مصادر يمنية لـ {الشرق الأوسط} : قوات حوثية تتقدم للسيطرة على «باب المندب»

خبراء: إيران تسعى منذ سنوات لتحقيق هدفها الاستراتيجي في التحكم بالممرات المائية المحيطة بالوطن العربي

مصادر يمنية لـ {الشرق الأوسط} : قوات حوثية تتقدم للسيطرة على «باب المندب»
TT

مصادر يمنية لـ {الشرق الأوسط} : قوات حوثية تتقدم للسيطرة على «باب المندب»

مصادر يمنية لـ {الشرق الأوسط} : قوات حوثية تتقدم للسيطرة على «باب المندب»

كشفت مصادر يمنية مطلعة أمس، عن وجود تحركات عسكرية لعناصر حوثية نحو مضيق باب المندب الاستراتيجي بين البحر الأحمر وبحر العرب، للسيطرة عليه.
وأشارت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المسلحين الذين يسعون إلى السيطرة على المضيق الدولي الاستراتيجي، جلهم من أشخاص جرى استقطابهم من محافظة تعز خلال الأعوام القليلة الماضية لصالح الحوثيين، بعيدا عن الاعتقاد الفكري أو المذهبي، بعد أن دعم الحوثيون شخصيات سياسية وقبلية مؤثرة في المحافظة من أجل إيجاد موطئ قدم لهم في هذه المنطقة المهمة تجاريا واقتصاديا والتي يتبعها مضيق باب المندب وميناء المخا الذي يعد أحد محطات تهريب الأسلحة وغيرها، إضافة إلى منطقة ذباب وغيرها من المناطق النائية على البحر الأحمر.
وأكد مصدر حكومي لـ«الشرق الأوسط» أن المعلومات التي ذكرت عن وجود آلاف المسلحين في محافظة الحديدة بغرب البلاد ويتبعون الحوثي، شبه صحيحة. في الوقت الذي قالت فيه مصادر في «الحراك التهامي» لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «تحركات شعبية لمنع تحويل محافظة الحديدة ساحة جديدة للصراع، وأي مسلح لن يكون سوى من خارج المحافظة وسوف يجري التصدي لهم بكل الطرق السلمية».
ومنذ سقوط العاصمة صنعاء بيد المتمردين الحوثيين، اتجهت أطماع الجماعة التي نجحت في تشكيل تحالفات جديدة مع قيادات عسكرية وسياسية قريبة من الرئيس السابق علي عبد الله صالح، إلى البحر الأحمر حيث مضيق باب المندب، وهو الممر الذي يتحكم بالتجارة العالمية بين 3 قارات هي آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ويعد باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وعلى مر التاريخ كان سببا للصراع الدولي بين الدول الكبرى خاصة فرنسا وإيطاليا وإنجلترا، بوصفه مصدر تحكم بين الشرق والغرب. ويبلغ اتساع باب المندب 23.2 كلم فيما بين رأس باب المندب شرقا ورأس سيعان غربا. تطل 3 دول على باب المندب هي اليمن وإريتريا وجيبوتي، غير أن اليمن هو الذي يتحكم في الممر الدولي من خلال جزيرة ميون التي لا تبعد عن اليابسة اليمنية سوى 4.8 كلم فيما تبعد عن الساحل الأفريقي 33 كلم.
يعد المحلل الاقتصادي محمد عبده العبسي سيطرة أي جماعات مسلحة على منطقة باب المندب كارثة ينبغي عدم السكوت عنها، وتمثل تهديدا للأمن الإقليمي بشكل عام. ويقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إيران تسعى منذ سنوات إلى تحقيق هدفها الاستراتيجي في التحكم بالممرات المائية الاستراتيجية المحيطة بالوطن العربي، فهي تسيطر على مضيق هرمز الذي يمر من خلاله أكثر من 5 ملايين برميل نفط يوميا، وتحاول الآن السيطرة على باب المندب الذي يمر من خلاله 3 ملايين برميل نفط يوميا، إضافة إلى أنه مرر للتجارة الدولية التي تستخدمه لتوصيل الشحنات والبضائع لجميع الدول المطلة على البحر الأحمر، إضافة إلى أن باب المندب هو حلقة الوصل بين الشرق والغرب في التجارة الدولية».
ويعد العبسي أن سيطرة الحوثيين على باب المندب سيكون لها تأثير كارثي على جميع دول العالم التي تستخدم المضيق، «لكن المتأثر الأكبر ستكون دول الخليج التي ستكون تحت رحمة إيران التي ستكون هي المتحكمة في الملاحة الدولية من الشرق في بحر الخليج والغرب في البحر الأحمر». ويتساءل العبسي عن موقف الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي والدولة من هذا الخطر، ويقول: «نعلم أن اليمن يعيش في لا دولة، وربما لا يشعر أغلب اليمنيين بتأثير سيطرة الحوثيين على باب المندب، لكن ينبغي أن نعلم أن الحوثيين كما تحكموا فعلا في مطار صنعاء الدولي، يتحكمون في الملاحة الجوية، وإيقاف أغلب شركات الطيران رحلاتها إلى صنعاء، فإنهم سيكررون ذلك عند سيطرتهم على باب المندب، فضلا عن التأثيرات الاقتصادية التي ستنعكس سلبا على البلاد». ويطالب العبسي الشعب اليمني، خاصة الأحزاب السياسية، بعدم التساهل تجاه هذه الكارثة، و«عليهم أن يضغطوا باتجاه منع الحوثيين من السيطرة على مناطق جديدة، بعد أن استنفدوا كل مبرراتهم منذ سقوط عمران وحتى سيطرتهم على صنعاء». وينتقد العبسي موقف الدول الإقليمية ومجلس الأمن من التمدد الحوثي في اليمن، ويقول إن «على الشعب اليمني ألا يعول على الدور الإقليمي الذي سمح بسقوط عمران وسقوط العاصمة صنعاء بيد الحوثيين. على الأطر السياسية من أحزاب (اللقاء المشترك) و(المؤتمر) أن تقف في وجه هذا التمدد وتطلب من الحوثيين الالتزام بما جرى الاتفاق عليه في وثيقة السلم والشراكة»، محذرا من أن «السماح بسيطرة الحوثيين على باب المندب وعدم وجود موقف قوي من الدولة أو الأحزاب السياسية يعني وجود جماعات مسلحة مضادة للحوثيين مثل (داعش) أو تنظيم القاعدة».
وبعد تعزيز سيطرتهم على صنعاء، يسعى المتمردون الشيعة من جماعة «أنصار الله» إلى مد نفوذهم إلى مضيق باب المندب الاستراتيجي غربا وحقول النفط شرقا، استنادا إلى مصادر متطابقة. فبعد أكثر من أسبوعين من دخولهم دون مقاومة إلى صنعاء حيث سيطروا على المباني العامة والعسكرية الرئيسة، حل المتمردون المسلحون محل الشرطة وقاموا بفرض القانون في المدينة، حسب السكان. ويقيم مسلحون نقاط مراقبة في الشوارع الرئيسة للعاصمة، فيما يقوم آخرون بدوريات في عربات تعلوها رشاشات ثقيلة.
ولا يزال اتفاق السلام الموقع في 21 سبتمبر (أيلول) الماضي تحت رعاية الأمم المتحدة ويقضي بتعيين رئيس وزراء جديد وانسحاب المسلحين من العاصمة، حبرا على ورق. في المقابل يريد المتمردون الشيعة الذين يتحركون تحت اسم «اللجان الشعبية» أن يكون لهم الحق في مراقبة مالية البلاد، ويقومون بمراقبة وتفتيش كبار موظفي وزارة المالية والبنك المركزي، كما أوضح موظفون.
كما أقام المتمردون قضاء موازيا، حيث فتحوا أخيرا في أحد أحياء غرب صنعاء «مكتب شكاوى» على شكل محكمة دينية يتولى الإشراف عليها كريم أمير الدين بدر الدين الحوثي، أحد أبناء إخوة زعيم التمرد عبد الملك الحوثي، كما ذكر مسؤول محلي. وقبل هجومهم على صنعاء، كان المتمردون الحوثيون يتمركزون في صعدة، معقلهم في شمال اليمن الذي يشكل الزيديون الشيعة غالبية سكانه. إلا أنهم وضعوا أخيرا نصب أعينهم السيطرة على ميناء الحديدة على البحر الأحمر حيث فتحوا الأسبوع الماضي مقرا لهم.
وقال مسؤول عسكري قريب من «أنصار الله» لوكالة الصحافة الفرنسية إن «الحديدة مرحلة أولى في طريق توسيع وجودهم عبر اللجان الشعبية على طول الشريط الساحلي وحتى باب المندب» على مدخل البحر الأحمر وخليج عدن. وقال مصدر عسكري آخر إن «الحوثيين لديهم بالفعل بضعة آلاف من الرجال المسلحين في الحديدة ويطمحون إلى السيطرة على مضيق باب المندب، إضافة إلى منطقتي دهوباب والمخا الساحلتين اللتين تجرى عبرهما كل عمليات التهريب، ومن بينها تهريب الأسلحة».
على صعيد آخر، يسعى المتمردون إلى التقدم باتجاه محافظة مأرب في الشرق «آملين في التمكن بمساعدة القبائل الحليفة لهم، من السيطرة على حقول النفط والغاز وأيضا على محطة الكهرباء الرئيسة التي تغذي العاصمة»، كما صرح مصدر قريب من حركة التمرد.
لكن زعيما قبليا أوضح أن «هذا المشروع يواجه بمقاومة من قبائل مأرب المعادية للحوثيين مثل قبيلتي عبيدة ومراد اللتين حشدتا رجالهما»، مذكرا بأن قبيلتي «عبيدة ومراد انضمتا إلى قبائل الجوف (شمال مأرب) في المعارك ضد الحوثيين قبل 3 أشهر».
وعدّت الأوساط السياسية في صنعاء أن تقدم المتمردين الحوثيين في مأرب سيثير مواجهات مع «القاعدة» الناشطة في المنطقة وفي باقي محافظات جنوب وجنوب شرقي اليمن.
وفي رسالة تهنئة بمناسبة عيد الأضحى، أشار زعيم «أنصار الله» ضمنا إلى هذا الخطر، منددا بـ«مؤامرات تحاك ضد بعض المحافظات ومن بينها حضرموت» المعقل الرئيس لـ«القاعدة». في الوقت نفسه، فإن المتمردين يستغلون جمود العملية السياسية للتسلل إلى صفوف الجيش والشرطة. وقال مسؤول في جهاز أمني إن «الحوثيين يتفاوضون على ضم نحو 20 ألفا من مقاتليهم إلى الجيش وقوات الأمن وأجهزة المخابرات».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.