كوباني «مدينة عسكرية» على وشك «السقوط».. وغارات التحالف تستهدف «داعش» في محيطها

مقتل 400 شخص منذ بدء المعركة وتركيا تعتقل 200 كردي بينهم صحافيون ونساء وأطفال

كوباني «مدينة عسكرية» على وشك «السقوط».. وغارات التحالف تستهدف «داعش» في محيطها
TT

كوباني «مدينة عسكرية» على وشك «السقوط».. وغارات التحالف تستهدف «داعش» في محيطها

كوباني «مدينة عسكرية» على وشك «السقوط».. وغارات التحالف تستهدف «داعش» في محيطها

تواصلت المعارك الضارية في «حرب الشوارع» بين الأكراد ومقاتلي تنظيم «داعش» في أحياء كوباني (عين العرب) المهدّدة بالسقوط في سباق مع ضربات التحالف الدولي ضدّ الإرهاب. وامتدت الاشتباكات أمس إلى جنوب وغرب المدينة غداة توغل التنظيم مسافة 50 مترا في جنوب غربي المدينة، وسيطرته على 3 أحياء شرقها.
وبينما قامت «وحدات حماية الشعب» الكردية بإجلاء المدنيين وتحويل كوباني إلى «مدينة عسكرية»، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان أمس إن 400 شخص على الأقل قتلوا خلال المعركة المستمرة منذ 3 أسابيع بين داعش ومقاتلين أكراد في بلدة كوباني السورية ومحيطها. وأعلن الجيش الأميركي أمس، أن التحالف شنّ الاثنين والثلاثاء 5 ضربات جوية قرب مدينة كوباني المهددة بالسقوط في أيدي داعش.
وأوضحت القيادة الأميركية الوسطى في بيان أن الولايات المتحدة وحلفاءها شنوا 9 ضربات جوية في سوريا الاثنين والثلاثاء بينها 5 غارات قرب هذه المدينة الكردية الواقعة قرب الحدود مع تركيا.
وفي سوريا أدت ضربة جنوب كوباني، وفق بيان القيادة الأميركية إلى تدمير 3 آليات مسلحة وإلحاق أضرار بأخرى. ودمرت ضربة ثانية جنوب شرقي المدينة آلية مدرعة تنقل مضادات طيران. ودمرت ضربتان أخريان جنوب غربي المدينة الكردية دبابة فيما أدت ضربة أخرى جنوب كوباني إلى القضاء على وحدة تابعة للتنظيم.
في موازاة ذلك، شن التحالف غارتين غرب الحسكة (شمال - شرق) أصابتا عدة مبان تابعة لـ«داعش» وأخرى في شمال شرقي دير الزور (شرق) أصابت قاعدة تجمع ومنشأة إنتاج متفجرات. وأصابت ضربة أخرى جنوب غربي الربيعة مجموعة صغيرة من مقاتلي التنظيم.
وكان «المرصد السوري لحقوق الإنسان» ذكر أن التحالف شن غارات خلال الليل على الجانب الشرقي من كوباني وعلى أطرافها الجنوبية الغربية سعيا لوقف تقدم مقاتلي «داعش» الذين سيطروا على عدد من المباني لكسب مواقع هجومية من جانبي المدينة. وكانت راية كردية لا تزال مرفوعة أمس، فوق سطح مبنى في وسط المدينة، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأكد الناشط مصطفى عبدي في اتصال مع الوكالة أن طائرات التحالف ضربت ليل أمس مواقع التنظيم. لكنه أكد أن هذا القصف لم يترك أثرا على تقدم «داعش» على الأرض بعدما نصبوا الأعلام السوداء للتنظيم على بعد 100 متر شرق وجنوب شرقي كوباني. وقال إن «المقاتلين الأكراد لا يزالون متفائلين. فهم ليسوا مجهزين سوى بأسلحة خفيفة وإنما يعرفون جغرافيا المنطقة جيدا. وسيدافعون عن المدينة حتى آخر عنصر منهم».
وكان المرصد ذكر أن مسلحي التنظيم اضطروا إلى التراجع في شوارع الأحياء التي سيطروا عليها شرق المدينة، إلا أنهم تمكنوا من اجتياز المدخل الجنوبي الغربي للمدينة وسيطروا على عدة مبان عند الأطراف الجنوبية الغربية.
وقال عمر علوش، مسؤول العلاقات في حركة المجتمع الديمقراطي في كوباني، حديثه لـ«الشرق الأوسط» إنّ وحدات حماية الشعب أعلنت المدينة «منطقة عسكرية» مساء أوّل من أمس، بعد اشتداد القصف على المناطق وطلبت من الإعلاميين الذين يقومون بعملهم من الداخل الخروج باتجاه تركيا ومتابعة الأحداث عن بعد. وأكّد اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» من مكان احتجازه في تركيا، أنّ السلطات التركية قامت باعتقال نحو 200 مواطن بينهم نساء وأطفال، بعد ظهر يوم الاثنين الماضي على الحدود خلال هروبهم من كوباني.
وأوضح أنّه وخلال انتظار السوريين الأكراد على الحدود التركية وصلت طلقات رصاص إلى الداخل التركي إضافة إلى قذيفة دبابة من جراء المعارك الدائرة في كوباني، ما أدّى بالسلطات التركية إلى فتح الحدود والسماح للهاربين بالدخول قبل أن تعمد إلى اعتقالهم.
ولفت علوش الذي قال إنه كان يقوم بمهمّة إنسانية على الحدود، إلى أنّ المعتقلين محتجزون في مكان يفتقر إلى أدنى المعايير تملأه الرائحة الكريهة ومن دون توفّر المياه. ولا يزال الأكراد المعتقلون من دون أي تهمة، وفق ما أكّد علوش، ينتظرون من السلطات التركية الإفراج عنهم، مشيرا إلى أنّ المعلومات الأخيرة التي وصلت إليهم أفادت بإمكانية إطلاق سراحهم اليوم.
وعبر المسؤول الكردي إدريس نحسان أيضا عن أسفه لأن الغارات «ليست كافية لهزم الإرهابيين على الأرض» مطالبا «بأسلحة وذخائر».
وقال الناطق باسم القوات الكردية في كوباني بولتان جان بأن مسلحي داعش يمتلكون أسلحة متطورة ويحاولون محاصرة قوات وحدات حماية الشعب من خلال السيطرة على الجانب الغربي من المدينة. وتوقف جان عند الإمكانات التي يمتلكها «داعش» مشيرا إلى أنّ التنظيم لديه كل الأسلحة المتطورة التي حصل عليها من مقاتلي «الجيش السوري الحر» ممن انضموا إليه إلى جانب الأسلحة استولى عليها من الجيش العراقي والسوري والأسلحة التي كانت بمطار الطبقة العسكري بسوريا.
وأكّد جان أنه في حال حصول الأكراد على دعم خارجي فإنه من الممكن أن يتمكنوا من الصمود لمدة أطول، مشيرا إلى سهولة تحرك مسلحي داعش على الحدود التركية ومحاولاتهم السيطرة على الجانب الغربي لتطويق القوات الكردية. ورأى جان أنّ هناك عدم جدية في ضربات التحالف لتنظيم داعش في كوباني، مشيرا إلى أنّ طائرات التحالف تحوم فوق المدينة 24 ساعة في اليوم وهم يعلمون تحركات داعش وأين هي مدرعاته، ولكن لا يقومون بقصفهم والقصف غير مركز على داعش.
وبدأ تنظيم «داعش» هجومه في اتجاه كوباني في 16 سبتمبر (أيلول)، وتمكن من السيطرة على عدد كبير من القرى والبلدات في المنطقة ضمن قطر يبلغ حوالي 40 كيلومترا. ومن شأن السيطرة على كوباني أن تتيح لهذا التنظيم التحكم بشريط حدودي طويل وواسع مع تركيا.
وقتل في المعارك مئات المقاتلين من الطرفين، ونزح أكثر من 300 ألف شخص، عبر أكثر من 180 ألفا منهم الحدود نحو تركيا. وقال مسؤول محلي في مدينة سروج أقرب المدن التركية إلى كوباني إن حوالي 700 شخص عبروا الحدود للجوء إلى تركيا خلال الليل وبينهم مدنيون ومقاتلون من وحدات حماية الشعب، أكبر مجموعة كردية مقاتلة في سوريا.
من جهته، أفاد المتحدث باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أدريان إدواردس أنَّ عدد السوريين الفارين من كوباني تجاه تركيا بلغ أول من أمس، 172 ألف لاجئ. وأشار إدواردس في المؤتمر الصحافي الذي عقده في مكتب الأمم المتحدة بمدينة جنيف السويسرية، إلى أنَّ تركيا قامت بإعداد مخيمات لقسم من اللاجئين السوريين، فيما ساعدت الآخرين على العيش ضمن المجتمع التركي، قائلا: «إن تركيا في ظل الظروف التي تعيشها، تقدم أكثر من إمكاناتها في هذا المجال»
ومن جانب آخر قال روبرت كولفيل المتحدث باسم مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة «ما زلنا قلقين بشكل هائل بشأن سلامة أي مدنيين ظلوا في كوباني أو في المنطقة الحدودية قرب البلدة وفي القرى المحيطة، نعتقد أن تلك الأعداد تقدر الآن بالمئات أو أقل، ولكن من الواضح أن أي أحد يقع في يد داعش يكون عرضة للخطر».
وكانت كوباني تعد قبل الحرب في سوريا حوالي 70 ألف نسمة لكن عددا موازيا من الأشخاص لجأ إليها في السنوات الماضية.
وقبل الهجوم كانت كوباني التي تعرف بالعربية باسم عين العرب ملاذا للنازحين من الصراع السوري بين مقاتلي المعارضة وقوات الرئيس السوري بشار الأسد.
وعزز «داعش» صفوفه بمقاتلين أجانب ومنشقين من جماعات معارضة أخرى كما حصل على مزيد من الأسلحة الثقيلة بعد أن اجتاح مقاتلوه شمال العراق في يونيو (حزيران) واستولوا على الأسلحة من قوات الجيش العراقي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.