محاولة عزل ترمب بعد تجربة كلينتون... التاريخ مرشّح لأن يكرّر نفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

محاولة عزل ترمب بعد تجربة كلينتون... التاريخ مرشّح لأن يكرّر نفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

لم يكن مفاجئاً أن يطلق الديمقراطيون إجراءات لعزل الرئيس الجمهوري دونالد ترمب على أساس ما يقولون إنه مخالفة جسيمة للدستور في قضية طلبه من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي التحقيق في ملفّ هانتر بايدن ووالده جو، المرشّح الديمقراطي الأبرز للانتخابات الرئاسية 2020. والواقع أن الديمقراطيين كانوا يتحيّنون الفرصة للانقضاض على الرئيس، بعدما وصلت إلى طريق مسدود قضية تورّطه في تدّخل روسي مزعوم لمصلحته في انتخابات 2016.
يحصر الدستور الأميركي أسباب عزل الرئيس – أو إقالته - بـ «الخيانة أو الرشوة أو غيرهما من الجرائم والجنح الكبرى»، علماً أن الدستور لا يعرّف بدقة «الجرائم والجنح الكبرى». وبعد مجلس النواب، حيث الأكثرية للحزب الديمقراطي، يتولى مجلس الشيوخ بقية الإجراءات، علماً أن العزل يحتاج إلى أصوات ثلثي الحاضرين.
وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الشيوخ يضم 100 عضو، هم حالياً 53 جمهورياً و45 ديمقراطياً ومستقلان.
وفي أحدث تطورات المسألة، كشف التحقيق تفاصيل جديدة في ما يخص تعامل ترمب مع أوكرانيا، وكذلك تعامل محاميه الشخصي رودي جولياني. وتؤكد إفادات شهود، معظمهم من المسؤولين في وزارة الخارجية ومؤسسات حكومية فدرالية أخرى، إلى حد كبير رواية «المُخبر» الذي فجّر الفضيحة. وفي هذا السياق، قالت المستشارة السابقة في البيت الأبيض فيونا هيل، إن مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون انزعج للغاية من نشاطات جولياني الخفيّة في أوكرانيا ووصفها بأنها «قنبلة يدوية ستفجر الجميع».
واللافت أن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لم تدعُ المجلس حتى الآن إلى إجراء تصويت رسمي على العزل رغم الدعوات الجمهورية الصريحة. وقالت إن الكونغرس سيواصل التحقيق لأن «هذه ليست لعبة بالنسبة إلينا. هو أمر خطير للغاية. نحن نسير في طريق يأخذنا إلى الحقيقة».
وأشارت السياسية الديمقراطية البالغة من العمر 79 عاماً، إلى أن التحقيق في مسألة أوكرانيا جارة روسيا، يقود إلى العلاقة التي تربط بين ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
في أي حال، ستسلك الأمور الإجرائية طريقها الطويل، خصوصاً أن عدداً من الساسة الجمهوريين يرفض التعاون مع لجنة التحقيق التي يرأسها النائب الديمقراطي عن كاليفورنيا آدم شيف.

ترمب - كلينتون
هنا يرى عدد من المحللين والخبراء في القانون الدستوري الأميركي أن الديمقراطيين ارتكبوا خطأً فادحاً بإطلاق إجراءات مساءلة ترمب. وهو الخطأ نفسه الذي ارتكبه الجمهوريون عند محاولة عزل بيل كلينتون عام 1998، فكانت محاولة عقيمة أضرت بالجمهوريين، وعززت سلطة كلينتون، وسببت أضراراً للمؤسسات الدستورية أيضاً.
ومن أصحاب هذا الرأي أستاذ القانون في جامعة شيكاغو إريك بوزنر الذي يقول إن «العامل المشترك بين القضيتين هو أنه يتضح منذ البداية أن مجلس الشيوخ لن يدين الرئيس المتّهم».
ومعلوم أن الرئيس الديمقراطي كلينتون تورّط في علاقة مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي، وكذب على الرأي العام والكونغرس، ومع ذلك لم يكن الشيوخ الديمقراطيون الـ 45 مستعدّين للتخلي عنه وتأمين غالبية الثلثين المطلوبة لعزله، خصوصاً أن الشاب الوسيم والمتحدّث اللبق كان لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة.
لا شك في أن الجمهوريين الذين قادوا حملة العزل وقتذاك أدركوا أن قلة من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ سيصوتون ضد كلينتون (في الواقع لم يصوت أي منهم ضد الرئيس). لكنهم كانوا يأملون في إحراج الديمقراطيين وإلحاق الضرر بكلينتون، معتقدين أنهم سيحصلون على مقاعد أكثر في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) 1998 من خلال بدء إجراءات المساءلة قبل ذلك.
وبعد الفشل الجمهوري، اتفق الجمهوريون في نهاية المطاف مع الديمقراطيين على أن مسؤولية الكارثة تقع على عاتق كينيث ستار، المحامي المستقل الذي قادته تحقيقاته في صفقات كلينتون العقارية قبل سنوات إلى قضية مونيكا لوينسكي. وبالتالي ضاعت تحقيقات ستار هباءً، وخرج كلينتون من المعمعة سليماً معافى.
واليوم سيتكرر الأمر نفسه، بمعنى أن ساسة جمهوريين عدة قد يكونون غير راضين عن تصرفات ترمب، لكن لا مؤشر أو دليل على أن أياً منهم سيصوّت ضده، سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن ترمب لا يتمتع بشعبية كلينتون، إلا أنه يملك في صفوف حزبه قاعدة صلبة وفية بدليل أنها لم تتأثر بفضائح سابقة.
ولا ننسى هنا أن الرئيس (الراحل) ريتشارد نيكسون ارتكب أفظع ما يمكن أن يرتكبه رئيس أميركي، إذ أمر بالتنصت على خصومه في الحزب الديمقراطي، غير أن المساءلة التي تلت فضيحة «ووترغيت» لم تؤد إلى عزل الرئيس بل إلى استقالته في أغسطس (آب) 1974.
وإذا كان بعض الديمقراطيين متحمساً للمساءلة من باب أن ترمب سيضعف حتى في حال فشل محاولة العزل، فإن آخرين يرون أن هذه المحاولة ستقود إلى واحدة من نتيجتين لا ثالثة لهما: النجاح أو الفشل. والاحتمال الثاني – وهو حتماً الأرجح – سيضرّ بالديمقراطيين ويبدّد مبالغ كبيرة من المال العام.

ترمب والثمن السياسي
في مقابل من يورد الوقائع والحقائق التاريخية، ثمة من يقول إن أشخاصاً متعقلين في الولايات المتحدة بدأوا يتحدثون عن إمكان إدانة ترمب في مجلس الشيوخ وعزله. ولئن كان هذا الاحتمال لا يزال ضعيفاً، فإن مجرد وجوده يعني أن موقف ترمب يضعف، علماً أن استطلاعات الرأي تتغيّر في غير مصلحته.
ويلفت هؤلاء إلى أن الرئيس يتصرف بشكل عشوائي وانفعالي، وصارت لغته متهورة أكثر. ويرون أنه يرتكب أخطاء كبيرة في السياسة الخارجية أثارت غضب أعضاء بارزين في حزبه، خصوصاً موقفه من العملية التركية في شمال شرق سوريا، وقراره سحب القوات الأميركية من هناك. ويشيرون إلى أنه قلق إلى درجة أنه هدد بمقاضاة نانسي بيلوسي وآدم شيف لمحاولتهما عزله. وأتبع ذلك بالطلب من محامي البيت الأبيض توجيه رسالة إلى بيلوسي تؤكد أن محاولة عزله غير دستورية، مؤكداً أن الإدارة لن تتعاون معها على الإطلاق.
ويقرّ أصحاب هذا الرأي بأنه إذا صوّت مجلس النواب لمصلحة عزل ترمب، تظل الحقيقة أن عدد الأصوات المطلوبة في مجلس الشيوخ لإدانته وإزاحته من منصبه أقل بكثير من غالبية الثلثين. ومع ذلك هم يؤيدون مواصلة العملية القانونية، لأن استعداد الكونغرس بمجلسيه لمواصلة تحمل سلوك ترمب أصبح الآن برأيهم موضع شك. ويعتقد هؤلاء أن ذلك سيجعل الرئيس بالحدّ الأدنى في موقف أضعف، وبالحد الأقصى سيخوض انتخابات 2020 منطلقاً من موقف سلبي.
بعد الفرضية والفرضية المقابلة، تميل الكفّة إلى جهة الأولى، وبالتالي يبدو أن التاريخ سيكرر نفسه. فالواقع السياسي الذي هزم الجمهوريين عام 1998 سوف يعمل بالطريقة نفسها ضد الديمقراطيين عام 2019.



بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.