فرنسا تطالب بالإفراج عن باحثين معتقلين في طهران وتدين اختطاف صحافي إيراني

تقرير يزعم أن امرأة استدرجت زم إلى العراق بحجة التقاء السيستاني... ومكتبه ينفي

TT

فرنسا تطالب بالإفراج عن باحثين معتقلين في طهران وتدين اختطاف صحافي إيراني

ما اللعبة التي تلعبها طهران مع باريس بأن يقوم جهاز من أجهزتها بالتحضير لعملية إرهابية بمناسبة اجتماع سنوي للمعارضة الإيرانية في ضاحية فيلبانت في يونيو (حزيران) من العام الماضي؟ وما الغاية من قبض «الحرس الثوري» الإيراني، بعد عام تماماً، على باحثة أنثروبولوجية تحمل الجنسيتين الإيرانية والفرنسية في منزل والديها بطهران وترميها في سجن «إيفين» سيئ الذكر الواقع شمال العاصمة بتهمة التجسس؟ ولماذا عمد «الحرس الثوري» إلى القبض على رفيق دربها رولان مارشال؛ الباحث والأكاديمي الفرنسي في «معهد العلوم السياسية» في باريس عند وصوله إلى مطار طهران بداية شهر يونيو الماضي؟ ولماذا أبقت اعتقاله سراً ولم يكشف النقاب عن ذلك إلا أمس في مقال لصحيفة «لو فيغارو»، التي أكدت أن تهمة التجسس ألصقت به وأنه نزيل السجن نفسه؟ وأخيراً؛ هل من علاقة بين هذه المسائل الثلاث وإعلان مخابرات «الحرس الثوري» نفسه قيامه بعملية استخبارية «معقدة» نجحت بنتيجتها في استدراج الصحافي المعارض للنظام روح الله زم من باريس، حيث كان يقيم منذ 10 سنوات إلى العراق (وبحسب الصحيفة نفسها) إلى مدينة النجف، وإلقاء القبض عليه هناك ونقله إلى طهران مع توجيه الاتهام للمخابرات الفرنسية بأنها كانت «مشغلته»؟
هذه التساؤلات لم تجد حتى اليوم إجابات عنها. والمفارقة أن إيران تستهدف فرنسا التي يسعى رئيسها منذ شهر مايو (أيار) من العام الماضي لحماية الاتفاق النووي بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخروج منه وفرضه عقوبات اقتصادية ومالية هي الأقوى على إيران. والجميع يتذكر الجهود الدبلوماسية الجبارة التي قام بها إيمانويل ماكرون في مؤتمر «مجموعة السبع» في بياريتز، أواخر أغسطس (آب) الماضي، ثم في أروقة الأمم المتحدة في نيويورك لإخراج الملف النووي من الطريق المسدودة والجمع بين الرئيسين الأميركي والإيراني للسير بالأفكار الفرنسية. ثم تتعين الإشارة إلى أن باريس وطهران على تواصل دائم على مختلف المستويات.
ورغم ذلك، فإن الباحثة مزدوجة الجنسية واسمها فريبا عادلخواه؛ المختصة في الشؤون الدينية دائمة التردد على طهران، ورولان مارشال المختص في أفريقيا الشرقية، ما زالا في السجن. وفيما لا تعترف إيران بازدواج الجنسية وبالتالي فإنها تحرم الباحثة فريبا عادلخواه من «الحماية القنصلية» المنصوص عليها في الاتفاقات الدولية، فإن رفيق دربها يتمتع بها، مما يعني أن موظفين من القنصلية الفرنسية في طهران قادرون على زيارته في السجن.
في الأسابيع الماضية، طالبت باريس بالإفراج عن فريبا عادلخواه. كذلك طالب معهد العلوم السياسية وزملاؤها في فرنسا وخارجها بإطلاق سراحها، ولم تتجاوب طهران مع الطلب الفرنسي حتى اليوم، الأمر الذي يدفع للاعتقاد بأنها تطالب بـ«مقابل».
وترفض المصادر الفرنسية الرد على هذا التساؤل. لكن الغريب في المسألة أن القبض على مارشال بقي سراً طيلة أكثر من 4 أشهر، ولم يبرز إلى العلن إلا أمس. ويعود ذلك إلى رغبة الخارجية الفرنسية في إبقائه بعيداً عن الإعلام لتسهيل «المفاوضات» مع طهران، علماً بأن عائلة مارشال وزملاءه كانوا على علم بالقبض عليه عند وصوله إلى مطار طهران قادماً من دبي.
ثمّة ما يدعو للدّهشة في تعاطي السلطات الإيرانية مع فرنسا، ورفضها إخلاء سبيل مواطنين لها تؤكد باريس أن لا علاقة لهما بالتجسس لا من قريب ولا من بعيد، وهي التهمة التي ألصقتها بهما الأجهزة الإيرانية. وتقدم مصادر فرنسية غير رسمية تفسيراً مفاده بأن الأطراف التي تتواصل معها فرنسا بشأن الملف النووي لا تملك تأثيراً على «الحرس الثوري»، ولا على الجسم القضائي. وأمس، أكدت وزارة الخارجية الفرنسية، عبر مؤتمرها الصحافي الإلكتروني، اعتقال مارشال في إيران، وأنها منذ معرفتها بهذه الواقعة «سعت جاهدة لإطلاق سراحه». وأضافت الخارجية أنه «توافرت لها الفرصة للتعبير عن إدانتها الشديدة ولمطالبة السلطات الإيرانية بتوضيحات» حول هذه المسألة. وبحسب باريس، فإن كل المساعي قد «بذلت من غير تأخير للحصول من السلطات الإيرانية على المعلومات الضرورية (بخصوص عاد أخاه ومارشال) وإخلاء سبيلهما سريعاً». وأشارت الخارجية إلى أنها طلبت من السلطات الإيرانية ممارسة حق الرعاية القنصلية؛ وبناء على ذلك فقد زار القنصل الفرنسي في طهران مارشال مرات عدة، وأن الأخير يستفيد من خدمات محامٍ. والملاحظ أن الخارجية لم تشر إلى الرعاية القنصلية بخصوص عادلكاخ. وخلصت باريس إلى التعبير عن رغبتها في أن يتميز أداء السلطات الإيرانية في هذا الملف بـ«الشفافية» وأن تعمل «من غير مماطلة للانتهاء من هذا الوضع الذي لا يمكن قبوله». وكانت باريس قد نبّهت رعاياها، عبر وزارة الخارجية، من الذهاب إلى إيران بسبب ممارسات التوقيف والحجز الاعتباطية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية والمخابرات الإيرانية. وترجح «لو فيغارو» أن يكون «الحرس الثوري» ساعياً إلى «مبادلة» عاد أخاه ومارشال من جهة؛ ومهندس إيراني محتجز في فرنسا منذ شهر فبراير (شباط) الماضي في مطار مدينة نيس (جنوب فرنسا)، وتطالب واشنطن بتسليمها إياه بوصفه ضالعاً في البرنامج النووي الإيراني.
بموازاة تخليها عن الصمت بشأن اعتقال مارشال والمطالبة العلنية بإطلاق سراحه، فإن الخارجية الفرنسية أكدت أنها «لا تمتلك أي معلومات محددة بشأن اعتقال (روح الله زم) خارج الأراضي الفرنسية»، مضيفة أنها «تتابع هذا الموضوع بكل تيقظ». وبحسب تصريحات الخارجية، فإن زم يتمتع بصفة لاجئ وهو يمتلك إجازة إقامة في هذا الإطار، وإنه لا يحمل الجنسية الفرنسية. وباعتبار أنه «حر الحركة، وقادر على الدخول والخروج إلى ومن الأراضي الفرنسية، فإنه غادرها في 11 أكتوبر الحالي»، ما يعني أن عملية القبض عليه في النجف ثم نقله إلى طهران قد تمت فيما بين يومي 11 و15 موعد إعلان «الحرس الثوري» عن توقيفه. وأدانت باريس «بقوة» القبض على زم، وردّت بشكل غير مباشر على اتهامات طهران له، بتأكيدها التمسك بـ«دولة القانون وحق اللجوء وحرية التعبير»، في إشارة إلى العمل الصحافي الذي كان يمارسه روح الله زم من خلال قناته «آمد نيوز». وأفادت تقارير صحافية بأن زم كان يحضر لإطلاق قناة تلفزيونية.
لا يتوافر كثير من المعلومات عن كيفية استدراج روح الله زم من باريس إلى العراق وتوقيفه في النجف. إلا إن صحيفة «لو فيغارو» كشفت عن أن زم وقع في فخ امرأة لم تذكر هويتها، نجحت في إقناعه بالذهاب إلى العراق للقاء آية الله علي السيستاني. وفي النجف، تم القبض على زم قبل نقله إلى إيران وإظهاره معترفاً على قناة تلفزيونية. وبحسب الصحيفة نفسها، فإن «الحرس الثوري» استطاع وضع اليد على هاتفه الجوال وكومبيوتره، وإن هناك حالة من القلق في أوساط بعض المعارضين الإيرانيين الذين كان زم على تواصل معهم.
بيد أن مسؤولاً كبيراً في مكتب السيستاني نفى أمس معلومات الصحيفة الفرنسية، مؤكداً أنه «لم يكن للصحافي زم أي اتصال مباشر أو غير مباشر مع هذا المكتب، وليست لدينا معلومات عن زيارته أو وصوله إلى العراق»، مضيفاً أن اللقاء المزعوم بين السيستاني وزم «كاذب ولا أساس له من الصحة».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».