحدة، بينهم 3 أطفال، وإصابة 4 آخرين، وفقاً لما أعلنه مدير عام المديرية علي راوح.

وأوضح راوح أن الصاروخ استهدف منزل المواطن علي عبد الحق الأثوري، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عاماً، وامرأة تبلغ 35 عاماً، وإصابة 4 آخرين، بينهم أطفال، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل وإثارة حالة من الخوف والهلع بين السكان.

ويأتي هذا الاستهداف في ظل اتساع رقعة المواجهات في جنوب تعز، حيث تتزامن العمليات العسكرية في المقاطرة وحيفان والزريقة الشام مع استمرار محاولات الجماعة الحوثية الضغط على مواقع القوات الحكومية في محيط المدينة، وفتح جبهات جديدة لتشتيت قدراتها.


اليمن يحذر من تحويل الحوثيين البحر الأحمر ورقة لابتزاز العالم

وزيرة الخارجية اليمنية خلال محادثات مع المسؤولين الألمان في برلين (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال محادثات مع المسؤولين الألمان في برلين (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تحويل الحوثيين البحر الأحمر ورقة لابتزاز العالم

وزيرة الخارجية اليمنية خلال محادثات مع المسؤولين الألمان في برلين (إعلام حكومي)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال محادثات مع المسؤولين الألمان في برلين (إعلام حكومي)

حذرت الحكومة اليمنية من اتساع التهديد الذي تمثله الميليشيات الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، في ظل تصاعد تدخل إيران في إدارة عملياتها العسكرية، وتنامي صلاتها بتنظيمات إرهابية في القرن الأفريقي، بالتزامن مع استمرار هجماتها على المدنيين وتشديد الحصار على مدينة تعز.

وعرضت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، هذه المخاوف خلال سلسلة لقاءات أجرتها في برلين مع مسؤولين ألمان وخبراء في مراكز الدراسات والأبحاث المعنية بالشأن اليمني، تناولت تطورات التصعيد الحوثي منذ يونيو (حزيران) الماضي، وانعكاساته العسكرية والإنسانية والأمنية على اليمن والمنطقة.

وقالت الزوبة إن الجماعة كثفت اعتداءاتها عقب هبوط طائرة تابعة لشركة «ماهان» الإيرانية المرتبطة بـ«الحرس الثوري» في مطار الحديدة، موضحة، وفق الرواية الحكومية، أن الطائرة كانت تقل خبراء إيرانيين وتحمل أموالاً وأسلحة نوعية لدعم العمليات العسكرية الحوثية، في انتهاك للسيادة اليمنية والقوانين والقرارات الدولية.

الوزيرة أفراح الزوبة مع وزير الخارجية الألماني (إعلام حكومي)

وأشارت إلى أن التصعيد امتد إلى مناطق الساحل الغربي وباب المندب، قبل تحرك القوات الحكومية إلى تلك المناطق في إطار عملية «فجر اليمن»، محذرة من مساعي الجماعة للتمدد مجدداً في الساحل الغربي وتهديد حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، واستخدام الممرات البحرية وسيلة للضغط على المجتمع الدولي.

تدخل إيراني وتهديد للملاحة

في مباحثاتها مع وزير الخارجية الألماني، يوهان دافيد فاديفول، حذرت الوزيرة اليمنية بأن التهديد الحوثي يتجاوز حدود اليمن، مشيرة إلى استهداف الجماعة الأراضي السعودية وخطوط الملاحة الدولية، وما يترتب على ذلك من مخاطر على الأمن الإقليمي وإمدادات الطاقة والغذاء العالمية.

كما عرضت ما أعلنته الحكومة اليمنية بشأن مشاركة خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني و«حزب الله» في إدارة عمليات الحوثيين، إلى جانب صلات الجماعة بتنظيمات إرهابية في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها «حركة الشباب» الصومالية، عادّةً أن هذه الروابط ترفع مستوى تهديد الأمن البحري والاستقرار الإقليمي.

صواريخ الحوثيين وقذائفهم قتلت وأصابت مئات المدنيين اليمنيين خلال أسابيع (إ.ب.أ)

وبحث الجانبان سبل تطوير قدرات خفر السواحل اليمنية لحماية المياه الإقليمية وتأمين طرق التجارة الدولية، وتعزيز التشاور الثنائي وتبادل المعلومات بشأن التطورات الأمنية في اليمن والمنطقة.

وسلمت الزوبة وزير الخارجية الألماني رسالة خطية من رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، موجَّهةً إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية ومستجدات الأوضاع اليمنية.

تعز في صدارة التحذيرات

في الملف الإنساني، سلطت الوزيرة الضوء على الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز، واستهداف المنشآت المدنية والصحية، وما نجم عنه من إغلاق مرافق طبية وانقطاع إمدادات الأدوية وغياب الممرات الآمنة، محذرة من التداعيات الكارثية على السكان، خصوصاً النساء والأطفال والمرضى.

كما تطرقت إلى تجنيد الأطفال وزراعة الألغام بصورة عشوائية، واستمرار احتجاز العشرات من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني، مشيرة إلى وفاة عدد منهم خلال الاحتجاز؛ كان آخرهم الموظف الأممي محمد إبراهيم الشامي.

وفي لقاء آخر مع وكيل الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية، نيلز آنن، دعت الزوبة إلى تعزيز الدعم الألماني للاستجابة الإنسانية، في ظل تفاقم احتياجات السكان من جراء التصعيد والحصار والانتهاكات الحوثية.

أكوام القمامة متكدسة في مدينة تعز بسبب الحصار الحوثي (رويترز)

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن المسؤول الألماني عبر عن قلق بلاده إزاء الأوضاع الإنسانية في تعز ومناطق أخرى، مؤكداً التزام ألمانيا دراسة سبل تعزيز دعم جهود الإغاثة والاستجابة الإنسانية.

كما جدد فاديفول دعم بلاده الحكومة اليمنية وجهود الأمم المتحدة، معرباً عن قلقه من استمرار الهجمات الحوثية، ومشدداً على ضرورة وقف الاعتداءات على اليمن والسعودية.

وفي لقاءاتها مع خبراء مراكز الدراسات والأبحاث الألمانية، أكدت الزوبة أهمية نقل صورة دقيقة عن تطورات الأوضاع في اليمن وإيصال صوت اليمنيين إلى الأوساط الرسمية والشعبية في ألمانيا، فيما شدد الخبراء على ضرورة إيلاء الملف اليمني مزيداً من الاهتمام ونقل أولويات السكان إلى دوائر صنع القرار في ألمانيا وأوروبا.

وأعلنت برلين، في سياق المباحثات، تقديم 10 ملايين يورو إضافية لدعم الاستجابة الإنسانية في اليمن، ليرتفع إجمالي إسهاماتها خلال العام الحالي إلى 38 مليون يورو.


الأمن الغذائي في اليمن ينهار تحت وطأة العدوان الحوثي

نقص شديد في المساعدات الإنسانية نتيجة تراجع التمويل الدولي (الأمم المتحدة)
نقص شديد في المساعدات الإنسانية نتيجة تراجع التمويل الدولي (الأمم المتحدة)
TT

الأمن الغذائي في اليمن ينهار تحت وطأة العدوان الحوثي

نقص شديد في المساعدات الإنسانية نتيجة تراجع التمويل الدولي (الأمم المتحدة)
نقص شديد في المساعدات الإنسانية نتيجة تراجع التمويل الدولي (الأمم المتحدة)

بالتوازي مع تصاعد العدوان الحوثي، كشفت بيانات دولية حديثة عن تدهور غير مسبوق في الأمن الغذائي باليمن، مع عجز نحو 74 في المائة من الأسر عن تلبية احتياجاتها الغذائية الأساسية بحلول منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، وارتفاع نسبة الأسر التي تواجه حرماناً غذائياً حاداً إلى 41 في المائة، وهي أعلى مستويات مسجلة على الإطلاق.

ويتزامن هذا التدهور مع اتساع تداعيات التصعيد العسكري للجماعة المدعومة من إيران، وتشديد الحصار على مدينة تعز، ونزوح مئات الآلاف من السكان في تعز ولحج، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تتقلص فيه المساعدات الإنسانية بفعل تراجع التمويل الدولي.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف سكان اليمن كانوا مهددين بمواجهة مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وسط توقعات باستمرار التدهور خلال الأشهر المقبلة، بفعل تداخل النزاع والنزوح وارتفاع أسعار الغذاء والوقود واضطراب حركة الملاحة البحرية.

أكثر من 320 ألف يمني فروا من مناطقهم جراء العدوان الحوثي الأخير (إعلام محلي)

وتكشف المؤشرات أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتوفر المواد الغذائية في الأسواق التي يمكن الوصول إليها، بقدر ما تتصل بعجز الأسر عن شرائها، مع تآكل دخولها وارتفاع الأسعار. وتدفع هذه الظروف مزيداً من العائلات إلى تقليص الوجبات وكمياتها، والاستدانة، والتخلي عن احتياجات أساسية لتوفير الغذاء.

ووفق فريق إدارة المخاطر التابع لمبادرة رصد الأمن الغذائي في اليمن، ارتفعت تكلفة سلة الغذاء الأساسية بنحو 7 في المائة على أساس شهري في مناطق سيطرة الحوثيين، لتصل إلى نحو 91 دولاراً، وهو أعلى مستوى خلال العام الماضي، متجاوزة تكلفتها في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية.

وفي مناطق الحكومة اليمنية، ارتفعت تكلفة السلة الغذائية بنحو 2 في المائة، مواصلة مسارها التصاعدي منذ اندلاع التصعيد الإقليمي، لتصبح أعلى بنحو 7 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل عام.

وسجلت بعض السلع زيادات أكثر حدة؛ إذ ارتفع سعر زيت الطهي بنسبة 35 في المائة على أساس سنوي في مناطق الحكومة، بينما زاد سعر دقيق القمح بنحو 15 في المائة في مدينة تعز منذ بدء التصعيد.

مخاطر إضافية

لا تقف مصادر التهديد عند تداعيات الحرب والاضطرابات التجارية، إذ تبرز ظاهرة النينيو عاملاً إضافياً قد يزيد هشاشة الأمن الغذائي، عبر تأثيراتها المحتملة على أسواق الواردات الدولية والإنتاج الزراعي المحلي.

وتشير شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى أن اليمن من أكثر الدول عرضة للتأثيرات غير المباشرة لهذه الظاهرة عبر أسواق الاستيراد.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية بالنظر إلى أن أستراليا وفرت أكثر من ثلث واردات اليمن من القمح خلال الفترة 2024-2025، بينما يُتوقع تراجع محصول القمح المحلي خلال موسم 2026-2027 بنسبة تتراوح بين 14 و17 في المائة.

ثلثا الأسر اليمنية غير قادرة على توفير احتياجاتها الغذائية (إعلام محلي)

ويمثل القمح مكوناً رئيسياً في الغذاء اليومي لليمنيين، مما يجعل تراجع إنتاجه أو ارتفاع أسعاره تهديداً مباشراً للأسر الفقيرة، التي تعتمد عليه لتأمين احتياجاتها في ظل محدودية الدخل وضعف القدرة على مواجهة الصدمات السعرية.

وأوصى فريق إدارة المخاطر بتفعيل خطة التأهب لمواجهة أزمات الأمن الغذائي، وتعزيز الاستجابة الإنسانية وتوجيه التدخلات إلى المناطق والفئات الأكثر تضرراً، مع إعطاء الأولوية لدعم القدرة الشرائية، وضمان تدفق السلع الأساسية، وتوسيع المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش.