السعودية تتصدر {مجموعة الـ20} في تراجع معدل انبعاث الكربون

دراسة: سياسات الحكومة تنجح في تحدي التخفيض رغم نمو الاقتصاد وزيادة عدد السكان

سجلت السعودية أقل معدل نمو انبعاثات كربونية من المتوسط العالمي بعد عقود من المعدلات المرتفعة
سجلت السعودية أقل معدل نمو انبعاثات كربونية من المتوسط العالمي بعد عقود من المعدلات المرتفعة
TT

السعودية تتصدر {مجموعة الـ20} في تراجع معدل انبعاث الكربون

سجلت السعودية أقل معدل نمو انبعاثات كربونية من المتوسط العالمي بعد عقود من المعدلات المرتفعة
سجلت السعودية أقل معدل نمو انبعاثات كربونية من المتوسط العالمي بعد عقود من المعدلات المرتفعة

تزيد السعودية من سياسات كفاءة الطاقة وخفض انبعاثات الكربون على أعتاب تسلمها ملف استضافة فعاليات مجموعة العشرين المرتقبة الشهر المقبل، وكشفت دراسة علمية مقارنة عن تصدر السعودية دول المجموعة (G20) في تخفيض معدلات انبعاث الكربون، في خطوة تدل على نجاح برامج وسياسات الحكومة في المملكة لرفع كفاءة الطاقة وضبط الاستخدام متخطية تحدي عاملي نمو الناتج المحلي وتزايد عدد السكان في البلاد.
وقالت دراسة حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها: «للمرة الأولى في التاريخ الحديث منذ عام 2010 بدأت وتيرة تباطؤ الزيادة في انبعاثات الكربون في السعودية تسجل انخفاضا بشكل ملحوظ حتى عام 2018»، مرجعة الفضل في تفسيرها التحليلي لمزيج برامج كفاءة استخدام الطاقة في النقل والصناعة والمباني، إضافة إلى التحول في معالجة أسعار الطاقة وتحديدا البنزين والكهرباء.
وأوضحت دراسة تحت عنوان «مقارنة أداء المملكة العربية السعودية في مجال الطاقة بأداء الدول الأخرى في مجموعة العشرين»، أن الإصدار العلمي يهدف إلى تقييم أداء المملكة في تخفيض تأثيرات الطاقة، مشيرة إلى أن انبعاثات الكربون العالمية بدت مستقرة في الفترة ما بين 2014 – 2016، قبل أن تتنامى مجددا في عام 2017، ووصلت إلى ما يزيد على 2 في المائة خلال 2018.
وأوردت الدراسة التي قام عليها ثلاثة باحثون هم بالتاسار مانزانو وروالندو فوينتيس ونيكوالس هوارث من مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية «كاسبارك» أنه وفقا للمراجعة الإحصائية الموثوقة عن شركة بي بي العالمية، سجلت السعودية أقل معدل نمو انبعاثات من المتوسط العالمي، بعد عقود من المعدلات المرتفعة، مفصحة أن انبعاثات غاز الكربون في المملكة انخفضت بنسبة 1.1 في المائة في عام 2017 و4.3 في المائة خلال 2018 بينما زادت في العالم بنسبة 1 و2 في المائة على التوالي.
وتشير الدراسة إلى أن الفترة بين عامي 2015 إلى 2018 انخفضت انبعاثات غاز الكربون في السعودية بنسبة 7.2 في المائة، مؤكدة أن ذلك لم يكن نتاج تراجع في النمو الاقتصادي، حيث توضح المؤشرات البيانية العكس بوجود تنام في إجمالي الناتج المحلي السعودي بنسبة 1.3 في المائة.
وأضاف الباحثون في تفسيراتهم للحالة، أن تراجع الانبعاثات جاء عكس تيار الطلب الذي يتوافق مع النمو السكاني، حيث كشفوا أن النمو السكاني ارتفع بنسبة 3.6 في المائة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يعزى له انخفاض الإفرازات الكربونية ويؤكد جدية البرامج المنفذة في السعودية لرفع كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات.
ويشير الباحثون إلى أن الإصلاحات السعودية تبرز كأهم عامل في النتائج المحققة؛ حيث إن إصلاح أسعار الطاقة في البلاد وسياسات كفاءة استخدامها بدت ناجحة في تحقيق الأهداف المرجوة منها، وأن التأثيرات الكامنة لتلك البرامج أصبحت واضحة في المؤشرات العلمية خلال السنوات موضع الدراسة، مبينة أن نمط التغير في استهلاك الطاقة بدأ يتحسن في الفترة من 2010 - 2014 وتزايدت وتيرته في الفترة ما بين عامي 2015 و2018، كما تظهره مؤشرات الفصل المبدئي البيانية لاستهلاك الطاقة المحلي عن النمو الاقتصادي والسكاني. وأوضحت الدراسة أنه رغم نمو الناتج المحلي الإجمالي في الفترة ما بين عامي 2015 و2018، مر استهلاك الطاقة في السعودية بحالة ركود بنسبة 0.1 في المائة، كما تراجع الاستهلاك المحلي للنفط بنسبة 6.2 في المائة، كما انخفض استخدام النفط لتوليد الكهرباء للفترة ذاتها بتغير تراكمي قوامه 4.1 في المائة كما تراجعت حصة النفط المستخدم في توليد الكهرباء إلى 2.3 في المائة خلال 2018 مقابل 3.4 في المائة في 2015.
ووفقا للدراسة، زاد متوسط الانبعاثات في مجموعة العشرين بنسبة 2.3 في المائة، وفي العالم بنسبة 3.3 في المائة خلال الفترة من 2015 وحتى عام 2018، كما ارتفاع استهلاك الطاقة الأولية في العالم للفترة نفسها 6.3 في المائة، فيما بلغ متوسط نموه في مجموعة العشرين 5.9 في المائة.
وبحسب بيانات الدراسة، نما استهلاك النفط على مستوى العالم ومجموعة العشرين بالمعدل نفسه تقريبا 4.4 في المائة مقابل تراجع استهلاك السعودية 6.2 في المائة، في وقت زاد توليد الكهرباء في السعودية 7.6 في المائة بمعدل أبطأ من متوسط مجموعة العشرين البالغ 10 في المائة والمتوسط العالمي 9.6 في المائة.
ويلفت الباحثون إلى أن إصلاحات أسعار الطاقة في المملكة وبرامج كفاءة استخدام الطاقة لا تؤدي إلى الاستخدام الفعال للطاقة فحسب، بل تسمح أيضا للدولة بزيادة عائدات النفط عن طريق تصدير ما كان سيستخدم محليا، فيما على المدى الطويل، يمكن أن تقلل السعودية من استهلاكها المحلي للنفط بواقع 724 ألفا، كما أن ذلك سيقلل من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بمقدار 97 مليون طن سنويا، هذا بجانب المكاسب البيئية.



الرياض تجمع 80 جهة عارضة من 14 دولة للنهوض بقطاع الفنادق عالمياً

جلسة حوارية في المعرض السعودي للفنادق والضيافة (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية في المعرض السعودي للفنادق والضيافة (الشرق الأوسط)
TT

الرياض تجمع 80 جهة عارضة من 14 دولة للنهوض بقطاع الفنادق عالمياً

جلسة حوارية في المعرض السعودي للفنادق والضيافة (الشرق الأوسط)
جلسة حوارية في المعرض السعودي للفنادق والضيافة (الشرق الأوسط)

اجتمعت أكثر من 80 جهة عارضة من 14 دولة حول العالم في العاصمة السعودية الرياض للنهوض بقطاع الفنادق عالمياً، من خلال «المعرض السعودي للفنادق والضيافة 2026»، تشمل المملكة، والبرتغال، وتركيا، ومصر، والإمارات، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، وغيرها، فيما يُتوقع أن يستقبل الحدث أكثر من 6500 زائر على مدى ثلاثة أيام.

وانطلق المعرض في العاصمة الرياض، الثلاثاء، مع زخم كبير من الحضور والشركات المحلية والدولية، متحدياً حالة عدم اليقين الجيوسياسي، التي أثرت في حركة السفر العالمية وقرارات الاستثمار.

وأكد مختصون، أن السعودية أثبتت قدرة لافتة على الصمود، مستندة إلى وضوح الرؤية الاقتصادية الطويلة المدى، والدعم الحكومي القوي لقطاعي السياحة والبنية التحتية، واستمرار ثقة المستثمرين في مسيرة التحول التي تشهدها المملكة.

من جهته، قال جورج رحال، المدير الإقليمي للشؤون التجارية والضيافة في OSN، إنه مع استمرار نمو قطاع الضيافة في السعودية، تتطور توقعات الضيوف، حيث يشكل المعرض السعودي للفنادق والضيافة فرصة مهمة للتواصل المباشر مع الملاك والمشغلين والمطورين الذين يسهمون في رسم ملامح الجيل القادم من قطاع الضيافة في المملكة.

السعودية وجهة مستقرة

من ناحيته، أفاد حسين دايخ العضو المنتدب في «وزوود» جدة، لـ«الشرق الأوسط»: «في حين أن المسافرين يولون أهمية متزايدة للوجهات التي توفر الأمان والاستقرار والبنية التحتية المتطورة وتنوع التجارب، فإن السعودية تواصل أداءها القوي في هذه الجوانب، ما مكّن قطاع السياحة من الحفاظ على مسار نموه رغم التحديات الإقليمية الأوسع».

وبيّن أن السعودية، تشهد اليوم واحدة من أكثر أسواق العقارات والتطوير نشاطاً على مستوى العالم، مدفوعة بمستهدفات «رؤية 2030»، وبمستويات غير مسبوقة من الاستثمارات الحكومية والخاصة».

وأوضح أن المشاريع الكبرى، بما في ذلك نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، والدرعية، إلى جانب العديد من مشاريع التطوير الحضري المتعددة الاستخدامات، تسهم في إعادة رسم ملامح قطاعي السياحة والضيافة في المملكة، وخلق طلب متزايد على الفنادق والمطاعم والتصميم الداخلي وأعمال التجهيز والحلول المتخصصة في الضيافة.

ووفق دايخ، فإن المشاريع المرتبطة بـ«رؤية 2030» تستقطب استثمارات محلية ودولية كبيرة، بالتزامن مع نشوء وجهات سياحية ومنظومات متكاملة جديدة، مبيناً أنه على مستوى قطاع الضيافة تحديداً، يواصل الطلب نموه بوتيرة متسارعة، في ظل استهداف المملكة استقبال 150 مليون زائر سنوياً بحلول عام 2030.

وأضاف: «إن هذا النمو يقود إلى تطوير آلاف الغرف الفندقية، والمساكن ذات العلامات التجارية، والمنتجعات، والوجهات العصرية، والمشاريع التجارية المرتبطة بالضيافة».

ومع نضج السوق، يتحول التركيز تدريجياً من مجرد تطوير المنشآت إلى ابتكار تجارب استثنائية للضيوف، تقوم على التصميم المبتكر، والتجهيزات العالية الجودة، وتكامل التكنولوجيا، ومفاهيم الضيافة التي تنطلق من هوية الوجهة نفسها. بحسب دايخ.

جانب من فعاليات المعرض السعودي للفنادق والضيافة (الشرق الأوسط)

سياحة الأعمال

ويرى أن تنوع المنتج السياحي في السعودية، الذي يجمع بين السياحة الدينية والثقافية والترفيهية وسياحة الأعمال، يمنح السوق مزيداً من المرونة، ويدعم استدامة الطلب عبر مختلف شرائح الزوار، مؤكدا أن استمرار نمو أعداد الزوار والإنفاق السياحي وتوسع المشاريع الفندقية، فإن المستثمرين والعلامات العالمية ينظرون بثقة إلى مستقبل المملكة وإمكاناتها على المدى الطويل.

ولفت إلى «رؤية 2030» أحدثت تحولاً جوهرياً في الصورة العالمية للمملكة وفي جاذبيتها الاستثمارية. ومن أبرز إنجازاتها تجاوز مستهدفها الأصلي باستقبال 100 مليون زائر سنوياً قبل الموعد المحدد بسنوات، وهو ما أدى إلى رفع المستهدف إلى 150 مليون زائر بحلول عام 2030.

وأسهمت الرؤية وفق دايخ، في تنفيذ إصلاحات تنظيمية واسعة، وتوسيع شبكة الربط الجوي الدولي، وإطلاق التأشيرات السياحية، وتسريع تطوير البنية التحتية، وإنشاء وجهات سياحية تحظى باهتمام عالمي، مع تعزيز ثقة مشغلي الفنادق العالميين، والعلامات التجارية في قطاع المطاعم، والمصممين، والمطورين والمستثمرين الدوليين في دخول السوق السعودية والتوسع فيها.

صناعة الفرص

من جهته، أبان الدكتور عبد الرحمن باعشن، رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية، أن السعودية اتخذت إجراءات وسياسات وفق الرؤية تمتص صدمات وتأثير الحرب والتطورات الإقليمية، وهذا ما يفسّر انعكاسها الإيجابي على السياحة والاستثمار وحركة السفر، ومدى مرونة السوق وقدرتها على المحافظة على زخم النمو.

وعد باعشن، السعودية من أكثر الأسواق الواعدة والحيوية عالمياً في قطاعي السياحة والضيافة، مبيناً أن حجم التحول الذي تشهده البلاد إلى جانب التزامها بتنويع اقتصادها على المدى الطويل، أسهما في ترسيخ مكانتها كوجهة جاذبة للمستثمرين والشركات العالمية والعلامات التجارية الرائدة.

وطبقاً لرئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية في حديثه لـ«الشرق الأوسط» فإن الرؤية السعودية صنعت الفرص المستقبلية أمام قطاع الضيافة، متوقعاً استمرار النمو في الفنادق الفاخرة، والمنشآت العصرية، والمنتجعات، والوجهات المتخصصة في الصحة والعافية، والتجارب السياحية التي تنطلق من خصوصية كل وجهة.

وتوقع باعشن أن تسهم الوجهات السياحية الجديدة على ساحل البحر الأحمر وفي العلا والدرعية وغيرها من الأسواق الناشئة في خلق طلب متزايد على مفاهيم ضيافة مبتكرة وتجارب عالمية المستوى، مع توقعات نمو قوية في تقنيات الضيافة، بما يشمل تخصيص تجارب الضيوف، والذكاء الاصطناعي في العمليات، والمباني الذكية، وحلول الاستدامة، والرحلات الرقمية المتكاملة للضيوف.

واتفق باعشن مع دايخ، في أن واقع قطاع السياحة والضيافة في السعودية، تعكسه معدلات النمو، وأعداد السياح والإنفاق السياحي، والتوسع في الطاقة الفندقية ودور القطاع في الاقتصاد السعودي، مؤكدين أن القطاع يواصل تحقيق نمو لافت، مدفوعاً بنجاح «رؤية 2030»، وبروز المملكة كوجهة رئيسية للسياحة الترفيهية والأعمال والثقافة والسياحة الدينية.


الصين تعيد رسم خريطة الائتمان وتراقب اليوان

مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
TT

الصين تعيد رسم خريطة الائتمان وتراقب اليوان

مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)
مقر «بنك الشعب» الصيني في العاصمة بكين (رويترز)

تدخل الصين مرحلة جديدة في إدارة الائتمان والعملات، مع إقرار البنك المركزي بأن تباطؤ نمو القروض لم يعد ظاهرة مؤقتة، بل هو تحول هيكلي يعكس انكماش العقارات وتمويل الحكومات المحلية، في وقت تكشف فيه سوق الصرف عن تراجع إقبال الشركات على التحوط الآجل رغم استمرار قوة اليوان أمام الدولار.

وقال محافظ بنك الشعب الصيني بان قونغ شنغ إن نمو القروض بوتيرة أبطأ، ولكن «بجودة أعلى»، مرشح لأن يصبح جزءاً من «الوضع الطبيعي الجديد» للاقتصاد، مؤكداً أن الحفاظ على معدلات التوسع الائتماني السابقة أصبح صعباً وغير ضروري.

وجاءت تصريحات بان بعد بيانات أظهرت تعافي القروض الجديدة في أغسطس (آب) من الانكماش القياسي المسجل في يوليو (تموز)، لكنها ظلت أقل من توقعات المحللين، في ظل ضعف شهية الأسر والشركات للاقتراض.

• اقتصاد أقل اعتماداً على القروض

ويربط البنك المركزي التحول الجاري بتغير بنية الاقتصاد الصيني. فجزء كبير من القروض القائمة، التي تتجاوز 280 تريليون يوان (41.73 تريليون دولار)، مرتبط بالعقارات ومركبات تمويل الحكومات المحلية، وهما قطاعان يتعرضان حالياً لضغوط تدفع الطلب على التمويل إلى الانكماش.

وفي المقابل، لم تتمكن القطاعات الجديدة من تعويض هذا التراجع بالكامل، رغم توسعها السريع.

ويشير بان إلى أن التصنيع عالي التقنية والتكنولوجيا الخضراء، اللذين أسهما بأكثر من 40 في المائة من النمو الاقتصادي خلال النصف الأول من 2026 يعتمدان بصورة أكبر على التكنولوجيا والبيانات والملكية الفكرية، وأقل على الأراضي والمصانع، ما يجعل حاجتهما إلى القروض المصرفية التقليدية أقل من الصناعات القديمة.

ويعني ذلك أن ضعف نمو القروض لا يعكس بالضرورة تشديداً في السياسة النقدية.

ويؤكد بان أن ظروف التمويل لا تزال ميسرة نسبياً، وأن احتياجات الاقتراض الفعلية للاقتصاد ما زالت تُلبى. ويتزامن ذلك مع محاولة البنك المركزي تقليل الاعتماد على القروض المصرفية بوصفها المقياس الأساسي للسيولة، في ظل توسع أسواق السندات والأسهم وقنوات التمويل الأخرى.

وفي 2025، شكلت القروض 45 في المائة من الزيادة في إجمالي التمويل الاجتماعي، بينما بلغت حصة التمويل عبر السندات والأسهم مجتمعة 47 في المائة، متجاوزة القروض للمرة الأولى.

• كبح تراكم الديون

ويحمل التحول أيضاً هدفاً يتعلق بالاستقرار المالي. فبعد سنوات من التوسع السريع في المديونية، يرى البنك المركزي أن تباطؤ نمو التمويل يمكن أن يساعد في تثبيت مستويات الرافعة المالية.

وحذر بان من أن الإفراط في التوسع المالي قد يؤدي إلى تضخم الديون، ودوران الأموال داخل أنشطة المضاربة بدلاً من الاقتصاد الحقيقي، كما قد يؤخر خروج الشركات غير الكفؤة ومعالجة الطاقة الإنتاجية الفائضة.

وتكشف هذه الرؤية عن تحول في الأولويات من التركيز على حجم الائتمان إلى كفاءته وتوجيهه، في وقت تحاول فيه بكين إعادة هيكلة محركات النمو بعيداً عن الاعتماد الكبير على العقارات والاستثمار الممول بالديون.

• اليوان يضيف تحدياً جديداً

وبالتوازي مع التحول الائتماني، تواجه السلطات تحدياً آخر يتمثل في قوة اليوان، الذي ارتفع 4.2 في المائة أمام الدولار منذ بداية العام، ليصبح من أفضل العملات الآسيوية أداء. وأظهرت بيانات رسمية أن صافي مبيعات العملات الأجنبية إلى البنوك الصينية تجاوز المشتريات للشهر السادس عشر على التوالي في أغسطس، مع استمرار المصدرين في بيع الدولار وتحويل حصيلة تجارتهم إلى اليوان، وهو عامل دعم العملة الصينية خلال السنوات الأخيرة.

لكنّ مؤشراً مهماً أظهر اتجاهاً مختلفاً؛ إذ هبطت تسوية عقود الصرف الأجنبي الآجلة إلى أدنى مستوى في ستة أشهر. وتعكس هذه العقود استعداد الشركات لتثبيت أسعار صرف العملات التي تمتلكها، وعادة ما يرتفع استخدامها عندما تتوقع الشركات استمرار صعود اليوان.

ويشير تراجعها إلى أن الشركات أصبحت أقل اندفاعاً نحو تثبيت أسعار الصرف المستقبلية، رغم استمرار بيع العملات الأجنبية في السوق الفورية.

• السلطات تشجع التحوط

وفي المقابل، ارتفعت نسبة تحويل العملات الأجنبية، التي تقيس استعداد الأسر والشركات لبيع الدولار مقابل اليوان، إلى 61.5 في المائة خلال أغسطس. وانخفضت نسبة شراء العملات الأجنبية إلى 57.8 في المائة، وهو أدنى مستوى في 13 عاماً ونصف العام.

ومع استمرار ارتفاع العملة، طلبت الهيئة التنظيمية لسوق الصرف الأجنبي من البنوك تشجيع المزيد من عملائها من الشركات على التحوط من مخاطر العملة، في محاولة لحماية المصدرين من التقلبات والخسائر المحتملة الناجمة عن قوة اليوان.

وتجمع التطورات في الائتمان وسوق الصرف بين وجهين للتحول الاقتصادي الصيني: اقتصاد يتراجع فيه دور الإقراض التقليدي مع انكماش العقارات والحكومات المحلية، ونظام مالي تتزايد فيه أهمية السندات والأسهم وأدوات إدارة مخاطر العملات.

وبالنسبة إلى بكين، يصبح التحدي هو إدارة هذا الانتقال من دون السماح لضعف الائتمان بإبطاء النشاط أكثر من اللازم، أو لقوة اليوان بالضغط على المصدرين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هدف أوسع يتمثل في خفض الاعتماد على الديون وتوجيه التمويل نحو قطاعات أكثر إنتاجية.


صناديق النقد السعودية أمام إعادة ترتيب لاستثماراتها

مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

صناديق النقد السعودية أمام إعادة ترتيب لاستثماراتها

مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى هيئة السوق المالية السعودية في الرياض (الشرق الأوسط)

تدخل صناديق أسواق النقد السعودية مرحلة جديدة في إدارة السيولة، وإعادة ترتيب محافظها الاستثمارية، مع بدء تطبيق ضوابط تحد من توظيف أموالها خارج المملكة، وتفرض سقفاً للانكشاف الخارجي عند 5 في المائة من صافي أصول الصندوق، بما يفرض على مديريها موازنة أدق بين العائد، والسيولة، والمخاطر.

ولا يعني التنظيم الجديد تخارجاً فورياً من الاستثمارات الخارجية القائمة، إذ منحت هيئة السوق المالية مديري الصناديق فترات انتقالية لتوفيق أوضاع محافظهم، ما يتيح إعادة ترتيب الاستثمارات تدريجياً مع استحقاق الودائع، والمرابحات القائمة، بدلاً من اللجوء إلى عمليات تخارج مبكرة قد تؤثر في عوائد الصناديق، أو كفاءة إدارة السيولة.

وتعزز الضوابط الجديدة حماية المستثمرين من مخاطر الانكشاف الخارجي، بالتزامن مع اشتراط توافر تصنيف ائتماني بدرجة استثمارية للأطراف الخارجية. ويرى محللون ماليون أن الأثر الأبرز للخطوة لن يظهر بالضرورة في تدفقات فورية، وإنما في إعادة تشكيل محافظ صناديق النقد، وطريقة توزيع السيولة بين الأدوات المحلية والخارجية وفق معايير العائد، والسيولة، وجودة الائتمان.

ومع اتساع الخيارات المتاحة أمام مديري الصناديق في السوق السعودية، تفتح إعادة ترتيب المحافظ مساحة أكبر للنظر في أدوات السيولة المحلية، فيما تتيح الفترات الانتقالية التي حددتها الهيئة تنفيذ عملية التعديل تدريجياً، بما يحافظ على مرونة إدارة الاستثمارات القائمة، ويحد من مخاطر إعادة التوظيف السريعة.

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم بالسوق السعودية (رويترز)

تعزيز حماية المستثمرين

وفي هذا السياق قال المحلل المالي عبد الله الجبلي لـ«الشرق الأوسط» إن توجه هيئة السوق المالية يأتي ضمن إطارها التشريعي والتنظيمي الهادف إلى ضبط الاستثمارات ذات المخاطر المرتفعة، وتعزيز حماية المستثمرين، خصوصاً في ظل المتغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية، واستمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار أسعار الفائدة.

وأوضح الجبلي أن القرار يستهدف خفض مستوى انكشاف صناديق أسواق النقد العاملة في المملكة على الاستثمارات الخارجية، والحد من تأثير التقلبات المرتبطة بها، في وقت لا تزال فيه الرؤية بشأن توقيت ومستوى انخفاض أسعار الفائدة خلال السنوات المقبلة غير واضحة.

وأضاف أن توجه الهيئة لا يقتصر على تحديد سقف للاستثمارات الخارجية، بل يمتد إلى تعزيز الضوابط المتعلقة بالجهات التي يمكن الاستثمار من خلالها، بما يشمل مراعاة التصنيفات الائتمانية، ومستويات الملاءة، والموثوقية، بما يسهم في الحد من المخاطر، والمحافظة على أموال المستثمرين.

وأشار إلى أن الضوابط تستهدف كذلك الحد من تركز استثمارات صناديق النقد في أدوات أو جهات قد تواجه صعوبة في التخارج منها عند الحاجة، بما يعزز مستويات السيولة، ويرفع قدرة الصناديق على التعامل مع المتغيرات السوقية.

وتوقع الجبلي أن تتبع هذه الخطوة إجراءات تنظيمية أخرى قد تشمل أنواعاً مختلفة من الاستثمارات الخارجية، مثل الصناديق العقارية، وصناديق التمويل، والصكوك الأجنبية، وربما تمتد إلى استثمارات الصناديق في الملكية الخاصة خارج المملكة.

وأكد أن هذه التوجهات تعكس حرص هيئة السوق المالية على خفض مستويات المخاطر المرتبطة ببعض الممارسات الاستثمارية، وتعزيز سلامة البيئة الاستثمارية، وحماية المستثمرين في السوق السعودية.

من جانبه قال المحلل المالي طارق العتيق لـ«الشرق الأوسط» إن القرار يستهدف في المقام الأول خفض المخاطر، وتعزيز حماية المستثمرين، وتنظيم توظيف السيولة خارج المملكة بصورة أكثر انضباطاً، موضحاً أن صناديق أسواق النقد تستثمر عادة في الودائع، والمرابحات، والصكوك قصيرة الأجل، وتدير الشركات المالية التابعة للبنوك جزءاً كبيراً منها.

وأضاف أن تقييم الصندوق بالريال لا يعني بالضرورة أن جميع استثماراته داخل المملكة، إذ قد تُوظف بعض السيولة لدى بنوك خليجية أو أجنبية بحثاً عن عوائد أعلى، مشيراً إلى أن القرار يسهم في تقليص هذا الانكشاف، وإعادة جزء من السيولة إلى السوق المحلية.

وبيّن أن منح الصناديق مهلة تصل إلى عامين لتصحيح أوضاعها يراعي طبيعة الودائع، والمرابحات المرتبطة بآجال محددة، إذ قد يؤدي التخارج المبكر منها إلى التأثير في أداء الصندوق، لافتاً إلى أن عدم تجديد الودائع الخارجية خلال هذه الفترة يتيح انتقالاً تدريجياً، ومنظماً.

هيئة السوق المالية السعودية (الشرق الأوسط)

مسار تدريجي لتوفيق الأوضاع

وكانت هيئة السوق المالية السعودية قد فرضت سقفاً جديداً على الاستثمارات الخارجية لصناديق أسواق النقد العامة، بحيث لا يتجاوز استثمار أصول وأموال الصندوق خارج المملكة 5 في المائة من صافي قيمة أصوله، مع منح مديري الصناديق فترات انتقالية لتوفيق أوضاع الاستثمارات القائمة مع المتطلبات الجديدة.

وبموجب تعميم وجهته الهيئة إلى مؤسسات السوق المالية، يتعين على مديري صناديق أسواق النقد العامة التي تتجاوز استثماراتها الخارجية نسبة 5 في المائة اتخاذ الإجراءات اللازمة للالتزام بالسقف المحدد خلال مدة لا تزيد على سنتين من تاريخ التعميم.

ولا يقتصر المتطلب على الاستثمارات الجديدة، إذ ينص التعميم على عدم قيام مدير الصندوق بالاستثمار، أو إبرام أو تجديد أي صفقة من شأنها الإخلال بالنسبة المحددة، إلى حين استكمال إجراءات توفيق الأوضاع.

ووضعت الهيئة إطاراً زمنياً أقصر للصناديق التي تتجاوز استثماراتها الخارجية 20 في المائة من صافي قيمة أصولها، إذ يتعين على مديري هذه الصناديق خفض تلك الاستثمارات إلى ما دون 20 في المائة خلال مدة أقصاها 6 أشهر من تاريخ التعميم.

وبعد ذلك يتعين على مديري الصناديق مواصلة إجراءات توفيق الأوضاع للوصول إلى السقف النهائي البالغ 5 في المائة وفقاً للمتطلب المحدد في التعميم.

ويعني ذلك أن التعميم يميز بين مستويات التعرض للاستثمارات الخارجية؛ فالصناديق التي تتجاوز السقف المحدد مطالبة بتوفيق أوضاعها خلال فترة انتقالية تصل إلى سنتين، في حين تخضع الصناديق التي يتجاوز تعرضها 20 في المائة لمسار أسرع لخفض تلك النسبة أولاً إلى ما دون 20 في المائة.

وبالتوازي مع تحديد سقف الاستثمارات الخارجية، ألزمت الهيئة بأن تكون جميع الاستثمارات الخارجية لصندوق أسواق النقد العام مع أطراف ذات تصنيف ائتماني بدرجة استثمارية صادر عن وكالة تصنيف ائتماني مرخص لها.

وفي حال وجود استثمارات خارجية لا تستوفي هذا الشرط، يتعين على مدير الصندوق اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفيق الأوضاع خلال مدة لا تزيد على سنتين من تاريخ التعميم.

وأكدت هيئة السوق المالية ضرورة التزام مؤسسات السوق المالية بمقتضى التعميم، ونظام السوق المالية ولوائحه التنفيذية، وحددت إدارة التزام برامج الاستثمار الجماعي جهة للاستفسارات المتعلقة بالمتطلبات الجديدة.