بوتين: السعودية لاعب إقليمي ودولي وننظر لها كدولة صديقة

أدان في حوار مع «العربية» الهجوم على «أرامكو» وأشاد بدور الأمير محمد بن سلمان في تعزيز العلاقات بين البلدين

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (العربية)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (العربية)
TT

بوتين: السعودية لاعب إقليمي ودولي وننظر لها كدولة صديقة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (العربية)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (العربية)

أكد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، على دور السعودية الإقليمي والدولي في المنطقة، وتطرق في مقابلة خاصة مع قناة «العربية» في سوتشي، لمواضيع عديدة قبيل زيارته للسعودية، منها العلاقة مع الرياض، والاعتداء الإرهابي على منشآت «أرامكو» وتأثيره على مستقبل أسواق الطاقة، وأيضاً دور إيران التخريبي في المنطقة، وتطورات الوضع في سوريا، إضافة إلى سباق التسلح الدولي الجديد. وفيما يلي نص الحوار:
* أهلاً بكم مجدداً وشكراً لكم على هذه الفرصة التي تسبق زيارتكم إلى المنطقة العربية.
- يطيب لي أيضاً اللقاء بكم. أعتقد أنه تقليد حسن أن ألتقي قبيل زيارة أي دولة ممثلي وسائل الإعلام فيها.
نحن نولي المملكة العربية السعودية أهمية كبيرة، وها نحن نرد الزيارة التاريخية التي قام بها إلى روسيا خادم الحرمين الشريفين.
وثمة أيضاً أمرٌ أرى من الضروري جداً الإشارة إليه، وهو أن العلاقات بين المملكة العربية السعودية والاتحاد السوفياتي، في العهد السوفياتي، كانت على مستوى منخفض بقدر ملحوظ. وخلال السنوات الأخيرة تغيرت نوعية علاقاتنا تغيّراً جذرياً. نحن ننظر إلى المملكة العربية السعودية كدولة صديقة لنا.
لقد نشأت لدي علاقات طيبة مع الملك، ومع الأمير ولي العهد أيضاً. وعلاقاتنا تتطور عملياً في كافة الاتجاهات.
سأبدأ من الاقتصاد. حيث لا يزال أمامنا الكثير مما يجب القيام به، إلا أن الوتيرة جيدة. ففي العام الماضي بلغ النمو 15 في المائة، كما ارتفع النمو في النصف الأول من السنة إلى 38 في المائة، ونحن ندرس مشاريع مشتركة جيدة. لقد أسس صندوق استثماراتنا المباشرة وصندوق الاستثمارات العامة للمملكة العربية السعودية، قاعدة مشتركة بـ10 مليارات دولار، وُضع ملياران منها قيد الاستثمار، كما أن العمل جارٍ على مشاريع أخرى، إذ تم بالفعل تنفيذ بضعة مشاريع واعدة جداً ومثيرة للاهتمام.
ونحن نرى أيضاً فرصة للعمل في أراضي المملكة العربية السعودية. كما أن إحدى شركاتنا تدرس إمكانية بناء مجمّع بتروكيميائي بحجم استثماري يبلغ أكثر من مليار دولار. إنها شركة «سيبور - هولدنغ»، شركتنا الأضخم في هذا القطاع من الاقتصاد.
فيما تنشأ بيننا علاقات في مجال حساس جداً، يتطلب ثقة متبادلة، ألا وهو التعاون العسكري - التقني. وها نحن نتفاوض منذ فترة بعيدة حول هذا الجزء.
ولا يقل أهمية عن ذلك، بالطبع، عملنا المشترك لحل الأزمات الإقليمية. بهذا الصدد أود الإشارة إلى دور المملكة العربية السعودية الإيجابي في حل الأزمة في سوريا. نحن نعمل بشكل وثيق جداً مع تركيا وإيران، وهذا معروف جيداً للجميع. ولكن من دون مساهمة المملكة العربية السعودية في عمليات التسوية في سوريا، ما كان بالإمكان مطلقاً، كما يبدو لي، التوصل إلى توجه إيجابي في التسوية. ولذلك أود مباشرة التعبير عن الامتنان للملك، وللأمير ولي العهد على هذا الموقف البنَاء. وإنني على ثقة بأن زيارتي ستعطي دفعة جديدة لتطوير علاقاتنا الثنائية، وتعاوننا على الساحة الدولية.
من جهة أخرى، نحن ننظر إلى الإمارات العربية المتحدة كأحد شركائنا الواعدين، والقريبين جداً. بالفعل، في العام الماضي وقعنا إعلان الشراكة الاستراتيجية والتعاون، وليس من قبيل الصدفة أن نتوصل إلى توقيع هذه الوثيقة، فهذا يدل على نوعية، وطابع العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وروسيا الاتحادية.
يجب القول إن شراكتنا تتطور، كالشراكة مع المملكة العربية السعودية، في جميع الاتجاهات، وبما يكفي من الحيوية، أي إذا نظرنا إلى منطقة الخليج، نجد تبادلاً تجارياً كبير الحجم يبلغ 1.7 مليار دولار، لكنه - طبعاً - غير كاف. وهذا ما ندركه تماماً. ونعمل أيضاً مع الصندوق السيادي في الإمارات العربية المتحدة، حيث تبلغ القاعدة المشتركة نحو 7 مليارات دولار، تم استثمار مليارين منها في بعض المشاريع. ويجري أيضاً عمل حثيث على مشاريع أخرى. والإمارات العربية المتحدة، طبعاً، تسهم بدور مهم في حل أزمات المنطقة، وتلعب - دونما أي مبالغة - دوراً يعزز الاستقرار.
لن أكشف سراً كبيراً إذا قلت إننا على اتصال دائم مع قيادة الإمارات العربية المتحدة، بل نشأت لدينا تقاليد وممارسة معينة، فلدينا إمكانية ضبط ساعات نشاطنا على توقيت واحد، في اتجاهات وقضايا مختلفة. ونقوم بذلك، كما أرى، لما فيه فائدة كبيرة، لا لكلا الطرفين فحسب، بل للمنطقة بأسرها.
* تحدثتم بإيجابية أكثر من مرة عن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وكان قد لوحظ في أكثر من مؤتمر تقارب شخصي بينكم وبين ولي العهد السعودي. هل تراهنون على الدور الذي يقوم به الأمير محمد بن سلمان في تعزيز العلاقات ما بين البلدين، وأيضاً فيما يتعلق بمستقبل المنطقة؟
- نعم إنه يلعب دوراً مهماً، نعم بالفعل لدينا معه علاقات شخصية ودية جداً، فهو المبادر في كثير من مشاريعنا، وهذه المبادرات قائمة وتُنفذ وتتطور باستمرار، وقد قلت ذلك من قبل، إن «أوبيك بلاس» هي مبادرته للتعامل معنا في هذا السياق، فهو من دعم إنشاء منصة لصندوق استثماراتنا، وساهم بنفسه باستثمار مليارين فيه. وهو من يطرح مسألة توسيع تعاوننا في المجال التقني العسكري ولدينا حزمة جيدة من الفعاليات المشتركة في هذا الاتجاه. وهذا كله قائم ويجري فعلاً، وآمل أننا سنستمر في توسيع تعاوننا.
وبالنسبة لدور المملكة العربية السعودية في المنطقة، فبالطبع إن المملكة تعتبر من الدول الأساسية في المنطقة بلا شك. كما أنها تؤثر بحسب قدراتها ونطاق نشاطها في مجال الطاقة. ويمكن أن نعتبر المملكة العربية السعودية لاعباً ليس إقليمياً فحسب، وإنما هي لاعب دولي أيضاً، فهي تؤثر على سوق الطاقة العالمية، وبالتالي على سائر الطاقة العالمية.
لذا فإن التعاون مع المملكة العربية السعودية ومع العاهل السعودي والأمير محمد بن سلمان بالنسبة لنا مهم للغاية، وسوف نعمل على تطوير هذه العلاقات قدماً.
* ولكن كما تعلمون أن المملكة، وهي الحليف الاستراتيجي لروسيا فيما يتعلق بقطاع الطاقة، تعرضت لهجوم إرهابي استهدف منشآتها. وكان العالم بأسره يتحدث عن إيران كمتورط رئيسي في هذه العملية، إلا أنكم دافعتم عن طهران، وطالبتم بوجود أدلة على تورطها، فكيف يمكن فهم الموقف الروسي؟
- الموقف الرسمي كالآتي: نحن ندين أي عمل من هذا النوع، ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك. هذا هو موقفنا الرسمي. أعلننا عنه منذ البداية، وقد تحدثت شخصياً عن الأمر منذ فترة وجيزة خلال أسبوع الطاقة في موسكو. ولا يوجد أي شك في ذلك. مثل هذه الأعمال لا تحقق أي نتائج لأي طرف، بما في ذلك أولئك الذين يعدُون وينفذون مثل هذه الأعمال، لماذا؟ لأنه إذا توقع أحد ما أن يؤثر ذلك بطريقة ما على سوق النفط، فإن هدفه لن يتحقق. بيد أن التقلبات، في رأيي، لم تكن كبيرة، رغم أن الهزة الأولى كانت ملحوظة. ولكن بعد أسبوع فقط عادت مؤشرات الأسعار إلى مستواها الطبيعي مرة أخرى، لأن العوامل الأساسية التي تشكل السوق لن تسمح للسعر بالقفز لا للأسفل ولا للأعلى. هذا أولاً.
ثانياً. نحن، وأنا شخصياً، على اتصال مع قيادة المملكة العربية السعودية، بما في ذلك مع ولي العهد، الذي ناقشت معه الحادث، وأخبرته أنه من الضروري الحصول على أدلة وتحديد المذنبين، وأكدت أن هناك من يقف وراء هذا العمل.
من حيث المبدأ، الأمير محمد بن سلمان وافقني الرأي، وطرح السؤال: «هل يمكن لروسيا أن تشارك في التحقيق في هذا الحادث»؟ قلت نعم، نحن مستعدون لتقديم كل ما يطلب منا وكل ما لدينا من أجل التحقيق في هذا الحادث بدقة. ولهذا فإن موقفنا يبقى ثابتاً، حيث نعتبر أنه من غير الصحيح تحديد من هم المذنبون قبل أن يُعرف بشكل موثوق وواضح ومفهوم من يقف وراء هذا العمل.
* ولكن هل نستطيع الحصول على تأكيد روسي بأن موسكو لن تتردد في معاقبة طهران إذا أثبتت التحقيقات تورطها في تلك الهجمات؟
- لقد قلت للتو، وأريد أن أكرر: بغض النظر عمن يقف وراء هذا الحادث فإننا ندين هذا النوع من الأعمال. هذا هو بالضبط ما قلته. لا يمكن أن يكون هناك تفسير مزدوج.
* كما كان واضحاً من إجابة الرئيس بوتين فإن طهران لن تكون بمأمن عن الإدانة والحساب إذا أثبتت التحقيقات تورطها في الاعتداءات التي تعرضت لها منشآت النفط السعودية، ولكن كيف ستؤثر أحداث من هذا النوع على التقارب الروسي الإيراني من جهة وهذه الشراكة التي بدأت في ترسيخ روابطها مع دول الخليج خصوصاً في مجال الطاقة.
* تعاوننا في إطار «أوبك بلاس» شأن، وقضايا الأمن والاستقرار في المنطقة، ومقترحاتنا حول كيفية ضمانها، شأن آخر.
- بالنسبة للسؤال الأول، فإن مثل هذه الأعمال، إذا اعتقد شخص ما أن أعمالاً مثل الاستيلاء على الناقلات، والهجمات على البنية التحتية النفطية، ستؤثر بطريقة أو بأخرى على تعاون روسيا وأصدقائنا العرب - المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة - أو ستدمر بطريقة أو بأخرى تعاوننا في اتجاه «أوبك بلاس»، فهم جميعاً مخطئون. بل على العكس، سيعمل ذلك على توحيدنا، لأن هدفنا هو استقرار الوضع في أسواق الطاقة العالمية. ولكن كمهمة فنية، يجب تقليل حجم المخزونات في العالم إلى مستوى معقول بحيث لا تضغط هذه المخزونات على السعر.
بالمناسبة، كل ما تم إنجازه، ولقد أُنجز الكثير من العمل الإيجابي، تم القيام به ليس لمصلحة المنتجين فحسب، بل المستهلكين أيضاً، لأن كليهما مهتم بالاستقرار في السوق العالمية أكثر من اهتمامه بالسعر المرتفع. كل تلك الأمور تمت، بصراحة، تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان. ومعظمها كان من مبادراته، ونحن دعمناها ونرى أننا فعلنا الشيء الصحيح.
كل ما يزعزع استقرار السوق، يجب مواجهته بردٍ مسؤول بالطبع، سنعمل مع المملكة العربية السعودية ومع شركائنا وأصدقائنا الآخرين في العالم العربي من أجل تحييد وتقليل محاولات زعزعة استقرار السوق إلى الصفر.
الآن، فيما يتعلق بمبادرتنا لتحقيق الاستقرار في الوضع في منطقة الخليج. نعم، كما تعلمون، منذ بعض الوقت، تقدمنا بمثل هذه المبادرة لإنشاء منظمة ما من بلدان المنطقة، إضافة إلى الدول المعنية، مثل: الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي وغيرها، بحيث نشكل منبراً لمناقشة الأزمات والمسائل الأكثر حدة. هناك من يدعم هذه المبادرة وهناك من يعتبرها سابقة لأوانها، وذلك بالمناسبة، بناءً على التناقضات الحادة بين بلدان المنطقة. في رأيي، وانطلاقاً من هذا الظرف، أي بسبب وجود هذه التناقضات الحادة، سيكون من المناسب إنشاء مثل هذا المنبر حتى يتمكن الناس على الأقل من أن يلتقوا فيما بينهم كما تعلمون، أن المهم في بعض الأحيان، ليس المفاوضات بحد ذاتها بقدر أهمية المصافحة بين المتفاوضين، فهي مهمة بالفعل.
بما أنه لدينا علاقات جيدة مع جميع دول المنطقة: مع الإيرانيين ومع العالم العربي، وعلاقات قُطرية مع المملكة العربية السعودية ومع دولة الإمارات العربية المتحدة، بالطبع، يمكننا نقل مواقف الدول بين طرف وآخر. لكنني أعرف شخصياً قادة هذه البلدان، فهم لا يحتاجون إلى المشورة والوساطة. حيث يمكن التحدث معهم فقط من باب الصداقة، وكيفية صياغة بعض الأفكار لصديق. أعلم أنهم أذكياء، فهم سيصغون ويحللون ما يقال لهم. وفي هذا السياق يمكننا لعب دور إيجابي.
* السيد الرئيس، سأنتهز قليلاً جو الصراحة الذي تحدثتم به. تتحدثون بثقة كبيرة عن أن إيران ليست متورطة في تلك الاعتداءات، ومرة أخرى نعود إلى القصة الرئيسية، كان لكم لقاء مؤخراً بالرئيس روحاني. هل حصلتم على تأكيدات من روحاني بأن طهران ليست متورطة بتلك الاعتداءات الإرهابية؟ وإذا لم تكن إيران فمن الفاعل إذن؟
- نعم، هكذا قال، لا علاقة لإيران بهذا. التقينا مؤخراً على هامش فعالية دولية، هي الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي أنشأناه مع بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق قبل بضعة أشهر، تم توقيع اتفاقية مؤقتة بين هذا الاتحاد وإيران بشأن إقامة منطقة تجارة حرة. بالمناسبة، وقعنا ذات الاتفاقية بشأن منطقة تجارة حرة مع سنغافورة ومع فيتنام. تتطور علاقات هذه المنظمة بشكل إيجابي مع العديد من بلدان العالم. إيران أيضاً تنضم إلى هذا العمل، وقد التقينا مؤخراً على هامش أعمال هذه المنظمة في يريفان وتحدثنا عن ذلك.
قلتُ إن لدينا مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية علاقات غير مسبوقة في الشراكة والصداقة أيضاً، لكن روسيا لا تُقيم صداقات مع شخص ضد شخص ما، نحن نبني علاقات ثنائية على أساس الاتجاهات الإيجابية في اتصالاتنا ولا نشكل تحالفاً لمحاربة أحد ما. هذه هي النقطة الأولى.
والثانية هي، وأعتقد أنه من الواضح بالنسبة لكم ولمستمعيكم ومشاهديكم، أن روسيا وإيران جارتان ولا يمكننا إلا أن نأخذ هذا العامل بعين الاعتبار.
والثالثة - أن إيران قوة إقليمية، وإذا كنا نريد أن نبني علاقات جيدة مع شخص ما، وأنا أنطلق من حقيقة أن جميع بلدان المنطقة تريد أن تكون لها علاقات جيدة مع بعضها بعضاً، ولا أحد يسعى إلى المواجهة، ولا لأي نوع من الاشتباكات، وإذا كنا نريد أجندة إيجابية فعلينا أن ننطلق من حقيقة أننا نعترف بالمصالح القانونية لشركائنا، وهنا أود التأكيد على هذا الأمر، وأنا الآن لست بصدد الإشارة إلى ما هو قانوني وما هو غير قانوني، ولكن لدى هذه القوة الكبيرة، أي إيران، الموجودة على الأرض منذ آلاف السنين (الإيرانيون والفرس عاشوا هنا منذ قرون) لا يمكن ألا تكون لديهم مصالحهم الخاصة، ويجب أن يعاملوا باحترام.
من الواضح ما هو قانوني وما هو غير قانوني، وأن المصالح يمكن أن تكون مشروعة، أو أن تتعدى الحدود، وهذا بالتأكيد هو موضوع للنقاش. ولكن من أجل أن يفهم بعضنا بعضاً ولكي نفهم هذه الفروق الدقيقة والخفايا والقضايا الإشكالية، فمن الضروري إجراء حوار، إذ من دون الحوار لا يمكن على الإطلاق حل ولو مشكلة واحدة.
أما بالنسبة لروسيا فسنبذل قصارى جهدنا لخلق الظروف اللازمة لمثل هذه الديناميكية الإيجابية. وأظن أن لدى روسيا علاقات جيدة مع إيران وعلاقات جيدة كذلك مع أصدقائنا العرب، لم يكن هناك مستوى عالٍ من العلاقات مع المملكة العربية السعودية في ظل الاتحاد السوفياتي ولكن مع العالم العربي كانت العلاقات ممتازة مع الجميع تقريباً. كان لدى الاتحاد السوفياتي علاقات جيدة مع العالم العربي بأسره. ولهذا نحن لا نقول إننا نعود الآن، بل عدنا بالفعل إلى ذلك المستوى من العلاقات. إذا استخدمنا علاقاتنا الجيدة مع إيران والعالم العربي ومع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فأعتقد أنه يمكننا إيجاد ما يحقق المصلحة المشتركة.
تحدثت عن عملنا الإيجابي في سوريا. نعم نحن - تركيا وإيران وروسيا - نعمل بنشاط كبير في إطار هذه المجموعة الثلاثية ونحقق النتائج، لكن لولا دعم السعودية، لكان الأمر مستحيلاً تماماً، والجميع يدرك ذلك. وما كان عملنا لينجح أيضاً لولا الدعم المناسب من دولة الإمارات العربية المتحدة. ولهذا، ورغم التناقضات الحادة، فهناك ما يجعلنا نتوحد ونتكاتف جميعاً لتحقيق الهدف المشترك. يجب إيجاد هذه الأهداف والعمل معاً على تحقيقها. وهذا سيخلق الظروف لتطبيع العلاقات في المنطقة بين البلدان.
* لم تجبني عن الشق الثاني من السؤال فخامة الرئيس، لديكم بالتأكيد وجود ما في الخليج ولديكم قدرة استخباراتية عالية وقدرة عسكرية عالية، دولة عظمى مثل روسيا لا تعرف من الذي نفذ اعتداءات «أرامكو» في السعودية؟
- تخيل، نحن لا نعرف. في اليوم التالي، سألت كلاً من رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية ووزير الدفاع. «لا، نحن لا نعرف». لن أعلق الآن على مسألة من كان يجب عليه أن يعرف هذا حتى لا أزعج أحداً، لكن ليس لدينا أي معلومات موثوق بها حول هذه المسألة.
*  كانت الأزمة السورية البداية التي مهدت لعودة روسيا إلى المنطقة، وما بين دعم نظام الأسد ومحاربة المنظمات الإرهابية على حد وصف الرئيس بوتين، تكمن التفاصيل.
- نحن ذهبنا إلى سوريا لدعم الحكومة الشرعية، تحديداً الشرعية، أريد أن أشدد على ذلك. وهذا لا يعني عدم وجود مشكلات داخلية هناك، أنا مستعد للحديث عن ذلك لاحقاً ببضع كلمات، لمزيد من التفصيل. هذا لا يعني أن القيادة الحالية لا تتحمل أي مسؤولية عن الوضع. بلى، ولكن ذلك لا يعني مطلقاً أن نسمح للمنظمات الإرهابية بالاستيلاء على أراضي سوريا، لتقيم هناك شبه دولة إرهابية. لم يكن بوسعنا السماح بأن يتدفق لاحقاً سيل من المقاتلين إلى بلدان الاتحاد السوفياتي السابق، التي لدينا معها حدود مفتوحة ونظام تنقل دون الحاجة لتأشيرة مرور. لم يكن بوسعنا السماح ببدء تسلل المسلحين من هناك إلى الأراضي الروسية. لقد خَبِرنا ذلك جيداً، ونعرف ما قد يؤدي إليه، وذلك من خلال تلك الأحداث غير البعيدة التي جرت في شمال القوقاز الروسي، شكَلت كل تلك الأمور دوافع حفزتنا على اتخاذ قرار بإسداء العون للسلطات الشرعية.
نحن لا نقدّم العون وحسب للسلطات الشرعية، بل ننطلق من أن التناقضات السياسية الداخلية يمكن ويجب أن تحسم بالوسائل السياسية حصراً. ولذلك أصررنا على هذا الأمر بشدة، وأنا مسرور جداً لأن هذا هو ما يجري الآن، مع بدء العملية السياسية تحديداً، نتيجة لتشكيل ما يسمى باللجنة الدستورية.
لقد ولدت فكرتها هنا بالضبط، حيث نحن وإياكم الآن في سوتشي، خلال مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي تمثلت فيه مختلف القوى السياسية، بما فيها القوى المعارضة والهياكل الحكومية، هنا تحديداً اتفق السوريون فيما بينهم على إنشاء لجنة دستورية تشرع بالعمل لتعديل الدستور السوري، أو إقرار دستور جديد.
لقد قطعنا طريقاً معقداً وصعباً، وطويلاً بما يكفي لتشكيل هذه اللجنة. والآن تم تشكيلها، أخيراً من جانب الحكومة أي من جانب الرئيس الأسد، ومن جانب المعارضة. آمل أن تقوم في الأيام القريبة المقبلة بخطواتها الأولى، في جنيف، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة.
والمرحلة الأولى في هذا الطريق بالطبع، هي العمل على إعداد القانون الأساسي للبلاد، أي إعداد الدستور، وذلك إما بتعديل الدستور الحالي، أو بصياغة دستور جديد. لكن، ودون أدنى شك، مع وجوب ضمان مصالح الطوائف الدينية والمجموعات العرقية كافة. فلا بد للناس أن يدركوا أنهم يعيشون في بلدهم، وأنهم يتمتعون بحماية هذا البلد وقوانينه بشكل موثوق، وهذا ينطبق على السنة والشيعة والعلويين، كما ينطبق على المسيحيين، فسوريا كانت دائماً في واقع الأمر دولة متعددة الطوائف وكان لها أن تفخر بذلك. يمكن فقط للأشخاص الذين يفتقدون للحكمة وحسن التقدير شن حملات وتنفيذ مذابح جماعية مثلما فعلت العناصر الإرهابية في سوريا.
ولكني أعود وأكرر: لن تكون عملية سهلة، ستكون صعبة ولكنها، في رأيي، ممكنة التحقيق. هل تعرفون ما الذي يجعلني أفكر على هذا النحو الإيجابي؟ اليوم، يعود الكثيرون إلى منازلهم ودورهم. أتحدث هنا عن الآلاف من الناس، يعودون من الخارج، ومن مناطق في سوريا يعودون إلى ديارهم وإلى مواطنهم الأصلية ومسقط رأسهم. هذه علامة أكيدة على أن الناس يثقون في الوضع الذي تشكّل حالياً، ويثقون في الضمانات التي تقدمها الدولة، وفضلاً عن ذلك يثقون في الدول الضامنة الموجودة هناك.
يسعدني جداً أن أشير في هذا الصدد إلى أن السوريين يتعاطون بإيجابية وبثقة كبيرة مع العسكريين الروس ومع شرطتنا العسكرية. الشرطة العسكرية التي تؤدي خدمتها هناك بشرف وكرامة، مكونة في أغلبها من أفراد من شمال القوقاز، كلهم من المسلمين، والسكان المحليين، ولدي أمثلة محددة على ذلك، يأتون إليهم طلباً للحماية. يطيب لي جداً ذكر هذا الأمر، لكن بالطبع في نهاية المطاف، لكي يصبح الوضع مستقراً على المدى الطويل، يجب أن يتفق الناس فيما بينهم. فأسوأ أنواع السلام سيظل دائماً أفضل من أي حرب جيدة.
* فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، هل تؤيد موسكو إعادة التفاوض مع إضافة قيود جديدة على برنامج الصواريخ الإيرانية، كما تطالب الولايات المتحدة أم الوفاء بالالتزامات التي تم التوصل إليها في الاتفاق السابق قبل الحديث عن اتفاق جديد؟
- هناك ما يسمى خطة العمل الشاملة المشتركة، أي اتفاقية البرنامج النووي الإيراني، بشأن القيود ذات الصلة. إيران اتخذت على عاتقها التزامات معينة. دعونا نتحدث بصراحة وإلا فلن يكون كلامنا ذا أهمية بل سيكون جافاً، من الواضح أن هناك تناقضات، وقد تطرقتم إليها، بين دول المنطقة. هناك تناقضات بين إيران وإسرائيل، وإيران والولايات المتحدة. أنا أنطلق من الحاجة إلى السعي لحل هذه التناقضات والبحث عن طرق للخروج من هذه الأوضاع المعقدة. لكن إذا انطلقنا من حقيقة وجود تناقضات بين دول المنطقة وإيران، فمن الذي يمكن أن يكون الحكم في حل مسألة: هل تفي إيران بالتزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة أم لا؟ أولاً، يجب أن يكون الحكم محايداً، ثانياً، يجب أن يكون مهنياً، وثالثاً، مُعترفاً به من المجتمع الدولي. يوجد مثل هذا القاضي وهو الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فهي تصرح بشكل علني ومن دون أي خجل بأن إيران تفي تماماً بجميع التزاماتها.
هذا غير مجدٍ، ناهيك عن أنه ليس من العدل، توجيه الاتهامات لإيران بما لا تقوم به. هذا غير مجدٍ، لأنه عندما يواجه أي شخص أو أي بلد مثل هذا الظلم، فإنه يبدأ بالتصرف بشكل مختلف، وليس كما هو مكتوب على الورق. وإذا لم يتم الوفاء بالالتزامات تجاهه، فلماذا يجب أن يفي هو بالتزاماته؟ ومع ذلك، أرى أنه سيكون من الأفضل لإيران أن تلتزم بنص وروح هذا الاتفاق. لكن هذه مسألة أخرى.
بالنسبة لبرنامج الصواريخ، على الأرجح، يمكن وينبغي مناقشته. يوجد في روسيا مقولة، أعتقد أن المسلمين سوف يفهمونها أيضاً، تقول: «لا تخلط بين هبة الله والبيض المخفوق». فهذه مواضيع مختلفة. برنامج الصواريخ شيء والبرنامج النووي شيء آخر. هذا لا يعني أنه ليست هناك حاجة للحديث عن هذا الموضوع، خاصة إذا كان يسبب القلق. بالطبع، هذا ضروري، ولكن لا حاجة إلى دمج واحد مع الآخر، حتى لا يُجهض الإنجاز الذي تم تحقيقه في أول مراحله.
لذلك، أعتقد أن هذا الحوار ممكن، لكن لا ينبغي أن يؤدي إلى تدمير النتائج التي تحققت بالفعل بشأن الموضوع المهم والأول، وهو الحد من النشاط النووي لإيران نفسها.
*  كيف احتكرت الولايات المتحدة عملية السلام في الشرق الأوسط على حساب روسيا، وكيف ينظر الرئيس بوتين لما يسمى صفقة القرن؟
- إن هذا لا يعتمد علينا ولا على نشاطنا، بل يعتمد على رغبة جميع المشاركين في هذه العملية في رؤية أحد ما أو عدم رؤيته فيها.
والحق يقال، لدينا مع إسرائيل علاقات طيبة جداً، فنحو 1.5 مليون شخص من المواطنين الإسرائيليين قد خرجوا من الاتحاد السوفياتي. فهذه دولة ناطقة باللغة الروسية تقريباً، وهناك أينما دخلت إلى أي محل تجاري، ترى الجميع فيه يتحدثون باللغة الروسية، لذلك ما يحدث هناك يهمنا، ولكنْ لدينا موقف مبدئي وثابت حول التسوية الفلسطينية، فنحن نلتزم بصرامة بكل قرارات الأمم المتحدة ونرى أنه يجب أن تطبق جميعها.
أما فيما يخص «صفقة القرن» فنحن ندعم أي صفقة تؤدي إلى السلام، ولكن علينا أن نفهم ماهيتها، فتفاصيل هذه المقترحات ضمن ما يسمى بصفقة القرن لا تزال مبهمة، والولايات المتحدة لم تقدمها بعد للرأي العام، سواء العالمي أو الأميركي الداخلي أو الشرق أوسطي أو الفلسطيني، ونحن ننطلق من ضرورة تنفيذ خطة «حل الدولتين» وإقامة الدولة الفلسطينية، وقد اقترحنا حينها إجراء مفاوضات مباشرة في موسكو بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والقيادة الفلسطينية، ولكن للأسف لم تجر هذه المفاوضات، نحن نقوم بكل شيء، لقد أجرينا عدة جلسات وعدة لقاءات بين مختلف المجموعات الفلسطينية. ونعتبر أن العامل المهم في ذلك سيكون إعادة الوحدة الفلسطينية، لأن التحدث من مواقف مختلفة يضعف الموقف الفلسطيني العام. نحن نعمل على هذه المسألة. وهذا لا يعني أبداً أننا خرجنا من هذه العملية وأنها لا تهمنا. إنها تهمنا جداً، وقبل أي شيء، لأننا نعتبر أن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني بمثابة مفتاح لحل الكثير من مشاكل المنطقة. وهذا النزاع، وإلى حين حله، يعتبر مصدراً للراديكالية والإرهاب. ذلك لأنه عندما يشعر الناس بأنهم لا يملكون سبلاً شرعية لحماية حقوقهم سيلجأون لحمل السلاح. وفي هذا المعنى، أعتقد بأن الحل النهائي والحل طويل الأمد لهذا النزاع يهم ليس فلسطين وحدها وإنما الشعب الإسرائيلي أيضاً.
*  كيف يتعامل الرئيس بوتين مع المخاوف الدولية من عودة الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، وهل بدأ العالم بالفعل سباق تسلح جديد رغم المواقف الإيجابية التي سبقت وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض؟
- كلنا نعرف ماذا وكيف يتحدث رئيس الولايات المتحدة، السيد ترمب، عن العلاقات الروسية الأميركية. نحن نعلم أنه خلال الحملة الانتخابية السابقة تحدث عن تأييده لتطبيع العلاقات، وللأسف لم يحدث ذلك بعد. لكننا لسنا هنا بصدد توجيه اللوم، لأننا نرى ما يحدث في الحياة السياسية الداخلية للولايات المتحدة. والأجندة السياسية الداخلية لا تسمح للرئيس الحالي باتخاذ خطوات لتحسين العلاقات الروسية الأميركية بشكل جذري. على أي حال سنعمل مع أي إدارة بقدر ما تريد هي ذاتها.
بالطبع، لكن لا يمكن ألا نكون قلقين إزاء الوضع المتعلق بمسألة الاستقرار الاستراتيجي والأمن الدوليين. وهذا شيء واضح تماماً.
في عام 2002 (لم يكن لترمب أي علاقة بذلك) انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع الصاروخي، والتي، أود التأكيد على ذلك مرة أخرى، كانت حجر الزاوية في نظام الأمن الاستراتيجي في العالم بأكمله، لأنها كانت تحد من إمكانيات إنشاء الدفاع الصاروخي لكلا الدولتين. وأقصد هنا، ما الفائدة من ذلك؟ الفائدة في ألا يتوهم أي من الطرفين أنه قادر على الفوز والانتصار في حرب نووية. وهذا هو بيت القصيد. لقد انسحبوا من هذا الاتفاق سعياً لتأمين تفوق ومزايا استراتيجية واضحة لأنفسهم، معتقدين أنه سيكون لديهم مثل هذه المظلة، في حين أن روسيا لن يكون لديها نظيرها. وبالتالي، ستكون روسيا معرضة للخطر وضعيفة للغاية، بينما ستحصل الولايات المتحدة وأراضيها على غطاء في شكل نظام الدفاع الصاروخي (الدرع الصاروخي).
في ذلك الحين أخبرت زملاءنا الأميركيين أننا ما زلنا لا نعرف كيف سيعمل هذا النظام، ولن ننفق عشرات المليارات على ذلك، لكن سيتعين علينا الحفاظ على التوازن الاستراتيجي، وهذا يعني أننا سنعمل على تصنيع أنظمة هجومية، تكون، بالطبع، قادرة على التغلب على أي نظام دفاع صاروخي، لقد نجحنا في ذلك، والآن أصبح الأمر واضحاً بالفعل، يعمل نظام الدفاع الصاروخي ضد الصواريخ الباليستية، أي الصواريخ التي تحلق في المسار الباليستي. ونحن، بالإضافة إلى تحسيننا هذه الصواريخ عدة مرات، صنعنا أسلحة أخرى لا يملكها أحد آخر في العالم، وهي أنظمة الصواريخ التي لا تحلق في المسارات الباليستية، بل في المسارات المسطحة، ولكن بسرعة فرط صوتية. لا أحد سوانا لديه أسلحة فرط صوتية كتلك سوانا. لكنها بالطبع ستظهر لدى الجيوش الرائدة في العالم عاجلاً أم آجلاً، وهذا شيء أكيد. لكن عندما سيحدث ذلك، سوف يظهر لدينا شيء جديد. وأنا أعرف بالفعل ما الذي يعمل عليه علماؤنا ومصممونا ومهندسونا الآن. للأسف كل ذلك أدى بطريقة أو بأخرى إلى سباق تسلح معين، هذا أمر واقع. للأسف، هذا صحيح.
والآن، انسحبت الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة من معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وهذه أيضاً، في رأيي، خطوة خاطئة، كان من الممكن اتخاذها بطريقة مختلفة. في الواقع، مخاوف الولايات المتحدة، بالمناسبة، مفهومة بالنسبة لنا. وأنا أتفهم ذلك. فهناك بلدان أخرى تعمل على تطوير هذه الأنواع من الأسلحة، في حين وضعت روسيا والولايات المتحدة على نفسها قيوداً في هذا المجال. لكن مع ذلك، في رأيي، لا يزال الأمر لا يستحق خرق الاتفاق، إذ كانت هناك بدائل أخرى متاحة لتطور هذا الوضع.
الآن عملياً يتبقى لدينا الأداة الأخيرة للحد من سباق التسلح، وأقصد سباق التسلح الجاد الخطير، وهي معاهدة «ستارت 3». أي معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، التي تشمل جميع هذه الأسلحة، بمعنى الثالوث النووي بالكامل: أنظمة الصواريخ التي تُطلق من البر والبحر والجو. ينتهي سريان المعاهدة في عام 2021. ولكي يتم تمديدها، نحتاج إلى العمل الآن مباشرة. نحن قدمنا مقترحاتنا في هذا الشأن، وهي مطروحة على الطاولة أمام الإدارة الأميركية. لكن لا يوجد رد. نحن نتفهم أنهم لم يقرروا بعد ما إذا كان من الضروري تمديد هذه المعاهدة من عدمه. لكن إذا تم التخلص من هذه المعاهدة أيضاً، فلن يبقى شيء في العالم ينظم مسألة الحد من الأسلحة الهجومية، وهذا أمر سيئ. فالوضع في العالم سيصبح مختلفاً. سيكون بالتأكيد أكثر خطورة، وسيصبح العالم ذاته حينها أكثر خطورة وأقل قابلية للتنبؤ به مقارنة بالعالم الذي نعيش فيه الآن.
* هل يمكن فهم إجابة الرئيس بوتين بأن حرب التسلح قد عادت بالفعل؟ وأننا أصبحنا في حرب باردة أم على وشك، ربما؟
- لا نود أن يحدث ذلك. لكن على أي حال، سيؤثر هذا على روسيا في الحد الأدنى، لأن لدينا، كما سبق وذكرت، أنواعاً واعدة من الأسلحة التي تعتبر حصرية بالمطلق، وليس لها مثيل لدى أحد في العالم. فنحن قد قطعنا شوطاً كبيراً في طريقنا، بهذا المعنى، بالفعل. والآن نحن نفكر في الآفاق القادمة، ونعمل بهدوء.
والأهم من ذلك، ما ينفق على الدفاع. لن أذيع هنا أي سر، أو ربما سأفاجئكم، إذا قلت إن روسيا تحتل المرتبة السابعة في العالم من حيث الإنفاق العسكري، في حين تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الثالثة بعد الولايات المتحدة. بحسب علمي، الولايات المتحدة تنفق سنوياً 716 مليار دولار، وقد طلبوا هناك زيادة هذا الرقم العام المقبل إلى 750. تأتي بعدها الصين بنحو 177 مليار وكسور، ثم المملكة العربية السعودية، ولا أعرف على وجه الدقة كم المبلغ، حسب ما أتذكر يبلغ إنفاقكم 59 ملياراً، ثم بريطانيا وفرنسا واليابان، والتي يبلغ الإنفاق لدى كل منها 48.1 مليار وفقاً للبيانات المتوفرة لدينا، ثم تأتي روسيا بعد ذلك فقط في المركز السابع بـ48 مليار دولار. لكن مع ذلك، لدينا في الوقت ذاته أسلحة لا مثيل لها في العالم.
وهذه هي نتيجة ماذا؟ هي نتيجة العمل المركّز في المجالات الأكثر أهمية (علينا هنا أن نثني على خبرائنا ومتخصصينا)، وهي القدرة على تحديد هذه المجالات، وتركيز الموارد فيها، وفي المقام الأول وجود المدارس بوجه عام، والمدارس العلمية ومدارس الإنتاج والمعارف الأساسية والكفاءات.
لذلك، أقول إن سباق التسلح هو شيء سيئ، وهو لا يبشر بالخير بالنسبة للعالم، لكننا لن ننجر أو نتورط في نفقات باهظة بالنسبة لميزانيتنا.
* رغم ذلك حلف شمال الأطلسي أصبح أكثر اتساعاً. هل تشعرون بالتهديد؟ وكيف سيكون الرد الروسي؟
- بالطبع نشعر بهذا التهديد. وكنا دائماً نشعر به، وتحدثنا عن ذلك باستمرار. وكانوا يجيبوننا طوال الوقت: «لا تخافوا، فهذا ليس ضدكم، ولا وجود لأي تخوف هنا، لأن الـ(ناتو) يتحول وهو لم يعد منظمة عسكرية ولا يحمل صفة عدوانية» وما إلى ذلك، ولكن لم يغير ميثاق الـ«ناتو». فهناك مادة فيه تتحدث (لا أذكر، المادة الخامسة، أو غيرها، يمكن أن أخطئ) عن الدعم العسكري لأعضاء منظمتهم وغيرها من المسائل، إنه حلف عسكري، وبالطبع عندما تقترب البنى التحتية لحلف عسكري من حدودنا فهذا لا يولد لدينا أي سرور.
وأين تكمن الخدعة هنا؟ إنها تكمن في أن الـ«ناتو» مجرد أداة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأظن أنه لم يعد لدى أي أحد شك في ذلك، ففي أوروبا يتحدثون عن ذلك. اسمعوا ما يقوله الرئيس الفرنسي، ولا أحتاج أن أضيف على ذلك أي شيء. وما الخدعة الأخرى التي نلاحظها؟ تدخل الدول في الـ«ناتو»، وبعدها لا يسألها أحد عندما ينشرون أنواعاً محددة من أسلحتهم فيها. وهكذا ظهرت عناصر منظومة الدفاع الصاروخي في رومانيا. وقريباً ستنشر في بولندا. وهذا قريب جداً من حدودنا. وبالطبع يشكل ذلك تهديداً بالنسبة لنا، لأنها تعتبر محاولة للحد من قدرتنا النووية الاستراتيجية. ولكن أصبح واضحاً أن هذه المحاولة ستفشل حتماً، وأظن أن ذلك أصبح واضحاً للمختصين أيضاً، فامتلاك مثل هذه المنظومات التي تحدثت عنها لتوي (ولن أذكر قدراتها الآن) لا يشكل تهديداً لنا، ومع ذلك فالأمر ليس بالجيد. لذا، نعم، نحن نشعر بأن هذا النشاط التخريبي يزعزع الأوضاع ولا شيء جيد في ذلك.



السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
TT

السعودية تدين بشدة هجمات «قوات الدعم السريع» في كردفان

عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)
عناصر من «قوات الدعم السريع» في شرق دارفور (لقطة من فيديو)

أعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية التي شنتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وعلى حافلة تقلّ نازحين مدنيين؛ ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين العزَّل، من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية في ولايتَي شمال وجنوب كردفان بالسودان.

وأكدت السعودية، في بيان لوزارة خارجيتها، السبت، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، وتشكل انتهاكات صارخة لجميع الأعراف الإنسانية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وطالبت بضرورة توقُّف «قوات الدعم السريع» فوراً عن هذه الانتهاكات، والالتزام بواجبها الأخلاقي والإنساني في تأمين وصول المساعدات الإغاثية لمحتاجيها، وفقاً للقوانين الدولية والإنسانية، وما ورد في «إعلان جدة» (الالتزام بحماية المدنيين في السودان)، الموقَّع بتاريخ 11 مايو (أيار) 2023.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية، ورفضها للتدخلات الخارجية، واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، على الرغم من تأكيد هذه الأطراف على دعمها للحل السياسي، في سلوك يُعد عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الصراع ويزيد من استمرار معاناة شعب السودان.

وقُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جرّاء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».


معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
TT

معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)
يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)

في واحد من أكبر التجمعات الدفاعية العالمية، تستعرض شركات الصناعات الدفاعية والعسكرية أحدث ما توصلت إليه من تقنيات ومنظومات متقدمة، وذلك في معرض الدفاع العالمي 2026، الذي ينطلق غداً في العاصمة السعودية الرياض، وسط مساعٍ سعودية متسارعة لرفع نسبة توطين الصناعات العسكرية، وبناء سلاسل إمداد محلية متكاملة.

وتُعقد النسخة الثالثة من المعرض تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وبتنظيم الهيئة العامة للصناعات العسكرية، وذلك خلال الفترة من 8 إلى 12 فبراير (شباط) 2026، في الرياض، بمشاركة وفود رسمية وجهات حكومية وشركات دولية متخصصة في قطاعَي الدفاع والأمن، التي يُنتظر أن تشهد تعزيز شراكات نوعية مع كبرى الشركات العالمية، بما ينسجم مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي أسهمت خلال الأعوام الماضية في تأسيس قطاع دفاعي وطني متكامل بمختلف جوانبه الصناعية والتقنية والتشغيلية.

وقال محافظ الهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية، رئيس اللجنة الإشرافية للمعرض، المهندس أحمد العوهلي، إن النسخة الثالثة من المعرض تعكس التزام المملكة بالابتكار والتوطين، وتطوير منظومة دفاعية متكاملة، عبر منصات تجمع الجهات الحكومية مع الشركاء الدوليين، لافتاً إلى أن المعرض يقدم برنامجاً موسعاً يشمل عروضاً جوية وبرية حية، وعروضاً ثابتة، إلى جانب مناطق مستحدثة، بما يعزز فرص الشراكة والتكامل بين الجهات الحكومية وكبرى الشركات الوطنية والعالمية العاملة في قطاع الصناعات الدفاعية.

وبيّن أن المعرض يُسهم في دعم الجهود الرامية إلى توطين أكثر من 50 في المائة من الإنفاق العسكري، وفق مستهدفات «رؤية 2030»، بالإضافة إلى رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة في المجال الدفاعي.

جانب من نسخة سابقة لمعرض الدفاع العالمي (الشرق الأوسط)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لمعرض الدفاع العالمي، آندرو بيرسي، أن النسخة الثالثة ستشهد برنامجاً متكاملاً يبدأ ببرنامج الوفود الرسمية الذي يربط كبار المسؤولين بالمستثمرين وقادة الصناعة من مختلف دول العالم، بما يدعم مسار التعاون الصناعي والتقني الدولي، ويعزّز موقع المملكة ضمن منظومة صناعة الدفاع العالمية.

وأشار بيرسي إلى أن «مختبر صناعة الدفاع» سيستعرض التقنيات الناشئة والأبحاث التطبيقية، فيما تبرز «منطقة الأنظمة البحرية» الأولويات المتنامية في المجال البحري، إلى جانب «منطقة سلاسل الإمداد السعودية» التي توفّر قنوات ربط مباشرة بين المُصنّعين المحليين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، والشركات العالمية، وصولاً إلى برنامج «لقاء الجهات الحكومية السعودية» الذي يتيح مناقشة القدرات ومتطلبات التشغيل وفرص الاستثمار الصناعي.

وأضاف أن المعرض يشكّل منصة دولية تجمع قادة القطاع والمبتكرين والمستثمرين، على مدى خمسة أيام من اللقاءات المهنية، وتبادل الخبرات، واستعراض أحدث القدرات الدفاعية.

ولفت إلى أن المعرض يضم مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر، مزوّداً بأربعة ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة، ستشهد حضور أحدث الطائرات العسكرية، ما يعزّز مكانة المعرض بوصفه إحدى الفعاليات الدفاعية القليلة عالمياً القادرة على استضافة عروض جوية وبرية وبحرية متكاملة على مستوى دولي.

ومن المنتظر أن يشهد معرض الدفاع العالمي 2026 مشاركات تفوق ما تحقق في النسخ السابقة، في مؤشر على النمو المتواصل في أعداد العارضين والوفود الدولية، وعلى تصاعد الاهتمام العالمي بالسوق السعودية، بوصفها إحدى أبرز منصات الصناعات الدفاعية الناشئة في العالم.

من جهة أخرى، سيشارك فريق الاستعراض الجوي التابع للقوات الجوية الكورية الجنوبية، والمعروف باسم «النسور السوداء»، في المعرض، وذلك لعرض خبراتهم في مجال الصناعات الدفاعية الكورية. وستكون هذه المشاركة الأولى للفريق في معرض دفاعي في الشرق الأوسط.

ووفقاً للقوات الجوية الكورية الجنوبية، سيتم إرسال تسع طائرات مقاتلة من طراز «T-50B» تابعة لفريق «النسور السوداء» (بما في ذلك طائرة احتياطية)، وأربع طائرات نقل من طراز «C-130» لنقل الأفراد والبضائع، بالإضافة إلى نحو 120 جندياً إلى المعرض.

Your Premium trial has ended


حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
TT

حكومة الزنداني ترى النور وسط تحديات يمنية متشابكة

مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي اليمني مجتمعاً بحضور رئيس الحكومة (سبأ)

بعد نحو 3 أسابيع من المشاورات المكثفة، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، القرار الجمهوري رقم «3» لسنة 2026، القاضي بتشكيل حكومة جديدة برئاسة شائع الزنداني، في خطوة لإعادة ترتيب المؤسسة التنفيذية في اليمن، وفتح نافذة أمل أمام الشارع اليمني المثقل بالأزمات الاقتصادية والخدمية والأمنية.

ويأتي هذا التشكيل الحكومي في ظل تحديات متشابكة ومعقدة، خصوصاً مع استمرار خطاب الانقسام الجغرافي والسياسي، وتراجع الموارد السيادية، وتآكل ثقة المواطنين بالمؤسسات، ما يجعل من حكومة الزنداني «حكومة فرصة أخيرة» لاختبار قدرة الشرعية اليمنية على الانتقال من إدارة الأزمة إلى الشروع الفعلي في التعافي.

وتضم الحكومة الجديدة 35 وزيراً، 20 منهم ينتمون إلى المحافظات الجنوبية، و15 إلى المحافظات الشمالية، وهو عدد يعكس حجم التعقيد السياسي ومحاولات استيعاب مختلف القوى، لكنه يُشير إلى استمرار معضلة تضخم الجهاز التنفيذي.

ورغم الجدل الذي أثاره بعض الناشطين السياسيين بشأن أسماء عدد من الوزراء المختارين، فإن قراءة تركيبة الحكومة تكشف عن حرص واضح على تحقيق قدر من التوازن الحزبي والجغرافي والسياسي، وذلك عقب مشاورات مطوَّلة جرت في العاصمة السعودية الرياض، هدفت إلى تخفيف حدة الاحتقان بين المكونات المنضوية تحت مظلة الشرعية.

الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني أمام تحديات أمنية واقتصادية وسياسية (سبأ)

ويبرز في هذا السياق، احتفاظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة وزارة الخارجية وشؤون المغتربين، في خطوة تعكس توجهاً لتركيز القرار الدبلوماسي والسياسي الخارجي بيد رئاسة الحكومة، بما يضمن انسجام الرسائل السياسية الموجهة للمجتمع الدولي، ويُعزز من قدرة الحكومة على حشد الدعم الخارجي.

وفيما حازت حضرموت 6 وزراء في التشكيل الحكومي الجديد، بوصفها كبرى المحافظات اليمنية من حيث المساحة، حافظ 8 وزراء على مناصبهم في التشكيلة الجديدة، وهم: معمر الإرياني وزير الإعلام، بعد فصل وزارة الثقافة والسياحة عنه في التشكيل السابق، ونايف البكري وزير الشباب والرياضة، وسالم السقطري وزير الزراعة، وإبراهيم حيدان وزير الداخلية، وتوفيق الشرجبي وزير المياه والبيئة، ومحمد الأشول وزير الصناعة والتجارة، وقاسم بحيبح وزير الصحة، وبدر العارضة وزير العدل.

وجاء التشكيل الحكومي اليمني بعد إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ نفسه في يناير (كانون الثاني) 2026، وهي خطوة مهّدت لصيغة أكثر مرونة في توزيع الحقائب، وقلّصت من حدة الاستقطاب، دون أن يعني ذلك بالضرورة نهاية التباينات العميقة داخل معسكر الشرعية، على الرغم من اختيار عدد من الوزراء، ضمن التشكيل الوزاري من المحسوبين على المجلس الانتقالي المنحل.

الحضور النسائي

ومن أبرز ملامح حكومة الزنداني عودة الحضور النسائي إلى مجلس الوزراء اليمني عبر تعيين 3 وزيرات، في سابقة لافتة بعد سنوات من الغياب شبه الكامل للمرأة عن السلطة التنفيذية. فقد جرى تعيين الدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي، والقاضية إشراق المقطري وزيرة للشؤون القانونية، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة دولة لشؤون المرأة.

ولا يقتصر هذا الحضور على بُعده الرمزي، بل يحمل رسائل سياسية متعددة، داخلياً وخارجياً؛ حيث يعكس محاولة لإعادة الاعتبار لدور المرأة اليمنية في صناعة القرار، ويبعث بإشارات إيجابية إلى المانحين والمؤسسات الدولية، التي لطالما ربطت دعمها بتعزيز الشمولية والحوكمة الرشيدة.

الوزيرة اليمنية أفراح الزوبة خلال ظهور سابق مع مسؤولين أمميين (سبأ)

وتكتسب حقيبة التخطيط والتعاون الدولي أهمية مضاعفة في هذه المرحلة، كونها بوابة الحكومة نحو المانحين، في وقت تراجعت فيه المساعدات الخارجية بأكثر من 65 في المائة، وفق تقديرات رسمية، ما يجعل من هذه الوزارة محوراً رئيسياً في أي مسار تعافٍ اقتصادي محتمل.

كما تقلّدت القاضية إشراق المقطري منصب وزيرة الشؤون القانونية، وهي تمتلك مسيرة حافلة؛ فهي قاضية وعضو سابق في اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان؛ حيث عرفت بجرأتها في توثيق ملفات الحرب، ولها باعٌ طويل في العمل المدني والحقوقي، ما يجعلها صوتاً موثوقاً لدى المنظمات الدولية؛ حيث تُركز سيرتها المهنية على تعزيز سيادة القانون، وحماية حقوق الفئات المستضعفة، وإصلاح المنظومة العدلية.

في السياق نفسه، تعد وزيرة شؤون المرأة عهد جعسوس وجهاً نسائياً بارزاً، وهي معروفة بنشاطها المكثف في منظمات المجتمع المدني؛ حيث تركزت جهودها على قضايا النوع الاجتماعي وحماية حقوق النساء والأطفال.

تحديات كبيرة

وترث حكومة الزنداني وضعاً اقتصادياً بالغ الصعوبة، يتمثل في تدهور قيمة العملة الوطنية (الريال اليمني)، واضطراب انتظام صرف الرواتب، وتوقف صادرات النفط التي تُمثل الشريان الرئيسي للإيرادات العامة، نتيجة الهجمات الحوثية على مواني التصدير.

ويُمثل تحسين الوضع المعيشي للمواطنين التحدي الأكثر إلحاحاً، في ظل ارتفاع معدلات الفقر، وتآكل القدرة الشرائية، وتنامي حالة السخط الشعبي، خصوصاً في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، التي تعاني أزمات مزمنة في الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.

اليمن يحصل على دعم سعودي واسع لا سيما في مجال الطاقة والخدمات (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

وفي هذا السياق، تضع الحكومة الجديدة ضمن أولوياتها حوكمة المنح الخارجية، وعلى رأسها المنحة السعودية للوقود، وضبط ملف «الطاقة المشتراة»، الذي يُعد من أكثر الملفات إثارة للجدل والاتهامات بالفساد.

ويُنظر إلى وزارة الكهرباء والطاقة بوصفها إحدى الوزارات الحيوية، التي سيقاس على أدائها مدى جدية الحكومة في مكافحة الهدر والفساد.

وعلى الصعيد السيادي، لا تزال الحكومة تعمل في ظل واقع منقوص، مع استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على العاصمة صنعاء، ومفاصل إدارية وتقنية حساسة، بما في ذلك بنية الاتصالات، وتهديها للأجواء ومنشآت تصدير النفط، كما يبرز التحدي عن مدى قدرة هذه الحكومة على العمل من الداخل وتجاوز التصعيد الذي لا يزال يقوده بعض أتباع المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، سواء في عدن أو غيرها من المحافظات المحررة.

ويؤكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزامه بدعم الحكومة في تنفيذ برنامج إصلاحات شامل، يهدف إلى تعزيز العمل من الداخل، وتفعيل مؤسسات الدولة في عدن، ورفع مستوى التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، بما يُعزز ثقة المجتمع الدولي.

وفي الاجتماع الذي عقده مجلس القيادة الرئاسي، بحضور رئيس الوزراء، أشاد المجلس بالتحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية، واستقرار سعر الصرف، وصرف الرواتب، عادّاً ذلك مؤشراً أولياً على إمكانية تحقيق اختراقات ملموسة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والدعم اللازم.

وعود ورهانات

في أول تصريح له عقب تشكيل الحكومة، أكد رئيس الوزراء، شائع الزنداني، التزام حكومته بالعمل بروح الفريق الواحد، والتركيز على تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية، ومكافحة الفساد، وتطوير الأداء المؤسسي، مع تعزيز الشراكات مع الأشقاء والأصدقاء.

كما شدد على أهمية القرب من المواطنين، وتحسس معاناتهم، وهو خطاب يعكس إدراكاً لحساسية المرحلة، لكنه يضع الحكومة أمام اختبار صعب، يتمثل في تحويل هذا الخطاب إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وأشاد الزنداني بالدعم السعودي، واصفاً إياه بالركيزة الأساسية لصمود الحكومة، في ظل شح الموارد وتراجع الدعم الدولي، وهو ما يعكس استمرار الرهان على التحالف الإقليمي، بوصفه الضامن الرئيسي لاستقرار مؤسسات الشرعية.

وإذ ينتظر اليمنيون، ومعهم المجتمع الدولي أن تكون هذه الحكومة مختلفة كلياً، يتطلع الشارع اليمني إلى تحقيق إنجازات سريعة في الملفات الخدمية والاقتصادية، وترسيخ العمل من الداخل، ومكافحة الفساد، وبناء نموذج دولة قادر على استعادة ثقة المواطن، وقبل ذلك حسم استعادة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة للحوثيين.