«آن»... رواية عن «مملكة العراق» المتشحة بالسواد

وفاء عبد الرزاق تستعين بالتقنية التاريخية لتسقطها على الواقع

«آن»... رواية عن «مملكة العراق» المتشحة بالسواد
TT

«آن»... رواية عن «مملكة العراق» المتشحة بالسواد

«آن»... رواية عن «مملكة العراق» المتشحة بالسواد

على الرغم من المبنى التاريخي لرواية وفاء عبد الرزاق «آن»، الصادرة عن دار «أفاتار للطباعة والنشر» في القاهرة، فإنّ النص السردي ليس كذلك في واقع الحال فهو يُشير إلى الزمن الحاضر ويتطابق معه، ويتماهى معه إذا ما جرّدنا الرواية من مجازيتها، ونزعنا عنها حلّتها التاريخية والرمزية.
تُحسِن وفاء عبد الرزاق اختيار الثيمة الروائية التي تتجلى على مدار النص الروائي. لكنها لا تكتفي بثيمة واحدة، بل تلجأ إلى تقنية الثيمات المتعددة التي تتوازى فيها من حيث الأهمية. فحينما تنتحر الملكة «شمس» يصرخ الملك «ماهود»: «ألا لعنة على جسد الرجل ورغباته الشهوانية!». ابنته الحكيمة «ياقوت» تزوّدنا بثيمة ثالثة حين تقول: «إن الجهل طاعون لو تسرّب إلى جسده الأمة أفسده»، حتى عبده «مصباح» لم يجد حرجاً في القول: «مملكتكَ سيدي اتشحت بالسواد بعد أن كانت مسكناً للجمال والعلم».
تفاجئنا الروائية في الفصل الأول بأنّ الملك مجهول الهُويّة، ولا أحد يعرف منْ هي أسرته، ومن أين أتى إلى هذه الديار؟ ومن بين تضاعيف هذا السرد الغامض نجد أنفسنا في مواجهة ثلاثة حُرّاس: أمين وملاذ وبُراق، ينتمون إلى عالم الجن أو الوهم في أقل تقدير، اعترضوا موكبه وأخبروه بأنه لن يحكم هذا الشعب الذي يؤمن بالسحر والخرافات من دونهم، وأنهم مستعدون لخدمته في نشر الوعي والمعرفة بين صفوفهم. وحينما يستفسر منهم عن الجهة التي أرسلتهم يمتنعون عن الإجابة ويتذرعون بأن المملكة ستنهار برمّتها إنْ هُم باحوا بهذا السرّ الخطير، وقد أقنعتنا الروائية بهذه الشخصيات الجنيّة خصوصاً «بُراق» الذي يظهر ويتوارى متى يشاء.
يستجيب الملك «ماهود» لبُراق ويتجه معه إلى قصر الأشباح وتصبح جاريته «سرمار» أماً لابنيه «قمران» و«نجمان» وابنته «ياقوت» لكنه يقع في حُب الجارية الجديدة «شمس» ويتزوجها فتبدأ الدسائس والمؤامرات حيث ترشو «سرمار» الخادمة فتخنق «نوران»، بِكر «شمس» لتحرق قلب أمه وأبيه لكن الله يعوّض الأخيرة بوليدٍ جديد سمّته «بُغدان» ويتعهد الملك بأنه سيقتل كل منْ يتآمر على «شمس» التي استحوذت على عقله وقلبه بجمالها الأخّاذ، وصوتها الرخيم حتى إنه يسمّي مملكته الجديدة باسم «بُغدان» تعبيراً عن حبهِ لها ولابنه الذي يعقد عليه الآمال.
تتعمّق أسطورة الثُّعبان الذي يحرس مياه البئر السوداء فيُصاب الجميع بالخوف والهلع من هذه الأكذوبة التي ستصبح حقيقة دامغة في القادم من الأيام. ومع رغبة ملك مملكة «فرطوسيان» في زيارة مملكة «بُغدان» وبئرها السوداء تطلب منه «سرمار» أن يعفو عن «أريان»، رئيس وزرائه السابق، ويدعوه لحضور الحفل، خصوصاً أن الملك بدأ يقترب منها بعد أن هجرها لبعض الوقت. لم تكن «سرمار» وفيّة للملك وإنما كانت تخونه مع العبد فقتلهما معاً ودفنهما في الخلاء، وبدأ يفكر بالانتقام من «أريان»، لكنّ خبر اختطاف «بُغدان» نزل عليه كالصاعقة فبحثوا عنه في كل مكان لكنهم عادوا خائبين.
وعلى الرغم من حبه لـ«شمس» يقع الملك في حُب الجارية «فَتَك» فيجعلها محظية له لكن «شمس» تنتحر رداً على انتهاك أنوثتها المُهانة. وفي هذه الأثناء يسلّم أمر المملكة إلى ولده «قمران» وولي عهده «نجمان» بينما كانت عقلية «ياقوت» تنضج على نار هادئة حتى أصبحت حكيمة القصر بلا منازع. يتآمر عليه «قمران» فيضعه الملك في السجن، ويعامله كأي خائن للوطن، وتخونه «فَتَك» فيُفرغ في جوفها قارورة سمٍّ كاملة.
لم يتوقع الملك أنّ ابنته «ياقوت» تفكر بالانتقام من الخائن «أريان» وطلبت من والدها أن يوافق إنْ تقدّم ابنه الأمير «زهران» وطلب يدها للزواج فسوف تقتله بخنجر مسموم. تتم الزيجة كما خُطِّط لها وتضع مولودها الأول وتسمّيه «بُغدان» أيضاً لكنها تطلب من أبيها حُرية «قمران» لأن «بُغدان» يريد أن يرى خاله. يبدو أن «قمران» قد وقع في حب «قبلان»، ابنة «أريان» بعد أن دعته «ياقوت» إلى مضاربها.
تُحيلنا الروائية في الفصل الرابع عشر إلى وضع سياسي مشابهٍ تماماً لما يجري في الوقت الحاضر، فقد أسس «قمران» حزب «سينيان» فيما أطلق «نجمان» حزب «شينيان» وكل منهما له سجونه وسجّانوه وتكتلاته، لكن الحزب الأخير تفنّن في تحريف الطقوس وتشويهها، وحرّم كل شيء؛ الغناء والطرب والخمور؛ وصاروا ينهبون ويسرقون ويقتلون الفنانين أو يضعونهم في السجون بينما كان هدف «أريان» تقسيم المملكة إلى دويلات لإضعافها والسيطرة على مواردها النفطية. فجأة ينقلب السحر على الساحر ويخرج «قمران» من السجن ويحشر والده في نفس المكان الذي كان مسجوناً فيه. لم يزره في السجن سوى خادمه «مصباح»، وحينما يسأل عن «بُراق» ولماذا لم يأتِ لإنقاذه، يخبره بأن «بُراق» كان من صنع خياله وأوهامه، وليس هناك حارس بهذا الاسم، وهو يشبه إلى حدٍّ كبير أسطورة الثُّعبان الذي صنعتهُ مخيلتهُ المتقدة. يستمر «أريان» وابنه «زهران» في سرقة النفط وبناء مملكتهم التي تزدهر على حساب «بُغدان» الغارقة في الأزبال والطقوس المحرّفة بينما كان الملك «ماهود» يذوي في سجنه، ويتبول على نفسه. ومن قلب هذه المحنة ينبجس الضوء حينما يخبره «مصباح» نقلاً عن «ياقوت» بأن «بُغدان» سجين في مدينة بصريان، جنوب المملكة.
تعود بنا الروائية إلى قصة «ماهود» قبل أن يسود ويصبح ملكاً فنعرف أنّ ابنة شيخ القبيلة التي ينتمي إليها قد اتهمتهُ زوراً بأنه استباحها لأنه لا أسرة له، فسجنوه في العراء وتركوا أمره للرعاة الذين كانوا يرأفون به.
يخرج «بُغدان» من السجن، ويستعين بصديق من مملكة «ساميان» ويطلب منه إحضار أكبر عدد من الزوار المدربين على القتال فينتقم الملك من ولديه الخائنين ثم يطعن «زهران» ويطلب من ولده «بُغدان» أن يكمل عملية الطعن حتى يُسكت آخر رمقٍ فيه. وفي صبيحة اليوم الثاني يعلن «مصباح» انتصار الأمير «بُغدان» الذي أصبح ولياً للعهد بينما فرّ جيش «زهران» فرار الجبناء.
لم تهدف وفاء عبد الرزاق، كما قلنا، إلى كتابة رواية تاريخية وإن كان التاريخ بحد ذاته سرداً وإنما استعانت بالتقنية التاريخية لتُسقِطها على الواقع العراقي المزري الذي يعيش فيه شعبنا المغلوب على أمره. وعلى الرغم من قسوة الأحداث وفجائعيتها فإن هناك بصيصاً من الأمل يَلوح في نهاية النفق المظلم، فالـ«آن» على ما يبدو قد بات قريباً جداً.



النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة
TT

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلاً على العمق.

وعبر فصول الكتاب التي تتناول 39 عملاً مسرحياً مصرياً، عُرضت في الفترة بين عامي 2023 و2024، تحضر متعة النقد المسرحي عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المتخصص، ولكنها لا تتنازل عن الرؤية المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته.

لا يقدم المخرج محمد زكي في عرضه المسرحي «الأرتيست» سيرة ذاتية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طموح العرض كان أبعد من ذلك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قريب وربما لا يزال ينظر إليها باعتبارها خارجة على الأعراف، ويرى في اشتغالها بالفن عاراً، وكم من عائلات قاطعت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن.

كانت زينات واحدة من هؤلاء، ولعل استعادة سيرتها هنا تؤشر إلى أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالفن لا تزال لدى بعضهم تحمل تلك الرواسب القديمة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهرياً.

إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه من آلام نفسية، وما تدفعه من أثمان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها.

ويلفت حسان إلى أنه من الملاحظ -في مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي اللجوء إلى الدمى في معالجته مسرحية لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوغو «1802-1885»، لكن محمود جراتسي غامر وفعلها، حيث قدم العمل مازجاً بين الدمى والعنصر البشري بشكل تغلب عليه الكوميديا السوداء في بعض المشاهد، تاركاً خلفه كل المعالجات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق.

من يقرأ رواية البؤساء التي تعد واحدة من أشهر روايات القرن التاسع عشر -سواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحياً بطابع تغلب عليه الكوميديا.

ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جيد، ومتماسك، وحافظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي من دون أن ينزلق إلى الاستغراق في الكوميديا، أو يعممها على المشاهد كافة، وهي على أي حال كوميديا سوداء تجلب الضحك والأسى في آنٍ واحد.

في المقابل أثقل المخرج مارك صفوت على نفسه كثيراً، إذ لم يكتفِ بتقديم عرض مسرحي عن إحدى روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذاً عن نص كتبه محمود محمد سيد مزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته.

وما زاد من صعوبة التجربة أن العرض قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» التابعة لوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط في جنوب مصر، وتكمن الصعوبة هنا في كيفية العثور على 20 ممثلاً وممثلة هم عدد شخصيات العرض ينهضون بعبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد.

يبدأ العرض بساتر مفتوح على منظر واحد ثابت، في يمين المسرح غرفة بطل كافكا غريغور سامسا، ويؤدي دوره مصطفى غانم، الغرفة في مستوى مرتفع قليلاً، وفي المنتصف بهو البيت، وفي العمق عدة أبواب لحجرات، ومدخل البيت، وفي اليسار حجرة كافكا. تتغير وضعية المنظر بتحريك بعض القطع، أو بتحويل مائدة الطعام إلى سجن أثناء مشهد المحاكمة، أو نعش يُحمل فيه كافكا، أو قرينه، بحسب تصور كاتب النص غريغور سامسا.

عند دخول الجمهور إلى صالة العرض ينتشر عدد من الممثلين والممثلات في الصالة حاملين الشموع، ويقفون أو يجلسون في وضع متجمد، وكأنهم مجرد تماثيل لا روح فيها، ثم مع بداية العرض يبدأون في التحرك. إنه مشهد مهيب وغامض يفتتح به المخرج عرضه الذي يمضي بعد ذلك مراوحاً بين عرض مأساة غريغور الذي تحول إلى حشرة هائلة، وضيق أهله به، وبين مأساة كافكا وعلاقته المتوترة بأبيه وتهيؤاته عن الأشباح التي تطارده، وكذلك ظهور المحققين اللذين يظهران له فجأة في إحالة إلى رواية «المحاكمة» ليدفعاه في النهاية إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وغيرها من المواقف التي تتماس فيها الشخصيتان حتى تلتصقا معاً في أحد المشاهد باعتبارهما كياناً واحداً.


أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات
TT

أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات

حین ترد على الأذهان أسماء الأدیبات تتجه أفكارنا عادةً إلى الرجال - آباءً وأزواجاً وعشاقاً - الذین لعبوا أدواراً في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلاً إلا من حیث علاقتها بجان بول سارتر. وكذلك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الزواج حین تركها من أجل امرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المرموقات اللواتي شكلن فرجینیا وولف، وآغاثا كریستي، وسیلفیا بلاث» (Mothers of the Mind: The Remarkable Women who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath).

الكتاب صادر عن «مطبعة التاریخ» في 2023 من تألیف راشیل ترثوي Rachel Trethwey، وهي صحافیة وكاتبة بريطانية، درست التاریخ بجامعة أوكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها «بنات تشرتشل» (2021).

موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكلارا میلر كریستي (والدة آجاثا كریستي)، وأوریلیا بلاث (والدة سیلفیا بلاث). فهو كتاب عن المیراث الأموي، وعن ثلاث أمهات قویات الشخصیة شكلن اتجاهات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیراً وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحیاناً ملآنات بالمتناقضات. طمحن جمیعاً إلى أن یغدون أدیبات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن.

كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلاً بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقد ورثت ثلاثتهن عن أمهاتهن فرط الحساسیة وحدة المشاعر وسعة الخیال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهماً لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ.

هؤلاء الأمهات كُنَّ أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقارئات وناقدات لكتاباتهن. وقد شجعهن على الانتقال من الهوایة إلى الاحتراف. وبدورهن كتبت الأدیبات عن أمهاتهن وذلك في صور أوتوبیوغرافیة أحیاناً وتخیلیة أحیاناً أخرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مسز جریتون في روایة سیلفیا بلاث «الناقوس الزجاجي» مبنیة على شخصیة الأم.

وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیاً رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء.

وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصاً للأطفال ومقالات وكتاباً عن فن التمریض.

وكلارا میلر كریستي كتبت قصائد وقصصاً قصیرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المعنون «رسائل إلى البیت» وهو یضم رسائل الابنة إلیها.

وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتاً في جیل البنات.

ونحن نرى آثاراً إیجابیة للحب غیر المشروط بین الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً.

وأكثر اللحظات غموضاً فى حیاة كریستي كانت اختفاءها عن الأنظار عام 1926 حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعاً إلى حیرتها إزاء هذا السؤال:

من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟

وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیضاً - تحت اسم قلمي مستعار هو ماري وستكوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة.

إنها نافذة نطل منها على حیاة أغاثا الداخلیة وعلى تصورها للرابطة بین الأم والابنة.

وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقد انعكست هذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها.

إن أشهر قصائد بلاث تدور حول أبیها. وفى قصیدتها المسماة «بابا» تصوره في صورة نازي وحشي. لكنها كتبت أیضاً قصائد عن أمها، مثل قصیدة «میدوزا»، وهي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة.

إن كتاب راشیل ترثوي رحلة مرور من الاعتماد إلى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریاً بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت.


«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية»... حوار بين الربابة وبوتشيلّي تحت قمر روما

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

كانت ليلة لم يسبق أن شهدت مثلها المدينة الخالدة، تمازج تحت قمرها شجن الربابة مع نقاء البيانو، وذابت في نسائمها حشرجة الناي العميقة بين جداول الكمان الماسية، فانتشت روما بعذوبة تثاقف موسيقي فريد تآخت فيه الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع أوركسترا «فونتاني دي روما» أو نوافير روما، بقيادة المايسترو الإيطالي العالمي مارتشيلو روتا. وتوّجه النجم الإيطالي الذائع الصيت آندريا بوتشيلّي بنخبة من الأغاني التي أطلقت شهرته في أصقاع المعمورة كواحد من أجمل الأصوات وأقواها.

استضافت روما، في قلب وسطها التاريخي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية» الذي أقيم داخل حديقة الكولوسيوم، أشهر المعالم الأثرية في العالم حسب تصنيف اليونسكو، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى.

أندريا بوتشيلّي خلال الحفل (هيئة الموسيقى)

جمع الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقياً من الأوركسترا الإيطالية، وتضمّن مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية. كما استعرض أشهر الفنون الادائية السعودية مثل عرضة وادي الدواسر، وفن الخطوة، والفن الينبعاوي، تحت عباءة هيئة المسرح والفنون الادائية ضمن مسعاها لإبراز تنوع الفنون الادائية التقليدية السعودية.

وتخللت الحفل مقطوعة موسيقية بعنوان «الحجر وروما» مع كلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، وهي تعكس عمق الروابط الثقافية بين السعودية وإيطاليا، وتستلهم إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الحوار الثقافي عبر الزمن، وتؤكد دور الموسيقى لمدّ جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، انطلاقاً من العلاقات القائمة على الشراكة والاستقرار والتقدير الثقافي المتبادل

ويندرج هذا الحفل في سياق جهود «روائع الأوركسترا السعودية» لتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور عالمي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية السعودية وإبرازها.

وعلى هامش الحفل، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مشتركاً مع المايسترو مارتشيلّو روتا والرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى باولو باسيفيكو، أكّد فيه الأول أن «هذا اللقاء هو تحوّل غير مسبوق» بالنسبة إليه في فضاء التعاون الموسيقي الدولي، وهو «حوار تفاعل بين ثقافتين، بعيدتين جغرافياً لكن تقربهما أواصر تاريخية وحضارية».

وأضاف روتا: «نحن لا نقدم مقطوعات موسيقية منفصلة كما يحصل عادة عندما يتشارك في الأداء موسيقيون من بلدان مختلفة، بل نبني رحلة موسيقية متواصلة وتدرجية تنطلق من التنوع الذي هو جوهر الإبداع ومحفزّ أساسي له... وعندما نلاحظ كيف تتداخل الآلات الشرقية إلى جانب العناصر التراثية السعودية مع الآلات الغربية وعناصر التراث الموسيقي الإيطالي، تنفتح آفاق جديدة غير مألوفة».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

هذا المزيج بين المقطوعات السعودية وموسيقى فردي وبوتشيني وروسّيني، يولّد «منتوجاً موسيقياً فريداً من نوعه»، بحسب وصف روتا.

وعن مشاركة آندريا بوتشيلّي في الحفل، قال روتا إن علاقته بهذا النجم الإيطالي العالمي تعود إلى نيّف وثلاثين عاماً، جابا خلالها القارات الخمس، وكان سبق لبوتشيلّي أن أحيا حفلاً غنائياً في العلا.

وأشاد روتا باحتراف الموسيقيين السعوديين ومستوى انضباطهم، وقال إن الموسيقيين الإيطاليين يشعرون بفضول كبير لاكتشاف الموسيقى السعودية والتمازج معها.

اختتام الجولة الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية وسط حضور ثقافي وفني (هيئة الموسيقى)

الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى السعودية باولو باسيفيكو قال إن «الهيئة ماضية في مساعيها لحمل الأوركسترا إلى عواصم ثقافية مختلفة، والتواصل مع موسيقيي البلدان الأخرى وتراثها، وايصال الموسيقى والثقافة السعودية للمرة الأولى إلى تلك البلدان».

وأضاف: «تهدف هذه المساعي إلى أن يتمتع جمهورنا السعودي بالثقافة الموسيقية السعودية وتمازجها مع أرفع الثقافات الموسيقية في العالم. ونحن نفتخر بأن الموسيقى والثقافة السعودية تجلس حول نفس المائدة مع أبرز الثقافات الموسيقية».

الحفل استعرض عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي (هيئة الموسيقى)

وقال باسيفيكو لـ«الشرق الأوسط»: «الموسيقى تزخر بقوة هائلة للجمع بين اللغات والثقافات والحضارات، وفي كل حفل نجد شيئاً فريداً وجميلاً ينبع من هذا التمازج بين الموسيقى السعودية والموسيقى المحلية في البلدان التي نزورها. في أستراليا الربابة إلى جانب آلات الشعوب الأصلية القديمة، وفي نيويورك الناي بجانب الساكسفون. في كل محطة نلمس كيف أن الموسيقى تجمع وتوحّد بين الشعوب، وتفتح أبواب الابداع على مصاريعها».

وأضاف أن «المجتمع السعودي، بعائلاته وشبابه وطلابه، يتجاوب بقوة وبشكل رائع مع الأنشطة الموسيقية، ويعتزّ بتراثه ويهتمّ بالتعرّف عليه».

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية الدكتور محمد حسن علوان، أن المشاركة جسدت امتزاجاً بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.